موسوعة التفسير

سورةُ يس
الآيات (1-12)

ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ

غَريبُ الكَلِماتِ:


صِرَاطٍ: أي: طريقٍ واضحٍ واسعٍ سهلٍ، قيل: أصلُ الصَّادِ فيه سينٌ؛ مِن قولِهم: سرطْتُ الطَّعامَ؛ إذا أسرعتَ بلعَه [5] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 38)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 310)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/349)، ((الوجوه والنظائر)) لأبي هلال العسكري (ص: 286)، ((المفردات)) للراغب (ص:407، 483)، ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/193)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/91). .
حَقَّ الْقَوْلُ: أي: وجَب العذابُ، وأصلُ (حقق): يدُلُّ على إحكامِ الشَّيءِ، وصِحَّتِه [6] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363)، ((تفسير ابن جرير)) (18/606)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/15)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 313)، ((تفسير القرطبي)) (15/7). .
أَغْلَالًا: أي: سَلاسِلَ، جَمْعُ غُلٍّ، وهو طَوقٌ تُشَدُّ به اليدُ إلى العُنُقِ، وأصلُ (غلل): يدُلُّ على إحاطةٍ وثَباتٍ [7] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/375)، ((المفردات)) للراغب (ص: 610)، ((تفسير القرطبي)) (9/284)، ((تفسير ابن كثير)) (6/520). .
مُقْمَحُونَ: أي: مَرفوعو الرُّؤوسِ [8] قال العُلَيمي: (لأنَّ مَن غُلَّت يدُه إلى ذَقَنِه، ارتفَع رأسُه). ((تفسير العليمي)) (5/469). وقال ابن جُزَي: (والمعنى: أنَّهم لَمَّا اشتدَّتِ الأغلالُ حتَّى وصلتْ إلى أذقانِهم، اضطُرَّتْ رؤوسُهم إلى الارتفاعِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/180). مع غضِّ الأبصارِ، مِن قَولِهم: بعيرٌ قامِحٌ: وهو الرَّافِعُ رأسَه مِن الإبِلِ عندَ الشُّربِ؛ امتِناعًا منه، والإقْماحُ: رفْعُ الرَّأْسِ وغَضُّ البصَرِ [9] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 447)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/24)، ((البسيط)) للواحدي (18/457)، ((المفردات)) للراغب (ص: 683)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (4/106). .
فَأَغْشَيْنَاهُمْ: أي: أعمَيْناهم، وغَطَّيْنا أبصارَهم، وأصلُ (غشي): يدُلُّ على تغطيةِ شَيءٍ بشَيءٍ [10] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/425)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 313)، ((تفسير القرطبي)) (15/10). .
وَآَثَارَهُمْ: أي: خُطاهم، وما استُنَّ به بَعْدَهم مِن سُنَنِهم، وأصلُ (أثر): يدُلُّ على رَسمِ الشَّيءِ الباقي [11] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 364)، ((تفسير ابن جرير)) (19/409)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/53)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 313)، ((تفسير ابن كثير)) (6/566). .
أحْصَيْنَاهُ: أي: أثْبَتْناه وكَتَبْناه، والإحصاءُ: التَّحصيلُ بالعددِ، مِن لفظِ الحصى، واستِعمالُ ذلك فيه مِن حيثُ إنَّهم كانوا يَعتمِدونَه بالعدِّ، وأصلُه هنا: العَدُّ والإطاقةُ [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/36)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/70)، ((المفردات)) للراغب (ص: 240)، ((تفسير الرسعني)) (8/454). .
إِمَامٍ مُبِينٍ: أي: اللَّوحِ المحفوظِ، والإمامُ: الكِتابُ، وأصلُ (أمم): يدُلُّ على الأصلِ والمرجِعِ، وسُمِّي اللَّوحُ المحفوظُ بذلك لِكَونِه أصلَ كلِّ ما كُتِب مِن كُتُبٍ وصُحُفٍ، وأصلُ (بين): انكِشافُ الشَّيءِ، يُقالُ: بانَ الشَّيءُ وأبانَ، إذا اتَّضَح وانكشَف [13] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/412)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21، 328)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((تفسير ابن كثير)) (6/568)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 186). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلَ: بالنَّصبِ على المصدَرِ، مَفعولٌ مُطلَقٌ لفِعلٍ محذوفٍ، على معنى: نزَّل اللهُ ذلك تنزيلًا مِن العزيزِ الرَّحيمِ، ثمَّ أُضيفَ المصدَرُ إلى فاعِلِه فصار معرفةً، كما قال تعالى: فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد: 4]، أو هو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: أعني، أو أمدَحُ. وقُرئَ بالرَّفعِ [14] قرأ ابنُ عامرٍ وحفصٌ وحمزةُ والكِسائيُّ وخلَفٌ بنصبِ اللَّامِ. وقرأ الباقون بالرَّفعِ. يُنظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد (ص: 539)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/353)، ((إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر)) للبناء (ص: 465). على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو تنزيلُ [15] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (18/451)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1078)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/246). .
قَولُه تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
وَكُلَّ: مفعولٌ به لفِعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعدَه، أي: وأحْصَيْنا كلَّ شيءٍ أحْصَيناه [16] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/796)، ((إعراب القرآن)) للدعاس (3/89). .

المعنى الإجماليُّ:


ابتدأ اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ بقَولِه: يس، وهو من الحُروفِ المُقَطَّعةِ الَّتي افتُتِحَت بها بعضُ السُّوَرِ القُرآنيَّةِ؛ للإشارةِ إلى إعجازِ القُرآنِ الكريمِ، ثمَّ أقسَمَ تعالى بالقُرآنِ الحَكيمِ أنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن رُسُلِ اللهِ، وأنَّه على طريقٍ مُستقيمٍ يُوصِلُ إلى اللهِ تعالى، وأنَّ هذا القُرآنَ تَنزيلٌ مِن اللهِ العزيزِ الرَّحيمِ؛ لِيُنذِرَ به مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قومًا لم يُنذَرْ آباؤُهم مِن قَبْلِه؛ فهم غافِلونَ عن الحَقِّ.
لكنْ مِن هؤلاء الَّذين بُعِث فيهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لإنذارِهم مَن ردَّ دعوتَه، ولم يَقبَلْ النِّذارةَ، وهم الَّذين يقولُ الله فيهم: لقد وجَبَ عذابُ اللهِ على أكثَرِ مُشرِكي العَرَبِ، فهم لا يُؤمِنونَ حتَّى يأتيَهم الموتُ، فإنَّا جعَلْنا في أعناقِهم قُيودًا فهي واصِلةٌ إلى أذقانِهم، فهم مرفوعةٌ رُؤوسُهم لا يستطيعونَ خَفْضَها، وجعَلْنا مِن بيْنِ أيديهم حاجِزًا ومِن خَلفِهم حاجِزًا، فجعَلْنا على أبصارِهم غِشاوةً وأغطيةً، فلا يَرونَ شَيئًا، وإنذارُك وعدَمُه عندَهم سواءٌ، فهم لا يُؤمِنونَ بالحَقِّ الَّذي جِئتَهم به -يا محمَّدُ-!
ثمَّ يُبيِّنُ الله تعالى مَن هم أهلٌ للتَّذكيرِ، فيقولُ: إنَّما تُنذِرُ إنذارًا نافِعًا مَنِ اتَّبَع القُرآنَ، وخاف اللهَ بالغَيبِ؛ فبَشِّرْ هذا الصِّنفَ مِن النَّاسِ بمَغفرةٍ عَظيمةٍ وثَوابٍ حَسَنٍ.
ثمَّ يؤكِّدُ الله سبحانَه أنَّ البعثَ حقٌّ، وأنَّ الجزاءَ حقٌّ، فيقولُ: إنَّا نحن نَبعَثُ الموتَى يومَ القيامةِ؛ لكي نُحاسِبَهم على أعمالِهم، ونكتُبُ أعمالَهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، وآثارَهم الَّتي تَرَكوها بعدَ مَوتِهم، سواءٌ أكانت صالِحةً أمْ غيرَ صالحةٍ، وكُلَّ شَيءٍ أثبَتْناه في كتابٍ موضِّحٍ لكلِّ شيءٍ، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.

تَفسيرُ الآياتِ:


يس (1).
هذه الحروفُ المقطَّعةُ التي افتُتِحَتْ بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن معارضتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها [17] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/206)، ((تفسير ابن عُثيمين- الفاتحة والبقرة)) (1/24). قال الشوكاني: (واختُلِف في معنى هذه اللَّفظةِ؛ فقيل: معناها: يا رجُلُ، أو يا إنسانُ... وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وغَيرُه: هو اسمٌ مِن أسماء محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ دليلُه: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ... قال الواحديُّ: قال ابنُ عبَّاسٍ والمفَسِّرون: يريدُ: يا إنسانُ -يعني: محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: معناه: يا سيِّدَ البَشَرِ. وقال مالكٌ: هو اسمٌ مِن أسماءِ الله تعالى، رَوى ذلك عنه أشهَبُ. وحكى أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميُّ عن جعفرٍ الصَّادِقِ أنَّ معناه: يا سَيِّدُ. وقال كعبٌ: هو قَسَمٌ أقسَمَ اللهُ به). ((تفسير الشوكاني)) (4/412). ويُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/509). وقال ابنُ القيِّم: (الصَّحيحُ أنَّ يس بمنزلةِ حم والم، ليست اسمًا مِن أسماءِ النَّبيِّ). ((التبيان في أقسام القرآن)) (ص: 426). وقال أيضًا: (أمَّا ما يَذكُرُه العوامُّ أنَّ يس وطه مِن أسماءِ النَّبيِّ، فغيرُ صَحيحٍ؛ ليس ذلك في حديثٍ صَحيحٍ ولا حَسَنٍ ولا مُرسَلٍ، ولا أثَرٍ عن صاحِبٍ، وإنَّما هذه الحروفُ مِثلُ: الم وحم والر ونحوِها). ((تحفة المودود)) (ص: 127). ونسَبَه الزَّجَّاجُ إلى أهلِ العربيَّةِ. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/277). وقال الشنقيطي: (قولُه تعالَى: يس التَّحقيقُ أنَّه مِن جملةِ الحروفِ المُقَطَّعةِ في أوائلِ السُّورِ). ((أضواء البيان)) (6/286). .
وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2).
أي: أُقسِمُ بالقُرآنِ ذي الحكمةِ، المحكَمِ المتقَنِ، فلا اختِلافَ فيه ولا خَللَ، ولا يَأتيه الباطلُ مِن بينِ يَدَيْه ولا مِن خَلفِه، الحاكمِ الَّذي يجبُ الرُّجوعُ إليه [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/399)، ((تفسير القرطبي)) (15/5)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/345)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 10-12). قال أبو حيان: (الحكيم: إمَّا فعيلٌ بمعنى مُفعَلٍ...، وإمَّا للمُبالَغةِ مِن حاكمٍ، وإمَّا على معنَى السَّببِ، أي: ذي حكمةٍ). ((تفسير أبي حيان)) (9/48). ممَّن اختار أنَّ الحكيمَ بمعنى المُحكَمِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والواحديُّ، ومكِّي، والقرطبي، وابنُ كثيرٍ، وجلالُ الدين المحلي، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/573)، ((تفسير ابن جرير)) (19/399)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 896)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/6000)، ((تفسير القرطبي)) (15/5)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 578)، ((تفسير العليمي)) (5/466). وممَّن اختار أنَّ معنى الحكيمِ: ذو الحكمةِ: الخازنُ، والإيجي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير الخازن)) (4/3)، ((تفسير الإيجي)) (3/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692). قال السعدي: (الحكيمُ الَّذي وَصْفُه الحِكمةُ، وهي وَضْعُ كلِّ شَيءٍ مَوضِعَه؛ وضْعُ الأمرِ والنَّهيِ في الموضِعِ اللَّائقِ بهما، ووضْعُ الجزاءِ بالخَيرِ والشَّرِّ في مَحلِّهِما اللَّائقِ بهما؛ فأحكامُه الشَّرعيَّةُ والجزائيَّةُ كُلُّها مُشتَمِلةٌ على غايةِ الحِكمةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 692). وقال الزمخشري: (الْحَكِيمِ: ذي الحِكمةِ، أو: لأنَّه دليلٌ ناطِقٌ بالحِكمةِ، كالحَيِّ، أو لأنَّه كلامُ حَكيمٍ، فوُصِفَ بصِفةِ المتكِلِّمِ به). ((تفسير الزمخشري)) (4/3). وعلى القَولِ بأنَّه بمعنى حاكمٍ، فالمرادُ أنَّ القرآنَ حاكِمٌ على جميعِ الكُتُبِ الَّتي أنزلها اللهُ تعالى مِن قَبْلُ، يُميِّزُ صحيحَها مِن مُحَرَّفِها، مِثلُ قَولِه تعالى: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48]، وقَولِه تعالى: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: 213]. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/115)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/82). وقال ابنُ عُثيمين: (فالقُرآنُ حَكيمٌ بكُلِّ مَعنى الحِكمةِ، وبكُلِّ معنى الإحكامِ، وبكُلِّ معنى الحُكمِ... ذو حِكمةٍ، ومُحكِمٌ، ومُحكَمٌ، وحاكِمٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 11، 12). .
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3).
أي: إنَّك -يا محمَّدُ- لَمِن جُملةِ المُرسلينَ إلى عبادِ اللهِ بوَحْيِه [19] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/399)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692). .
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4).
أي: على طَريقِ الهُدى المُستقيمِ الَّذي لا اعوِجاجَ فيه، الموصِلِ إلى اللهِ وإلى جنَّتِه [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/400)، ((تفسير القرطبي)) (15/5)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 427)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/346). .
