موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (52-68)

ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ

غَريبُ الكَلِماتِ:


لَشِرْذِمَةٌ : أي: طائِفةٌ. وكُلُّ بقيَّةٍ قليلةٍ فهى شِرذِمةٌ، مِن شَرَمْتُ الشَّيءَ: إذا مزَّقْتَه، فكأنَّها طائفةٌ تمزَّقت عن الجماعةِ الكثيرةِ، فالذالُ فيها زائِدةٌ [361] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/86)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 317)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/273)، ((المفردات)) للراغب (ص: 450)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 268).   .
لَغَائِظُونَ: أي: مُغضِبون، والغَيظُ: أشَدُّ الغَضَبِ، وأصلُ (غيظ): يدُلُّ على كَربٍ يلحَقُ الإنسانَ مِن غَيرِه [362] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/405)، ((المفردات)) للراغب (ص: 619)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 268)، ((تفسير القرطبي)) (13/101).   .
حَاذِرُونَ: أي: مُستَعِدُّون ومتيقِّظون، وأصلُ (حذر): يدُلُّ على التحَرُّزِ والتيقُّظِ [363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/577)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/37)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 268)، ((تفسير القرطبي)) (13/102).   .
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ: أي: مَساكِنَ حِسانٍ، والمقامُ: محَلُّ القيامِ، والكَريمُ: النَّفيسُ [364] يُنظر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (17/57)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/132)، ((المفردات)) للراغب (ص: 691).   .
مُشْرِقِينَ: أي: مُصبِحينَ، وقتَ شُروقِ الشَّمسِ، وأصلُ (شرق): يدُلُّ على إضاءةٍ وفَتحٍ [365] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 317)، ((تفسير ابن جرير)) (17/579)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 446)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/264)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 268).   .
تَرَاءَى: أي: تقابَلَ وتلاقى، وأصلُ (رأى): يدُلُّ على نَظَرٍ وإبصارٍ [366] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/580)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/472، 473)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 268)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 320).   .
فَانْفَلَقَ: أي: انشقَّ، وانْفَرَق، والفَلْقُ: شقُّ الشيءِ، وإبانةُ بعضِه عن بعضٍ، وأصلُ (فلق): يدُلُّ على فُرْجةٍ وبَيْنونةٍ في الشَّيءِ [367] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/452)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (5/1473)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 645)، ((تفسير البغوي)) (3/468)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 32).   .
فِرْقٍ: أي: جُزءٍ وقِطعةٍ، والفَرْقُ: الفَلْقُ مِن الشَّيْء إذا انفلَقَ وانقطَعَ، وكُلُّ شَيءٍ انقطع مِن شَيءٍ فهو فِرْقٌ منه وقِطعةٌ منه، وأصلُ (فرق): يدُلُّ على تمييزٍ وتَزييلٍ بيْنَ شَيئَينِ [368] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/493)، ((البسيط)) للواحدي (17/59)، ((تفسير غريب ما في الصحيحين)) للحميدي (ص: 443)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632).   .
كَالطَّوْدِ: أي: الجَبَلِ، أو الجبلِ العظيمِ [369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/656)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/430)، ((المفردات)) للراغب (ص: 528)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 586).   .
وَأَزْلَفْنَا: أي: قرَّبْنا، وأصلُ (زلف): يدُلُّ على اندِفاعٍ وتقَدُّمٍ في قُربٍ إلى شَيءٍ [370] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 317)، ((تفسير ابن جرير)) (1/661)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/21)، ((المفردات)) للراغب (ص: 382)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 269).   .

المعنى الإجماليُّ:


يُبيِّنُ الله تعالى ما أمَر به نبيَّه موسَى عليه السلامُ، وما حلَّ بفرعونَ وقومِه مِن هلاكٍ، فيقولُ: وأوحى اللهُ تعالى إلى موسى أن يسيرَ ببني إسرائيلَ ليلًا؛ لأنَّ فِرعَونَ وجُنودَه سيتَّبِعونَهم لِيَحُولوا بيْنَهم وبيْنَ الخُروجِ مِن مِصرَ، ولَمَّا عَلِمَ فِرعَونُ بخُروجِ موسى ومعه بنو إسرائيلَ، أرسَل مَن يجمَعُ له الجنودَ مِن المدائنِ المتعَدِّدةِ في مملكتِه، وبعْدَ أنِ اكتمَلَ عدَدُ جُنودِه أخَذ يهَوِّنُ مِن شأنِ موسى ومَن تَبِعَه، فقال: إنَّ بني إسرائيلَ الذين خرَجوا بدُونِ إذْني لَطائفةٌ ضعيفةٌ وقليلةٌ، وإنَّهم مُغضِبون لنا أشدَّ الغضَبِ، وقد أخَذْنا حِذْرَنا منهم، وتأهَّبْنا لهم بالقُوَّةِ والسِّلاحِ.
ثمَّ يذكرُ سُبحانَه عاقِبةَ فِرعَونَ وقَومِه، فيقولُ: فأخرَجْنا فِرعَونَ وقَومَه مِن بساتينَ وعيونٍ عَذبةِ الماءِ كانوا يَشرَبونَ منها، وأموالٍ كانت مملوكةً لهم، ومساكِنَ حَسَنةٍ كانوا يُقيمون فيها، كذلك وأورَثْنا تلك الجنَّاتِ والعُيونَ والكُنوزَ والمساكِنَ بني إسرائيلَ.
ثمَّ يُبيِّنُ سُبحانَه بعدَ ذلك ما حدثَ مِن فِرعَونَ وقَومِه، وما قاله بنو إسرائيلَ عندَما شاهَدوهم، فيقولُ: فلَحِقَ فِرعَونُ وجُنودُه بني إسرائيلَ وقتَ شُروقِ الشَّمسِ، فلمَّا رأى كُلُّ فريقٍ خَصمَه قال أصحابُ موسى: سيُدرِكُنا فِرعَونُ وجُنودُه ولا نستطيعُ الفِرارَ؛ فهم خَلْفَنا والبَحرُ أمامَنا. فقال موسى واثِقًا مِن نُصرةِ الله له: ليس الأمرُ كما تَظنُّون؛ لأنَّ ربِّي معي بنَصرِه وتأييدِه، وسيَهديني لطَريقِ النَّجاةِ والفَوزِ.
فأوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليه السَّلامُ، فقال له: اضرِبْ بعصاكَ البَحرَ، فضرَب موسى بعَصاهُ البَحرَ فانشَقَّ، فكانت كلُّ قِطعةٍ مِن الماءِ كالجبَلِ الشامِخِ الكبيرِ، وقرَّبْنا هنالك فِرعَونَ وجُنودَه مِن موسى وقَومِه، فدخَلوا وراءَهم في الطَّريقِ المنشَقِّ مِن البَحرِ؛ ليَلحَقوا بهم، فأنجَينا موسى ومَن معه مِن الغَرَقِ، وأغرَقْنا فِرعَونَ وقَومَه أجمعينَ.
إنَّ في قصَّةِ موسى وفِرعَونَ لَعِظةً وعِبرةً عَظيمةً، وما كان أكثَرُ قَومِ فِرعَونَ مُؤمنينَ بالله، وإنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- لَهُوَ العزيزُ القاهِرُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعِبادِه، فلا يعاجِلُهم بعَذابِه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52).
أي: وأوحَيْنا إلى موسى أنْ سِرْ بعِبادي بني إسرائيلَ ليلًا، وسيتَّبِعُكم فِرعَونُ وجُنودُه؛ لِيَحُولوا بيْنَكم وبيْنَ الخُروجِ مِن أرضِ مِصرَ [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/572)، ((تفسير القرطبي)) (13/100)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: 77].
وقال سُبحانَه: فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان: 22 - 24].
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53).
أي: فأرسَلَ فِرعَونُ مَن يجمَعُ له مِن مدُنٍ كَثيرةٍ جُنودًا؛ ليَلحَقوا بني إسرائيلَ فيَرُدُّوهم [372] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/572)، ((تفسير السمرقندي)) (2/555)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/129)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 119). قال ابن كثير: (فلمَّا أصبحوا وليس في ناديهم داعٍ ولا مجيبٌ، غاظ ذلك فِرعَونَ واشتَدَّ غَضَبُه على بني إسرائيلَ؛ لِما يريدُ اللهُ به مِن الدَّمارِ، فأرسَل سريعًا في بلادِه حاشرين). ((تفسير ابن كثير)) (6/143).   .
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54).
أي: إنَّ بني إسرائيلَ لَطائِفةٌ ضَعيفةٌ وقَليلةٌ [373] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/572)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 120، 121). وممَّن اختار أنَّ هذا الكلامَ لفِرعَونَ: مقاتلُ بن سليمان، وابن جرير، والبغوي، والبيضاوي، والنسفي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/265)، ((تفسير ابن جرير)) (17/572)، ((تفسير البغوي)) (3/467)، ((تفسير البيضاوي)) (4/139)، ((تفسير النسفي)) (2/564)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/130). قال الطِّيبي: (قولُه: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ يوهمُ قِلَّةَ الاحتفالِ بهم، وأنَّ قتالَهم إنَّما هو لأجْلِ أنَّهم لنا غائظون، ومِن عادتِنا الحذرُ على دولتِنا بحُسنِ الحِفظِ، وحمايةِ حَوزةِ المملكةِ، ولقد كذَب وكان فؤادُه مملوءًا رعبًا). ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/495). وقيل: هو مِن كلامِ مَن أرسلهم فرعونُ لحشرِ الجنودِ. وممَّن اختار ذلك: البِقاعي، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/38، 39)، ((تفسير السعدي)) (ص: 301)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/130). .
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكرَ ما يمنَعُ الخَوفَ مِن اتِّباعِهم؛ ذكَرَ ما يوجِبُ الحثَّ عليه، ويحَذِّرُ مِن التقاعُسِ عنه، فقال [374] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/39).   :
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55).
أي: وإنَّ بني إسرائيلَ مُغضِبون لنا أشدَّ الغضَبِ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/576)، ((تفسير القرطبي)) (13/101)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/131). قال الرسعني: (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ لِمُراغمتِهم إيَّانا، وقِلَّةِ اهتمامِهم بأمرِنا). ((تفسير الرسعني)) (5/384). وقال السمعاني: (وكان غيظُه منهم بخروجِهم مِن غيرِ أمرِه، واستعارتِهم الحُليَّ مِن قَومِه، ومُضِيِّهم بها). ((تفسير السمعاني)) (4/48). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/576). .
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56).
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ حَاذِرُونَ بألِفٍ بعْدَ الحاءِ، ذَوو أداةٍ مِن السلاحِ وقوةٍ، أي: قد أخَذْنا حِذْرَنا من بني إسرائيلَ، وتأهَّبْنا لهم بسِلاحِنا، وقيل: رجلٌ حاذرٌ فيما يستقبلُ، لا في وقتِه [376] قرأ بها عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/335). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 267)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/225)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 517).   .
2- قِراءةُ حَذِرُونَ بحذفِ الألفِ، أي: متيَقِّظون وخائِفون مِن شَرِّ بني إسرائيلَ، ومِن عادَتِنا الحَذَرُ في كُلِّ وَقتٍ. فقيل: رجلٌ حذِرٌ: إذا كان الحذرُ لازمًا له كالخِلقةِ، وقيل: القِراءتانِ بمعنًى واحدٍ [377] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/335). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 267)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/225)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 517، 518)، ((تفسير البغوي)) (3/468).   .
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56).
أي: وإنَّنا كُلَّنا مستعِدُّون بالقوَّةِ والسِّلاحِ لحَربِ بني إسرائيلَ، وقد أخَذْنا حِذْرَنا منهم [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/577)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 790)، ((تفسير القرطبي)) (13/101). قال ابن عثيمين: (واجتماعُ القِراءتَينِ يُفيدُ المعنيينِ جميعًا، أي: إنَّنا متيقِّظون، ولِتيقُّظِنا كنَّا مستعِدِّينَ، فهاتان القِراءتانِ تُفيدانِ معنيَينِ؛ المعنى الأول: التيقُّظُ، وهو استعدادٌ نفْسيٌّ، والمعنى الثاني: الاستعدادُ الحِسيُّ؛ لقولِه: حَاذِرُونَ؛ لأنَّ الحاذِرَ اسمُ فاعلٍ، وهو الذي فعَل ما يَحذَرُ به، وهو الاستعدادُ فقط. فإن قيل: ألَا تَشملُ (حاذرون) كِلا المعنيَينِ؟ فالجواب: لا؛ لأنَّ الإنسانَ قد يستعِدُّ ويُحسِنُ الإعدادَ والأجهزةَ، لكِنْ لا يكونُ متيقِّظًا، فقط يستعِدُّ ولا يتيقَّظُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 123).   .
فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان التَّقديرُ: فأطاعوا أمرَه، ونَفَروا على كلٍّ صَعبٍ وذَلولٍ؛ عطَف عليه قولَه مُعلِمًا بما آلَ إليه أمرُهم [379] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/41).   :
فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57).
أي: فأخرَجْنا فِرعَونَ وقَومَه مِن بساتينَ كَثيرةِ الأشجارِ والزُّروعِ، وعُيونِ الماءِ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/578)، ((تفسير القرطبي)) (13/102)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 124).   .
كما قال تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: 25 - 27].
وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58).
أي: وأخرَجْناهم من أموالِهم ومساكِنِهم الحسَنةِ التي كانوا يتنعَّمون فيها [381] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/578)، ((تفسير القرطبي)) (13/105)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/132). قال ابن عاشور: (الكنوز: الأموالُ المدَّخرةُ. والمَقامُ: أصلُه محلُّ القيامِ، أو مصدرُ قامَ. والمعنى على الأوَّلِ: مساكِنُ كريمةٌ، وعلى الثاني: قيامُهم في مجتمَعِهم، والكريمُ: النفيسُ في نوعِه). ((تفسير ابن عاشور)) (19/132).   .
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) .
أي: كذلك [382] قال ابن جرير: (قَولُه: كَذَلِكَ يقولُ: هكذا أخرَجْناهم مِن ذلك، كما وصَفْتُ لكم في هذه الآيةِ والَّتي قبْلَها). ((تفسير ابن جرير)) (17/578، 579). وقال البقاعي: ( كَذَلِكَ أي: مِثلَ ذلك الإخراجِ العجيبِ الذي أراده فرعونُ مِن قومِه في السرعةِ والكمالِ والهَيبةِ، أخرَجْناهم نحن بأنْ يسَّرْنا له ولهم ذلك، ووفَّرْنا لهم الأسبابَ؛ لِما اقتضَتْه حِكمتُنا. أو مِثلَ ذلك الخروجِ الذي قصَصْناه عليك أخرَجْناهم، أي: كان الواقِعُ مِن خروجِهم مطابقًا لِما عبَّرْنا به عنه. أو الأمرُ الذي قصَصْناه كلَّه كما قُلْنا. وأوَّلُها أقعَدُها وأحسَنُها وأجوَدُها). ((نظم الدرر)) (14/42). وقال ابن عثيمين: ( كَذَلِكَ تكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، يعني: إخراجنا لهم كان كذلك. أو يكونُ التقدير: الأمرُ كذلك...، فهي جملةٌ مستقِلَّةٌ عمَّا قبْلَها وعمَّا بعْدَها). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 127). وأورَثْنا الجنَّاتِ والعُيونَ والكُنوزَ والمساكِنَ التي كانت لفِرعَونَ وقَومِه بني إسرائيلَ [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/578)، ((تفسير القرطبي)) (13/105)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592). قيل: ردَّ اللهُ بني إسرائيلَ إلى مِصرَ بعدَ خروجِهم منها فأعطاهم جميعَ ما كان لقومِ فرعونَ مِن الخَيراتِ والنِّعَمِ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والواحديُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/822)، ((الوسيط)) للواحدي (3/354). قال الألوسي: (قال الواحدي: إنَّ الله تعالى ردَّ بني إسرائيلَ إلى مصرَ بعدَما أغرَق فِرعونَ وقومَه، فأعطاهم جميعَ ما كان لقومِ فِرعونَ مِن الأموالِ والعقارِ والمساكنِ،... وظواهرُ كثيرٍ مِن الآياتِ تقتضي ما ذكره الواحديُّ. والله تعالى أعلَمُ). ((تفسير الألوسي)) (10/82، 83). وقال أيضًا: (قوله تعالى في سورةِ الشعراء: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ظاهرٌ في أن بني إسرائيلَ رجَعوا إلى مصرَ بعدَ هلاكِ فرعونَ، وملَكوها، وبه قال الحسنُ... وقيل: لم يَرِدْ في مشهورِ التواريخِ أنَّ بني إسرائيلَ رجَعوا إلى مصرَ، ولا أنَّهم ملَكوها قطُّ... وأخَذ جمعٌ بقولِ الحسنِ، وقالوا: لا اعتبارَ بالتواريخِ، وكذا الكتبُ التي بيدِ اليهودِ اليومَ؛ لِما أنَّ الكذبَ فيها كثيرٌ، وحسْبُنا كتابُ الله تعالى، وهو سبحانَه أصدقُ القائلينَ، وكتابُه جلَّ وعلا مأمونٌ مِن تحريفِ المحرِّفينَ). ((تفسير الألوسي)) (13/122) بتصرف. وقال طنطاوي: (لا مانعَ مِن عودةِ الضميرِ في قولِه تعالى: وَأَوْرَثْنَاهَا إلى الجناتِ والعيونِ والكنوزِ التي أخرَج اللهُ تعالى منها فِرعونَ وقومَه، بأنْ عاد موسى ومَن معَه إلى مِصرَ -لفترةٍ معيَّنةٍ- بعْدَ هلاكِ فرعونَ ومَلَئِه، ثمَّ خرَجوا منها بعدَ ذلك مواصِلينَ سيرَهم إلى الأرضِ المقدَّسةِ التي أمرَهم موسَى عليه السلامُ بدُخولِها). ((التفسير الوسيط)) (10/251). وقيل: إنَّ بني إسرائيل لم يَرِثوا مُلكَ فِرعَونَ في مِصرَ، ولكنَّهم وَرِثوا مُلكًا مِثلَه في أرضِ الشامِ، والمقصودُ نوعُ المُلكِ والنِّعمةِ الذي زالَ عن فِرعونَ وملَئِه ووَرِثَه بنو إسرائيلَ. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: ابنُ جُزَي، والمراغي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/91)، ((تفسير المراغي)) (19/67)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/133) و(25/303). وذهب محمد رشيد رضا إلى أنَّ المعنى: أنَّ بني إسرائيلَ وَرِثوا مُلكَ فِرعونَ في أرضِ الشامِ؛ لأنَّ الشامَ كانت تابعةً لمِصرَ في عهدِ فِرعونَ. يُنظر: ((تفسير المنار)) (9/86). وقال ابن عجيبة: (التحقيقُ أنَّهم ملَكوا التصَرُّفَ في مِصرَ، ووصَلتْ حكومتُهم إليها، ولم يَرجِعوا إليها، والله تعالى أعلَمُ). ((البحر المديد)) (4/137). وقال ابنُ عاشور: (وقيل: ضميرُ وَأَوْرَثْنَاهَا عائدٌ إلى خصوصِ الكنوزِ؛ لأنَّ بني إسرائيلَ استعاروا ليلةَ خروجِهم مِن جيرانِهم المصريِّينَ مَصوغَهم مِن ذهبٍ وفِضَّةٍ، وخرَجوا به كما تقدَّم في سورة طه [يعني في قَولِه تعالى: حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا [طه: 87]). ((تفسير ابن عاشور)) (19/134). .
