موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (69-89)

ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ

غَريبُ الكَلِماتِ:


عَاكِفِينَ: أي: مُقيمينَ، والعُكُوفُ: الإقبالُ على الشَّيءِ ومُلازمتُه على سَبيلِ التَّعظيمِ له، وأصلُ (عكف): يدُلُّ على الإقبالِ والحَبسِ [437] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 328)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 579)، ((تفسير القرطبي)) (11/237)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 658).   .
لِسَانَ صِدْقٍ: أي: ذِكرًا وثناءً حَسَنًا، وأصلُ (صدق): يدُلُّ على قُوَّةٍ في الشَّيءِ قَولًا وغيرَه [438] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 274)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/339) و(5/246)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 224)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 801).   .
تُخْزِنِي: أي: تَفضَحْني وتُذِلَّني، وأصلُ الخزيِ: الإبعادُ [439] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/90)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/179)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 165)، ((تفسير القرطبي)) (9/77).   .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
الاستِثناءُ في قَولِه تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ فيه وجهانِ؛ أحدُهما: أنَّه مُنقطِعٌ، أي: لكِنْ من أتى اللهَ بقَلبٍ سليمٍ فإنَّه ينفعُه ذلك... الثاني: أنَّه متَّصِلٌ.
وفي إعرابِ (مَن) وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه بَدَلٌ مِن المفعولِ المَحذوفِ، أو مُستثنًى منه؛ إذ التقديرُ: لا ينفَعُ مالٌ ولا بَنونَ أحدًا من النَّاسِ إلَّا مَن كانت هذه صِفتُه.
والثاني: أنَّ (مَن) مفعولٌ به لـ يَنْفَعُ، أي: لا ينفَعُ المالُ والبَنونَ إلَّا هذا الشَّخصَ [440] يُنظر: ((التبيان)) للعكبري (2/997)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/532)، ((المجتبى)) للخراط (3/841).   .

المعنى الإجماليُّ:


يحكي الله تعالى جانبًا مِن قصةِ إبراهيمَ عليه السلامُ، فيقولُ: واقرأْ -يا مُحمَّدُ- على قَومِك خَبَرَ إبراهيمَ حينَ قال لأبيه وقَومِه: ما هذا الذي تَعبُدونَه؟
قالوا: نَعبُدُ أصنامًا فنظَلُّ مُقيمينَ على عِبادتِها. قال لهم إبراهيمُ: هل تسمَعُ أصنامُكم دُعاءَكم حينَ تَدْعونَها، أو تنفَعُكم أو تضُرُّكم أنتم أو أعداءَكم؟ قال قومُ إبراهيمَ: لا، ولكِنَّنا وجَدْنا آباءَنا يَعبُدونَها، فنحن نعبُدُها مِثلَهم.
قال إبراهيمُ لهم: أرأيتُم هذه الأصنامَ التي تَعبُدونَها أنتم وأجدادُكم الماضون، فإنَّهم كُلَّهم عدوٌّ لي إلَّا رَبَّ العالَمينَ، الذي خلقَني فهو يُرشِدُني، والذي يَرزقُني الطَّعامَ والشَّرابَ، وإذا مَرِضتُ فهو وَحْدَه الذي يُعافيني، وهو وحْدَه الذي يُميتُني ثمَّ يَبعثُني يومَ القيامةِ، والذي أرجو أن يغفِرَ لي ذُنوبي يومَ القيامةِ.
ثمَّ أتْبَع إبراهيمُ عليه السلامُ ذلك بالتوجُّهِ إلى الله بالدعاءِ قائلًا: ربِّ أعطِني فَهمًا وعِلمًا، واجعَلْني مع الصَّالحينَ، واجعَلْ لي ثناءً حَسنًا في العالَمينَ مِن بَعدي، واجعَلْني ممَّن تُورِثُهم الجنَّةَ في الآخرةِ، واغفِرْ لأبي؛ لأنَّه كان مِن الضالِّينَ، ولا تَفْضَحْني حينَ تَبعَثُ عِبادَك؛ يومَ لا ينفَعُ أحدًا مالُه ولا أبناؤُه، إلَّا مَن لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ بقَلبٍ سَليمٍ خالصٍ مِن الشِّركِ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
اعلَمْ أنَّه تعالى ذكَرَ في أوَّلِ السُّورةِ شِدَّةَ حُزنِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسبَبِ كُفرِ قَومِه، ثمَّ إنَّه ذكَرَ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ؛ لِيَعرِفَ محمَّدٌ أنَّ مِثلَ تلك المِحنةِ كانت حاصِلةً لموسى عليه السَّلامُ، ثمَّ ذكَرَ عَقِبَها قِصَّةَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ لِيَعرِفَ مُحمَّدٌ أيضًا أنَّ حُزنَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بهذا السبَبِ كان أشَدَّ مِن حُزنِه؛ لأنَّ مِن عَظيمِ المِحنةِ على إبراهيمَ عليه السَّلامُ أن يرى أباه وقومَه في النَّارِ، وهو لا يتمَكَّنُ مِن إنقاذِهم [441] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/509).  
وأيضًا لَمَّا كانت العَرَبُ لها خُصوصيَّةٌ بإبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ أمَرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يتلوَ عليهم قَصَصَه، وما جرَى له مع قَومِه، ولم يأتِ في قِصَّةٍ مِن قِصَصِ هذه السُّورةِ أمْرُه عليه السَّلامُ بتلاوةِ قِصَّةٍ إلَّا في هذه [442] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/162).   .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69).
أي: واقرأْ -يا مُحمَّدُ- على قَومِك خبَرَ إبراهيمَ العَظيمَ [443] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/589)، ((تفسير القرطبي)) (13/109)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/47)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/137)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 150). قال القرطبي: (قَولُه تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ نبَّه المشركين على فَرطِ جَهلِهم؛ إذ رَغِبوا عن اعتقادِ إبراهيمَ ودينِه، وهو أبوهم). ((تفسير القرطبي)) (13/109). وقال السعدي: (أي: واتلُ -يا محمَّدُ- على النَّاسِ نبأَ إبراهيمَ الخليلِ، وخبَرَه الجليلَ في هذه الحالةِ بخصوصِها، وإلَّا فله أنباءٌ كثيرةٌ، ولكِنْ مِن أعجبِ أنبائِه وأفضَلِها هذا النبأُ المتضَمِّنُ لرسالتِه ودعوتِه قَومَه، ومحاجَّتِه إيَّاهم، وإبطالِه ما هم عليه؛ ولذلك قيَّده بالظَّرفِ فقال: ?  ?  ?   ...). ((تفسير السعدي)) (ص: 592). وقال ابن عاشور: (ونبأُ إبراهيمَ: قصَّتُه المذكورةُ هنا، أي: اقرأْ عليهم ما ينزِلُ عليك الآنَ مِن نبأِ إبراهيمَ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/137). .
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70).
أي: حينَ قال إبراهيمُ لأبيه وقَومِه المُشرِكين: أيُّ شَيءٍ تعبدونَ، وتُواظِبونَ على عبادتِه [444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/589)، ((تفسير القرطبي)) (13/109)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/47)، ((تفسير القاسمي)) (7/459).   ؟
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71).
أي: قال المُشرِكون لإبراهيمَ: نعبُدُ أصنامًا، فنُقيمُ على عبادتِها وَقتًا طَويلًا [445] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/589)، ((تفسير القرطبي)) (13/109)، ((تفسير ابن كثير)) (6/146)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/139). قال مكي: (لا يكونُ «ظلَّ» إلا بالنَّهارِ، كما أنَّ «باتَ» بالليلِ، واشتقاقُه مِن «الظلِّ»، و«الظلُّ» إنَّما يكونُ بالنَّهارِ؛ فلذلك لم يقَعْ «ظل» إلَّا بالنَّهارِ). ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) (7/4926). وقال الزمخشري: ((إنما قالوا: نَظَلُّ؛ لأنَّهم كانوا يعبُدونَها بالنَّهارِ دونَ اللَّيلِ). ((تفسير الزمخشري)) (3/318). وقال ابن عاشور: (... هم كانوا صابئةً يعبدون الكواكبَ، وجعلوا الأصنام رموزًا على الكواكبِ تكونُ خَلَفًا عنها في النهارِ، فإذا جاء الليلُ عبدوا الكواكِبَ الطالعةَ... وكانت الأممُ الوَثَنيةُ تَعبُدُ الوثَنَ؛ لرجاءِ نفعِه أو لدَفعِ ضَرِّه، ولذلك عَبَد بعضُهم الشياطينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/139). .
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) .
أي: قال إبراهيمُ لِقَومِه: هل تَسمَعُ أصنامُكم دُعاءَكم حينَ تَدْعونَها [446] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/268)، ((تفسير ابن جرير)) (17/589)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/139).   ؟
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73).
أي: أو هل تنفَعُكم أو تُوقِعُ الضَّرَرَ عليكم أو على أعدائِكم [447] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/590)، ((الوسيط)) للواحدي (3/355)، ((تفسير القرطبي)) (13/109).   ؟!
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74).
أي: قال قَومُ إبراهيمَ: لا تَسمَعُنا الأصنامُ، ولا تنفَعُنا ولا تضُرُّنا، ولكِنَّنا وجَدْنا آباءَنا يَعبُدونَها ويَعكُفونَ عليها، فنحنُ نقتَدي بهم [448] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/590، 591)، ((تفسير السمرقندي)) (2/557)، ((تفسير ابن كثير)) (6/146)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 155، 156).   !
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76).
أي: قال إبراهيمُ: أفرأيتُم -أيُّها القَومُ- هذه الأصنامَ التي كنتُم تَعبدونَها أنتم وأجدادُكم الماضُونَ الأوَّلونَ [449] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/591)، ((تفسير السمرقندي)) (2/557)، ((البسيط)) للواحدي (17/65)، ((تفسير القرطبي)) (13/110). قال الألوسي: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أي: أنظَرْتُم فأبصَرْتُم أو تأمَّلتُم فعَلِمتُم أيُّ شيءٍ استدَمْتُم على عبادتِه، أو أيُّ شَيء تعبدونَه). ((تفسير الألوسي)) (10/93).   .
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77).
أي: فإنَّها كُلَّها عدوٌّ لي لا أعبُدُها، وأتبرَّأُ منها، إلَّا رَبَّ العالَمينَ؛ فإنِّي أعبُدُه وحْدَه [450] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/281)، ((تفسير ابن جرير)) (17/591)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/549). قال ابن عطية: (لفظةُ عدوٍّ تقع للجَميعِ والمفرَدِ، والمؤنَّثِ والمذكَّرِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/234). وقال ابن الجوزي: (في قَولِه تعالى: إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ قولان؛ أحدُهما: أنَّه استثناءٌ مِن الجنسِ؛ لأنَّه علِمَ أنَّهم كانوا يعبدونَ اللهَ مع آلهتِهم، قاله ابن زيد. والثاني: أنَّه مِن غير الجنسِ، فالمعنى: ولكِنْ رَبُّ العالَمينَ ليس كذلك، قاله أكثَرُ النَّحْويِّينَ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/341). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/93)، ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/530)، ((تفسير الشربيني)) (3/18). .