كما قال تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: 43].
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعْدَ أنِ اسْتَوفَى القَسَمُ جَوابَه؛ رجَعَ الكلامُ إلى بعضِ المقصودِ مِن القسَمِ، وهو تَشريفُ المُقسَمِ به، فوُسِمَ بأنَّه [21] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/346). :
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5).
أي: نَزَّل اللهُ تعالى هذا القُرآنَ تَنزيلًا مِن ذي القَدْرِ العظيمِ، الغالبِ الَّذي لا يُغلَبُ، المُمتنِعِ مِن أنْ يَنالَه سوءٌ، ومِن عِزَّتِه الانتِقامُ ممَّن كَفَر بالحَقِّ، الرَّحيمِ بمَنْ آمَنَ به واتَّبَعه [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/401)، ((البسيط)) للواحدي (18/451)، ((تفسير القرطبي)) (15/6)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/346)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 17). .
لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أقسَمَ تعالى على رسالةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وأقام الأدِلَّةَ عليها؛ ذكَرَ شِدَّةَ الحاجةِ إليها، واقتِضاءَ الضَّرورةِ لها [23] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 692). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ المُرسَلَ والمُرسَلَ به والمُرسِلَ؛ ذكَرَ المُرسَلَ له، فقال [24] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/94). :
لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6).
أي: أُنزِلَ القُرآنُ لِتُنذِرَ -يا محمَّدُ- القَومَ [25] قال ابنُ عاشور: (القومُ المَوصوفون بأنَّهم لم تُنذَرْ آباؤُهم: إمَّا العَرَبُ العَدْنانيُّون؛ فإنَّهم مَضَت قرونٌ لم يأتِهم فيها نذيرٌ، ومضَى آباؤُهم لم يَسمَعوا نذيرًا، وإنَّما يُبتدأُ عَدُّ آبائِهم مِن جَدِّهم الأعلى في عمودِ نَسَبِهم الَّذي تميَّزوا به جِذْمًا وهو عَدْنانُ، لأنَّه جِذْمُ -أي: أصلُ- العرَبِ المُستَعرِبةِ، أو أُريدَ أهلُ مكَّةَ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/348). وقال إسماعيل حقي: (المعنى: لِتُنذِرَ قَومًا لم يُنذَرْ آباؤهم الأقرَبون؛ لِتَطاوُلِ مُدَّةِ الفَترةِ، ولم يَكونوا مِن أهلِ الكتابِ... فآباؤهم الأقدَمون أتاهم النَّذيرُ لا مَحالةَ، بخِلافِ آبائِهم الأدنَينَ، وهم قُريشٌ، فيَكونُ ذلك بمعنى قَولِه: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: 68]). ((روح البيان)) (7/368). وقال الرازي: (معنى قَولِه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ أي: ما أُنذِروا بعدَما ضَلُّوا عن طريقِ الرَّسولِ المتقَدِّمِ، واليهودُ والنَّصارى دخَلوا فيه؛ لأنَّهم لم تُنذَرْ آباؤهم الأدنَونَ بعدما ضَلُّوا، فهذا دليلٌ على كَونِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم مَبعوثًا بالحَقِّ إلى الخَلقِ كافَّةً). ((تفسير الرازي)) (26/253). وقال السمعاني: (قَولُه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فيه قولانِ؛ أحدُهما: أنَّ «ما» للنَّفيِ، والمعنى: لم يُنذَرْ آباؤهم أصلًا؛ فإنَّ الله تعالى ما بَعَث إلى قُرَيشٍ سِوى النَّبيِّ. والقَولُ الثَّاني: أنَّ «ما» هاهنا بمعنى الَّذي، فمعنى الآيةِ على هذا: لِتُنذِرَ قَومًا بالَّذي أُنذِرَ آباؤُهم). ((تفسير السمعاني)) (4/367). ممَّن اختار القولَ الأوَّلَ -أنَّ (ما) نافيةٌ-: الأخفشُ، والزَّجَّاجُ، والثعلبيُّ، والبغوي، والخازن، وابن جُزَي، وابن كثير، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي، وذكَر الواحديُّ أنَّه قولُ عامَّةِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/488)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/278)، ((تفسير الثعلبي)) (8/121)، ((تفسير البغوي)) (4/5)، ((تفسير الخازن)) (4/3)، ((تفسير ابن جزي)) (2/179)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير الشوكاني)) (4/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/286)، ((البسيط)) للواحدي (18/452). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ: السمرقنديُّ، ونسَبَه الواحديُّ لِمُقاتلٍ. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/116)، ((البسيط)) للواحدي (18/452). قال ابنُ عطيَّة: (اختلَف المفسِّرون في قولِه: مَا أُنْذِرَ؛ فقال عِكْرِمةُ: «ما» بمعنى: الَّذي، والتَّقديرُ: الشَّيءُ الَّذي أُنذِرَه الآباءُ مِن النَّارِ والعذابِ. ويَحتملُ أن تكونَ «ما» مصدريَّةً على هذا القولِ مِن أنَّ الآباءَ أُنذِروا. فالآباءُ على هذا كلِّه هم الأقْدَمون على مَرِّ الدُّهورِ، وقولُه تعالى: فَهُمْ مع هذا التَّأويلِ بمعنى: فإنَّهم، دخلَتِ الفاءُ لقطعِ الجُملةِ مِن الجملةِ. وقال قَتادةُ: «ما» نافيةٌ، أي: أنَّ آباءَهم لم يُنذَروا، فالآباءُ على هذا هم القريبون منهم، وهذه الآيةُ كقولِه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: 44]، وهذه النِّذارةُ المنفيَّةُ هي نِذارةُ المباشَرةِ والأمرِ والنَّهيِ، وإلَّا فدَعوةُ الله تعالى مِن الأرضِ لم تَنقَطِعْ قَطُّ. وقولُه فَهُمْ على هذا: الفاءُ منه واصلةٌ بيْنَ الجُملتَينِ، ورابطةٌ للثَّانيةِ بالأُولى). ((تفسير ابن عطية)) (4/446). الَّذينَ لم يُنذَرْ آباؤُهم برَسولٍ مِن قَبْلِك؛ فهم لذلك غافِلونَ عن الحَقِّ [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/401)، ((الوسيط)) للواحدي (3/509)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/348)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/286)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 21). جملةُ: فَهُمْ غَافِلُونَ على القول بأنَّ (ما) نافيةٌ فالجملةُ متعلِّقةٌ بالنَّفيِ، أى: لم يُنذَروا فهم غافِلون، على أنَّ عدَمَ إنذارِهم هو سببُ غفلتِهم. وعلى القولِ الثَّاني في (ما) فالجملةُ متعلِّقةٌ بقوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لِتُنْذِرَ، كما تقولُ: أرسَلْتُك إلى فُلانٍ لِتُنذِرَه؛ فإنَّه غافل، أو فهو غافلٌ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/4). .
كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: 46].
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7).
أي: لقد وَجَب عذابُ اللهِ على أكثَرِ مُشرِكي العَرَبِ الَّذين سبَقَ في عِلمِ اللهِ أنَّهم لا يَهتَدونَ، فأكثَرُهم مُستَمِرُّونَ على الإصرارِ على كُفرِهم حتَّى يأتيَهم الموتُ وهم على ذلك [27] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/402)، ((تفسير ابن عطية)) (4/446)، ((تفسير القرطبي)) (15/7)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير الشوكاني)) (4/413، 414)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 24، 25). قال السعدي: (إنَّما حَقَّ عليهم القَولُ بعدَ أن عَرَض عليهم الحقَّ فرفَضوه؛ فحينَئذٍ عُوقِبوا بالطَّبعِ على قُلوبِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 692). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: 96، 97].
وقال سُبحانَه: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13].
إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8).
أي: إنَّا جعَلْنا في أعناقِهم قُيودًا تَبلُغُ أذقانَهم [28] قال الماوَرْديُّ: (وفي قَولِه: فِي أَعْنَاقِهِمْ قَولانِ؛ أحدُهما: في أيديهم؛ فكنَّى بالأعناقِ عن الأيدي؛ لأنَّ الغُلَّ يكونُ في الأيدي. قاله الكلبيُّ، ... الثَّاني: أنَّها في الأعناقِ حَقيقةً؛ لأنَّ الأيديَ تُجمَعُ في الغُلِّ إلى الأعناقِ. قاله ابنُ عبَّاسٍ). ((تفسير الماوردي)) (5/7). ممَّن اختار الثانيَ، وهو أنَّ المرادَ: أنَّ الأيديَ مجموعةٌ بالقَيدِ مع الأعناقِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والواحديُّ، والسمعاني، وابنُ كثير، وجلال الدين المحلي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/574)، ((تفسير ابن جرير)) (19/403)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 897)، ((تفسير السمعاني)) (4/367)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563، 564)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 579)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). وممَّن قال بهذا القَولِ مِن السَّلَفِ: ابنُ عبَّاسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/404). قال ابن كثير: (لَمَّا كان الغُلُّ إنَّما يُعْرَفُ فيما جَمَع اليدَيْنِ مع العُنُقِ، اكتَفى بذِكْرِ العُنُقِ عن اليَدَيْنِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/564). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/403). وقال ابنُ عطيَّة: (وقولُه تعالى: فَهِيَ يحتملُ أن يعودَ على الأغلالِ، أي: هي عريضةٌ تَبلُغُ بحَرفِها الأذْقانَ، والذَّقَنُ مجتمعُ اللَّحْيَيْنِ، فيُضْطَرُّ المغلولُ إلى رفعِ وجْهِه نحوَ السَّماءِ، وذلك هو الإقماحُ...، ويحتملُ -وهو قولُ الطَّبَريِّ- أن تعودَ «هي» على الأيدي وإن لم يَتقدَّمْ لها ذِكرٌ؛ لِوُضوحِ مكانِها مِن المعنى؛ وذلك أنَّ الغُلَّ إنَّما يكونُ في العُنُقِ مع اليدَينِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/447). ممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ يعودُ على الأغلالِ: الزمخشريُّ، وابنُ جُزَي، وأبو حيَّان، وابنُ القيم. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/5))، ((تفسير ابن جزي)) (2/179)، ((تفسير أبي حيان)) (9/50)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 95). قال أبو حيَّان: (والظَّاهرُ عَوْدُ الضَّميرِ في فَهِيَ إلى الأغلالِ؛ لأنَّها هي المذكورةُ والمُحَدَّثُ عنها). ((تفسير أبي حيان)) (9/50). وممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ يعودُ على الأيدي: الفَرَّاءُ، وابنُ جرير، ومكِّي، والزَّجَّاجُ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/372)، ((تفسير ابن جرير)) (19/403)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/6005)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/279). ، فهم رافعو رُؤوسِهم [29] ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقوله: مُقْمَحُونَ أي: رافِعو رؤوسهم: القرطبيُّ، والنسفي، وابن جُزَي، والسمين الحلبي، وابن كثير، وجلال الدين المحلي، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/8)، ((تفسير النسفي)) (3/96)، ((تفسير ابن جزي)) (2/180)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/248)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 579)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). وممَّن اختار أنَّ معنى المُقْمَحِ: الرَّافعُ رأسَه الغاضُّ بَصَرَه: الفَرَّاءُ، وابنُ قُتَيْبةَ، والزَّجَّاجُ، والسمرقنديُّ، والبغوي، والزمخشري، والخازن، والبِقاعي، والعُلَيمي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/373)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/279)، ((تفسير السمرقندي)) (3/116)، ((تفسير البغوي)) (4/6)، ((تفسير الزمخشري)) (4/5)، ((تفسير الخازن)) (4/4)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/95)، ((تفسير العليمي)) (5/469)، ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((تفسير الشوكاني)) (4/414)، ((تفسير القاسمي)) (8/174). قال ابنُ جرير: (والمُقْمَحُ: هو المُقْنِعُ، وهو أنْ يَحْدُرَ الذَّقَنَ حتَّى يَصيرَ في الصَّدرِ، ثُمَّ يَرْفَعَ رأسَه، في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ. وفي قولِ بعضِ الكوفيِّينَ: هو الغاضُّ بصَرَه، بعدَ رَفْعِ رأسِه). ((تفسير ابن جرير)) (19/403). ويُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/157). قال السمين الحلبي: (قوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ هذه الفاءُ لأحسَنِ ترتيبٍ؛ لأنَّه لَمَّا وصلَتِ الأغلالُ إلى الأذقانِ لعرضِها، لَزِمَ عن ذلك ارتفاعُ روؤسِهم إلى فوق، أو لَمَّا جُمِعَتِ الأيدي إلى الأذقانِ وصارت تحتَها، لَزِمَ مِن ذلك رفْعُها إلى فوق، فتَرتفِعُ رؤوسُهم). ((الدر المصون)) (9/248). ممَّن اختار معنى القولِ الأوَّلِ: النَّسَفيُّ، وابنُ جُزَي، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير النسفي)) (3/96)، ((تفسير ابن جزي)) (2/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). قال النسفي: (لأنَّ طَوْقَ الغُلِّ الَّذي في عُنُقِ المَغلولِ يكونُ في مُلتقى طَرَفَيْهِ تحتَ الذَّقَنِ حَلْقةٌ فيها رأسُ العمودِ خارجًا مِن الحَلْقةِ إلى الذَّقَنِ، فلا يُخْليه يُطأطئُ رأسَه؛ فلا يَزالُ مُقْمَحًا). ((تفسير النسفي)) (3/96). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/5). وممَّن اختار معنى القولِ الثَّاني: الأزهريُّ، والقرطبي، والعُلَيمي. يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (4/51)، ((تفسير القرطبي)) (15/8)، ((تفسير العليمي)) (5/469). لا يَقْدِرونَ أنْ يُطَأْطِئُوها [30] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/403)، ((تفسير القرطبي)) (15/7، 8)، ((تفسير ابن كثير)) (6/563، 564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/349)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288 - 290). اختلف المفَسِّرون في المراد بالآيةِ؛ على قولَينِ: (أحدُهما: جَعْلُ الأغلالِ حَقيقةً. والثَّاني: أنَّه استعارةٌ. وعلى كُلٍّ مِن القولَينِ جماعةٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ). ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/247). ويُنظر: ((تفسير الماوردي)) (5/7).   ممَّن اختار القولَ الأوَّلَ -أنَّ ذلك سيَحدُثُ حقيقةً يومَ القيامة، فلمَّا أخبَرَ تعالى أنَّهم لا يؤمِنونَ، أخبَرَ عن شَيءٍ مِن أحوالِهم في الآخرةِ-: أبو حيَّان، وجوَّزه ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/49)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/350). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (15/9). قال ابنُ عاشور: (فيكونُ فِعلُ جَعَلْنَا مُستَقبَلًا، وعبَّر عنه بصيغةِ الماضي؛ لتَحقيقِ وُقوعِه). ((تفسير ابن عاشور)) (22/350). والقولُ الثَّاني أنَّ ذلك مَثَلٌ، وأنَّه ليس هناك غُلٌّ على الحقيقةِ، نسَبَه ابنُ الجوزي إلى أكثَرِ المحقِّقينَ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/517). واختلف القائلون بهذا القولِ في الآيةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: (أحدُها: أنَّها مَثَلٌ لِمَنعِهم عن كلِّ خَيرٍ، قاله قَتادةُ. والثَّاني: لحَبسِهم عن الإنفاقِ في سبيلِ الله بموانِعَ كالأغْلالِ، قاله الفَرَّاءُ، وابنُ قُتَيْبةَ. والثَّالثُ: لِمَنعِهم مِن الإيمانِ بالله، قاله أبو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقيُّ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/517). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/373)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363). ممَّن اختار أنَّه تمثيلٌ لِتَصميمِهم على الكُفرِ، وامتِناعِهم عن الهدى: يحيى بنُ سلام، والزمخشريُّ، وابنُ عطية، وابنُ جُزَي، وجلال الدين المحلي، وأبو السعود، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/800)، ((تفسير الزمخشري)) (4/5)، ((تفسير ابن عطية)) (4/447)، ((تفسير ابن جزي)) (2/179)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 579)، ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/563)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/97). قال الشنقيطي: (والمُرادُ بالآيةِ الكريمةِ: أنَّ هؤلاء الأشْقياءَ الَّذينَ سَبَقَتْ لهم الشَّقاوةُ في عِلْمِ اللهِ، المذْكورينَ في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، صَرَفَهم اللهُ عن الإيمانِ صَرْفًا عظيمًا مانِعًا مِن وُصولِه إليهم؛ لأنَّ مَنْ جُعِلَ في عُنُقِه غُلٌّ، وصار الغُلُّ إلى ذَقَنِه، حتَّى صار رأسُه مرفُوعًا لا يَقدِرُ أنْ يُطَأْطِئَه، وجَعَلَ أمامَه سَدًّا، وخَلْفَه سَدًّا، وجعَلَ على بَصَرِه الغِشاوةَ: لا حِيلةَ له في التَّصَرُّفِ، ولا في جَلْبِ نَفْعٍ لِنَفْسِه، ولا في دَفْعِ ضُرٍّ عنها، فالَّذين أشْقاهم اللهُ بهذه المثابةِ، لا يَصِلُ إليهم خَيْرٌ. وهذا المعنَى الَّذي دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ الكريمةُ -مِن كَونِه جَلَّ وعلا يَصرِفُ الأشْقياءَ الَّذين سَبَقَتْ لهم الشَّقاوةُ في عِلْمِه عن الحقِّ، ويَحُولُ بيْنَهم وبيْنَه- جاء موضَّحًا في آياتٍ كثيرةٍ؛ كقولِه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: 57]، وقولِه تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7]، وقولِه تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية: 23]). ((أضواء البيان)) (6/288). وقال ابن عاشور: (... فيَجوزُ أن يكونَ تمثيلًا بأن شُبِّهَت حالةُ إعراضِهم عن التَّدبُّرِ في القرآنِ ودَعوةِ الإسلامِ والتَّأمُّلِ في حُجَجِه الواضِحةِ بحالِ قَومٍ جُعِلَت في أعناقِهم أغلالٌ غليظةٌ تَرتفِعُ إلى أذقانِهم، فيَكونون كالمُقمَحينَ، أي: الرَّافِعينَ رُؤوسَهم، الغاضِّينَ أبصارَهم، لا يَلتَفِتونَ يمينًا ولا شِمالًا، فلا يَنظُرونَ إلى شَيءٍ ممَّا حَوْلَهم). ((تفسير ابن عاشور)) (22/349). وممَّن اختار أنَّه تمثيلٌ لحبسِهم عن الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ بموانعَ كالأغلالِ: الفَرَّاءُ، وابنُ قُتَيْبةَ، والواحديُّ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/373)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 363)، ((البسيط)) للواحدي (18/455)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 897). قال الواحديُّ: (كقولِه: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء: 29] معناه: لا تُمْسِكْها عن النَّفَقةِ). ((الوسيط)) للواحدي (3/510). وقال ابنُ جرير: (يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّا جَعَلْنا أيْمانَ هؤلاءِ الكفَّارِ مَغلولةً إلى أعناقِهم بالأغلالِ، فلا تَنبسِطُ بشَيءٍ مِن الخَيراتِ). ((تفسير ابن جرير)) (19/403). .
وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9).
أي: وجعَلْنا مِن بيْنِ أيديهم حاجِزًا، ومِن خَلفِهم حاجِزًا، فغَطَّينا أبصارَهم فلا يَرَوْنَ شَيئًا [31] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/405، 406)، ((تفسير ابن كثير)) (6/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). قال السمين الحلبي: (قولُه تعالى هذا يحتَمِلُ الحقيقةَ والاستعارةَ). ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) (9/249). فالقولُ الأولُ: أنَّ ذلك سيَحدُثُ حقيقةً يومَ القيامة. وممَّن استظهر هذا المعنى: أبو حيَّان. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/49). والقولُ الثاني: أنَّ هذا تمثيلٌ، والمرادُ أنَّ اللهَ تعالى جعَل لهم حاجِزًا يَحجُزُهم عن الإيمانِ، ولا يُخرِجُهم مِن الضَّلالةِ، فلا يُبصِرون الهدى والحَقَّ؛ فهم بمنزلةِ مَن سُدَّ طريقُه فلا يستطيعُ الخروجَ ممَّا هو فيه. وممَّن قال بهذا المعنى في الجملةِ: ابنُ جرير، وابنُ القيِّم، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/405)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 95)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/288). .
وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10).
أي: مُستَوٍ في حَقِّ هؤلاء الكافِرينَ الَّذين حَقَّ عليهم القَولُ: الإنذارُ وعَدَمُه؛ فسواءٌ أنذَرْتَهم العذابَ -يا محمَّدُ- أو تركْتَ إنذارَهم، فإنَّهم في كِلا الحالَينِ لا يُؤمِنونَ بك وبما جِئتَهم مِن الحَقِّ [32] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/407)، ((تفسير السمرقندي)) (3/117)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/585)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 692). !
إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
 لَمَّا ذكَرَ تعالى المأيوسَ مِن انتفاعِهم بإنذارِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم؛ ذكَرَ الَّذين يَنتَفِعونَ به؛ تأنيسًا له بهم، وتقويةً له بظُهورِ ثَمرةِ إنذارِه فيهم [33] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 303). .
وأيضًا لَمَّا تضمَّنَ قولُه: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يس: 10] أنَّ الإنذارَ في جانبِ الَّذين حقَّ عليهم القولُ أنَّهم لا يُؤمِنون هو وعَدَمُه سواءٌ، وكان ذلك قد يُوهِمُ انتفاءَ الجَدْوى مِن الغيرِ وبعضٍ مِن فَضلِ أهلِ الإيمانِ؛ أُعقِبَ بِبَيانِ جَدْوى الإنذارِ بالنِّسبةِ لِمَنِ اتَّبَع الذِّكرَ وخشِيَ الرَّحمنَ بالغيبِ [34] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/6)، ((تفسير أبي حيان)) (9/51)، ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/352)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/179، 180). .
إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ.
أي: إنَّما تُنذِرُ -يا محمَّدُ- إنذارًا نافِعًا مَنِ اتَّبَع القُرآنَ، فآمَنَ بأخبارِه، وعَمِل بأحكامِه [35] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/407)، ((تفسير القرطبي)) (15/11)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/157)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/352، 353)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 33). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 18].
وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ.
أي: وتُنذِرُ إنذارًا نافِعًا مَن خَشِيَ اللهَ الرَّحمنَ بالغَيبِ [36] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/407)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 897)، ((تفسير القرطبي)) (15/11)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693). قيل: معنى وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أي: خَشِيَ اللهَ تعالى حالَ الغَيبةِ عن النَّاسِ في الخَلَواتِ. وممن قال بهذا المعنى: ابن جرير، والزجاج، ومكي، وابن عطية، وابن كثير، والعليمي، ورجَّحه ابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/407)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/281)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/6009)، ((تفسير ابن عطية)) (4/448)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير العليمي)) (5/470)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة يس)) (ص: 36-37). وقيل: المرادُ: وخَشِيَ الرَّحمنَ والحالُ أنَّه لم يَرَ اللهَ. وممن قال بهذا المعنى: مقاتل بن سليمان، والواحدي، وجلال الدين المحلي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/574)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 897)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 579)، ((تفسير القاسمي)) (8/176). قال القرطبي: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أي: ما غاب مِن عذابِه ونارِه. قاله قَتادةُ). ((تفسير القرطبي)) (15/11)، ويُنظر: ((تفسير الماوردي)) (5/8). قال الألوسي: (أي: خشِي عقابَ الرحمنِ حالَ كونِ العقابِ ملتبسًا بالغيبِ، أي: غائبًا عنه، وحاصلُه خشِي العقابَ قبلَ حلولِه، ومعاينةِ أهوالِه). ((تفسير الألوسي)) (11/390). وقال البقاعي: (بِالْغَيْبِ أي: بسببِ ما يخبِرُ به مِن مقدوراتِه الغائبةِ لا سيَّما البعثِ ...، ويخشاه أيضًا خشيةً خالصةً في حالِ غيبتِه عمَّن يُرائيه مِن الناسِ). ((نظم الدرر)) (16/99). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [فاطر: 18].
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ.
أي: فبَشِّرْ -يا محمَّدُ- مَن اتَّبَع القُرآنَ وخَشِيَ الرَّحمنَ بالغَيبِ: بمَغفرةٍ لِذُنوبِه، وثوابٍ حَسَنٍ جَميلٍ [37] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/407)، ((تفسير القرطبي)) (15/11)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693). .
كما قال تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق: 31 - 33].
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
 في مُناسَبةِ هذه الآيةِ لِما قَبْلَها وُجوهٌ؛ منها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بيَّن الرِّسالةَ -وهي أصلٌ مِن الأُصولِ الثَّلاثةِ: (التَّوحيدِ- الرِّسالةِ- الحَشرِ) الَّتي يصيرُ بها المكَلَّفُ مُؤمِنًا مُسلِمًا- ذكَرَ أصلًا آخَرَ، وهو الحَشرُ.
وأيضًا: أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكَرَ الإنذارَ والبِشارةَ بقَولِه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ، ولم يَظهَرْ ذلك بكَمالِه في الدُّنيا، فقال: إنْ لم يُرَ في الدُّنيا فاللهُ يُحيي الموتى، ويَجزي المُنذَرينَ، ويَجزي المُبَشَّرينَ [38] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/257). .
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى.
أي: إنَّا نحن نَبعَثُ الموتى يومَ القيامةِ؛ لِنُجازيَهم على أعمالِهم [39] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 897)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693). .
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ.