كما قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].
وقال سُبحانَه: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص: 5].
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60).
أي: فلَحِقَ فِرعَونُ وجنودُه بني إسرائيلَ وقْتَ شُروقِ الشَّمسِ [384] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/579)، ((تفسير البغوي)) (3/468)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592). قال ابن عاشور: (يجوز أن يكونَ معناه: قاِصدين جِهةَ الشَّرقِ، يقال: أشرَقَ: إذا دخلَ في أرض الشَّرقِ، كما يقال: أنجَدَ وأَتْهَم وأعْرَقَ وأشأَمَ، ويُعلَمُ مِن هذا أنَّ بني إسرائيلَ توجَّهوا صَوْبَ الشَّرقِ، وهو صَوبُ بحرِ القُلْزُمِ، وهو البحرُ الأحمرُ،... وهو شرقيَّ مِصرَ. ويجوزُ أن يكونَ المعنى: داخلينَ في وقتِ الشروقِ، أي: أدرَكوهم عندَ شروقٍ بعْدَ أن قضَوا ليلةً أو لياليَ مَشيًا، فما بصُرَ بعضُهم ببعضٍ إلَّا عندَ شروقِ الشمسِ بعدَ ليالي السَّفرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/134). وقال ابن عثيمين: (وكِلا المعنيَينِ صحيحٌ؛ فمُشرِقٌ: متَّجِهٌ نحوَ المشرقِ باعتبارِ المكانِ، ومُشرِقٌ: وقت الشُّروقِ باعتبارِ الزمانِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 131). .
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61).
أي: فلمَّا رأى كلٌّ مِن جمعِ موسى وجَمعِ فِرعَونَ الآخَرَ، قال أصحابُ موسى: سيُدرِكُنا فِرعَونُ وجنودُه، ولا نَستطيعُ الفِرارَ؛ فالبَحرُ أمامَنا، وهم خَلْفَنا [385] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/266)، ((تفسير ابن جرير)) (17/580)، ((تفسير القرطبي)) (13/106)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .
قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62).
أي: قال موسى مُطَمْئِنًا قومَه: ليس الأمرُ كما ذكَرتُم مِن أنَّنا مُدرَكون؛ لأنَّ ربِّي معي بنَصرِه وتأييدِه، وسيَهديني لطَريقِ النَّجاةِ [386] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/581)، ((تفسير القرطبي)) (13/106)، ((تفسير ابن كثير)) (6/143، 144)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 133).   .
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حَكَى سُبحانَه عن موسَى عليه السَّلامُ قولَه: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62]، بَيَّنَ تعالى بَعْدَه كيف هَداه ونجَّاه، وأهلَكَ أعداءَه بذلك التدبيرِ الجامعِ لِنعَمِ الدِّينِ والدُّنيا، فقال [387] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/507).   :
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ.
أي: فأوحى اللهُ إلى موسى، فقال له: اضرِبْ بعَصاك البَحرَ الذي أمامَك [388] يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (2/506)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/44).   .
فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ .
أي: فضرَبَ موسَى بعصاه البحرَ، فانشَقَّ، فكانت كلُّ قِطعةٍ مِن الماءِ كالجبَلِ الكبيرِ [389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/583)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/92)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 790)، ((تفسير ابن كثير)) (6/144)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/44)، ((تفسير القاسمي)) (7/458)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592). قال البقاعي: (كَالطَّوْدِ أي: الجبَلِ في إشرافِه وطولِه وصلابتِه بعدمِ السَّيلانِ ? المتطاوِلِ في السماءِ، الثابتِ لا يتزلزَلُ؛ لأنَّ الماءَ كان منبَسِطًا في أرضِ البحرِ، فلما انفرَقَ وانكشَفَت فيه الطرُقُ انضَمَّ بعضُه إلى بعضٍ، فاستطال وارتفَعَ في السَّماءِ). ((نظم الدرر)) (14/44). وقال ابنُ عثيمين: (ظاهِرُه أنَّه عريضٌ؛ لأنَّ الطودَ العظيمَ يتناوَلُ الكِبَرَ والارتفاعَ والعَرْضَ... وقولُه: كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ظاهِرُه أنَّ الماءَ لم يتغيَّرْ، يعني: لم يتجمَّدْ بالمعنى المعروفِ فيكونَ أبيضَ جامدًا، ولكنَّه بقِي جامدًا على طبيعتِه أسودَ، وهذا أعظَمُ مما لو تجمَّد وهو على غيرِ طبيعتِه، لصارت فيه آيةٌ واحدةٌ، وهي سرعةُ التجمُّدِ بهذه اللحظةِ، فكوْنُه لا يسيلُ وهو جامِدٌ أمرٌ طبيعيٌّ عاديٌّ، لكِنْ كونُه يبقَى مائعًا ولكِنْ لا يسيلُ، فهذا أبلَغُ مِن ذلك. ففيه آيتان: أنَّه لا يسيلُ، وأنَّه لا يسيلُ وهو على طبيعتِه، والله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 136). !
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: 77].
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) .
أي: وقرَّبْنا فِرعَونَ وجُنودَه مِن البَحرِ، وأدخَلْناهم في ذلك الطَّريقِ المنشَقِّ لِنُغرِقَهم [390] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/585)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/340)، ((تفسير ابن كثير)) (6/144، 145)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/136).   .
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65).
أي: وأنجَيْنا مِن الغرَقِ موسى والذين معه كُلَّهم، وسلَّمْناهم مِن عدُوِّهم [391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/588)، ((تفسير ابن كثير)) (6/145)، ((تفسير الألوسي)) (10/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66).
أي: ثمَّ أغرَقْنا فِرعَونَ وقَومَه كُلَّهم في البَحرِ، فلمْ يُفلِتْ منهم أحَدٌ [392] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/588)، ((تفسير القرطبي)) (13/107)، ((تفسير الخازن)) (3/326)، ((تفسير ابن كثير)) (6/145)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/45)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67).