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حكى سُبحانَه عن إبراهيمَ عليه السلامُ أنَّه استثنى ربَّ العالَمينَ؛ حكَى عنه أيضًا ما وَصَفَه به ممَّا يستَحِقُّ العبادةَ لأجْلِه [451] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/511).   .
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78).
أي: الذي أوجَدني وحْدَه مِنَ العَدَمِ، ويُرشِدُني لِمَصالحي في دِيني ودُنياي [452] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/592)، ((تفسير ابن كثير)) (6/146)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/142).   .
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79).
أي: والذي يُغَذِّيني وحْدَه بالطَّعامِ والشَّرابِ [453] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/592)، ((الهداية)) لمكي (8/5318)، ((تفسير ابن كثير)) (6/146)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593).   .
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80).
أي: وإذا سَقِمَ بَدَني واعتَلَّتَ صِحَّتي فهو وحْدَه الذي يُعافيني [454] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/592)، ((تفسير ابن كثير)) (6/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   .
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81).
أي: وهو وحْدَه الذي يَقبِضُ رُوحي عند انقضاءِ أجلي، ثمَّ يبعَثُني يومَ القيامةِ ليُجازيَني [455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/592)، ((تفسير ابن كثير)) (6/147)، ((تفسير الشربيني)) (3/19).   .
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ البعثَ؛ ذَكَرَ ما يترتَّبُ عليه، فقال [456] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/53).   :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82).
أي: وهو وحْدَه الذي أرجو أن يغفِرَ لي ذُنوبي يومَ القيامةِ [457] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/592)، ((تفسير ابن كثير)) (6/147). قال ابنُ عطيةَ: (قوَلهُ: خَطِيئَتِي ذهب فيه أكثَرُ المفسِّرينَ إلى أنَّه أراد كَذِباتِه الثَّلاثَ؛ قولُه: «هي أختي»، في شأنِ سارَةَ، وقولُه: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89]، وقَولُه: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [الأنبياء: 63]. وقالت فِرقةٌ: أراد بـ «الخطيئة» اسمَ الجنسِ، فدعا في كُلِّ أمْرِه مِن غيرِ تعيينٍ. وهذا أظهَرُ عندي؛ لأنَّ تلك الثَّلاثَ قد خَرَّجها كثيرٌ مِن العلماء على المعاريضِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/235).   .
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كان في الجاهليَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المِسكينَ، فهل ذاك نافِعُه؟ قال: لا ينفَعُه؛ إنَّه لم يَقُلْ يومًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدِّينِ )) [458] رواه مسلم (214).   .
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83).
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا.
أي: ربِّ أعطِني فَهمًا، وعِلمًا كثيرًا [459] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/54)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال ابن الجوزي: (حُكْمًا فيه ثلاثةُ أقوالٍ؛ أحدُها: النبوَّةُ، قاله أبو صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ. والثاني: اللُّبُّ، قاله عِكْرِمةُ. والثالث: الفَهمُ والعلمُ، قاله مقاتلٌ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/341). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/269). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ بالحُكمِ: العِلمُ والفَهمُ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والسمعانيُّ، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/269)، ((تفسير السمعاني)) (4/54)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 485)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: النُّبوَّةُ: يحيى بنُ سلَّام، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، ومكِّي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/508)، ((تفسير ابن جرير)) (17/593)، ((تفسير السمرقندي)) (2/557)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5320). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: الحكمةُ والنبوةُ: ابنُ عطية، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/145). وقال ابنُ عاشور: (الحُكمُ: هو الحِكمةُ والنبوَّةُ... وقد كان إبراهيمُ حين دعا نبيًّا؛ فلذلك كان السؤالُ طلبًا للازديادِ؛ لأنَّ مراتِبَ الكمالِ لا حَدَّ لها بأن يُعطى الرِّسالةَ مع النبوَّةِ، أو يُعطى شريعةً مع الرِّسالةِ، أو سَأل الدَّوامَ على ذلك). ((تفسير ابن عاشور)) (19/145). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: الكمالُ في العِلمِ والعَملِ: البيضاويُّ، والشربيني، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/142)، ((تفسير الشربيني)) (3/19)، ((تفسير أبي السعود)) (6/250). قال البقاعي: (هَبْ لِي حُكْمًا أي: عملًا متقنًا بالعلمِ، وأصلُه بناءُ الشيءِ على ما تُوجِبُه الحكمةُ). ((نظم الدرر)) (14/54). وقال أبو حيان: (والظاهرُ أنَّ الحكمَ هو الفصلُ بينَ الناسِ بالحقِّ). ((تفسير أبي حيان)) (8/167). .
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
أي: واجعَلْني معَ الصَّالحينَ في الدُّنيا والآخرةِ [460] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/147). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالصالحينَ: الأنبياءُ والمرسَلونَ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والثعلبي، والسمعاني، والبغوي، والقرطبي، والنسفي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/269)، ((تفسير الثعلبي)) (7/170)، ((تفسير السمعاني)) (4/54)، ((تفسير البغوي)) (3/471)، ((تفسير القرطبي)) (13/112)، ((تفسير النسفي)) (2/568)، ((تفسير الخازن)) (3/327)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 485)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قيل: المرادُ: في المنزلةِ والدَّرجةِ، وممَّن اختاره: الثعلبيُّ، والبغوي، والقرطبي، والخازن. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/170)، ((تفسير البغوي)) (3/471)، ((تفسير القرطبي)) (13/112)، ((تفسير الخازن)) (3/327). وقال ابن جرير: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يقولُ: واجعَلْني رسولًا إلى خَلقِك؛ حتى تُلحِقَني بذلك بعِدادِ مَن أرسَلْتَه مِن رُسلِك إلى خَلقِك، وائْتَمَنْتَه على وحْيِك، واصطَفَيْتَه لنفْسِك). ((تفسير ابن جرير)) (17/593). ويُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5320). وقيل: المرادُ بالصالحينَ: أهلُ الجنةِ، وممَّن اختاره: يحيى بنُ سلام. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/508). واختار ابنُ عاشورٍ أنَّ لفظَ الصَّالحينَ يَعُمُّ جميعَ الصَّالحينَ مِن الأنبياءِ والمرسلينَ، والشُّهداءِ والصَّالحينَ. ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/145). وقيل: معنى وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ: أي: وفِّقْني للكمالِ في العملِ؛ لأنتظِمَ به في عِدادِ الكاملينَ في الصلاحِ، الراسخينَ فيه. وممَّن اختار هذا القولَ في الجملةِ: الرازيُّ، والبيضاوي، والألوسي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/515)، ((تفسير البيضاوي)) (4/142)، ((تفسير الألوسي)) (10/96). .
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الصَّالحُ قد لا يَظهرُ عملُه، وكان إظهارُ اللهِ له مَجلَبةً للدُّعاءِ وزيادةً في الأجرِ؛ قال [461] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/55).   :
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84).
أي: واجعَلْ لي ثناءً حَسَنًا دائمًا، فأُذكَرَ مِن بَعدي، ويَقتديَ النَّاسُ بي [462] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/593)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/94)، ((تفسير ابن كثير)) (6/147)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/55)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/145، 146). قال ابن عطية: (لسانُ الصِّدقِ في الآخِرينَ: هو الثناءُ وتخليدُ المكانةِ، بإجماعٍ مِن المفسِّرينَ، وكذلك أجاب اللهُ دَعْوتَه؛ فكلُّ مِلَّةٍ تتمَسَّكُ به وتعَظِّمُه). ((تفسير ابن عطية)) (4/235). وقال القرطبيُّ: (وقد فعَل اللهُ ذلك؛ إذ ليس أحدٌ يصَلِّي على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا وهو يصلِّي على إبراهيمَ، وخاصَّةً في الصَّلواتِ، وعلى المنابِرِ، التي هي أفضلُ الحالاتِ، وأفضَلُ الدَّرَجاتِ). ((تفسير القرطبي)) (13/113). .
 كما قال تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: 108 - 111].
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا طَلَبَ عليه السَّلامُ سَعادةَ الدُّنيا، وكان لا نفْعَ لها إلَّا باتِّصالِها بسَعادةِ الآخرةِ التي هي الجنةُ؛ طَلَبها بقَولِه [463] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/20).   :
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85).
أي: واجعَلْني ممَّن تُورِثُهم الجنَّةَ في الآخِرةِ [464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير ابن كثير)) (6/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال ابنُ جرير: (يعني إبراهيمُ صلواتُ الله عليه بقَولِه: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء: 85] أورِثْني -يا رَبِّ- مِن منازِلِ مَن هَلَك مِن أعدائِك المشركينَ بك مِن الجنَّةِ، وأسْكنِّي ذلك). ((تفسير ابن جرير)) (17/595). وقال البقاعي: (شبَّه إدخالَها بالإرثِ الذي يحصُلُ بغيرِ اكتسابٍ مِن الوارِثِ، وهو أقوى أسبابِ المِلْكِ). ((نظم الدرر)) (14/55). .
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا دعا لنفْسِه، ثنَّى بأحقِّ الخَلقِ ببِرِّه، فقال [465] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/56).   :
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86).
أي: واغفِرْ لأبي؛ لأنَّه مِنَ الضَّالِّينَ عن طَريقِ الحَقِّ، فلا تُعاقِبْه [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير الألوسي)) (10/98)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/146، 147). قال السعدي: (هذا الدعاءُ بسببِ الوعدِ الذي قال لأبيه: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47]، قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114]). ((تفسير السعدي)) (ص: 593). وذهب السمرقنديُّ إلى أنَّ هذا الدُّعاءَ مِن إبراهيمَ كان في حياةِ أبيه، والمرادُ هدايتُه إلى الحَقِّ، يعني: إنَّه كان مِن المشركينَ في الحالِ، كقَولِه عزَّ وجلَّ: مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: 29] يعني: مَن هو في الحالِ صبيٌّ. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/558). وقال الواحدي: (هذا الاستغفارُ منه لأبيه إنَّما كان قبْلَ أن يتبَرَّأَ منه). ((البسيط)) (17/74). وقال البيضاوي: (إنْ كان هذا الدُّعاءُ بعْدَ مَوتِه، فلعلَّه... لم يُمنَعْ بَعدُ مِن الاستغفارِ للكُفَّارِ). ((تفسير البيضاوي)) (4/142). وقال الألوسي: (حاصِلُه: وفِّقْه للإيمانِ، كما يلوحُ به تعليلُه بقَولِه: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وهذا ظاهِرٌ إذا كان هذا الدعاءُ قبلَ موتِه، وإنْ كان بعْدَ الموتِ فالدُّعاءُ بالمغفرةِ على ظاهرِه، وجاز الدعاءُ بها لمُشرِكٍ، واللهُ تعالى لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به؛ لأنَّه لم يوحَ إليه عليه السَّلامُ بذلك إذ ذاك، والعَقلُ لا يَحكُمُ بالامتناعِ). ((تفسير الألوسي)) (10/98). .
وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87).
أي: ولا تَفْضَحْني يومَ القيامةِ حينَ تَبعَثُ عِبادَك لفصلِ القضاءِ [467] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير الرسعني)) (5/395)، ((تفسير القرطبي)) (13/114)، ((تفسير ابن كثير)) (6/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال الشوكاني: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي: لا تَفضَحْني على رؤوسِ الأشهادِ بمُعاتَبتي، أو: لا تُعَذِّبْني يومَ القيامةِ، أو: لا تُخزنِي بتعذيبِ أبي، أو ببَعْثِه في جملةِ الضَّالِّينَ). ((تفسير الشوكاني)) (4/123). وقال السعدي: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي: بالتوبيخِ على بعضِ الذُّنوبِ، والعقوبةِ عليها والفضيحةِ، بل أسعِدْني في ذلك اليومِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 593). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((يَلقَى إبراهيمُ أباه آزَرَ يومَ القيامةِ، وعلى وَجهِ آزَرَ قَتَرةٌ وغَبَرةٌ، فيقولُ له إبراهيمُ: ألم أقُلْ لك: لا تَعصِني؟ فيقولُ أبوه: فاليومَ لا أعصيك. فيقولُ إبراهيمُ: يا رَبِّ، إنَّك وعَدْتَني ألَّا تُخزيَني يومَ يُبعَثونَ، فأيُّ خزيٍ أخزَى مِن أبي الأبعَدِ [468] قيل: وصَف إبراهيمُ عليه السلامُ نفْسَه بالأبعدِ على طريقِ الفرضِ إذا لم تُقبَلْ شفاعتُه في أبيه. وقيل: الأبعدُ صفةُ أبيه، أي: أنَّه شديدُ البعدِ مِن رحمةِ الله؛ لأنَّ الفاسقَ بعيدٌ منها، فالكافرُ أبعدُ. وقيل: الأبعد بمعنى البعيدِ، والمرادُ الهالكُ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/500).   ؟! فيقولُ الله تعالى: إنِّي حرَّمتُ الجنَّةَ على الكافرينَ. ثمَّ يُقالُ: يا إبراهيمُ، ما تحتَ رِجْلَيْك؟ فينظُرُ فإذا هو بذِيخٍ مُلتَطِخٍ [469] الذِّيخُ: ذكَرُ الضِّباعِ، وأراد بالتلطُّخِ التلَطُّخَ برَجيعِه أو بالطِّينِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/174).   ، فيُؤخَذُ بقوائِمِه فيُلقى في النَّارِ)) [470] رواه البخاري (3350).   .
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نَبَّهَ على أنَّ المقصودَ هو الآخرةُ، صَرَّحَ بالتَّزهيدِ في الدُّنيا بتحقيرِ أجَلِّ ما فيها، فقال [471] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/56).   :
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88).
أي: يومَ لا ينفَعُ العَبدَ فيه مالُه ولا أبناؤُه [472] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير ابن كثير)) (6/149)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). ممَّن اختار أنَّ قولَه: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  ... مِن كلامِ إبراهيمَ عليه السلامُ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ جرير، واختاره أبو حيَّان، والشوكانيُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل ابن سليمان)) (3/270)، ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير أبي حيان)) (8/171)، ((تفسير الشوكاني)) (4/123)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/147). قال أبو حيان: (والظَّاهِرُ أن هذه الجُمَلَ كُلَّها متعلِّقةٌ بقولِ إبراهيمَ؛ أخبَرَ بما أعلَمَه اللهُ مِن أحوالِ يومِ القيامةِ، وما يكونُ فيها مِن حالِ قَومِه). ((تفسير أبي حيان)) (8/171). وذهب السمرقنديُّ وابنُ عطيَّةَ إلى أنَّ كلامَ إبراهيمَ انقطع عندَ قَولِه: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، ثمَّ إنَّ الله وصَف ذلك اليومَ فقال: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ .... يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/558)، ((تفسير ابن عطية)) (4/236). .
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89).
أي: إلَّا مَن لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ وقَلبُه خالِصٌ مِنَ الشِّركِ والشَّكِّ، والعقائِدِ الباطِلةِ، والأوصافِ الذَّميمةِ، والإراداتِ الفاسدةِ [473] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/595)، ((تفسير القرطبي)) (13/114، 115)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/74، 337)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 121، 122)، ((تفسير ابن كثير)) (6/149)، ((كلمة الإخلاص)) لابن رجب (ص: 38)، ((تفسير السعدي)) (ص: 593). قال ابن رجب: (القَلبُ السَّليمُ هو الذي ليس فيه شَيءٌ مِن محبَّةِ ما يكرَهُه الله، فدخَل في ذلك سلامتُه مِن الشِّركِ الجَليِّ والخَفيِّ، ومِن الأهواءِ والبِدَعِ، ومِن الفُسوقِ والمعاصي؛كبائِرِها وصغائرِها، الظَّاهرةِ والباطنةِ، كالرِّياءِ، والعُجْبِ، والغِلِّ، والغِشِّ، والحِقدِ، والحسدِ، وغيرِ ذلك). ((مجموع رسائل ابن رجب)) (1/354). ويُنظر: ((جامع العلوم والحِكَم)) لابن رجب (1/211).   .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- إنَّما قال إبراهيمُ عليه السلامُ: عَدُوٌّ لِي؛ تصويرًا للمسألةِ في نفْسِه، وأَراهُم بذلك أنَّها نصيحةٌ نَصَح بها نفْسَه أوَّلًا، وبَنَى عليها تَدبيرَ أمْرِه؛ لِيَنظُروا فيَقولوا: ما نَصَحَنا إبراهيمُ إلَّا بما نَصَح به نفْسَه، وما أرادَ لنا إلَّا ما أرادَ لرُوحِه؛ لِيَكونَ أَدْعى لهم إلى القَبولِ، وأَبعَثَ على الاستِماعِ منه، ولو قال: فإنَّه عدُوٌّ لكم، لم يكنْ بتلك المَثابةِ، ولأنَّه دَخَل في بابٍ مِنَ التَّعريضِ، وقد يَبلُغُ التَّعريضُ للمَنصوحِ ما لا يَبلُغُه التَّصريحُ؛ لأنَّه يَتأمَّلُ فيه، فرُبَّما قادَه التَّأمُّلُ إلى التَّقبُّلِ [474] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/318، 319)، ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي حيان)) (8/164)، ((تفسير أبي السعود)) (6/248)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/90).   .
2- قَولُ الله تعالى حكايةً عن إبراهيمَ: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أضافَ المرضَ إلى نفْسِه والشِّفاءَ إلى ربِّه -وإنْ كان المرضُ والشفاءُ كلُّه مِن اللهِ، وعن قَدَرِه وقضائِه وخَلْقِه-؛ استعمالًا لحُسنِ الأدبِ، فمِن الأدبِ إضافةُ نوعِ الحسنةِ إلى الله، ونوعِ السيئةِ إلى النفْسِ، وقد تأدَّب العارفونَ مِن عبادِ الله سُبحانَه وتعالى بهذا الأدبِ، فأضافوا إليه النِّعَمَ والخَيراتِ؛ وأضافوا الشرورَ إلى محَلِّها، كما قال الخَضِرُ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف: 79]، وقال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف: 82]، وكما قالت الجِنُّ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: 10]، وقال تعالى آمِرًا للمصلِّي أن يقولَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7]، فأسندَ الإنعامَ إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى، والغَضَبُ حُذِفَ فاعِلُه أدبًا، وأُسنِدَ الضَّلالُ إلى العَبيدِ [475] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/470)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 169)، ((تفسير ابن كثير)) (6/146).   .
3- قولُه تعالى حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلامُ: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي قال إبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ذلك؛ هَضْمًا لنفْسِه، وتعليمًا للأُمَّةِ أنْ يَجتنِبُوا المعاصيَ، ويَكونوا على حَذَرٍ وطلَبِ مَغفرةٍ لِما يَفرُطُ منهم، وتَلافيًا لِما عَسَى يَندُرُ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الصَّغائرِ، وتَنبيهًا لأبيهِ وقَومِه على أنْ يَتأمَّلوا في أمْرِهم، فيَقِفُوا على أنَّهم مِن سوءِ الحالِ في درجةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها؛ فإنَّ حالَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مع كَونِه في طاعةِ اللهِ تعالى وعبادتِه في الغايةِ القاصيةِ حيثُ كانت بتلك المَثابةِ، فما ظَنُّكِ بحالِ أولئك المَغمُورينَ في الكُفرِ وفُنونِ المعاصي والخَطايا [476] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/320)، ((تفسير البيضاوي)) (4/142)، ((تفسير أبي السعود)) (6/249)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   ؟!
4- قولُه تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ تخويفٌ للمُؤمِنينَ شديدٌ لأنْ يَعمَلوا ولا يَتَّكِلوا؛ إذ كان خليلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طامعًا في غُفرانِ خطيئتِه، غيرَ حاتمٍ [477] الحتمُ: اللازمُ الواجبُ الذي لا بُدَّ مِن فِعلِه. يُقالُ: حَتَمْتُ عليه الشيءَ: أوجَبْتُ. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (12/113).   بها على ربِّه، فمَنْ بعْدَه مِن المؤمنينَ أَحرى أنْ يكونَ أشدَّ خوفًا مِن خطاياه [478] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/529).   ، فقد أوقَفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نفْسَه على الطَّمعِ في المغفرةِ؛ وهذا دليلٌ على شدَّةِ خَوفِه مع مَنزلتِه وخُلَّتِه [479] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/166، 167).   .
5- يُستفادُ مِن قَولِه: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ بعْدَ قولِه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ... أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا حكى عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ ثناءَه على اللهِ تعالى، ذَكَر بعْدَ ذلك دُعاءَه ومسألتَه، وذلك تنبيهٌ على أنَّ تقديمَ الثَّناءِ على الدُّعاءِ مِن المهمَّاتِ [480] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/514).   .
6- قال الله تعالى حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلامُ: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ في هذا دَليلٌ على التَّرغيبِ في العَمَلِ الصَّالحِ الذي يُكسِبُ الثَّناءَ الحَسَنَ [481] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/459).   ، واستِحبابِ اكتِسابِ ما يُورِثُ الذِّكرَ الجَميلَ [482] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/113).   .