أي: ونحن نَكتُبُ [40] قال ابنُ تيميَّةَ: (وأمَّا الكتابةُ فرُسُلُه يَكتُبونَ، كما قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]، وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ، فأخبَرَ بالكتابةِ بقَولِه: نَحْنُ؛ لأنَّ جُندَه يَكتُبونَ بأمْرِه). ((مجموع الفتاوى)) (5/512). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 45، 46). ما قدَّموه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، ونكتُبُ ما تولَّدَ عن ذلك مِن آثارٍ، وما تسبَّبوا في إيجادِه مِن ذلك في حالِ حياتِهم وبعدَ وفاتِهم، ونكتُبُ آثارَ خُطاهم إلى الطَّاعةِ أو المعصيةِ، فنَجْزيهم على ذلك؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنَّ شَرًّا فشَرٌّ [41] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/408، 409)، ((تفسير القرطبي)) (15/12)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/512)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/565، 566، 568)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/356). قال الشنقيطي: (قوله: وَآَثَارَهُمْ، فيه وجهانِ مِن التَّفسيرِ معروفانِ عندَ العلماءِ: الأوَّلُ منهما: أنَّ معنَى مَا قَدَّمُوا: ما باشَروا فِعلَه في حياتِهم، وأنَّ معنَى آثارَهم: هو ما سَنُّوه في الإسلامِ مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سَيِّئةٍ، فهو مِن آثارِهم الَّتي يُعمَلُ بها بعدَهم. الثَّاني: أنَّ معنَى آثارَهم: خُطاهم إلى المساجدِ ونحوُها مِن فِعلِ الخَيرِ، وكذلك خُطاهم إلى الشَّرِّ، كما ثبَت عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «يا بني سَلِمةَ، دِيارَكم تُكْتَبْ آثارُكم»، يعني: خُطاكُم مِن بُيوتِكم إلى مَسجدِه صلَّى الله عليه وسلَّم). ((أضواء البيان)) (6/291). ممَّن اختار القولَ الأوَّلَ، وأنَّ المرادَ بآثارِهم: ما سَنُّوه مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سَيِّئةٍ، واستنَّ به مَن بَعْدَهم: الفَرَّاءُ، وابنُ قُتَيْبةَ، والزَّجَّاجُ، ونسَبَه الماتُريديُّ إلى عامَّةِ أهلِ التَّأويلِ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/373)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 364)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/281)، ويُنظر: ((تفسير الماتريدي)) (8/507، 508). وقال ابن كثير: (وفي قولِه: وَآَثَارَهُمْ قولانِ؛ أحدُهما: نَكْتُبُ أعمالَهم الَّتي باشَروها بأنفسِهم، وآثارَهم الَّتي أثَروها مِن بعدِهم... والقولُ الثَّاني: أنَّ المرادَ بذلك آثارُ خُطاهم إلى الطَّاعةِ أو المعصيةِ... وهذا القولُ لا تنافيَ بيْنَه وبيْنَ الأوَّلِ، بل في هذا تنبيهٌ ودَلالةٌ على ذلك بطريقِ الأَولى والأحْرَى؛ فإنَّه إذا كانت هذه الآثارُ تُكتَبُ، فلَأَنْ تُكْتَبَ تلك الَّتي فيها قُدوةٌ بهم مِن خَيرٍ أو شَرٍّ بطريقِ الأَوْلى، واللهُ أعلمُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/565). .
كما قال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17، 18].
وقال تبارك وتعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10 - 12].
وقال جلَّ وعلا: وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ [التوبة: 121].
وقال سُبحانَه: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة: 13].
وعن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فعُمِلَ بها بَعْدَه؛ كُتِب له مِثلُ أجرِ مَن عَمِل بها، ولا يَنقُصُ مِن أُجورِهم شَيءٌ. ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً، فعُمِلَ بها بَعْدَه؛ كُتِب عليه مِثلُ وِزرِ مَن عَمِل بها، ولا يَنقُصُ مِن أوزارِهم شَيءٌ)) [42] رواه مسلم (1017). .
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((خَلَتِ البِقاعُ حَوْلَ المَسجِدِ، فأراد بنو سَلِمةَ أن يَنتَقِلوا إلى قُرْبِ المَسجِدِ، فبلَغَ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لهم: إنَّه بلَغَني أنَّكم تُريدون أن تَنتَقِلوا قُربَ المَسجِدِ. قالوا: نعَمْ يا رَسولَ اللهِ، قد أرَدْنا ذلك، فقال: يا بَني سَلِمةَ، دِيارَكم تُكتَبْ آثارُكم [43] دِيارَكم تُكتَبْ آثارُكم: أي: الزَموا ديارَكم يُكتَبْ أجرُ خُطاكم، وثَوابُ أقدامِكم؛ لكُلِّ خُطوةٍ دَرَجةٌ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/593). ، ديارَكم تُكتَبْ آثارُكم)) [44] رواه مسلم (665). وفي رواية الترمذي (3226) وابن ماجه (785) أنَّ بني سَلِمةَ لما أرادوا الانتقالَ إلى قُربِ المسجدِ نَزَلتْ هذه الآيَةُ: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ. لكنَّ سورةَ (يس) مكيةٌ، وقصةَ بني سلِمةَ كانت بالمدينةِ، فقيل: السورةُ مكيةٌ، وهذه الآيةُ وحدَها مدنيةٌ، قال ابن القيم: (وأحسنُ مِن هذا أن تكونَ [أي: الآيةُ] ذُكِرتْ عندَ هذه القصةِ، ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندَها إمَّا مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإمَّا مِن جبريلَ، فأُطلِق على ذلك النزولُ). ((شفاء العليل)) (ص: 40). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/445). .
وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
 لَمَّا كان قَولُه تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ رُبَّما أوهَمَ الاقتِصارَ على كتابةِ ما ذُكِرَ مِن أحوالِ الآدَميِّينَ، أو الحاجةَ إلى الكِتابةِ؛ دَلَّ على قُدرتِه على ما لا تُمكِنُ القُدرةُ عليه لأحدٍ غيرِه في أقَلِّ قَليلٍ ممَّا ذُكِرَ، فكيف بما فَوْقَه؟ فقال [45] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/102). :
وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ.
أي: وكُلُّ شَيءٍ ممَّا كان أو سيَكونُ -ومِن ذلك أعمالُ العبادِ؛ خَيرِها وشَرِّها- مَحفوظٌ ومُثبَتٌ في كِتابٍ موضِّحٍ لكلِّ شَيءٍ، وهو اللَّوحُ المحفوظُ [46] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/412)، ((تفسير القرطبي)) (15/13)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/568)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/102)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/357). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالإمامِ المُبينِ: اللَّوحُ المحفوظُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ القيِّم، وابن كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/575)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 40)، ((تفسير ابن كثير)) (6/568)، ((تفسير السعدي)) (ص: 693). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: السُّدِّيُّ، ومجاهدٌ، وقَتادةُ، وابنُ زَيدٍ. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/803)، ((تفسير ابن جرير)) (19/412)، ((تفسير ابن كثير)) (6/568). وقيل: المرادُ: صحائِفُ الأعمالِ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/448)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 46، 47). قال ابنُ القيم: (والإحصاءُ في الكتابِ يَتضَمَّنُ عِلْمَه بها «أي: أعمالِ العِبادِ»، وحِفْظَه لها، والإحاطةَ بعدَدِها، وإثباتَها فيه). ((شفاء العليل)) (ص: 40). وممَّن اختار أنَّ مُبِينٍ أي: بَيِّنٍ واضحٍ: ابنُ أبي زمنين، وجلال الدين المحلي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/40)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 579)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/290). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ معناه: مُظهِرٌ لجميعِ الأشياءِ ممَّا كان وما سيَكونُ، مُوضِحٌ لكلِّ شَيءٍ: أبو السعود، والشوكاني، والألوسي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/161)، ((تفسير الشوكاني)) (4/415)، ((تفسير الألوسي)) (11/391)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 49، 50). وذكر ابن عثيمين أن مُبِينٍ هنا بمعنى مُظهِرٍ وموضحٍ؛ لأنَّ المُظهِرَ جامعٌ بيْنَ الظُّهورِ بنفْسِه والإظهارِ لغيرِه، وإذا كان مُوضحًا فهو واضحٌ؛ فالمعنى أشمَلُ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 49، 50). وقال ابن جرير: (وقيل: مُبِينٍ؛ لأنَّه يُبِينُ عن حقيقةِ جميعِ ما أُثْبِتَ فيه). ((تفسير ابن جرير)) (19/412). .
كما قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49].
وقال سُبحانَه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52، 53].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قال الله تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أضاف تنزيلَ القُرآنِ إلى هذينِ الاسمَينِ: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ إشارةً إلى وُجوبِ العَمَلِ بما جاء في القُرآنِ، وأنَّ مَن لم يَعمَلْ به فإنَّ أمامَه العزيزَ الَّذي يأخُذُ أخْذَ عزيزٍ مُقتَدِرٍ. والرَّحِيمِ إشارةٌ إلى أنَّ هذا القرآنَ إنزالُه مِن مُقتضى رحمتِه سُبحانَه وتعالى بخَلقِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى ما رَحِمَ خَلْقَه رحمةً أعظَمَ مِن إنزالِ القُرآنِ الكريمِ؛ لأنَّ به الحياةَ القَلبيَّةَ والبَدَنيَّةَ، والفَرديَّةَ والاجتماعيَّةَ؛ ففي الآيةِ تهديدٌ لِلَّذين يُخالِفونَ هذا القُرآنَ بأنَّه نَزَل مِن عندِ عزيزٍ يَنتَقِمُ ممَّن خالَفه، وإشارةٌ إلى أنَّ هذا القُرآنَ مِن مُقتضَى رحمتِه سُبحانَه وتعالى [47] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 18). .
2- قال الله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ تقومُ حُجَّةُ اللهِ على العَبدِ أوَّلًا، ويَعمَلُ هو -كاسِبًا ومُكتَسِبًا- باختيارِه ثانيًا، ويَظهَرُ لنا ما سَبَق مِن عِلمِ اللهِ فيه بعدَ أنِ اختار ما اختار ثالثًا؛ ولهذا قُدِّمَت النِّذارةُ وما يَرتَبِطُ بها على هذه الآيةِ: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّتي فيها بيانُ ما سبَقَ مِن عِلمِ اللهِ فيهم؛ فاللهُ سُبحانَه لم يُجازِ الخَلْقَ على مُقتضى عِلمِه فيهم -وهو العِلمُ الَّذي لا يتخلَّفُ- وإنَّما جعَلَ جزاءَهم على أعمالِهم؛ فهذا تعليمٌ لنا كيف تكونُ مُعامَلتُنا بعضِنا لبعضٍ، فلا نُجازي على مُجرَّدِ الظَّنِّ، بل ولا على مُجرَّدِ اليَقينِ، وإنَّما تكونُ المُجازاةُ بعدَ صُدورِ الأعمالِ؛ فرُبَّ شَخصٍ قَدَّرْتَ فيه الخيرَ أو الشَّرَّ، ففعَلَ ضِدَّ ما قدَّرْتَ! فلو جازَيْتَه قبْلَ الفِعلِ لَما طابقَ جزاؤُك مَوضِعَه، ولَنالَ كُلٌّ ما لا يَستحِقُّه؛ فالحِكمةُ والعَدلُ والمصلحةُ في رَبطِ المُجازاةِ بالأعمالِ، وهذا ما كان مِنَ اللهِ في مُجازاةِ خَلقِه، وهذا ما يَنبغي أن نَربِطَ به المُجازاةَ بيْنَنا [48] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 300، 301). .
3- في قولِه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا وقولِه: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ترهيبٌ؛ فإنَّ كُلَّ ما دعا إليه الإسلامُ مِن عقائِدَ وأخلاقٍ وأعمالٍ: فهو ممَّا تَقْبَلُه الفِطَرُ السَّليمةُ، وتُدرِكُه العقولُ بالنَّظَرِ الصَّحيحِ، فمَن قابَلَ دعوةَ الإسلامِ بالإعراضِ والعِنادِ، وخالَف فِطرتَه، وعاكَسَ عقْلَه؛ كان حقيقًا بهذا العِقابِ الشَّديدِ مِن طَمسِ البصيرةِ، والطَّبعِ على القَلبِ؛ فذَكَر اللهُ لنا هذه العُقوبةَ بهذا التَّمثيلِ البَليغِ الَّذي صَوَّرَها في أبشَعِ صُورةٍ وأفْظَعِها -على قولٍ-؛ لِيُحَذِّرَنا مِن الإعراضِ عن الحَقِّ والعِنادِ له، ويُخَوِّفَنا بعاقبةِ ذلك على أهلِه [49] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 302). .
4- في قَولِه تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ تحذيرُ الإنسانِ إذا لم يَنفتِحْ له بابُ الهدَى أن يكونَ مِن جِنْسِ أولئك، فإذا رأى الإنسانُ مِن نفْسِه أنَّه قد حِيلَ بيْنَه وبيْنَ الهدى، وصار لا يُبصِرُ الحقَّ؛ فلْيَعْلَمْ أنَّه على خطَرٍ، ولْيَتدارَكِ الأمرَ [50] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 29). .
5- في قَولِه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ يَذكُرُ سُبحانَه وتعالى حالةَ هؤلاء الَّذين استوَى عندَهم الشَّيءُ وضِدُّه؛ يُحَذِّرُنا منها، وممَّا يؤدِّي إليها مِن إهمالِ الفِطرةِ، وتَركِ النَّظَرِ؛ فإنَّ الإنسانَ إنَّما يَمتازُ على بقيَّةِ الحيوانِ بتَمييزِه بينَ الحقائقِ بالفِطرةِ والفِكرةِ، وإدراكِه الفوارِقَ ما بيْنَها؛ فإذا سُلِبَ هذه المَزيَّةَ الْتَحَقَ بالعَجْماواتِ، بل كانت العَجْماواتُ خيرًا منه؛ لِبَقاءِ فِطرتِها سليمةً لإدراكِ ما فيها استِعدادٌ لإدراكِه [51] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 303). !
6- في قَولِه تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ بيانُ عُلُوِّ مَرتبةِ الدَّعوةِ إلى اللهِ، والهدايةِ إلى سَبيلِه بكُلِّ وَسيلةٍ وطريقٍ مُوصِلٍ إلى ذلك؛ ونزولِ دَرجةِ الدَّاعي إلى الشَّرِّ؛ الإمامِ فيه، وأنَّه أسفَلُ الخليقةِ، وأشَدُّهم جُرمًا، وأعظَمُهم إثمًا [52] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 693). .
7- في قَولِه تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ الحَثُّ على المَشيِ للمساجدِ، وأنَّ الأبعَدَ فالأبعَدَ مِن المسجِدِ أكثرُ أجرًا -كما في حديثِ قِصَّةِ بني سَلِمةَ حينَ أرادوا النُّقلةَ إلى قُربِ المسجدِ [53] تقدَّم تخريجُه قريبًا. وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أعظمُ النَّاسِ أجرًا في الصلاةِ أبعدُهم فأبعدُهم ممشًى ...)). أخرجه البخاري (651)، ومسلم (662). - وأنَّ الأجرَ على قَدرِ المشَقَّةِ [54] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 217). ويُنظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/620-622) و (25/281). .