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً.
أي: إنَّ في قِصَّةِ موسى وفِرعَونَ لَعِظةً وعِبرةً عَظيمةً، ودَلالةً واضِحةً للنَّاسِ على صِدقِ الرَّسولِ، وحِكمةِ اللهِ وتَوحيدِه، وقُدرتِه العظيمةِ على إهلاكِ الكافرين وإنجاءِ المؤمِنينَ [393] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/588)، ((تفسير القرطبي)) (13/107)، ((تفسير ابن كثير)) (6/145)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/136).   .
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي: ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ فِرعَونَ مؤمنينَ بالله، فلم يُؤمِنْ منهم إلَّا قِلَّةٌ قَليلةٌ [394] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/267)، ((الوسيط)) للواحدي (3/354، 355)، ((تفسير القرطبي)) (13/108)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/45). وممَّن قال بأنَّ المرادَ هنا قومُ فرعونَ: مقاتلُ بن سليمان، والواحدي، والقرطبي، والبقاعي. يُنظر: المصادر السابقة. قال الشوكاني: (ليس المرادُ أكثرَ مَن كان معَ فرعونَ عندَ لحاقِه بموسَى؛ فإنَّهم هلَكوا في البحرِ جميعًا، بل المرادُ مَن كان معه مِن الأصلِ، ومَن كان متابعًا له ومنتسبًا إليه، هذا غايةُ ما يمكنُ أن يُقالَ). ((تفسير الشوكاني)) (4/119). وذهب ابنُ جريرٍ ومكِّيٌّ إلى أنَّ المعنى: وما كان أكثَرُ قومِك -يا محمَّدُ- مؤمنينَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/588)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5314). وقال ابن عثيمين: (والأَولى أن يُقال: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أنَّه يَعودُ على الذين نزَل عليهم القرآنُ، لا على بني إسرائيلَ، أو آلِ فِرعَونَ). ((تفسير ابن عثيمين-سورة الشعراء)) (ص: 147). .
كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103].
وقال سُبحانَه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [هود: 17].
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68).
أي: وإنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- لَهُوَ العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه، فلا يُعاجِلُهم بعَذابِه، ومِن رحمتِه أنَّه يُرسِلُ رسُلًا، ويُنزِلُ معهم ما يبيِّنُ به ما يُرضيه وما يُسخِطُه، فلا يُهلِكُ قومًا إلَّا بعدَ إعذارِهم، ومِن رحمتِه أنَّه ينجِّي أتْباعَ رسُلِه [395] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/588)، ((الوسيط)) للواحدي (3/355)، ((تفسير ابن كثير)) (6/136)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 592).   .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ تحذيرٌ للطُّغاةِ مِن أن تزولَ نِعَمُهم بسبَبِ طُغيانِهم؛ ففي عصرِنا هذا فتَح اللهُ على النَّاسِ مِن أنواعِ النَّعيمِ ما لم يكن مَوهومًا مِن قَبلُ -وبالأَولى ليس معلومًا- فيُخشَى أن يُخرَجَ هؤلاء مِن هذا النَّعيمِ إذا طَغَوا وعَتَوا عن أمرِ اللهِ سُبحانَه وتعالى [396] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 126).   .
2- في قَولِه تعالى: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ دَلالةٌ على أنَّ المُعايَنةَ والتَّجرِبةَ أقوَى في نُفوسِ البشَرِ، وقلوبَهم إليها أشدُّ طُمأنينةً -صالحةً كانت النَّفسُ أو طالحةً-؛ لأنَّها على ذلك مجبولةٌ، لا تقدِرُ أن تُغيِّرَه مِن أنفُسِها؛ لأنَّ موسى خاف عَصاهُ حينَ تحوَّلتْ ثُعبانًا في بُدُوِّ أمرِه، وخاف حِبالَ السَّحَرةِ وعِصِيَّهم يومَ ألقَوْها، فلمَّا تَمكَّنَ في النبوَّةِ، وكثُرَتْ آياتُ اللهِ الجميلةُ عندَه، وعاينَها منه وَقتًا بعدَ وقتٍ؛ أيقنَ أنَّه لا يُسلِمُه لشِدَّةٍ، وقد سَلَّمَه منها مرَّةً بعدَ أخرى؛ فقال ما قال ثقةً بربِّه، وتوكُّلًا عليه [397] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/526).   .
3- أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى كما يهدي إلى الطَّريقِ المعنويِّ يهدي أيضًا إلى الطَّريقِ الحِسِّيِّ؛ لِقَولِه: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، وليس المرادُ هنا هدايةَ العِلمِ والتَّوفيقِ للعَمَلِ الصَّالحِ، وإنَّما المرادُ الهدايةُ لطريقِ النَّجاةِ التي يَنجو بها، فهَداه اللهُ سُبحانَه وتعالى [398] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 134).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إلى قَولِه: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ دَليلٌ على أنَّ الإنسانَ قد يُؤخَذُ مِن حيثُ يَرى أنَّه علا وظهَرَ؛ فإنَّ فِرعَونَ بَعَث في المدائنِ حاشِرينَ، يَدعوهم إلى قتالِ موسى وقَومِه، فخَرجوا تابعينَ لهم على أنَّهم سيُدركونَهم، فصار في هذا الخروجِ حَتْفُهم وهلاكُهم، ونظيرُه في هذه الأُمَّةِ ما صنعتْ قُرَيشٌ حين خرجتْ إلى بدْرٍ، وكان أبو جَهلٍ يقولُ: (واللهِ لا نَرجِعُ حتى نَقْدَمَ بدرًا فنَسقيَ فيها الخُمورَ، وتَعزِفَ علينا القِيانُ [399] القَيْنَة: الأَمَةُ غَنَّت أو لم تُغَنِّ، والماشِطةُ، وكثيرًا ما تُطْلقُ على المُغَنِّيةِ مِن الإماءِ. يُنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (4/135).   ، ونَشرَبَ الخُمورَ؛ حتى تسمَعَ بنا العرَبُ، فلا يَزالون يَهابونَنا أبدًا) [400] يُنظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام (1/618).   ، فأُخِذوا مِن حيثُ أَتَوا [401] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 126).   !