7- في قَولِه تعالى: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ أنَّ كلَّ إنسانٍ مُفتَقِرٌ إلى الدُّعاءِ حتى الأنبياءَ؛ لأنَّ إبراهيمَ عليه الصلاةُ والسلامُ دعا اللهَ سُبحانَه وتعالى بذلك [483] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 158).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ  ... إلى آخِرِ القصةِ، أخلى سُبحانَه قِصَّةَ أبي العَرَبِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ مِن ذِكْرِ الإهلاكِ؛ إشارةً إلى البِشارةِ بالرِّفقِ ببَنيه العَرَبِ في الإمهالِ، كما رَفَقَ بهم في الإنزالِ والإرسالِ [484] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/13).   .
2- قال الله تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ التقَدُّمُ لا يدُلُّ على الصِّحَّةِ، ولا ينقَلِبُ به الباطِلُ حَقًّا [485] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/141).   .
3- قولُه تعالى حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلامُ: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ في وصْفِهم بالأَقدَمِينَ دَلالةٌ على تَقادُمِ عِبادةِ الأصنامِ فيهم [486] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/164).   .
4- قوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ إنْ قيل: كيف وصَفَ الأصنامَ بالعَداوةِ، وهي جماداتٌ لا تَعقِلُ؟
فالجوابُ: أنَّ معناه فإنَّهم عدوٌّ لي يومَ القيامةِ لو عبَدْتُهم في الدُّنيا. وقيل: إنَّ الكُفَّارَ لَمَّا عَبَدوها ونزَّلوها مَنزِلةَ الأحياءِ العُقَلاءِ، أطلقَ إبراهيمُ لَفظَ العَداوةِ عليها. وقيل غيرُ ذلك [487] يُنظر: ((تفسير الخازن)) (3/327).   .
5- إذا كان الحُبُّ أصلَ كُلِّ عَمَلٍ مِن حَقٍّ وباطلٍ، فأصلُ الأعمالِ الدينيَّةِ حُبُّ اللهِ ورَسولِه، كما أنَّ أصْلَ الأقوالِ الدِّينيةِ تصديقُ اللهِ ورَسولِه، وكُلُّ إرادةٍ تمنَعُ كَمالَ الحُبِّ لله ورَسولِه، وتُزاحِمُ هذه المحبَّةَ؛ أو شُبهةٍ تَمنَعُ كَمالَ التَّصديقِ: فهي مُعارِضةٌ لأصلِ الإيمانِ أو مُضعِفةٌ له، فإنْ قَوِيَت حتى عارَضَتْ أصلَ الحُبِّ والتَّصديقِ، كانت كُفرًا أو شِركًا أكبَرَ، وإنْ لم تعارِضْه قَدَحت في كمالِه، وأثَّرَت فيه ضَعفًا وفُتورًا في العزيمةِ والطَّلَبِ، وهي تَحجُبُ الواصِلَ، وتقطَعُ الطَّالِبَ، وتَنكُسُ الرَّاغِبَ؛ فلا تَصِحُّ الموالاةُ إلَّا بالمعاداةِ، كما قال تعالى عن إمامِ الحُنَفاءِ المحبِّينَ إنَّه قال لِقَومِه: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، فلمْ يصِحَّ لخليلِ اللهِ هذه الموالاةُ والخُلَّةُ إلَّا بتحقيقِ هذه المعاداةِ، فإنَّه لا ولاءَ إلَّا بالبراءةِ مِن كُلِّ معبودٍ سِواهُ؛ قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [488] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 195).   [الممتحنة: 4].
6- إنَّ مَن تَفَرَّدَ بخَلْقِ العبدِ وبهدايتِه وبرَزْقِه، وإحيائِه وإماتتِه في الدنيا، وبمغفرةِ ذنوبِه في الآخرةِ؛ مُستحِقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهيَّةِ والعبادةِ، والسؤالِ والتضرُّعِ إليه والاستكانةِ له، وقد استدَلَّ إبراهيمُ الخليلُ عليه السَّلامُ بتفَرُّدِ الله بهذه الأمورِ على أنَّه لا إلهَ غيرُه، وأنَّ كُلَّ ما أُشرِك معه فباطِلٌ، فقال لِقَومِه: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [489] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/38).   .
7- قولُ الله تعالى إخبارًا عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ فيه ردٌّ على المُعتَزلةِ والقدَريَّةِ فيما يَزعمون أنَّ أفعالَ العِبادِ لا صُنعَ فيها الْبَتَّةَ، ولا يقولونَ: إنَّ أفعالَهم وإن كانت منسوبةً إليهم فهم في الحقيقةِ ميسَّرونَ لها، أفيَشُكُّ أحدٌ أنَّ إبراهيمَ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتناوَلُ مأكولَه ومَشروبَه بيَدِه، ويرفَعُه إلى فيه، ويبتَلِعُه بحَلقِه، ويكونُ فِعلُه بها منسوبًا إليه، وقد قال كما ترَى: إنَّ الله مُطعِمُه وساقيه، فما يُنكَرُ أن تكونَ هدايةُ إبراهيمَ وغيرِه وإنْ كانت منسوبةً إليهم، فاللهُ هاديهم كما هو مُطعِمُهم وساقيهم، وضَلالُ مَن ضَلَّ وإنْ كان منسوبًا إليه فالله مُضِلُّه وخاذِلُه، كما هو مميتُه ومُحْييه [490] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/528).   ؟!
8- قال الله تعالى حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلامُ: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ... إلى آخرِ كلامِ الخليلِ، وقد أَشارَ في هذه النُّعوتِ إلى ما هو مِن تَصرُّفاتِ اللهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ، بحيثُ لا يَخفَى عن أحدٍ؛ قَصْدًا لاقتِصاصِ إيمانِ المُشرِكينَ إنْ رامُوا الاهتِداءَ. وفي تلك النُّعوتِ إشارةٌ إلى أنَّها مُهيَّئاتٌ للكمالِ النَّفسانيِّ؛ فقد جمَعَتْ كلِماتُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ -مع دَلالتِها على انفِرادِ اللهِ بالتَّصرُّفِ في تلك الأفعالِ الَّتي هي أصلُ أَطوارِ الخَلْقِ الجُسْمانيِّ- دَلالةً أُخرى على جميعِ أُصولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثَّاني وهو البَعثُ، فذَكَر خَلْقَ الجسدِ، وخَلْقَ العقلِ، وإعطاءَ ما به بَقاءُ المَخلوقِ، وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعتَري المَرءَ مِنِ اختِلالِ المِزاجِ وشِفائِه، وذَكَر المَوتَ الَّذي هو خاتمةُ الحياةِ الأُولى، وأَعقَبَه بذِكرِ الحياةِ الثَّانيةِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ المَوتَ حالةٌ لا يَظهَرُ كَونُها نِعمةً إلَّا بغَوصِ فِكْرٍ، ولكنَّ وراءَه حياةً هي نعمةٌ لا مَحالَةَ لِمَنْ شاءَ أنْ تَكونَ له نِعمةً [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/144).   .
9- قَولُه تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فيه جَوازُ الصَّغائِرِ على الأنبياءِ [492] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 238).   ، والقَولُ بأنَّ الأنبياءَ معصومون عن الكبائِرِ دونَ الصَّغائِرِ هو قَولُ أكثَرِ عُلَماءِ الإسلامِ وجميعِ الطَّوائِفِ، حتى إنَّه قَولُ أكثَرِ أهلِ الكلامِ وأكثَرِ أهلِ التَّفسيرِ والحَديثِ، والفُقَهاءِ، بل لم يُنقَلْ عن السَّلَفِ والأئمَّةِ والصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهم إلَّا ما يُوافِقُ هذا القَولَ، وقد اتَّفَق سلَفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها ومَن اتَّبَعَهم على ما أخبَرَ الله به في كتابِه وما ثبَت عن رَسولِه مِن تَوبةِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ مِن الذُّنوبِ التي تابوا منها، وهذه التَّوبةُ رَفَع اللهُ بها دَرَجاتِهم؛ فإنَّ اللهَ يحِبُّ التَّوابينَ ويحِبُّ المتطَهِّرينَ، وعِصمَتُهم هي مِن أن يُقَرُّوا على الذُّنوبِ والخَطأِ؛ فإنَّ مَن سِوى الأنبياءِ يجوزُ عليهم الذَّنبُ الخَطأُ مِن غيرِ تَوبةٍ، والأنبياءُ عليهم السَّلامُ يَستدرِكُهم اللهُ فيتوبُ عليهم ويبَيِّنُ لهم، وقد ذكَرَ الله تعالى مِن تَوبةِ الأنبياءِ واستغفارِهم؛ كقَولِه: فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37]، وقَولِ نوحٍ عليه السلامُ: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود: 47]، وقَولِ إبراهيمَ عليه السلامُ: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: 41]، وقَولِه سُبحانَه:فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: 19] إلى غيرِ ذلك [493] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/319)، ((جامع الرسائل لابن تيمية)) (1/269).   .
10- روى أشهَبُ عن مالكٍ قال: (قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ لا بأسَ أن يحِبَّ الرجُلُ أن يُثنَى عليه صالِحًا، ويُرى في عمَلِ الصَّالحينَ، إذا قصَدَ به وجْهَ الله تعالى) [494] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/113).   ، فالآيةُ فيها دَلالةٌ على جوازِ حُبِّ الإنسانِ الثناءَ الحسَنَ [495] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/530).   .
11- قال اللهُ تعالى حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلامُ: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ذكَرَ اللهُ تعالى في كتابِه خمسةَ أشياءَ مُضافةً إلى الصِّدقِ؛ وهي: لِسانُ الصِدْقِ، كما هنا، وقدَمُ الصِّدقِ، كما في سورة (يونسَ) [الآية: 2]، ومُدخَلُ الصِّدقِ، ومُخرَجُ الصِّدقِ، كما في سورةِ (الإسراءِ) [الآية: 80]، ومَقعَدُ الصِّدقِ، كما في سورة (القمر) [الآية: 55]، وحقيقةُ الصِّدقِ في هذه الأشياءِ: هو الحقُّ الثَّابِتُ، المتَّصِلُ باللهِ، المُوصِلُ إلى اللهِ -وهو ما كان به وله، مِن الأقوالِ والأعمالِ-، وجزاءُ ذلك في الدُّنيا والآخرةِ [496] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/259).    .
12- قال إبراهيمُ عليه السَّلامُ داعيًا رَبَّه: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ؛ لأنَّ الذِّكرَ الجَميلَ قائِمٌ مَقامَ الحياةِ الشَّريفةِ، بل الذِّكرُ أفضَلُ مِن الحياةِ؛ لأنَّ أثَرَ الحياةِ لا يحصُلُ إلَّا في مَسكَنِ ذلك الحيِّ، أمَّا أثَرُ الذِّكرِ الجَميلِ فإنَّه يحصُلُ في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ زمانٍ [497] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/635).   .