8- قال الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ على العاقِلِ -وقد عَلِمَ أنَّه محاسَبٌ على أفعالِه وعلى آثارِ أقوالِه- ألَّا يَفعَلَ فِعلًا ولا يقولَ قَولًا حتَّى يَنظُرَ في عواقِبِه؛ فقد تكونُ تلك العواقِبُ أضَرَّ عليه مِن أصلِ القَولِ وأصلِ الفِعلِ؛ فقد يقولُ القَولَ مَرَّةً، ويَفعلُ الفِعلَ مَرَّةً، ثمَّ يَقتدي به فيه آلافٌ عديدةٌ في أزمنةٍ مُتطاوِلةٍ [55] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 308). !
9- في قَولِه تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أنَّه سُبحانَه قد أحاط بكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، فهو غِنيٌّ بعِلمِه عن هذه الكتابةِ، ولكِنَّه جَعَل هذا الكِتابَ إظهارًا لِعَظَمةِ مُلكِه، ولِيَعلمَ عبادُه الضَّبطَ والإحصاءَ في جميعِ أمورِهم، ولِيُبالِغوا في مُحاسَبةِ أنفُسِهم، ولِيَعلَموا أنَّ ما أصابَهم لم يَكُنْ لِيُخطِئَهم، وما أخطأَهم لم يكُنْ لِيُصيبَهم؛ فيَزولَ مِن قُلوبِهم الخَوفُ مِن الحوادِثِ والمخلوقاتِ، وتَعظُمَ ثِقتُهم باللهِ، وفي ذلك أعظَمُ قُوَّةٍ في هذه الحياةِ، وأكبَرُ راحةٍ للقَلبِ مِن صُروفِها [56] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 309). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- هذا القُرآنُ الَّذي أعجَزَ البشَرَ لم يكُنْ بِدْعًا مِن لِسانِهم، وإنَّما مِن الحُروفِ الَّتي يُرَكِّبونَ منها كَلامَهم؛ يُشيرُ إلى هذا قولُه تعالى: يس؛ ولهذا لا تأتي هذه الحُروفُ الهِجائيَّةُ في أوَّلِ السُّورةِ إلَّا وَجَدْتَ بعدَها ذِكرَ القُرآنِ في الغالِبِ [57] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 15). ؛ فهذه حروفُ تَعجيزٍ وإفحامٍ وتَقريعٍ؛ لأنَّ القُرآنَ الَّذي عَجَزوا عن مُعارَضتِه مِن هذه الحُروفِ وأخَواتِها؛ فمنه تركَّبَت كَلِماتُه، فكأنَّما يُقالُ لهم: «ما هذا الَّذي عجَزتُم عنه إلَّا كلامٌ مِن جِنسِ كلامِكم، وما رُكِّبَت كَلِماتُه إلَّا مِمَّا رُكِّبَت منه كَلِماتُكم»، وهذا لِعَجزِهم أفضَحُ، ولِتَقريعِهم أوجَعُ [58] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 287). .
2- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ عَظَمةُ القرآنِ العظيمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقسَمَ به، ولا يُقسِمُ إلَّا بشيءٍ مُعَظَّمٍ، والقرآنُ الكريمُ عَظيمٌ في نفسِه [59] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 16). والقاعدةُ أنَّ القَسَمَ لا يكونُ إلَّا باسمٍ مُعَظَّمٍ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) لخالد السبت (1/474). .
3- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تأكيدُ الخبرِ الهامِّ -وإنْ لم يَكُنِ المخاطَبُ مُنْكِرًا-؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه هنا يُخْبِرُ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنينَ، وهم لا يُنْكِرونَ ذلك؛ لكِنْ لأهمِّيَّتِه أَكَّد [60] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 25). .
4- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ اتِّصالٌ لا يخفَى بيْنَ المقسَمِ به -وهو القُرآنُ الحكيمُ-، وبيْن المُقسَمِ عليه -وهو رِسالةُ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، وأنَّه لو لم يكُنْ لرِسالتِه دَليلٌ ولا شاهِدٌ إلَّا هذا القرآنُ الحَكيمُ، لَكفَى به دَليلًا وشاهِدًا على رسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل القُرآنُ العظيمُ أقوى الأدِلَّةِ المتَّصِلةِ المُستَمِرَّةِ على رِسالةِ الرَّسولِ؛ فأدِلَّةُ القُرآنِ كُلُّها أدلَّةٌ لرِسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [61] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 692). .
5- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ العنايةُ بإثباتِ رسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقسَمَ عليها، وأكَّدها زيادةً على القَسَمِ بـإنَّ واللَّامِ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 16). .
6- في قَولِه تعالى: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ معنًى لطيفٌ يُعلَمُ منه فَسادُ قَولِ المُباحيَّةِ [63] المباحيَّةُ أو أهلُ الإباحةِ: هم الَّذين يُسقِطون الأمرَ والنَّهيَ والتَّكاليفَ مطلقًا، ومنهم الباطنيَّةُ، وطائفةٌ مِن الصُّوفيَّةِ. يُنظر: ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي (ص: 92)، ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) للرازي (ص: 74)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/445، 457)، ((الاعتصام)) للشاطبي (1/60). الَّذين يقولون: المكَلَّفُ يصيرُ واصِلًا إلى الحَقِّ، فلا يَبقَى عليه تكليفٌ! وذلك مِن حيثُ إنَّ اللهَ بيَّن أنَّ المُرسَلينَ ما داموا في الدُّنيا فهم سالِكونَ سائِحونَ مُهتَدون مُنتَهِجون إلى السَّبيلِ المُستَقيمِ؛ فكيف ذلك الجاهِلُ العاجِزُ [64] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/252). ؟!
7- قال عز وجل: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ أنَّ القرآنَ مُنَزَّلٌ -يعني يَنْزِلُ شيئًا فشيئًا-، كما قال تعالى: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106] فإنه يَنْزِلُ شيئًا فشيئًا، ويُعَبَّرُ أحيانًا عن القرآنِ بأنه أُنْزِلَ باعتبارِ نهايتِه، فإنَّه باعتبارِ النِّهايةِ يكونُ نَزَل كلُّه؛ وباعتبارِ التَّدريجِ في تنزيلِه يكونُ مُنَزَّلًا [65] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 16). .
8- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ إثباتُ عُلُوِّ اللهِ؛ فالنُّزولُ لا يكونُ إلَّا مِن أعلَى [66] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 19). .
9- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ تنبيهٌ على أنَّ هذا الدِّينَ الَّذي نزَّله الرَّبُّ الموصوفُ بالعِزَّةِ والرَّحمةِ: هو دينُ عِزَّةٍ ورحمةٍ، ومِن مُقتضى العِزَّةِ: القُوَّةُ والمَنَعةُ والرِّفعةُ، ومِن مُقتضى الرَّحمةِ: الفَضلُ والخيرُ والمصلحةُ، وهذه كُلُّها مُتجلِّيةٌ في أحكامِ الإسلامِ [67] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 295). .
10- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أنَّ القُرآنَ، بل الشَّرعَ كلَّه: مِن آثارِ رحمةِ اللهِ [68] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 19). .
11- قد دلَّ استِقراءُ القرآنِ العظيمِ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا إذا ذكَرَ تنزيلَه لكِتابِه، أتْبَعَ ذلك ببعضِ أسمائِه الحسنى، المُتَضَمِّنةِ صِفاتِه العُلْيا؛ ففي أوَّلِ سورةِ (الزُّمَرِ) و(الجاثيةِ) و(الأحقافِ) قال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1] [الجاثية: 2] [الأحقاف: 2]، فلمَّا ذكَرَ تنزيلَه كتابَه، بيَّن أنَّ مَبدأَ تنزيلِه كائنٌ منه جلَّ وعلا، وذكَرَ اسمَه اللهَ، واسمَه العزيزَ، والحكيمَ، وقد تكرَّر كثيرًا في القرآنِ ذِكْرُه بعضَ أسمائِه وصِفاتِه بعدَ ذِكرِ تنزيلِ القرآنِ العظيمِ؛ كقولِه في أوَّلِ سورةِ (غافرٍ): حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: 1 - 3]، وقولِه تعالى في أوَّلِ (فُصِّلَتْ): حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت: 1، 2]، وقولِه تعالى في أوَّلِ (هُودٍ): الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1]، وقولِه في (فُصِّلَتْ): وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 41، 42]، وقولِه تعالى في صدرِ (يس): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، وقولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ الآيةَ [الشعراء: 192، 193]، وقولِه تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الآيةَ [الحاقة: 43، 44]. ولا يَخفى أنَّ ذِكْرَه جلَّ وعلا هذه الأسماءَ الحُسْنى العظيمةَ، بعدَ ذِكرِه تنزيلَ هذا القرآنِ العظيمِ، يدُلُّ بإيضاحٍ على عَظَمةِ القرآنِ العظيمِ، وجلالةِ شأنِه، وأهمِّيَّةِ نُزولِه [69] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/351، 352). .
12- في قَولِه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ أنَّ الأمَّةَ الَّتي بُعِثَ فيها محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم تكُنْ عندَها نِذارةٌ الْبَتَّةَ مِن أحدٍ [70] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/290). ، ولا يُعارِضُ هذا بعْثَ الأنبياءِ المتقدِّمينَ؛ فإنَّ هؤلاءِ القومَ لم يُدرِكوهم ولا آباؤُهم الأقرَبونَ [71] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/179). قال ابنُ كثير: (قال غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ: إنَّ الله تعالى لم يَبعَثْ بعدَ إسماعيلَ نبيًّا في العربِ إلَّا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم خاتمَ الأنبياءِ). ((البداية والنهاية)) (3/251). وقال ابنُ تيميَّةَ: (ومَن لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ في الدُّنيا بالرِّسالةِ، كالأطفالِ والمجانينِ وأهلِ الفتراتِ، فهؤلاء فيهم أقوالٌ أظهَرُها ما جاءت به الآثارُ: أنَّهم يُمتحَنون يومَ القيامةِ، فيُبعَثُ إليهم مَن يأمُرُهم بطاعتِه؛ فإنْ أطاعوه استحَقُّوا الثَّوابَ، وإن عصَوْه استحَقُّوا العذابَ). ((الجواب الصحيح)) (1/312). ويُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 369)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/73). .
13- قولُه تعالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ يَعني بهم العربَ، وذِكرُهم وَحْدَهم لا يَنفي إرسالَه إلى مَن عَداهم كما زعَمَه بَعضُ النَّصارى، كما أنَّ ذِكرَ بَعضِ الأفرادِ لا ينفي العُمومَ؛ فقد دلَّتِ الآياتُ والأحاديثُ المتواتِرةُ على عُمومِ بَعثتِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه [72] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/563). .
14- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حُجَّةٌ على المُعتَزلةِ والقَدَريَّةِ، والمرادُ بـ الْقَوْلُ: القولُ الَّذي قال -واللهُ أعلَمُ-: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13]، وقال على إثْرِه ما أزال به كُلَّ رَيبٍ، وكشَفَ كلَّ لُبسةٍ، فقال: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، أفَليس قد أخبَرَ نصًّا أنَّه حالَ بيْنَهم وبيْنَ الإيمانِ والجَنَّةِ بهذه الموانعِ الَّتي ذَكَرها؟! وهل ترَكَ مُتعَلَّقًا للقومِ بعدَ هذا، لولا جَهْلُهم ومُكابَرتُهم! ثمَّ أكَّدَها بتأكيدٍ ثانٍ، فقال: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [73] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/718). !
15- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أنَّ أكثَرَ النَّاسِ هم مِن أهلِ جَهنَّمَ [74] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/287). .
16- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سؤالٌ: هل لِمَن مات على كُفرِه حُجَّةٌ بما سبَقَ مِن عِلمِ الله فيه؟
الجوابُ: أنَّ حُجَّةَ الله قامَت على خَلقِه بما ركَّب فيهم مِن عَقلٍ، وما مكَّنَهم مِن اختيارٍ، وما نصَبَ لهم مِن آياتٍ مُشاهَداتٍ، وما أرسَل إليهم مِن رُسُلٍ بآياتٍ بَيِّناتٍ، وهذه كُلُّها أمورٌ معلومةٌ لديهم، ضروريَّةٌ عندَهم، لا يَستطيعون أن يُنكِروا شيئًا منها؛ فلا يُمكِنُهم أن يَجحَدوا ما عندَهم مِن عقلٍ ومِن اختيارٍ، ولا أن يَنفُوا ما يُشاهِدونَه مِن الآياتِ في المخلوقاتِ، ولا أن يُنكِروا مجيءَ الرُّسُلِ إليهم وما تَلَوْا عليهم مِن آياتٍ، وبهذه الأشياءِ قامت حُجَّةُ الله عليهم، وكان جزاؤُهم على ما اختاروه بَعْدَها لأنفُسِهم؛ فأمَّا ما سبَق مِن عِلمِ اللهِ فهو أمرٌ مُغَيَّبٌ عنهم، غيرُ مؤثِّرٍ فيهم؛ لأنَّ العِلمَ ليس مِن صفاتِ التَّأثيرِ، ولا دافِعَ لهم؛ فليس لهم أن يَحتجُّوا به لأنفُسِهم؛ لأنَّهم لم يَعمَلوا لأجْلِه، كيف وهو مُغَيَّبٌ منهم؟! وإنَّما عَمِلوا باختيارِهم الَّذي يَجِدونه بالضَّرورةِ مِن أنفُسِهم [75] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 299). .