2- قولُه: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ أي: إنَّا مِن عادتِنا التيقُّظُ للحَوادِثِ، والحَذَرُ مِمَّا عسى أن يكونَ لها مِن سيِّئِ العواقِبِ، وهذا أصلٌ عظيمٌ مِن أصولِ السياسةِ، وهو سَدُّ ذرائعِ الفَسادِ -ولو كان احتِمالُ إفضائِها إلى الفَسادِ ضعيفًا-، فالذرائعُ المُلغاةُ في التَّشريعِ في حُقوقِ الخُصوصِ غيرُ مُلغاةٍ في سياسةِ العُمومِ؛ ولذلك يقولُ عُلماءُ الشريعةِ: إنَّ نَظَرَ وُلاةِ الأمورِ في مصالحِ الأُمَّةِ أوسَعُ مِن نَظَرِ القُضاةِ، فالحذَرُ أوسعُ مِن حِفظِ الحُقوقِ، وهو الخَوفُ مِن وقوعِ شَيءٍ ضارٍّ يمكِنُ وقوعُه، والترصُّدُ لِمنعِ وقوعِه، والمحمودُ منه هو الخَوفُ مِن الضَّارِّ عندَ احتِمالِ حُدوثِه دونَ الأمرِ الذي لا يمكِنُ حُدوثُه؛ فالحذَرُ منه ضَربٌ مِن الهوَسِ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/131).   .
3- قَوله تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فيه بيانُ عُقوبةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى للطَّاغينَ، وذلك بإزالةِ النِّعَمِ عنهم؛ إمَّا بإخراجِهم منها، وإمَّا بإزالتِها هيَ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 126).   .
4- في قَولِه تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  ... أنَّ العُقوبةَ بعدَ التَّنعيمِ أشدُّ؛ ولذلك نُصَّ عليها، فما قال: «فأخرَجْناهم مِن أماكنِهم» فقط، أو مِن ديارِهم، ولكنْ بَيَّنَ على سبيلِ التَّعيينِ ما هم فيه مِن النَّعيمِ؛ لأنَّ الأخذَ بالعُقوبةِ بعدَ النَّعيمِ يكونُ أشَدَّ [404] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 126).   .
5-  قال الله تعالى: وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ قال مجاهِدٌ: (سَمَّاها كُنوزًا؛ لأنَّه لم يُعْطَ حقُّ اللهِ منها، وما لم يُعْطَ حقُّ اللهِ منه فهو كَنْزٌ، وإنْ كان ظاهِرًا) [405] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/468). ويُنظر أيضًا: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (2/411) (10521).   .
6- قَولُه تعالى: وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فيه مِن الإشكالِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: ((أُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قَبْلي )) [406] أخرجه البخاري (438)، ومسلم (521) واللفظ له، من حديث جابر رضي الله عنه.   ، وهنا أورَثَ اللهُ ديارَ فِرعَونَ وقومِه وأموالَهم بني إسرائيلَ!
والجوابُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أهلَكَ فِرعَونَ في البَحرِ بدونِ حربٍ، والغَنيمةُ هي ما أُخِذَ مِن مالِ الكفَّارِ بقتالٍ وما أُلحِقَ به، هذا تعريفُها شَرعًا، وهذا ما أُخِذَ بقتالٍ، فهؤلاء هَلَكوا فبقِيتْ ديارُهم لبني إسرائيلَ، وحتى لو لم يَسكُنْها بنو إسرائيلَ لَسكَنَها آخَرون غيرُهم، فالمسألةُ هذه ما غَنِمُوها بأيديهم، ولكِنَّها مِن اللهِ عزَّ وجلَّ لهلاكِ هؤلاء، يعني: كان الأمرُ أنَّهم لَمَّا هَلَكوا صارتْ إرثًا لبني إسرائيلَ إرثًا قَدَريًّا؛ لأنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ كذلك [407] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 127).   .
7- قولُه تعالى: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فيه قوَّةُ يقينِ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقد قال ذلك في هذا المقامِ المُحْرِجِ الذي لا يرى الإنسانُ فيه إلَّا أنَّه هالِكٌ؛ ولهذا قال أصحابُه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [408] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 133).   !
8- في قَولِه تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ دَليلٌ على أنَّ لكلِّ شيءٍ سَببًا، حتى الآياتُ التي يَجعلُها اللهُ على يدِ الشَّخصِ لها سببٌ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يَفلِقِ البحرَ إلَّا بعدَ أنْ أوحَى إلى موسَى أنِ اضربِ البحرَ بعصاك، فضَربَه فانفلَقَ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 142).   . فأرادَ تعالى أن يَجعَلَ هذه الآيةَ متَّصِلةً بموسى، ومُتعلِّقةً بفِعلٍ فعَلَه، ولكنَّه بقُدرةِ اللهِ؛ إذْ ضرْبُ البحرِ بالعَصا لا يوجِبُ انفِلاقَ البَحرِ بذاتِه، ولو شاءَ تعالى لفلَقَه دُونَ ضرْبِه بالعَصا [410] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/160).   .
9- في قَولِه تعالى: فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ تمامُ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بفَلْقِ البحرِ وتيبيسِه في الحالِ [411] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 142).   .
10- في قَولِه تعالى: فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ أنَّ كلَّ شيءٍ يَمتَثِلُ لأمرِ اللهِ، وأنَّ اللهَ تعالى قادِرٌ على قَلْبِ الأمورِ عن طبائعِها، فضلًا عن تَغَيُّرِ صِفاتِها؛ فهذه النارُ التي مِن طبيعتِها الإحراقُ والحرارةُ كانت بَرْدًا وسلامًا على إبراهيمَ في الحالِ، وهذا الماءُ الذي مِن طبيعتِه الإغراقُ والسَّيلانُ صار آمنًا لا يَسيلُ بالنِّسبةِ لبني إسرائيلَ [412] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 137).   !
11- يَذكرُ سُبحانَه في هذه السورةِ قصَّةَ موسى وإبراهيمَ، ونوحٍ وعادٍ، وثمودَ ولوطٍ وشعيبٍ، ويَذكرُ لكلِّ نبيٍّ إهلاكَه لمُكَذِّبِيهم، والنَّجاةَ لهم ولأتبَاعِهم، ثم يَختمُ القِصَّةَ بقَولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، فخَتَمَ القصةَ باسمين مِن أسمائِه تقتضيهما تلك الصفةُ، وهو «العزيزُ الرحيمُ»، فانتَقَم مِن أعدائِه بعِزَّتِه، وأنجى رُسُلَه وأتباعَهم برحَمتِه [413] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (19/98).   .