13- مِن أعظَمِ نِعَمِ اللهِ على العَبدِ أن يرفَعَ له بينَ العالَمينَ ذِكْرَه، ويُعليَ قَدْرَه؛ ولهذا خَصَّ أنبياءَه ورُسُلَه مِن ذلك بما ليس لِغَيرِهم، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: 45، 46]، أي: خصَصْناهم بخَصِيصةٍ، وهو الذِّكرُ الجَميلُ الذي يُذكَرون به في هذه الدَّارِ -على أحدِ الأقوالِ في الآيةِ-، وهو لِسانُ الصِّدقِ الذي سأله إبراهيمُ الخَليلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ حيثُ قال: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ، وقال سُبحانه وتعالى عنه وعن بَنيه:وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: 50]، وقال لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: 4]، فأتْباعُ الرُّسُلِ لهم نصيبٌ مِن ذلك بحسَبِ ميراثِهم مِن طاعتِهم ومُتابعتِهم، وكلُّ مَن خالَفهم فإنَّه بعيدٌ مِن ذلك بحسَبِ مُخالفتِهم ومَعصيتِهم [498] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 80).   .
14- إنْ قيل: لمَ خَصَّ أباه بسُؤالِ المغفرةِ له في قولِه: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ؟
فالجوابُ: للمَوعِدةِ التي وعَدَها إيَّاه، على أنَّه قد قيل: إنَّ أمَّه كانت مُؤمِنةً [499] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/394).   .
15- في قَولِه تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ دليلٌ على فضيلةِ القَلبِ السليمِ؛ لأنَّه سببٌ لاستفادةِ الإنسانِ مِن مالِه وبَنيه، وهذا بِناءً على أنَّ الاستثناءَ متَّصِلٌ [500] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 159).   .
16- قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لا يكونُ القَلبُ سَليمًا إذا كان حَقودًا حَسودًا، مُعجَبًا مُتكَبِّرًا، وقد شرَطَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الإيمانِ أن يحِبَّ لأخيه ما يحِبُّ لنَفْسِه، والله الموفِّقُ برَحمتِه [501] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/459).   .
17- ممَّا أَكرَمَ اللهُ تعالى به خليلَه، ونَبَّهَ على جلالةِ محَلِّه في الإخلاصِ: أنْ حَكَى استِثناءَه هذا حكايةَ راضٍ بإصابتِه فيه في قولِه: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، ثمَّ جَعَلَه صِفةً له في قَولِه: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [502] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/321).   [الصافات: 83، 84].

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ قُدِّمَتْ هنا قِصَّةُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ على قِصَّةِ نوحٍ على خِلافِ المُعتادِ في تَرتيبِ قَصصِهم في القُرآنِ؛ لشدَّةِ الشَّبهِ بيْنَ قَومِ إبراهيمَ وبيْن مُشرِكي العربِ في عبادةِ الأصنامِ الَّتي لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ، وفي تَمسُّكِهم بضَلالِ آبائِهم، وأنَّ إبراهيمَ دعاهُم إلى الاستِدلالِ على انحِطاطِ الأصنامِ عن مَرتبةِ استِحقاقِ العِبادةِ؛ لِيَكونَ إيمانُ النَّاسِ مُستنِدًا لدليلِ الفِطرةِ، وفي أنَّ قَومَ إبراهيمَ لمْ يُسلَّطْ عليهم مِن عذابِ الدُّنيا مِثلُ ما سُلِّطَ على قَومِ نُوحٍ وعلى عادٍ وثَمودَ وقَومِ لُوطٍ وأهلِ مَدْيَنَ؛ فأَشْبَهوا قُرَيشًا في إمهالِهم، فرسالةُ محمَّدٍ وإبراهيمَ صلى اللهُ عليهما قائِمتانِ على دِعامةِ الفِطرةِ في العقلِ والعملِ، أي: في الاعتِقادِ والتَّشريعِ؛ فإنَّ اللهَ ما جَعَل في خلْقِ الإنسانِ هذه الفِطرةَ ليُضيِّعَها ويُهْمِلَها، بل لِيُقيمَها ويُعْمِلَها. فلمَّا ضَرَب اللهُ المَثَلَ للمُشركينَ لإبطالِ زَعْمِهم أنَّهم لا يؤْمِنونَ حتَّى تأتيَهمُ الآياتُ كما أُوتيَ موسى، فإنَّ آياتِ موسى -وهي أَكثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السَّابِقينَ- لم تَقضِ شيئًا في إيمانِ فِرعونَ وقَومِه لَمَّا كان خُلُقُهمُ المُكابرةَ والعِنادَ- أَعقَبَ ذلك بضَربِ المَثَلِ بدَعوةِ إبراهيمَ المُماثِلةِ لدَعوةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النِّداءِ على إعمالِ دَليلِ النَّظرِ [503] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/137).   .
- وفي قولِه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ أُمِر الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتِلاوَتِه؛ للإشارةِ إلى أنَّ الكلامَ المُتضمِّنَ نَبأَ إبراهيمَ هو آيةٌ مُعجِزةٌ، وما تَضمَّنَتْه مِن دليلِ العقلِ على انتِفاءِ إلهيَّةِ الأصنامِ الَّتي هي كأصنامِ العربِ آيةٌ أيضًا؛ فحَصَل مِن مجموعِ ذلك آيتانِ دالَّتانِ على صِدْقِ الرَّسولِ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/137، 138).   .
2- قولُه تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ الاستِفهامُ في قَولِه: مَا تَعْبُدُونَ صُوريٌّ؛ فإنَّ إبراهيمَ يَعلَمُ أنَّهم يَعبُدون أصنامًا، ولكنَّه أرادَ بالاستِفهامِ: افتِتاحَ المُجادَلةِ معهم؛ فأَلْقى عليهم هذا السُّؤالَ؛ لِيَكونوا هُمُ المُبتدِئينَ بشرحِ حقيقةِ عِبادتِهم ومَعبوداتِهم، فتَلُوحَ لهم مِن خلال شرحِ ذلك لَوائحُ ما فيه مِن فسادٍ؛ لأنَّ الَّذي يَتصدَّى لشرحِ الباطلِ يَشعُرُ بما فيه مِن بُطلانٍ عِندَ نَظْمِ مَعانيهِ أَكثَرَ ممَّا يَشعُرُ بذلك مَن يَسمَعُه؛ ولأنَّه يَعلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنشأُ عنه ما يُريدُه مِنَ الاحتِجاجِ على فسادِ دينِهم [505] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/138).   . وقيل: الاسِتفهامُ بمعنَى التَّحقيرِ والتَّقريرِ [506] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/162).   .
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث جاءَ قَولُه هنا:   مَا تَعْبُدُونَ بدُونِ ذِكرِ (ذا)، وفي (الصَّافات) بذِكرِه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ [الصافات: 85]؛ ووجْهُه: أنَّ (ما) لمُجرَّدِ الاستِفهامِ، فأجابُوا بقَولِهم: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا [الشعراء: 71]، و(ماذا) فيه مُبالَغةٌ؛ لتَضمُّنِه معنَى التَّوبيخِ، فلمَّا وَبَّخَهم ولمْ يُجيبُوه، زادَ على التَّوبيخِ فقال: أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: 86، 87]؛ فذَكَر في كلِّ سورةٍ ما يُناسِبُ ما ذُكِر فيها [507] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 412).   . وقيل: هذه هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلأِ أبيه وقَومِه أَلْقى فيها دَعْوتَه في صورةِ سؤالِ استِفسارٍ غَيرِ إنكارٍ؛ استِنزالًا لطائرِ نُفورِهم، وأمَّا قَولُه في الآيةِ الأُخرى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات 85، 86] فذلك مَقامٌ آخَرُ له في قَومِه كان بعْدَ الدَّعوةِ الأُولى المَحكيَّةِ في سورةِ (الشعراء)؛ ولأجْلِ ذلك كان الاستِفهامُ مُقترِنًا بما يَقتَضي التَّعجُّبَ مِن حالِهم بزيادةِ كَلِمةِ (ذا) بعدَ (ما) الاستِفهاميَّةِ في سورةِ (الصافاتِ). وكَلِمةُ (ذا) إذا وقعَتْ بعدَ (ما) تَؤولُ إلى معنَى اسمِ المَوصولِ؛ فصارَ المعنى في سورةِ (الصافاتِ): ما هذا الَّذي تَعْبُدونه؛ فصارَ الإنكارُ مُسلَّطًا إلى كَونِ تلك الأصنامِ تُعبَدُ [508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/138).   .
3- قولُه تعالى: قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ أَتَوْا في جَوابِهم بفِعلِ نَعْبُدُ، مع أنَّ الشَّأنَ الاستِغناءُ عنِ التَّصريحِ؛ إذْ كان جَوابُهم عن سُؤالٍ فيه: تَعْبُدُونَ؛ فلا حاجةَ إلى تَعيينِ جِنسِ المَعبوداتِ فيَقولوا: أصنامًا، كما في قَولِه تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219]، مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ [سبأ: 23]؛ فعَدَلوا عن سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكريرِ الفِعلِ الواقعِ في السُّؤالِ؛ ابتِهاجًا بهذا الفِعلِ، وافتِخارًا به؛ ولذلك عَطَفوا على قَولِهم: نَعْبُدُ ما يَزيدُ فِعلَ العبادةِ تأكيدًا بقَولِهم: فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. وفي فِعلِ (نَظَلُّ) دَلالةُ الاستِمرارِ جَميعَ النَّهارِ. وصِلَةُ العُكوفِ كَلِمةُ (على)؛ فلم يَقُلْ: (فنَظلُّ عليها)، وإنما أَوردَه باللَّامِ فَنَظَلُّ لَهَا؛ لإفادةِ معنًى زائدٍ، كأنَّهم قالوا: فنَظَلُّ لأجْلِها مُقْبِلينَ على عبادتِها، أو مُستَديرينَ حَوْلَها، وهذا أيضًا مِن جملةِ إطنابِهم [509] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/317، 318)، ((تفسير البيضاوي)) (4/140)، ((تفسير أبي حيان)) (8/162)، ((تفسير أبي السعود)) (6/247)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/139)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/89).   . أو عَدَّى العُكوفَ باللَّامِ؛ لأنَّ المعنى: (لها قانِتون) [510] يُنظر ((شرح العمدة - كتاب الصيام)) لابن تيمية (2/705).   .
- والتَّنْوينُ في أَصْنَامًا للتَّعظيمِ؛ ولذا عُدِلَ عن تَعريفِها، وهُم يَعْلَمون أنَّ إبراهيمَ يَعرِفُها، ويَعلَمُ أنَّهم يَعبُدونها، واسمُ (الأصنام) عِندَهم اسمٌ عظيمٌ؛ فَهُمْ يَفتَخِرونَ به، على عَكسِ أهلِ التوحيدِ [511] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/139).   .