17- في قَولِه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أنَّ مِن بلاغةِ القرآنِ الكريمِ تمثيلَ المعقولِ بالمحسوسِ [76] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 29). ، على أحدِ القولينِ في التَّفسيرِ.
18- قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، إنَّ مانعَ الإيمانِ: إمَّا أنْ يكونَ في النَّفْسِ، وإمَّا أنْ يكونَ خارجًا عنها، ولهمُ المانعانِ جميعًا: أمَّا في النَّفْسِ فالغُلُّ، وأمَّا مِن الخارجِ فالسَّدُّ، فلا يَقَعُ نظَرُهم على أنفُسِهم فيَرَوُا الآياتِ الَّتي في أنفُسِهم -لأنَّ المُقمَحَ لا يَرى نفْسَه-، ولا يقَعُ نظَرُهم على الآفاقِ؛ لأنَّ مَن بيْنَ السَّدَّينِ لا يُبصِرون الآفاقَ، فلا تَتبيَّنُ لهم الآياتُ [77] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/255)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/351). ، على قولٍ.
19- قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، وقال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7]، وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [النحل: 108] هذا الطَّبعُ والخَتمُ على القُلوبِ، وكذلك الأغلالُ في الأعناقِ، والسَّدُّ مِن بيْنِ أيديهم ومِن خَلفِهم، وجميعُ تلك الموانعِ المانِعةِ مِن الإيمانِ ووُصولِ الخَيرِ إلى القُلوبِ: إنَّما جعَلَها اللهُ عليهم بسَبَبِ مُسارَعتِهم لتكذيبِ الرُّسُلِ، والتَّمادي على الكُفرِ؛ فعاقَبَهم اللهُ على ذلك بطَمسِ البصائرِ، والخَتمِ على القُلوبِ، والطَّبعِ عليها، والغِشاوةِ على الأبصارِ؛ لأنَّ مِن شُؤمِ السَّيِّئاتِ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُعاقِبُ صاحِبَها عليها: بتماديه على الشَّرِّ، والحَيلولةِ بيْنَه وبيْنَ الخَيرِ؛ جزاه اللهُ بذلك على كُفرِه جَزاءً وِفاقًا [78] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/289). ، على قولٍ.
20- في قَولِه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سؤالٌ: أنَّه إذا كان الإنذارُ وعَدَمُه سواءً؛ فلماذا الإنذارُ؟
الجوابُ مِن جِهتين:
الأُولى: أنَّه تعالى قال: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وما قال: «سواءٌ عليك»؛ فالإنذارُ بالنِّسبةِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم ليس كعَدَمِ الإنذارِ؛ لأنَّ أحَدَهما مُخرِجٌ له عن العُهدةِ، وسَبَبٌ في زيادةِ سيادتِه عاجِلًا، وسعادتِه آجِلًا، وأمَّا بالنِّسبةِ إليهم فعلى السَّواءِ [79] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/256). .
الثَّانية: أنَّ فائدةَ الإنذارِ إقامةُ الحُجَّةِ عليهم حتَّى يُعذَّبوا بذنوبِهم، لا بمُجرَّدِ عِلمِ الله فيهم [80] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/303). .
21- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ صِحَّةُ نَفيِ الشَّيءِ إذا كان لا يُنتفَعُ به، وإن كان موجودًا؛ فإنَّ إنذارَه لغيرِهم حاصِلٌ، لكِنْ لَمَّا لم يَنتَفِعوا به صار وُجودُه كالعَدَمِ بالنِّسبةِ لهم، أمَّا المُنذِرُ فقد قام بما يجِبُ عليه [81] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 38). .
22- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ سؤالٌ: أنَّ الآيةَ ظاهِرُها خُصوصُ الإنذارِ بالمُنتفِعينَ به، ونظيرُها قَولُه تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [النازعات: 45]، وقد جاءت آياتٌ أُخَرُ تدُلُّ على عمومِ الإنذارِ، كقَولِه تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم: 97]، وقَولِه: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، وقَولِه: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: 14]، فكيف الجَمْعُ؟
الجوابُ: أنَّ الإنذارَ في الحقيقةِ عامٌّ، وإنَّما خُصَّ في بعضِ الآياتِ بالمؤمِنينَ؛ لبيانِ أنَّهم هم المنتَفِعونَ به دونَ غَيرِهم، كما قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، وبيَّن أنَّ الإنذارَ وعَدَمَه سواءٌ بالنِّسبةِ إلى إيمانِ الأشقياءِ، بقَولِه: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [82] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 197). [البقرة: 6].
23- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أنَّه كُلَّما كان الإنسانُ أتْبَعَ للقُرآنِ كان أشَدَّ تأثُّرًا به، وبهذا نَعرِفُ القاعِدةَ الَّتي ذَكَرها بعضُ العُلماءِ: «الطَّاعةُ تَجلِبُ الطَّاعةَ، والمعصيةُ تَجلِبُ المعصيةَ» [83] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 39). .
24- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ذُكِرَت الخَشيةُ بعدَ الاتِّباعِ؛ لأنَّها لا تَحصُلُ إلَّا به [84] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 304). .
25- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أنَّه لا يَنتَفِعُ مِن إنذارِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَّا مَنِ اتَّصَفَ بهذَينِ الوصفَينِ [85] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 38). .
26- قَولُه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ فيه لطيفةٌ: وهي أنَّ الرَّحمةَ تُورِثُ الاتِّكالَ والرَّجاءَ، فقال: مع أنَّه رحمنٌ ورحيمٌ فالعاقِلُ لا ينبغي أن يَترُكَ الخَشيةَ؛ فإنَّ كُلَّ مَن كانت نِعمتُه بسببِ رحمتِه أكثَرَ، فالخَوفُ منه أتَمُّ؛ مَخافةَ أن يَقطَعَ عنه النِّعَمَ المتواتِرةَ. وتَكملةُ اللَّطيفةِ: هي أنَّ مِن أسماءِ الله اسمَينِ يَختصَّانِ به؛ هما اللهُ والرَّحمنُ، كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء: 110]، حتى قال بعضُ الأئِمَّةِ: هما عَلَمانِ. إذا عرَفْتَ هذا فاللهُ اسمٌ يُنبئُ عن الهَيبةِ، والرَّحمنُ يُنبئُ عن الرَّحمةِ، فقال في موضِعٍ: يَرْجُو اللَّهَ [الأحزاب: 21] [الممتحنة: 6]، وقال هاهنا: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ؛ يعني: مع كَونِه ذا هَيبةٍ لا تَقطَعوا عنه رجاءَكم، ومع كَونِه ذا رحمةٍ لا تأمَنوه [86] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/257). .
27- في قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ التَّعبيرُ بوَصفِ «الرحمن» دونَ اسمِ الجَلالةِ؛ لِوَجهينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ المُشرِكينَ كانوا يُنكِرونَ اسمَ «الرحمن» كما قال تعالى: قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: 60].
الوَجهُ الثَّاني: الإشارةُ إلى أنَّ رَحمتَه لا تَقْتَضي عدَمَ خَشيتِه؛ فالمؤمِنُ يخشَى اللهَ مع عِلمِه برَحمتِه؛ فهو يرجو الرَّحمةَ [87] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/354). ، وكلَّما عَظُمَتْ خشيتُك للهِ عَظُمَت رحمةُ اللهِ بك؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا خافه الإنسانُ وخشِيَه فإنَّه يَرحمُه؛ لأنَّه ما مِن إنسانٍ يخشَى اللهَ حقيقةً إلَّا سيَقومُ بأوامِرِه، ويَجتَنِبُ نواهيَه، وحينَئذٍ يكونُ مُتَعَرِّضًا للرَّحمةِ [88] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 35). .
28- في قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أنَّ الخشيةَ إنَّما تكونُ خشيةً حقيقيَّةً إذا كانت بالغَيبِ، أمَّا مَن خَشِيَ اللهَ تعالى بالعلانيةِ فقد تكونُ خشيتُه مَدخولةً؛ قد يَكونُ خَشِيَ اللهَ عزَّ وجلَّ مِن أجْلِ أنَّ الناسَ يَرَوْنَه! لكنْ إذا كان بالغَيبِ كان أَدَلَّ على الإخلاصِ [89] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 39). ، وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
29- في قَولِه تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ هل تَنطَبِقُ هذه البِشارةُ على كلِّ واحدٍ بعَينِه ممَّنِ اتَّصَفَ بهذَينِ الوصفَينِ: اتِّباعِ الذِّكْرِ، وخشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالغَيبِ؟
الجوابُ: لا، بل هي على سَبيلِ العمومِ، وكلُّ شَخصٍ اتَّصَفَ بما تَثبُتُ به الجنَّةُ على سبيلِ العُمومِ فإنَّنا لا نَشهَدُ له بعَينِه، ولكن يُرجَى له ذلك؛ لأنَّه في الظَّاهرِ قد انطبَقَ عليه سبَبُ الاستِحقاقِ، لكِنِ الباطِنُ لا نَعلَمُه [90] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 39). ، ولا نَدري ما يُختَمُ له به.
30- في قَولِه تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أنَّ البِشارةَ تكونُ بانتِفاءِ ما يُكْرَهُ، وبحُصولِ ما يُحَبُّ، سواءٌ حَصَل الأمْران معًا، أو حَصَل أحدُهما؛ فقولُه: بِمَغْفِرَةٍ فيه انتفاءُ ما يُكْرَهُ، وقولُه: وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فيه حُصولُ محبوبٍ [91] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 41). .
31- قَولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى فيه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى يُحيي قَلْبَ مَن يَشاءُ مِنَ الكُفَّارِ الَّذين قد ماتت قُلوبُهم بالضَّلالةِ، فيَهديهم بعدَ ذلك إلى الحَقِّ، كما قال تعالى بعدَ ذِكرِ قَسوةِ القُلوبِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: 17]، ووَجْهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى ذَكَر هذا بعدَ أنْ ذَكَر انقِسامَ النَّاسِ إلى: مَن يَخشَى اللهَ بالغَيبِ ويَتَّبِعُ الذِّكْرَ، ومَن لم يَكُنْ كذلكَ؛ ففيه إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ قادِرٌ على أنْ يَرُدَّ هؤلاء إلى الحَقِّ [92] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 51). .
32- في قَولِه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أنَّ اللهَ تعالى يَذكُرُ نفْسَه أحيانًا بصيغةِ العَظَمةِ، ومِثلُه قَولُه تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1]، وقولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، وأحيانًا يَذكُرُ نَفْسَه بصيغةِ الواحدِ، مِثلُ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، ووَجهُ ذلك: أنَّه واحدٌ عظيمٌ؛ فباعتبارِ الصِّفةِ يأتي ضميرُ العَظَمةِ، وباعتبارِ الوَحدانيَّةِ يأتي ضميرُ الواحِدِ [93] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 268). .
33- في قَولِه تعالى: مَا قَدَّمُوا أنَّ اللهَ تعالى يَكتُبُ كلَّ شيءٍ -القليلَ والكثيرَ-؛ فإنَّ «ما» اسمٌ موصولٌ، والاسمُ الموصولُ يَشْملُ الصَّغيرَ والكبيرَ، ويدُلُّ لذلك قولُه تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف: 49]، ويدُلُّ عليه أيضًا في آخرِ الآيةِ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [94] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة يس)) (ص: 52). .
34- في قَولِه تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ حُجَّةٌ على المعتزلةِ والقَدَريَّةِ؛ إذِ الإيمانُ والكفرُ والخَيرُ والشَّرُّ شَيءٌ كلُّه، فإذا كان مُحصًى في كتابِه قبْلَ الفِعلِ، فهل يَجري الفِعلُ إلَّا عليه [95] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/719). ؟! وذلك على القولِ بأنَّ الإمامَ هو اللَّوحُ المحفوظُ.

 بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ القَسَمُ بالقُرآنِ كِنايةٌ عن شَرَفِ قَدْرِه وتَعظيمِه عندَ اللهِ تعالى، وذلك هو المقصودُ مِن الآياتِ الأُوَلِ مِن هذه السُّورةِ، والمقصودُ مِن هذا القسَمِ تأْكيدُ الخبَرِ مع ذلك التَّنويهِ [96] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/345). .
- وفي تَخصيصِ القُرآنِ بالإقسامِ به أوَّلًا، وبوَصفِه بـ الْحَكِيمِ ثانيًا: تَنويهٌ بشَأْنِه، وتَنبيهٌ على أنَّه كما يَشهَدُ برِسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن حيثُ نَظْمُه المعجِزُ المُنطوي على بَدائعِ الحِكَمِ، يَشهَدُ بها مِن هذه الحيثيَّةِ أيضًا؛ لِمَا أنَّ الإقسامَ بالشَّيءِ استِشهادٌ به على تَحقُّقِ مَضمونِ الجُملةِ القَسَميَّةِ، وتَقويةٌ لِثُبوتِه؛ فيَكونُ شاهدًا به، ودَليلًا عليه قَطْعًا [97] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/158، 159). .
2- قولُه تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تَأْكيدُ هذا الخبَرِ بالقسَمِ وحَرْفِ التَّأكيدِ، ولامِ الابتِداءِ: باعتبارِ كَونِه مُرادًا به التَّعريضُ بالمشركينَ الَّذين كذَّبوا بالرِّسالةِ؛ فهو تأْنيسٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَعريضٌ بالمشركينَ؛ فالتَّأكيدُ بالنِّسبةِ إليه زِيادةُ تَقريرٍ، وبالنِّسبةِ للمعنى الكِنائيِّ لِرَدِّ إنكارِهم [98] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/158)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/345، 346). .