12- مِن آياتِ الأنبياءِ إهلاكُ اللهِ لمُكَذِّبيهم، ونَصرُه للمؤمنينَ بهم، فهذا مِن أعلام نُبُوَّتِهم، ودلائلِ صِدقِهم؛ كإغراقِ اللهِ قومَ نوحٍ لَمَّا كذَّبوه، وكإهلاكِه قومَ عادٍ بالرِّيحِ الصَّرصَرِ، وإهلاكِ قومِ صالحٍ بالصَّيحةِ، وإهلاكِ قومِ شُعيبٍ بالظُّلَّةِ، وإهلاكِ قومِ لوطٍ بقلْبِ مدائنِهم، ورجمِهم بالحجارةِ، وكإهلاكِ قومِ فِرعَونَ بالغَرَقِ، وقد ذكر اللهُ القَصَصَ في القرآن في غيرِ موضعٍ، وبيَّنَ أنَّها مِن آياتِ الأنبياءِ الدالَّةِ على صِدقِهم كما يذكُرُه في هذه السورةِ، لَمَّا ذكر قِصَّةَ موسى قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، ثمَّ ذكَرَ قِصَّةَ إبراهيمَ وقال في آخِرِها: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 103]، وكذلك ذكَرَ مِثلَ ذلك في قِصَّةِ نوحٍ، وهودٍ، وصالحٍ، ولوطٍ، وشُعَيبٍ [414] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (6/387).   .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ هذه قِصَّةٌ أُخرى مِن أحوالِ موسى عليه السَّلامُ في دَعوةِ فِرعونَ؛ فالواوُ لعَطفِ القصَّةِ، ولا تُفيدُ قُرْبَ القصَّةِ مِنَ القصَّةِ [415] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/129).   .
- وقولُه: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ تَعليلٌ للأمرِ بالإسراءِ [416] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/314)، ((تفسير البيضاوي)) (4/139)، ((تفسير أبي السعود)) (6/244).   .
2- قولُه تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ظاهرُ ترتيبِ الجُمَلِ يَقتَضي أنَّ الفاءَ للتَّعقيبِ على جملةِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء: 52]، وأنَّ بيْن الجُمْلتَينِ مَحذوفًا، تَقديرُه: فأَسرَى موسى عليه السَّلامُ وخَرَج بهم، فأَرسَلَ فِرعونُ حاشِرينَ [417] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/129).   .
3- قولُه تعالى: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ مَقُولٌ لقَولٍ مَحذوفٍ؛ لأنَّ حَاشِرِينَ يَتضمَّنُ معنَى النِّداءِ، أي: يقولون: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [418] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/314)، ((تفسير البيضاوي)) (4/139)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/130).   .
- وفي قولِه: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ذكَرَهم بالاسمِ الدَّالِّ على القِلَّةِ، ثمَّ جعَلَهم قليلًا بالوَصفِ، ثمَّ جَمَعَ القليلَ فجَعَل كلَّ حِزبٍ منهم قليلًا، واختارَ جَمْعَ السَّلامةِ الَّذي هو للقِلَّةِ. وقيل: جُمِعَ «قليلًا» بالواوِ والنُّونِ؛ لموافَقةِ رُؤوسِ الآيِ، وإنْ أَفرَدَها جازَ؛ لأنَّ لفْظَ «الشِّرذِمةِ» مُفرَدٌ [419] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/314، 315)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/362)، ((تفسير أبي حيان)) (8/157)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/80).   . ولَمَّا كانت قِلَّتُهم إنَّما هي بالنِّسبةِ إلى كَثرةِ آلِ فِرعونَ وقوَّتِهم، وما لَهم عليهم مِن هَيبةِ الاستِعبادِ، وكان التَّعبيرُ بالشِّرذِمةِ موهِمًا لأنَّهم في غايةِ القِلَّةِ- أزالَ هذا الوَهمَ بالتَّعبيرِ بالجَمعِ دُونَ المُفرَدِ؛ ليُفيدَ أنَّه خَبرٌ بعدَ خَبرٍ، لا صِفةٌ، وأنَّ التَّعبيرَ بالشِّرذِمةِ إنَّما هو للإشارةِ إلى تَفرُّقِ القلوبِ. والجَمعُ ولا سيَّما ما للسَّلامةِ مع كَونِه أيضًا للقِلَّةِ أدَلُّ على أنَّهم أَوْزاعٌ. وفيه أيضًا إشارةٌ إلى أنَّهم مع ضَعفِهم بقِلَّةِ العَددِ آيِسونَ مِن إسعافٍ بمَدَدٍ، وليس لهم أُهْبَةٌ لقتالٍ؛ لعدَمِ العُدَّةِ؛ لأنَّهم لمْ يَكونوا قطُّ في عِدادِ مَن يُقاتِلُ، كما تقولُ لمَن تَزْدَريهِ: هو أقَلُّ مِن أن يَفعَلَ كذا، فقال: قَلِيلُونَ، أي: بالنِّسبةِ إلى ما لنا مِنَ الجُنودِ الَّتي لا تُحصَى، وإنْ كانوا في أنفُسِهم كَثيرينَ، فلا كَثرةَ لهم تَمنعُكُم أيُّها المَحشورونَ مِنَ اتِّباعِهم [420] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/38، 39).   .
- وفي اسمِ الإشارةِ هَؤُلَاءِ إيماءٌ إلى تَحقيرٍ لشأنِهم، أكَّدَه التَّصريحُ بأنَّهم شِرْذِمةٌ قَلِيلون، والشِّرْذِمةُ: الطَّائفةُ القليلةُ مِنَ النَّاسِ؛ فإتْباعُه بوصْفِ قَلِيلُونَ للتَّأكيدِ؛ لدفْعِ احتِمالِ استِعمالِها في تَحقيرِ الشَّأنِ أو بالنِّسبةِ إلى جُنودِ فِرعونَ. و قَلِيلُونَ خبرٌ ثانٍ عنِ اسمِ الإشارةِ، فهو وصْفٌ في المَعنى لمَدلولِ هؤلاءِ، وليس وصْفًا لشِرْذِمة، ولكنَّه مؤكِّدٌ لمَعْناها؛ ولهذا جِيءَ به بصيغةِ جمْعِ السَّلامةِ، الَّذي هو ليس مِن جُموعِ الكَثْرةِ [421] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/130).   .