4- قولُه تعالى: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ استِئنافٌ مَبْنيٌّ على سؤالٍ نَشأَ مِن تَفصيلِ جَوابِهم [512] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/247).   .
- والاستِفهامُ في قَولِه: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ لافتِتاحِ المُجادَلةِ معهم؛ ولأجْلِ ذلك كان الاستِفهامُ مُقترِنًا بما يَقتَضي التَّعجُّبَ مِن حالِهم [513] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/138).   . ولَمَّا كان شأنُ الرَّبِّ أنْ يُلجَأَ إليه في الحاجةِ، وأن يَنفَعَ أو يَضُرَّ؛ أَلْقَى إبراهيمُ عليهمُ استِفهامًا عن حالِ هذه الأصنامِ: هل تَسمَعُ دُعاءَ الدَّاعِينَ؟ وهل تَنفَعُ أو تَضُرُّ؟ تَنبيهًا على دليلِ انتِفاءِ الإلهيَّةِ عنها [514] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/139).   .
- وجُعِل مفعولُ يَسْمَعُونَكُمْ ضَميرَ المُخاطَبينَ؛ تَوسُّعًا بحَذفِ مُضافٍ، تَقديرُه: هل يَسمَعون دُعاءَكم؟ أو التَّقديرُ: يَسْمَعونَكم تَدْعُون؛ حُذِفَ لدَلالةِ قَولِه: إِذْ تَدْعُونَ عليه [515] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/318)، ((تفسير البيضاوي)) (4/140)، ((تفسير أبي حيان)) (8/163)، ((تفسير أبي السعود)) (6/247)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/139).   .
- وصِيغةُ المُضارِعِ مع (إذْ) في قولِه: إِذْ تَدْعُونَ على حِكايةِ الحالِ الماضيةِ؛ لاستِحضارِ صورتِها؛ كأنَّه قيل لهم: استَحضِرُوا الأحوالَ الماضيةَ الَّتي كنتُم تَدْعونها فيها، وأَجيبُوا: هل سمِعُوا أو أَسْمَعوا قطُّ؟! وهذا أَبلَغُ في التَّبكيتِ [516] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/318)، ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي حيان)) (8/163)، ((تفسير أبي السعود)) (6/247، 248).   .
- قولُه: أَوْ يَضُرُّونَ الحذفُ هنا مراعاة للفواصلِ، وللعُمومِ، ويصيرُ: إمَّا: أو يَضرُّونَكم إن لم تعبُدوهم، أو: أو يَضرُّونَ عَدُوَّكم إذا عبَدْتُموهم [517] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 155).   .
5- قولُه تعالى: قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ هذا منهم حَيْدةٌ عن جَوابِ الاستِفهامِ، و(بل) هنا إضرابُ انتِقالٍ عن جَوابِه لِما سألَ، وأَخْذٌ في شَيءٍ آخَرَ لمْ يَسألْهم عنه؛ انقِطاعًا وإقرارًا بالعجزِ [518] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/140)، ((تفسير أبي حيان)) (8/164)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/140).   .
- وقولُه: كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ تَشبيهُ فِعلِ الآباءِ بفِعلِهم، وهو نَعْتٌ لمَصدرٍ مَحذوفٍ، والتَّقديرُ: يَفْعَلون فِعلًا كذلك الفِعلِ. وقُدِّم الجارُّ والمَجرورُ على يَفْعَلُونَ؛ للاهتِمامِ بمَدلولِ اسمِ الإشارةِ [519] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/140).   .
6- قولُه تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ جملةٌ مُفرَّعةٌ على جُمَلِ كَلامِ القَومِ المُتضمِّنةِ عِبادتَهمُ الأصنامَ، وأنَّهم مُقتَدونَ في ذلك بآبائِهم؛ فالفاءُ في أَفَرَأَيْتُمْ للتَّفريعِ، ومِثلُ هذا التَّركيبِ يُستعمَلُ في التَّنبيهِ على ما يَجِبُ أن يُعلَمَ؛ على إرادةِ التَّعجُّبِ ممَّا يُعلَمُ مِن شَأنِه [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/140، 141).   .
7- قولُه تعالى: أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فيه عَطْفُ آبَاؤُكُمُ على أَنْتُمْ؛ لزِيادةِ إظهارِ قلَّةِ اكتِراثِه بتلك الأصنامِ، معَ العِلمِ بأنَّ الأَقدَمِينَ عَبَدوها؛ فتَضمَّنَ ذلك إبطالَ شُبهتِهم في استِحقاقِها العِبادةَ. ووصْفُ الآباءِ بالأَقدميَّةِ؛ إيغالٌ في قلَّةِ الاكتِراثِ بتَقليدِهم؛ لأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كان تَقليدُهم آكَدَ [521] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/141).   .
8- قولُه تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ
- الفاءُ في قَولِه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي للتَّفريعِ على ما اقتَضَتْه جُملةُ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنَ التَّعجيبِ مِن شأنِ عِبادتِهم إيَّاها. ويَجوزُ جعْلُ الرُّؤيةِ بَصَريَّةً لها مفعولٌ واحدٌ، وجَعْلُ الاستِفهامِ تَقريريًّا، والكلامُ مُستعمَلٌ في التَّنبيهِ لشَيءٍ يُريدُ المُتكلِّمُ الحديثَ عنه؛ لِيَعِيَه السَّامِعُ حقَّ الوَعْيِ. أو فاءٌ فصيحةٌ بتَقديرِ: إنْ رأيْتُموهُم فاعلَموا أنَّهم عدُوٌّ لي [522] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/141).   .
- والتَّعبيرُ عنِ الأصنامِ بضَميرِ جمْعِ العُقلاءِ فَإِنَّهُمْ دُونَ (فإنَّها)، جرْيٌ على غالبِ العِباراتِ الجاريةِ بيْنَهم عنِ الأصنامِ؛ لأنَّهم يَعتَقِدونها مُدْرِكةً [523] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/140).   .
9- قولُه تعالى: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
- قولُه: الَّذِي خَلَقَنِي صِفَةٌ لـ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 77]، والفاءُ في قولِه: فَهُوَ يَهْدِينِ للعَطفِ. ويَجوزُ أن يَكونَ قولُه: الَّذِي خَلَقَنِي مُبتدَأً مُستأنَفًا به، ويَكونَ فَهُوَ يَهْدِينِ خبَرًا عنِ الَّذِي، والفاءُ فيه للسَّببيَّةِ، وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبرِ؛ لمُشابَهةِ المَوصولِ للشَّرطِ. وإنَّما وصَفَه تعالَى بذلك وبما عطَفَه عليه مع اندِراجِ الكُلِّ تحتَ رُبوبيَّتِه تعالى للعالَمينَ؛ تَصريحًا بالنِّعَمِ الخاصَّةِ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَفصيلًا لها؛ لكَونِها أَدخَلَ في اقتِضاءِ تخصيصِ العبادةِ به تعالى، وقَصْرِ الالتِجاءِ في جَلْبِ المَنافعِ الدِّينيَّةِ والدُّنْيَويَّةِ ودفْعِ المَضارِّ العاجِلةِ والآجِلةِ عليه تعالى [524] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي السعود)) (6/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/142).   .
- وفي قولِه: فَهُوَ يَهْدِينِ تَقديمُ المُسنَدِ إليه على الخبرِ الفِعليِّ دُونَ أن يقولَ: (فيَهدينِ)؛ لتَخصيصِه بأنَّه مُتولِّي الهِدايةِ دُونَ غَيرِه؛ لأنَّ المَقامَ لإبطالِ اعتِقادِهم تَصرُّفَ أصنامِهم بالقَصرِ الإضافيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ [525] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/142). وقصرُ القلبِ: هو أنْ يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السامعِ؛ كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ معيَّنةٍ أو طرَفٍ معيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زيدٌ هناك بشاعرٍ. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 288).   .
- واختِلافُ النَّظمِ في قولِه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ -حيث قال: خَلَقَنِي فذَكَره بلفظِ الماضي، وقال: يَهْدِينِ فذَكَرَه بلفظِ المستقبَلِ-؛ لتَقدُّمِ الخَلْقِ واستِمرارِ الهِدايةِ؛ فخَلْقُ الذاتِ لا يَتجدَّدُ في الدُّنيا، بل لَمَّا وَقَعَ بقيَ إلى الأمدِ المعلومِ، أمّا هدايتُه تعالى فهي ممَّا يَتكررُ كلَّ حينٍ وأَوانٍ؛ سواءٌ كان ذلك هدايةً في المنافعِ الدُّنيويَّةِ، أو في المنافعِ الدِّينيَّةِ، فبَيَّنَ بذلك أنَّه سُبحانَه هو الذي خَلَقَه بسائرِ ما تكاملَ به خلْقُه في الماضي دَفْعةً واحدةً؛ وأنَّه يَهديه إلى مصالحِ الدِّينِ والدُّنيا بضُروبِ الهداياتِ في كلِّ لحظةٍ ولمحةٍ [526] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/512)، ((تفسير البيضاوي)) (4/141).   .
- ولَمَّا كان الخَلقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَه أحدٌ لم يُؤَكِّدْ فيه بـ(هو)، فلمْ يَكُنِ التَّركيبُ (الَّذي هو خَلَقني)، ولمَّا كانت الهدايةُ قد يُمكِنُ ادِّعاؤُها -والإطعامُ والسَّقْيُ كذلك- أكَّد بـ هُوَ [527] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/165).   .
10- قولُه تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
- قَولُه: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ مُبتدَأٌ مَحذوفُ الخبرِ؛ لدَلالةِ ما قبْلَه عليه، وكذا اللَّذانِ بعْدَه. وهذا على الوَجهِ بأنَّ قولَه: الَّذِي خَلَقَنِي مُبتدَأٌ [528] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/141).   .
- وتقديمُ المُسنَدِ إليه على الخبرِ الفِعليِّ في قَولِه: هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وقَولِه: فَهُوَ يَشْفِينِ؛ للرَّدِّ على زعْمِهم أنَّ الأصنامَ تُقدِّرُ لهم تَيسيرَ ما يَأكُلونَ وما يَشرَبونَ، وبها بُرْؤُهم إذا مَرِضوا [529] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   .
11- قولُه تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ عطْفٌ على يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ؛ لأنَّه مِن رَوادِفِهما، مِن حَيثُ إنَّ الصِّحَّةَ والمرضَ في الأغلَبِ يَتْبَعانِ المَأكولَ والمَشروبَ [530] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي حيان)) (8/165)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 413)، ((تفسير أبي السعود)) (6/249)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/91).   .