3- قولُه تعالى: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ المقصودُ منه الإيقاظُ إلى عَظَمةِ الشَّريعةِ، وبَيانُ أنَّها أقوَمُ الشَّرائعِ وأعدَلُها، كما يُعرِبُ عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ، والوَصفُ بعدَ إثباتِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُرسَلٌ كغَيرِه مِن الرُّسلِ. وعَلَى للاستِعلاءِ الَّذي هو بمَعنى التَّمكُّنِ، وليس الغرَضُ مِن الإخبارِ به عن المخاطَبِ إفادةَ كَونِه على صِراطٍ مُستقيمٍ؛ لأنَّ ذلك مَعلومٌ حُصولُه مِن الأخبارِ مِن كَونِه أحَدَ المرسَلينَ، ولكنَّ الغرَضَ الجمْعُ بيْنَ حالِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبيْنَ حالِ دِينِه؛ لِيَكونَ العِلمُ بأنَّ دِينَه صِراطٌ مُستقيمٌ عِلمًا مُستقلًّا لا ضِمْنيًّا [99] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/4)، ((تفسير البيضاوي)) (4/263)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/7)، ((تفسير أبي السعود)) (7/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/346). .
4- قولُه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
- قولُه: تَنْزِيلَ مَصدرٌ بمَعنى المفعولِ؛ وعُبِّر بالتَّنزيلِ عن القُرآنِ بَيانًا لِكَمالِ عَراقتِه في كَونِه مُنزَّلًا مِن عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ كأنَّه نفْسُ التَّنزيلِ، وإظهارًا لِفَخامتِه الإضافيَّةِ بعدَ بَيانِ فَخامتِه الذَّاتيَّةِ بوَصفِه بالحِكمةِ. وقيل: مَصدرٌ مُؤكِّدٌ لِفِعلِه المُضمَرِ، أي: نُزِّلَ تَنزيلَ العزيزِ الرَّحيمِ، على أنَّه استِئنافٌ مَسوقٌ لِبَيانِ ما ذُكِرَ مِن فَخامةِ شأْنِ القُرآنِ، وعلى كلِّ تَقديرٍ ففيهِ فَضْلُ تأْكيدٍ لِمَضمونِ الجُملةِ القَسَميَّةِ [100] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/347). .
- وأيضًا قولُه: تَنْزِيلَ قُرِئَ بالرَّفعِ تَنْزِيلُ [101] تقدَّمت الإشارةُ إلى هذه القراءةِ (ص: 11). على أنَّه خبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ؛ للعِلمِ به، وهذا مِن مَواقعِ حَذْفِ المُسنَدِ إليه المُسمَّى الحذْفَ الجاريَ على مُتابَعةِ الاستِعمالِ في أمثالِه؛ وذلك أنَّ العرَبَ إذا أجْرَوا حَديثًا على شَيءٍ، ثمَّ أخبَروا عنه، الْتَزَموا حَذْفَ ضَميرِه الَّذي هو مُسنَدٌ إليه؛ إشارةً إلى التَّنويهِ به كأنَّه لا يَخْفى. وعلى قِراءةِ تَنْزِيلَ بالنَّصبِ على تَقديرِ: أعني -على وجهٍ-؛ فيَكونُ المعنى: أعني مِن قَسَمي قُرآنًا نَزَّلتُه، وتلك العِنايةُ زِيادةٌ في التَّنويهِ بشَأْنِه، وهي تُعادِلُ حَذْفَ المُسنَدِ إليه الَّذي في قِراءةِ الرَّفعِ [102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/346، 347). .
- وأُضِيفَ التَّنزيلُ إلى اللهِ بعُنوانِ صِفَتيِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ لأنَّ ما اشتمَلَ عليه القرآنُ لا يَعْدو أنْ يكونَ مِن آثارِ عِزَّةِ اللهِ تعالى؛ وهو ما فيه مِن حمْلِ النَّاسِ على الحقِّ، وسُلوكِ طَريقِ الهُدى دونَ مُصانَعةٍ ولا ضَعْفٍ، مع ما فيه مِن الإنذارِ والوعيدِ على العِصيانِ والكُفرانِ، أو أنْ يكونَ مِن آثارِ رَحمتِه؛ وهو ما في القُرآنِ مِن نَصْبِ الأدلَّةِ، وتَقريبِ البعيدِ، وكَشفِ الحقائقِ للنَّاظرينَ، مع ما فيه مِن البِشارةِ للَّذين يَكونونَ عندَ مَرْضاةِ اللهِ تعالى، وذلك هو ما ورَدَ بَيانُه بعدُ إجمالًا مِن قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس: 6]، ثمَّ تَفصيلًا بقولِه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ [يس: 7]، وبقولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/347). [يس: 11].
- وأيضًا في تَخصيصِ الاسمَينِ الكَريمَينِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ المُعرِبَينِ عن الغَلَبةِ التَّامَّةِ، والرَّأفةِ العامَّةِ: حَثٌّ على الإيمانِ تَرْهيبًا وتَرْغيبًا، وإشعارٌ بأنَّ تَنزيلَه ناشئٌ عن غايةِ الرَّحمةِ، حسبَما نطَقَ به قولُه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [104] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/159). [الأنبياء: 107].
5- قولُه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
- قولُه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ اقتُصِرَ على الإنذارِ؛ لأنَّ أوَّلَ ما ابتُدِئَ به القومُ مِن التَّبليغِ إنذارُهم جَميعًا بما تَضمَّنَته أوَّلُ سُورةٍ نَزَلَت مِن قولِه: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7] الآيةَ، وما تَضمَّنَته سُورةُ (المُدثِّرِ)؛ لأنَّ القومَ جميعًا كانوا على حالةٍ لا تُرضِي اللهَ تعالى؛ فكان حالُهم يَقْتضي الإنذارَ؛ لِيُسْرِعوا إلى الإقلاعِ عن ذلك [105] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/347، 348). .
- وفُرِّعَ على قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ قولُه: فَهُمْ غَافِلُونَ، أي: فتَسبَّبَ على عَدَمِ إنذارِ آبائِهم أنَّهم مُتَّصِفون بالغَفلةِ وَصْفًا ثابتًا، والغفلةُ هنا كِنايةٌ عن الإهمالِ والإعراضِ عمَّا يَحِقُّ التَّنبُّهُ إليه. وقيل: مُتعلِّقٌ بقولِه تعالى: لِتُنْذِرَ، أو بما يُفِيدُه إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس: 3]، واردٌ لِتَعليلِ إنذارِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو إرسالِه بغَفْلَتِهم المُحْوِجةِ إليهما، على أنَّ الضَّميرَ للقومِ خاصَّةً، فالمعنى: فهُمْ غافلُون عنه، أي: عمَّا أُنذِرَ آباؤهم الأقدَمونَ؛ لامتِدادِ المُدَّةِ [106] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/348). .
6- قولُه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ هذا تَفصيلٌ لحالِ القومِ الَّذين أُرسِلَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُنذِرَهم، فهُمْ قِسْمانِ: قِسْمٌ لم تَنفَعْ فيهم النِّذارةُ، وقِسْمٌ اتَّبَعوا الذِّكْرَ، وخافُوا اللهَ، فانْتَفَعوا بالنِّذارةِ [107] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/348). .
- وقولُه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ جَوابُ القَسَمِ المحذوفِ، أيْ: واللهِ لقدْ ثبَتَ وتَحقَّقَ عليهم القولُ الْبَتَّةَ بسَببِ إصرارِهم على الكُفرِ والإنكارِ [108] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/159)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/175). .
- والفاءُ في قولِه: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لِتَفريعِ انتفاءِ إيمانِ أكثَرِهم على القولِ الَّذي حقَّ على أكثَرِهم، والمَقولُ مَحذوفٌ؛ لِدَلالةِ تَفريعِه عليه، والتَّقديرُ: لقدْ حقَّ القولُ أنَّهم لا يُؤمِنون فهمْ لا يُؤمِنون [109] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/349). .
7- قولُه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
- قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ يَجوزُ أنْ يكونَ تَمثيلًا؛ بأنْ شُبِّهَت حالةُ إعراضِهم عن التَّدبُّرِ في القُرآنِ ودَعوةِ الإسلامِ، والتَّأمُّلِ في حُجَجِه الواضحةِ: بحالِ قَومٍ جُعِلَت في أعناقِهم أغلالٌ غَليظةٌ تَرتفِعُ إلى أذقانِهم، فيَكونونَ كالمُقْمَحينَ، أي: الرَّافِعينَ رُؤوسَهم، الغاضِّينَ أبصارَهم، لا يَلتفِتون يَمينًا ولا شِمالًا، فلا يَنظُرون إلى شَيءٍ ممَّا حَوْلَهم؛ فتَكونَ تمثيليَّةً، وذِكرُ فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ؛ لِتَحقيقِ كَونِ الأغلالِ مَلْزوزةً -أي: واصلةً- إلى عِظامِ الأذقانِ، بحيثُ إذا أراد المغلولُ منهم الالتِفاتَ أو أنْ يُطأطِئَ رأْسَه، وجَعَه ذَقَنُه، فلازَمَ السُّكونَ، وهذه حالةُ تَخييلِ هذه الأغلالِ، وليس كلُّ الأغلالِ مِثلَ هذه الحالةِ. وهذا التَّمثيلُ قابلٌ لِتَوزيعِ أجزاءِ المُركَّبِ التَّمثيليِّ إلى تَشبيهِ كلِّ جُزءٍ مِن الحالَينِ بجُزءٍ مِن الحالةِ الأُخرى؛ بأنْ يُشبَّهَ ما في نُفوسِهم مِن النُّفورِ عن الخَيرِ بالأغلالِ، ويُشَبَّهَ إعراضُهم عن التَّأمُّلِ والإنصافِ بالإقماحِ. ويجوزُ أنْ يكونَ قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ... إلخ وَعيدًا بما سيَحُلُّ بهم يومَ القِيامةِ حينَ يُساقُون إلى جَهنَّمَ في الأغلالِ، كما أشار إليه قولُه تعالى: إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ في سُورةِ (غافرٍ) [71، 72]؛ فيَكونَ فِعلُ جَعَلْنَا مُستقبَلًا، وعُبِّرَ عنه بصِيغةِ الماضي لِتَحقيقِ وُقوعِه، كقولِه تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1]، أي: سنَجْعَلُ في أعناقِهم أغلالًا [110] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/5)، ((تفسير البيضاوي)) (4/264)، ((تفسير أبي حيان)) (9/49، 50)، ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/349، 350)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/176). .
- قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا في تَنكيرِ أَغْلَالًا مُبالَغةٌ في تَعظيمِها، وتَهويلِ أمْرِها [111] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/178). .
8- قولُه تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هذا إمَّا تَتِمَّةٌ للتَّمثيلِ وتَكميلٌ له أيَّ تَكميلٍ، أي: وجَعَلْنا مع ما ذُكِرَ مِن أمامِهم سَدًّا عظيمًا، ومِن ورائِهم سَدًّا كذلك، فغطَّيْنا بها أبصارَهم؛ فهمْ بسَببِ ذلك لا يَقدِرونَ على إبصارِ شَيءٍ ما أصلًا. وإمَّا تَمثيلٌ مُستقِلٌّ؛ فإنَّ ما ذُكِرَ مِن جَعلِهم مَحصورينَ بيْنَ سَدَّينِ هائلَينِ قد غطَّيَا أبصارَهم بحيث لا يُبصِرون شيئًا قطعًا؛ كافٍ في الكَشفِ عن كَمالِ فَظاعةِ حالِهم، وكونِهم مَحبوسينَ في ظُلُماتِ الغَيِّ والجَهالاتِ، مَحرومينَ عن النَّظرِ في الأدلَّةِ والآياتِ [112] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/264)، ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/350)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/178). .
- وإعادةُ فِعلِ وَجَعَلْنَا -إذا كان معنى قولِه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا [يس: 8]، أي: جَعَلنا حالَهم كحالِ مَن في أعناقِهم أغلالٌ، فهي إلى الأذقانِ فهمْ مُقْمَحون- تأْكيدٌ لهذا الجَعْلِ. وأمَّا إذا كانت وَعيدًا بما سيَحُلُّ بهم يومَ القِيامةِ حينَ يُساقونَ إلى جهنَّمَ في الأغلالِ: فإعادةُ فِعلِ وَجَعَلْنَا لأنَّه جَعْلٌ حاصلٌ في الدُّنيا، فهو مُغايِرٌ للجَعلِ الحاصلِ يومَ القيامةِ؛ فيكونُ فِعلُ (جَعَلْنا) مُستقبَلًا، وعُبِّرَ عنه بصِيغةِ الماضي لِتَحقيقِ وُقوعِه [113] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/351). .
- قولُه: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ تَفريعٌ على كِلا الفِعلَينِ: جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا [يس: 8] وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا؛ لأنَّ في كِلا الفِعلَينِ مانعًا مِن أحوالِ النَّظرِ، وفي الكلامِ اكتِفاءٌ عن ذِكرِ ما يَتفرَّعُ ثانيًا على تَمثيلِهم بمَن جُعِلوا بيْنَ سَدَّينِ مِن عَدَمِ استطاعةِ التَّحوُّلِ عمَّا همْ عليه [114] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/351). .
- قولُه: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ الإغشاءُ: وَضْعُ الغِشاءِ، وهو ما يُغطِّي الشَّيءَ، والمرادُ: أغشَيْنا أبصارَهم؛ ففي الكلامِ حَذْفُ مُضافٍ دلَّ عليه السِّياقُ، وأكَّدَه التَّفريعُ بقولِه: فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، وتَقديمُ المُسنَدِ إليه على المُسنَدِ الفِعليِّ؛ لإفادةِ تَقَوِّي الحُكمِ، أي: تَحقيقِ عدَمِ إبصارِهم [115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/352). .