4- قولُه تعالى: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ فيه تَقديمُ لَنَا على لَغَائِظُونَ؛ لرِعايةِ الفاصِلةِ [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/131).   ، وللحصرِ، واللامُ للتقويةِ، أو تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللازمِ [423] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (10/81).   .
5- قولُه تعالى: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ هذا حثٌّ لأهلِ المَدائنِ على أن يَكونوا حَذِرينَ على أبلَغِ وجْهٍ؛ إذْ جَعَل نفْسَه معهم في ذلك بقَولِه: لَجَمِيعٌ، وذلك كِنايةٌ عن وُجوبِ الاقتِداءِ به في سياسةِ المَملَكةِ [424] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/131).   .
6- قولُه تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ تَفريعٌ على جُملةِ فَأَخْرَجْنَاهُمْ، وما بيْنَهما اعتِراضٌ؛ لأنَّ الإتْباعَ عَقِبَ الإخراجِ، لا الإيراثِ [425] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/364)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/133، 134).   .
7- قولُه تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
- قولُه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالُوه بالتَّأكيدِ؛ لشدَّةِ الاهتِمامِ بهذا الخَبرِ، وهو مُستعمَلٌ في معنَى الجَزَعِ [426] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/135).   . وكذلِك جاؤُوا بالجملةِ الاسميَّةِ مؤكَّدةً بحرفَيِ التَّأكيدِ؛ للدَّلالةِ على تَحقُّقِ الإدراكِ واللَّحاقِ وتَنَجُّزِهما [427] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/245).   .
8- قولُه تعالى: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ زجَرَهم ورَدَعَهم بحَرْفِ الرَّدْعِ كَلَّا، واقتَصَر مُوسَى عليه السَّلامُ على نفْسِه في قَولِه: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ؛ لأنَّهم لمْ يَكونوا عالِمِينَ بما ضَمِنَ اللهُ له مِن مَعِيَّةِ العنايةِ؛ فإذا عَلِموا ذلك عَلِموا أنَّ هِدايتَه تَنفَعُهم؛ لأنَّه قائِدُهم، والمُرسَلُ لفائِدتِهم. ووجْهُ اقتِصارِه على نفْسِه أيضًا: أنَّ طريقَ نَجاتِهم بعدَ أنْ أَدركَهُم فِرعونُ وجُنْدُه لا يَحصُلُ إلَّا بفِعلٍ يَقطَعُ دابِرَ العدُوِّ، وهذا الفعلُ خارِقٌ للعادةِ؛ فلا يَقَعُ إلَّا على يَدِ الرَّسولِ. وهذا وجْهُ اختِلافِ المَعِيَّةِ بيْنَ ما في هذه الآيةِ وبيْنَ ما في قَولِه تعالى في قِصَّةِ الغارِ: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40]؛ لأنَّ تلك مَعِيَّةُ حِفظِهما كِلَيْهِما بصرْفِ أَعيُنِ الأعداءِ عنهما [428] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/160)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/135).   .
- وقدَّم مَعيَّةَ اللهِ؛ لأنَّها أقوى في تَثبيتِ قَومِه، وكلُّ إنسانٍ يكونُ الله معه فلن يَضُرَّه شَيءٌ، ثمَّ قال أيضًا مؤكِّدًا أثَرَ هذه المعيَّةِ: سَيَهْدِينِ، والسِّينُ تدُلُّ على التَّحقيقِ والقُربِ [429] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 133).   .
9- قولُه تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
- قولُه: فَانْفَلَقَ الفاءُ فصيحةٌ، أي: فضَرَبَ فانفلَقَ؛ ففيه إيجازٌ بالحَذْفِ [430] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/160)، ((تفسير أبي السعود)) (6/245).   . ومِن عادةِ العربِ الحَسَنةِ في خِطابِها أنهم يَحذِفونَ مِن الكلامِ ما يكونُ المذكورُ دليلًا عليه؛ اختِصارًا، ومِن ذلك هذه الآيةُ، فمَعلومٌ أنَّ المرادَ «فضَرَبَ فانفَلقَ»، لكنْ لم يُحتَجْ إلى ذِكرِ ذلك في اللَّفظِ؛ إذْ كان قولُه: أَنِ اضْرِبْ فَانْفَلَقَ دليلًا على أنَّه ضُرِبَ فانفلَقَ [431] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/466).   .
10- قولُه تعالى: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ
- في الكلامِ إيجازٌ بالحذْفِ، تَقديرُه: ودخَلَ موسى وبَنو إسرائيلَ البحرَ، وأنجَيْنا... [432] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/161).   .
11- قولُه تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ تَذييلٌ [433] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/135)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/268).   ، وتَسليةٌ لحبيبِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم [434] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/268).   .
- قولُه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً ما في اسمِ الإشارةِ ذَلِكَ مِن معنَى البُعدِ؛ لتَهويلِ أمْرِ المُشارِ إليه وتَفظيعِه، كتَنكيرِ الآيةِ في قَولِه تعالى: ?، أي: أيَّةُ آيةٍ، أو: آيةً عظيمةً لا تَكادُ توصَفُ [435] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/246).   .
- وقولُه: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، أي: وما أكثَرُهم مؤْمنِينَ، على أنَّ (كانَ) صِلَةٌ؛ فيَكونُ كقَولِه تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  [يوسف: 103]، وهو إخبارٌ منه تعالى بما سيَكونُ مِنَ المُشركينَ -على أحدِ الأقوالِ- بعْدَما سمِعُوا الآياتِ النَّاطقةَ بالقصَّةِ؛ تَقريرًا لِما مَرَّ مِن قَولِه تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا ... [الشعراء: 5- 6]. وإيثارُ الجُملةِ الاسميَّةِ؛ للدَّلالةِ على استِقرارِهم على عدَمِ الإيمانِ، واستِمرارِهم عليه. ويَجوزُ أن يُجعلَ (كان) بمعنَى (صَار)، كما فُعِل ذلك في قَولِه تعالَى: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34]، فالمَعْنى: وما صار أَكثَرُهم مؤْمنِينَ مع ما سمِعُوا مِنَ الآيةِ العظيمةِ الموجِبةِ له بما ذُكِر مِنَ الطَّرفَينِ، فيَكونَ الإخبارُ بعدَمِ الصَّيرورةِ قبْلَ الحدوثِ؛ للدَّلالةِ على كمالِ تَحقُّقِه وتَقرُّرِه، كقَولِه تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ   ... [النحل: 1] الآيةَ [436] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/246).   .