- وقيل: عَطَف إِذا مَرِضْتُ على يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ؛ لأنَّه لم يَكُنْ حينَ قال ذلك مريضًا، فإنَّ (إذا) تُخلِّصُ الفِعلَ بعْدَها للمُستقبَلِ، أي: إذا طَرأَ علَيَّ مرَضٌ. فأمَّا قَولُه: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ فلمْ يَأتِ فيه بما يَقتَضي الحَصرَ؛ لأنَّهم لم يَكونوا يَزْعُمون أنَّ الأصنامَ تُمِيتُ، بل عمَلُ الأصنامِ قاصِرٌ على الإعانةِ أوِ الإعاقةِ في أعمالِ النَّاسِ في حياتِهم [531] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   .
- ولم يَنسبِ المرضَ إليه تعالى؛ لأنَّ المقصودَ تَعديدُ النِّعَمِ، ولا يُنتقَضُ بإسنادِ الإِماتةِ إليه؛ فإنَّ الموتَ مِن حيثُ إنَّه لا يُحَسُّ به لا ضَرَرَ فيه، وإنَّما الضَّررُ في مُقدِّماتِه وهي المرضُ، ثمَّ إنَّه لأهلِ الكمالِ وُصْلةٌ إلى نَيلِ المَحابِّ الَّتي تُستحقَرُ دُونَها الحياةُ الدُّنيويَّةُ، وخَلاصٌ مِن أنواعِ المِحَنِ والبَليَّاتِ؛ ولأنَّ المرضَ في غالبِ الأمرِ إنَّما يَحدُثُ بتَفريطٍ مِنَ الإِنسانِ في مَطاعِمِه ومَشارِبِه، وغَيرِ ذلك. ولذا قال: مَرِضْتُ دُونَ: (أَمرَضَني) [532] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/319)، ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي حيان)) (8/165، 166)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 413)، ((تفسير أبي السعود)) (6/249)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/91).   . وقيل: يُفرَّقُ بينَ نِسبةِ المَوتِ ونِسبةُ المرضِ في مُقتَضى الأدبِ: بأنَّ المَوتَ قد عُلِم واشتهرَ أنَّه قَضاءٌ مَحتومٌ مِنَ اللهِ تعالى على سائرِ البشرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يُخَصُّ، ولا كذلك المرَضُ؛ فكمْ مِن مُعافى منه قد بَغَتَه الموتُ؛ فالتَّأسِّى بعُمومِ المَوتِ لعلَّه يُسقِطُ أثَرَ كَونِه بَلاءً؛ فيَسوغُ في الأدبِ نِسْبَتُه إلى اللهِ تعالى. وأمَّا المرضُ فلمَّا كان ممَّا يُخَصُّ به بعضُ البشرِ دُونَ بعضٍ، كان بَلاءً مُحقَّقًا؛ فاقتَضى العُلُوُّ في الأدبِ مع اللهِ تعالى أن يَنسبَه الإنسانُ إلى نفْسِه باعتِبارِ ذلك السَّببِ الَّذي لا يَخْلو منه، ويؤيِّدُ ذلك: أنَّ كلَّ ما ذَكَره مع المرضِ أَخبَرَ عن وُقوعِه بَتًّا وجَزْمًا؛ لأنَّه أمْرٌ لا بدَّ منه، وأمَّا المرضُ فلمَّا كان قد يَتَّفِقُ وقد لا، أورَدَه مَقرونًا بشرط (إذا)، فقال: ?  ?، وكان مُمكِنًا أن يقولَ: والَّذي يُمْرِضُني فيَشفِيني، كما قال في غَيرِه، فما عَدَل عنِ المُطابَقةِ المُجانِسةِ المَأثورةِ إلَّا لذلك [533] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (3/319)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/374).   .
- ولَمَّا كان قَولُه تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وارِدًا على الاستِدراجِ، وإرخاءِ العِنانِ؛ جاءَ قَولُه: إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ تَخلُّصًا منه إلى التَّمكُّنِ مِن إجراءِ الأوصافِ الَّتي يُصحِّحُ بها معنَى الإلهيَّةِ مِن كَونِه خالقًا رازقًا، مُحْيِيًا ومُمِيتًا، مُعاقِبًا ومُثِيبًا؛ تربيةً لمعنَى النُّصحِ والاستِدراجِ، وبَعْثًا على التَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ، وأمَّا ذِكرُ المرضِ والشِّفاءِ في قولِه: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ؛ فكالمُتابِعِ لمعنَى الإطعامِ والسَّقيِ؛ ولذلك تُرِك فيهما المَوصولُ إلى الشَّرطِ والجَزاءِ، فرُوعيَتْ فيهما تلك النُّكتةُ [534] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/374).   .
12- قولُه تعالى: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ فيه مُراعاةُ حروفِ العَطفِ؛ فقد قال: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: 79 - 81]، فالأوَّلُ عطَفَه بالواوِ الَّتي هي لمُطْلَقِ الجَمعِ، وتقديمُ الإطعامِ على الإسقاءِ، والإسقاءِ على الإطعامِ جائزٌ لولا مُراعاةُ حُسنِ النَّظمِ. ثمَّ عَطَف الثَّاني بالفاءِ؛ لأنَّ الشِّفاءَ يعقبُ المرضَ بلا زَمانٍ خالٍ مِن أحدِهِما. ثمَّ عَطَف الثَّالثَ بـ (ثُمَّ)؛ لأنَّ الإحياءَ يَكونُ بعدَ المَوتِ بزمانٍ؛ ولهذا جِيءَ في عطْفِه بـ (ثُمَّ) الَّتي هي للتَّراخي [535] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/90).   .
- وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتكلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ)؛ لأجْلِ التَّخفيفِ، ورِعايةِ الفاصِلةِ؛ لأنَّها يُوقَفُ عليها، وفواصِلُ هذه السُّورةِ أَكثَرُها بالنُّونِ السَّاكنةِ [536] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/144).   .
- وفي هذِه الآياتِ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ أدْخَلَ (هُوَ) في قَولِه: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وقَولِه: فَهُوَ يَشْفِينِ، بخِلاف قَولِه: وَالَّذِي يُمِيتُنِي منها، فلم يَقُلْ: (والَّذي هو يُمِيتُني)، كما قال: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي؛ ووَجهُ ذلك: أنَّه لو جاء: (والَّذي يُطْعِمُني ويَسْقِينِ، وإذا مرِضْتُ يَشْفِينِ)، لَكان مَعلومًا أنَّ مُرادَه اللهُ تعالى، وذِكرُ (هو) تَوكيدًا لمعنَى الكلامِ، وتَخصيصِ الفِعلِ به دُونَ غَيرِه، واحتاجَ ذِكرُ الإطعامِ والشِّفاءِ إلى هذا التَّوكيدِ؛ لأنَّهما ممَّا يَدَّعي الخَلْقُ فِعلَه، فيُقالُ: فُلانٌ يُطعِمُ فُلانًا، والطَّبيبُ يُداوي ويُسبِّبُ الشِّفاءَ؛ فكانت إضافةُ هذَينِ الفِعلَينِ إلى اللهِ تعالى مُحتاجةً إلى لفظِ التَّوكيدِ بخلافِ المَوتِ والحياةِ؛ لأنَّ أحدًا لا يَدَّعي فِعْلَهما كما يَدَّعي الأَوَّلَينِ؛ فافتَرَقَا لهذا الشَّأنِ [537] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (1/967، 968)، ((تفسير أبي حيان)) (8/165، 166)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 412).   .
13- قولُه تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ هذا الكلامُ خبرٌ يَتضمَّنُ تَعريضًا بالدُّعاءِ [538] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/144).   .
- وفيه تَكريرُ المَوصولِ الَّذِي في المَواقعِ الثَّلاثةِ مع كِفايةِ عَطْفِ ما وَقَع في حَيِّزِ الصِّلةِ مِنَ الجُمَلِ السِّتِّ على صِلَةِ المَوصولِ الأوَّلِ؛ للاهتِمامِ، وللإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدةٍ مِن تِلكَ الصِّلاتِ نَعتٌ جليلٌ له تعالى، مُستقِلٌّ في استِيجابِ الحُكمِ، حقيقٌ بأنْ تَجريَ عليه تعالى بحِيالِها، ولا تُجعلَ مِن رَوادِفِ غَيرِها [539] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/141)، ((تفسير أبي السعود)) (6/249)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   .
- وفي قولِه: يَوْمَ الدِّينِ عَلَّقَ مَغفرةَ الخطيئةِ بيَومِ الدِّينِ، وإنَّما تُغفَرُ في الدُّنيا؛ لأنَّه اليَومُ الَّذي يَظهَرُ فيه أثَرُ العَفوِ، وهو الآنَ خَفِيٌّ لا يُعْلَمُ [540] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/320)، ((تفسير أبي السعود)) (6/250)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/143).   ؛ ولأنَّ في ذلك تَهويلًا له، وإشارةً إلى وُقوعِ الجزاءِ فيه إنْ لم تُغفَرْ [541] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/250).   .
14- قولُه تعالى: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ
- لَمَّا كان آخِرُ مَقالِه في الدَّعوةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُتضمِّنًا دُعاءً بطَلبِ المغفرةِ؛ تَخلَّصَ منه إلى الدُّعاءِ بما فيه جَمْعُ الكمالِ النَّفْسانيِّ بالرِّسالةِ، وتبليغِ دَعوةِ الخَلقِ إلى اللهِ؛ فإنَّ الحُجَّةَ التي قامَ بها في قومِه بوحيٍ مِن اللهِ؛ فكان حينَئذٍ في حالِ قُربٍ مِن اللهِ، وجَهَر بذلك في ذلك الجَمعِ؛ لأنَّه عَقِبَ الانتِهاءِ مِن أَقدَسِ واجبٍ وهو الدَّعوةُ إلى الدِّينِ؛ فهو ابتِهالٌ أَرْجى للقَبولِ. ونَظيرُ ذلك دُعاؤُه عِندَ الانتِهاءِ مِن بِناءِ أساسِ الكعبةِ المَحْكيِّ في قَولِه تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ إلى قَولِه: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ إلى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [542] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/144، 145).   [البقرة: 127 - 129].
- ولفظُ الصَّالِحِينَ يَعُمُّ جميعَ الصَّالِحينَ مِنَ الأنبياءِ والمُرسَلينَ؛ فيَكونُ قد سأل بُلوغَ دَرَجاتِ الرُّسُلِ أُولي العَزمِ نُوحٍ وهُودٍ وصَالحٍ والشُّهداءِ والصَّالِحينَ، فجَعَل الصَّالِحينَ آخِرًا؛ لأنَّه يَعُمُّ؛ فكان تَذْييلًا [543] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/145).   .