9- قولُه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بَيانٌ لِشَأنِهم بطَريقِ التَّصريحِ والتَّوبيخِ، إثْرَ بَيانِه بطَريقِ التَّمثيلِ، أي: مُستَوٍ عندَهم إنذارُك إيَّاهم وعدَمُه [116] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/179). .
- وقولُه: لَا يُؤْمِنُونَ استِئنافٌ مُؤكِّدٌ لِمَا قبْلَه، مُبيِّنٌ لِمَا فيه مِن إجمالِ ما فيه الاستِواءُ، أو حالٌ مُؤكِّدةٌ له [117] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/352)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/179). .
10- قولُه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
- لَمَّا كان الإقبالُ على سَماعِ القُرآنِ مُفْضيًا إلى الإيمانِ بما فيه؛ لأنَّه يُداخِلُ القلْبَ؛ أُتبِعَت صِلةُ اتَّبَعَ الذِّكْرَ بجُملةِ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ؛ فكان المرادُ مِنِ اتِّباعِ الذِّكرِ أكمَلَ أنواعِه الَّذي لا يَعقُبُه إعراضٌ، فهو مُؤَدٍّ إلى امتثالِ المتَّبِعينَ ما يَدْعوهم إليه، وهؤلاء همُ المؤمنونَ؛ تَنويهًا بشَأْنِهم وبشأنِ الإنذارِ، فهذا قَسيمُ قولِه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ [يس: 7]، وهو بَقيَّةُ تَفصيلِ قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا [يس: 6]، والغرَضُ تَقويةُ داعيةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الإنذارِ، والثَّناءُ على الَّذين قَبِلوا نِذارتَه فآمَنوا [118] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/353). .
- والتَّعبيرُ بفِعلِ المُضِي (اتَّبَعَ - وَخَشِيَ)؛ للدَّلالةِ على تَحقيقِ الاتِّباعِ والخَشيةِ، والمرادُ: ابتِداءُ الاتِّباعِ [119] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/353). .
- وفي قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ دَلَّ لَفْتُ الكلامِ عن مَظهَرِ العَظَمةِ إلى الوَصفِ بالرَّحمانيَّةِ على أنَّ أهلَ الخَشيةِ يَكفيهم في الاتِّعاظِ التَّذكيرُ بالإحسانِ [120] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/99). .
- والقَصرُ المُستفادُ مِن قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ -وهو قَصرُ الإنذارِ على التَّعلُّقِ بمَن اتَّبَع الذِّكرَ وخشِيَ اللهَ- هو بالتَّأويلِ الَّذي تُؤُوِّلَ به معنى فِعلِ تُنْذِرُ -أي: حُصولُ فائدةِ الإنذارِ- يكونُ قَصرًا حقيقيًّا، وإنْ كان فِعلُ تُنْذِرُ على ظاهرِ استِعمالِ الأفعالِ -وهو الدَّلالةُ على وُقوعِ مَصادرِها- فالقَصرُ ادِّعائيٌّ [121] القَصرُ أو الحَصرُ في اصطِلاحِ البلاغيِّينَ: هو تَخصيصُ شَيءٍ بشَيءٍ وحصْرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأوَّلُ: مَقصورًا، والثَّاني: مقصورًا عليه؛ مِثلُ: إنَّما زيدٌ قائمٌ، و: ما ضرَبْتُ إلَّا زيدًا. ويَنقسِمُ إلى قصرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادِّعائيٍّ، وقَصْرِ قَلْبٍ؛ فالحقيقيُّ هو: أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَبِ الحقيقةِ والواقِعِ، بألَّا يَتعدَّاه إلى غيرِه أصلًا، مِثلُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ حيثُ قُصِر وصْفُ الإلَهيَّةِ الحقِّ على مَوصوفٍ هو اللهُ وحْدَه، وهذا مِن قصرِ الصِّفةِ على الموصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والإضافيُّ: أن يكونَ المقصورُ عنه شيئًا خاصًّا، يُرادُ بالقصرِ بيانُ عدَمِ صحَّةِ ما تصوَّره بشأنِه أو ادَّعاه المقصودُ بالكلامِ، أو إزالةُ شكِّه وتردُّدِه إذا كان الكلامُ كلُّه منحصرًا في دائرةٍ خاصَّةٍ؛ فليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنَّما هو قصرٌ بالإضافةِ إلى موضوعٍ خاصٍّ، يَدورُ حوْلَ احتمالَينِ أو أكثَرَ مِن احتمالاتٍ محصورةٍ بعددٍ خاصٍّ، ويُستدَلُّ عليها بالقرائنِ، مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144]. والادِّعائيُّ: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مَبنيًّا على الادِّعاءِ والمبالَغةِ، بتنزيلِ غيرِ المذكورِ مَنزِلةَ العدَمِ، وقصْرِ الشَّيءِ على المذكورِ وحْدَه. وقصْرُ القَلبِ: أن يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السَّامعِ، كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ مُعَيَّنةٍ أو طرَفٍ مُعَيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زَيْدٌ هناك بشاعِرٍ. وللقَصرِ طُرُقٌ كثيرة؛ منها: القصرُ بالنَّفيِ والاستثناءِ، والقصرُ بـ (إنَّما)، والقصرُ بتقديمِ ما حَقُّه التأخيرُ، وغيرُ ذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسَّكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118) و(3/6)، ((التعريفات)) للجُرْجاني (1/175، 176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167، 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525). ، بتَنزيلِ إنذارِ الَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ ولم يَخْشَوا مَنزِلةَ عدَمِ الإنذارِ في انتفاءِ فائدتِه، وفي ذلك كِنايةٌ تَعريضيَّةٌ بأنَّ الَّذينَ لم يَنتَفِعوا بالإنذارِ بمَنزلةِ الأمواتِ؛ لِعَدَمِ انتفاعِهم بما يَنفَعُ كلَّ عاقلٍ [122] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/354). .
- قولُه: تُنْذِرُ بصيغةِ المضارعِ أفاد تجديدَ الإنذارِ للمتَّبِعينَ [123] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 304). .
- والفاءُ في قولِه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ؛ لِتَرتيبِ البِشارةِ أو الأمْرِ بها على ما قبْلَها مِنِ اتِّباعِ الذِّكرِ والخَشيةِ [124] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/161)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/353). .
- والجمْعُ بيْن تُنْذِرُ وفَبَشِّرْهُ فيه طِباقٌ [125] الطِّباق: هو الجمْعُ بيْنَ مُتضادَّينِ مع مُراعاةِ التَّقابُلِ؛ كالبياضِ والسَّوادِ، واللَّيلِ والنَّهارِ. وهو قِسْمانِ: لَفظيٌّ، ومعنويٌّ؛ فمِنَ الطِّباقِ اللَّفظيِّ: قولُه تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا [التوبة: 82]؛ طابَقَ بيْنَ الضَّحِكِ والبُكاءِ، والقليلِ والكثيرِ. ومِن الطِّباقِ المعنويِّ: قولُه تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: 15، 16]؛ معناه: ربُّنا يَعلَمُ إنَّا لَصادِقون. ومنه: طباقٌ ظاهرٌ، وهو ما كان وجْهُ الضِّدِّيَّةِ فيه واضحًا. وطباقٌ خفيٌّ: وهو أن تكونَ الضِّديَّةُ في الصُّورةِ مُتوهَّمةً، فتبدو المُطابَقةُ خفيَّةً لِتَعلُّقِ أحدِ الرُّكنَينِ بما يُقابِلُ الآخَرَ تعلُّقَ السَّببيَّةِ أو اللُّزومِ؛ كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: 25]؛ فإنَّ إدخال النَّارِ يَستلزِمُ الإحراقَ المُضادَّ للإغراقِ. ومنه: قولُه تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179]؛ لأنَّ معنى القِصاصِ القتلُ، فصار القتلُ سببَ الحياةِ. وهذا مِن أمْلَحِ الطِّباقِ وأخفاهُ. يُنظر: ((الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري)) للآمدي (1/288، 289)، ((عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح)) لبهاء الدين السبكي (2/225 - 233)، ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/455 - 457)، ((البلاغة العربية)) لحبنكة (2/377 - 381)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 567). ، مع بَيانِ أنَّ أوَّلَ أمْرِهم الإنذارُ، وعاقبتَهُ التَّبشيرُ [126] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/353). .
- قَولُه: وَأَجْرٍ كَرِيمٍ الأجْرُ: هو الثَّوابُ على الإيمانِ والطَّاعاتِ، ووَصْفُه بالكريمِ؛ لأنَّه الأفضلُ في نَوعِه [127] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/354). .
- وذَكَر الأجرَ بعدَ المغفرةِ؛ لأنَّ التَّحليةَ بعدَ التَّخليةِ، والتَّزَيُّنَ بعدَ إزالةِ الأدْرانِ [128] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 304). .
11- قولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
- لَمَّا اقْتَضى القصرُ في قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [يس: 11] نفْيَ أنْ يَتعلَّقَ الإنذارُ بالَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ ولم يَخْشَوُا الرَّحمنَ، وكان في ذلك كِنايةٌ تَعريضيَّةٌ بأنَّ الَّذين لم يَنتفِعوا بالإنذارِ بمَنزِلةِ الأمواتِ؛ لِعَدمِ انتفاعِهم بما يَنفَعُ كلَّ عاقلٍ- استُطْرِدَ عقِبَ ذلك بالتَّخلُّصِ إلى إثباتِ البعثِ؛ فإنَّ التَّوفيقَ الَّذي حُفَّ بمَن اتَّبَعَ الذِّكرَ وخشِيَ الرَّحمنَ هو كإحياءِ الميِّتِ؛ لأنَّ حالةَ الشِّركِ حالةُ ضَلالٍ يُشبِهُ الموتَ، والإخراجَ منه كإحياءِ الميِّتِ [129] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/354، 355). . وقولُه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ على ذلك استِئنافٌ ابتدائيٌّ لِقَصدِ إنذارِ الَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ، ولم يَخْشَوُا الرَّحمنَ، وهمُ الَّذين اقْتَضاهم جانبُ النَّفيِ في صِيغةِ القصْرِ في قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ. ويجوزُ أنْ يكونَ إحياءُ الموتَى تَوفيقَ مَن آمَنَ مِن الناسِ إلى الإيمانِ، كما قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام: 122] الآيةَ؛ فتَكونَ الجُملةُ امتِنانًا على المؤمنينَ بتَيسيرِ الإيمانِ لهم، ومَوقعُ الجُملةِ مَوقعُ التَّعليلِ لِقَولِه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [130] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/354). [يس: 11].
- وفي قولِه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ التَّأكيدُ بحَرفِ (إنَّ)، وضَميرُ الفصلِ (نحن) للتَّقويةِ، وهو زِيادةُ تأْكيدٍ، والمعنى: نُحْييهم للجزاءِ؛ فلذلك عُطِفَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا، أي: نُحْصي لهم أعمالَهم مِن خَيرٍ وشرٍّ قدَّموها في الدُّنيا لِنُجازِيَهم، وعَطْفُ ذلك إدماجٌ [131] الإدماجُ: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرَضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الَّذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضَمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحَمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المبالَغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مُبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 225)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). للإنذارِ والتَّهديدِ بأنَّهم مُحاسَبون على أعمالِهم، ومُجازَون عليها [132] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/355). .
- والمُرادُ بكِتابةِ ما قدَّموا في قولِه: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ الكِنايةُ عن الوعدِ بالثَّوابِ على أعمالِهم الصَّالحةِ، والثَّوابِ على آثارِهم، وكِنايةٌ عن الإحصاءِ، وعدَمِ إفلاتِ شَيءٍ مِن أعمالِهم أو إغفالِه، وهذا الاعتبارُ يُناسِبُه الاستِئنافُ الابتِدائيُّ؛ لِيَكونَ الانتقالُ بابتداءِ كلامٍ مُنبِّهًا السَّامعَ إلى ما اعتبَرَه المُتكلِّمُ في مَطاوي كَلامِه [133] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/355). .
- وأخَّرَ الكِتابةَ في الذِّكرِ مع أنَّ الكِتابةَ قبْلَ الإحياءِ، فلم يَقُلْ: «نكتُبُ ما قَدَّموا ونُحييهم»؛ وذلك لأنَّ الكتابةَ مُعظِّمةٌ لأمرِ الإحياءِ؛ لأنَّ الإحياءَ إن لم يكُنْ للحِسابِ لا يُعَظَّمُ، والكِتابةُ في نَفْسِها إنْ لم تكُنْ إحياءً وإعادةً لا يبقَى لها أثَرٌ أصلًا؛ فالإحياءُ هو المُعتبَرُ، والكِتابةُ مُؤكِّدةٌ مُعظِّمةٌ لأمرِه؛ فلهذا قدَّم الإحياءَ، ولأنَّه لَمَّا قال: إِنَّا نَحْنُ وذلك يفيدُ العَظَمةَ والجَبَروتَ، والإحياءُ عَظيمٌ يختَصُّ باللهِ، والكتابةُ دُونَه؛ فقَرَن بالتَّعريفِ الأمرَ العَظيمَ، وذكَرَ ما يُعظِّمُ ذلك العظيمَ [134] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/258). .
- والإحصاءُ: حَقيقتُه العدُّ والحسابُ، وهو هنا كِنايةٌ عن الإحاطةِ والضَّبطِ، وعدَمِ تَخلُّفِ شَيءٍ عن الذِّكرِ والتَّعيينِ؛ لأنَّ الإحصاءَ والحسابَ يَستلزِمُ ألَّا يَفوتَ واحدٌ مِن المحسوباتِ [135] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/356). .