15- قولُه تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ إضافةُ لِسَانَ إلى ? مِن إضافةِ المَوصوفِ إلى الصِّفةِ؛ ففيه مُبالَغةُ الوَصفِ بالمصدرِ، أي: لِسانًا صادِقًا. و(الصِّدقُ) هنا كِنايةٌ عنِ المَحبوبِ المَرغوبِ فيه؛ لأنَّه يُرغَبُ في تَحقُّقِه ووُقوعِه في نفْسِ الأمرِ [544] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/146).   .
16- قولُه تعالى: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ سَأل المَغفرةَ لأبيه قبْلَ سؤالِ ألَّا يُخزيَه اللهُ يَومَ القِيامةِ؛ لأنَّه أرادَ ألَّا يَلحَقَه يَومَئذٍ شَيءٌ يَنكسِرُ منه خاطِرُه، وقد اجتَهَد في العملِ المُبلِّغِ لذلك، واستَعانَ اللهَ على ذلك، وما بَقِيَتْ له حَزازةٌ إلَّا حَزازةُ كُفْرِ أبيه، فسَألَ المغفرةَ له؛ لأنَّه إذا جِيءَ بأبيه مع الضَّالِّينَ لَحِقَه انكِسارٌ، ولو كان قد استُجيبَ له بقيَّةُ دَعَواتِه؛ فكان هذا آخِرَ شَيءٍ تَخوَّفَ منه لَحاقَ مَهانةٍ نفْسيَّةٍ مِن جِهةِ أصْلِه لا مِن جهةِ ذاتِه [545] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/146).   .
- قولُه: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ تَعليلٌ لطلَبِ المغفرةِ لأبيه، وفيه إيماءٌ إلى أنَّه سألَ له مَغفرةً خاصَّةً، وهي مغفرةُ أَكبَرِ الذُّنوبِ، أي: الإشراكِ باللهِ، وهو سؤالٌ اقتضاهُ مَقامُ الخُلَّةِ، وقد كان أبوه حيًّا حينَئذٍ. ولعلَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ عَلِمَ مِن حالِ أبيه أنَّه لا يُرجَى إيمانُه بما جاء به ابنُه، أو أنَّ اللهَ أوْحَى إليه بذلك. ويجوزُ أنَّه لم يَتقرَّرْ في شَرْعِ إبراهيمَ حينَئذٍ حِرمانُ المشركينَ مِن المغفرةِ؛ فيكون ذلك مِن معنى قولِه تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: 114]. ويجوزُ أنْ يكونَ طلبُ الغُفرانِ له كِنايةً عن سَببِ الغُفرانِ، وهو هِدايتُه إلى الإيمانِ [546] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/147).   .
17- قولُه تعالى: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
- قولُه: يَوْمَ يُبْعَثُونَ فيه إضمارٌ قبْلَ الذِّكرِ -حيثُ لم يُذْكَرِ المَبعُوثونَ قبْلُ-؛ لِما في عُمومِ البَعثِ مِنَ الشُّهرةِ الفاشيةِ المُغْنِيةِ عنه [547] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/250).   .
18- قولُه تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ... على القولِ بأنَّه مِن كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ فيَكونُ بدَلًا مِن يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ جِيءَ به تَأكيدًا للتَّهويلِ، وتَمهيدًا لِما يَعقُبُه مِنَ الاستِثناءِ، وهو مِن أَعَمِّ المَفاعيلِ، وقُصِد به إظهارُ أنَّ الالتِجاءَ في ذلك اليَومِ إلى اللهِ وحْدَه، ولا عَوْنَ فيه بما اعتادَه النَّاسُ في الدُّنيا مِن أسبابِ الدَّفعِ عن أنفُسِهم. وقيل: إنَّ الآياتِ الَّتي أوَّلُها: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلى قَولِه: فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  [الشعراء: 102] مُنقطِعةٌ عن كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، وهي إخبارٌ مِنَ اللهِ تعالى صِفةً لليَومِ الَّذي وقَفَ إبراهيمُ عِندَه في دُعائِه ألَّا يُخزَى فيه؛ فيَكونُ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ استِئنافًا خبرًا لمُبتدأٍ مَحذوفٍ تَقديرُه: هو يومٌ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنونَ. ويَظهَرُ على هذا الوجهِ أن يَكونَ المُرادُ بـ   مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الإشارةَ إلى إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وصَفَه بمِثلِ هذا في آيةِ سورةِ (الصَّافَّاتِ)، في قَولِه: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ، أي: شِيعةِ نُوحٍ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [548] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/250)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/147).   [الصافات: 83، 84].
- والاقتِصارُ على المالِ والبَنِينَ في نَفْيِ النَّافِعِينَ جرَى على غالبِ أحوالِ القَبائلِ في دِفاعِ أحدٍ عن نفْسِه بأنْ يُدافِعَ إمَّا بفِدْيةٍ وإما بنَجْدةٍ (وهي النَّصرُ)؛ فالمالُ وسيلةُ الفِديةِ، والبَنونَ أحَقُّ مَن يَنصُرونَ أباهُم، واقتَضى ذلك أنَّ انتِفاءَ نَفْعِ ما عدَا المالَ والبَنِينَ مِن وسائلِ الدِّفاعِ حاصِلٌ بالأَوْلى؛ بحُكمِ دَلالةِ الاقتِضاءِ [549] دلالةُ الاقتِضاءِ: هي دَلالةُ اللفظِ على مقصودٍ محذوفٍ لا بدَّ مِن تقديرِه؛ لتوقُّفِ الصِّدقِ أو الصِّحةِ عليه. يُنظر: ((إجابة السائل شرح بغية الآمل)) لابن الأمير (ص: 355)، ((مذكرة في أصول الفقه)) للشنقيطي (ص: 283).   المُستنِدةِ إلى العُرْفِ؛ فالكلامُ مِن قَبيلِ الاكتِفاءِ [550] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/148).   .
- وحُذِف مَفعولُ يَنْفَعُ؛ لقَصدِ العُمومِ، كحَذفِه في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ [يونس: 25] أي: يَدْعو كلَّ أحَدٍ؛ فتَحصَّلَ أنَّ التَّقديرَ: يَومَ لا يَنفَعُ أحدًا شيءٌ يَأتي به للدَّفعِ عن نفْسِه [551] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/149).   .
19- قولُه تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
- السَّليمُ هو السَّالمُ، وجاء على هذا المثالِ لأنَّه للصِّفاتِ، كالطويلِ والقصيرِ والظريفِ، فالسليمُ: القلبُ الذي قد صارتِ السَّلامةُ صفةً ثابتةً له، كالعليمِ والقديرِ، وأيضًا فإنَّه ضدُّ المريضِ والسَّقيمِ والعليلِ [552] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/7).   .
- وفي قولِه: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ... إلى قولِه: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قابَلَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ في دُعائِه النِّعَمَ الخَمسَ الَّتي أَنعَمَ اللهُ بها عليه المَذكورةَ في قَولِه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قَولِه: يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: 78- 82] الرَّاجِعةَ إلى مَواهِبَ حِسِّيَّةٍ، بسُؤالِ خَمسِ نِعَمٍ راجعةٍ إلى الكَمالِ النَّفْسانيِّ، كما أَوْمأَ إليه قَولُه: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 89]، وأَقحَمَ بيْن طلَباتِه سُؤالَه المَغفرةَ لأبيهِ؛ لأنَّ ذلك داخِلٌ في قَولِه: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [553] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/145).   [الشعراء: 87].
- وفي الآياتِ مِن قَولِه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى قَولِه: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 78- 89] أنواعٌ شَتَّى من البَلاغةِ:
منها: حُسْنُ النَّسَقِ [554] حُسنُ النَّسَق: هو عبارةٌ عن أن يأتيَ المتكلِّمُ بالكلِماتِ مِن النثرِ والأبياتِ مِن الشِّعرِ مُتتالياتٍ مُتلاحِماتٍ تلاحُمًا سليمًا مستحسَنًا، لا مَعيبًا مستهجنًا، وأن تكونَ كلُّ واحدةٍ منها قابلةً لِأنْ تَستقِلَّ بنفْسِها لو أُفرِدَتْ. يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (4/364)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/462).   ؛ فإنَّه قَدَّم الخَلْقَ الَّذي يَجِبُ تقديمُ الاعتِدادِ به مِنَ الخالقِ على المَخلوقِ، واعتِرافِ المَخلوقِ بنِعمتِه؛ فإنَّه أوَّلُ نعمةٍ، وفي إقرارِ المخلوقِ بنِعمةِ الإيجادِ مِنَ العدَمِ إقرارُه بقُدرةِ الخالقِ على الإيجادِ والاختِراعِ وحِكمتِه، ثمَّ ثَنَّى بنِعمةِ الهِدايةِ الَّتي هي أَوْلى بالتَّقديمِ بعْدَ نِعمةِ الإيجادِ مِن سائرِ النِّعَمِ، ثمَّ ثلَّثَ بالإطعامِ والإسقاءِ اللَّذَينِ هُمَا مادَّةُ الحياةِ، وبهما مِنَ اللهِ استِمرارُ البقاءِ إلى الأجَلِ المَحْتومِ، وذَكَر المرضَ وأسنَدَه إلى نفْسِه؛ أدبًا مع ربِّه، ثمَّ أَعقَبَ ذِكرَ المرضِ بذِكرِ الشِّفاءِ مُسنِدًا ذلك الى ربِّه، ثمَّ ذَكَر الإماتةَ مُسنِدًا فِعلَها الى ربِّه؛ لتَكميلِ المدحِ بالقُدرةِ المُطْلَقةِ على كلِّ شيءٍ مِنَ الإيجادِ والإعدامِ، ثمَّ أَردَفَ ذِكرَ المَوتِ بذِكرِ الإحياءِ بعدَ الموتِ، وفيه -مع الإقرارِ بهذه النِّعمةِ، والاعتِرافِ بالقُدرةِ- الإيمانُ بالبعثِ، وكلُّ هذه المعاني جُمَلُ ألفاظِها مَعطوفٌ بعضُها على بعضٍ بحُروفٍ مُلائِمةٍ لمعاني الجُمَلِ المَعطوفةِ.
ومنها: صحَّةُ التَّقسيمِ [555] صِحَّةُ التَّقسيمِ: وهو أنْ يَستوعِبَ الكلامُ جميعَ أقسامِ المعنى الذي أخَذ المتكلِّمُ فيه. يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/355، 457).   ؛ فقد استَوعبَتْ هذه الآياتُ أقسامَ النِّعَمِ الدُّنْيَويَّةِ والأُخْرَويَّةِ؛ مِنَ الخَلْقِ والهِدايةِ، والإطعامِ والإسقاءِ، والمرضِ والشِّفاءِ، والموتِ والحياةِ، والإيمانِ بالبعثِ، وغُفرانِ الذَّنبِ [556] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/91، 92).   .