موسوعة الأخلاق والسلوك

أهميَّةُ الأخلاقِ


أوَّلًا: الالتِزامُ بالأخلاقِ الحَسَنةِ واجتِنابُ السَّيِّئِ منها طاعةٌ للَّهِ ورَسولِه.
وقد تَضافرَتِ النُّصوصُ من كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ على الأمرِ بالتَّخَلُّقِ بالأخلاقِ الحَسَنةِ، ونَصَّت على الكَثيرِ منها؛ فمن ذلك قَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: 90] .
وقولُه تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199] .
وقولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا علَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6] .
وكذلك نهت عن الأخلاقِ المذمومةِ، ومن ذلك:
قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 11-12] .
ولمَّا كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمتَثِلُ أمرَ اللهِ تعالى في كُلِّ شَأنِه قَولًا وعَمَلًا، ويَأتَمِرُ بكُلِّ أخلاقٍ حَسَنةٍ ورَدَ الأمرُ بها في القُرآنِ، ويَنتَهي عن كُلِّ أخلاقٍ سَيِّئةٍ ورَدَ النَّهيُ عنها في القُرآنِ؛ لذا كان خُلُقُه القُرآنَ. وأيضًا فقد كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَأمُرُ بحُسنِ الخُلُقِ؛ فعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحَسَنةَ تَمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ)) [16] رواه الترمذي (1987)، وأحمد (21354). صحَّحه ابنُ العربي في ((عارضة الأحوذي)) (4/349)، وحسَّنه ابنُ حجر في ((الأمالي المطلقة)) (131)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (1987)، وحسَّنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (21354). ؛ لذا فإنَّ الالتِزامَ بالأخلاقِ الحَسَنةِ طاعةٌ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ثانيًا: الأخلاقُ الحَسَنةُ أحَدُ مُقَوِّماتِ شَخصيَّةِ المُسلمِ
فــ(الإنسانُ جَسَدٌ ورُوحٌ، ظاهِرٌ وباطِنٌ، والأخلاقُ الإسلاميَّةُ تُمَثِّلُ صورةَ الإنسانِ الباطِنةَ، والتي مَحَلُّها القَلبُ، وهذه الصُّورةُ الباطِنةُ هي قِوامُ شَخصيَّةِ الإنسانِ المُسلمِ، فالإنسانُ لا يُقاسُ بطولِه وعَرضِه، أو لونِه وجَمالِه، أو فَقرِه وغِناه، وإنَّما بأخلاقِه وأعمالِه المُعَبِّرةِ عن هذه الأخلاقِ، يَقولُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13] ، ويَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى أجسادِكُم ولا إلى صورِكُم، ولكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم)) [17] أخرجه مسلم (2564) عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ لا ينظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكِنْ يَنظُرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم)). ، ويَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيضًا: ((ليَنتَهِيَنَّ أقوامٌ يَفتَخِرونَ بآبائِهمُ الذينَ ماتوا، إنَّما هم فَحمُ جَهَنَّمَ، أو ليَكونُنَّ أهونَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ [18] الجُعَلُ: حيوانٌ معروفٌ كالخُنفُساءِ. ينظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (1/277). الذي يُدَهْدِهُ [19] يُدَهْدِهُ: يُدحرِجُ. ينظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (2/143). الخِراءَ بأنفِه، إنَّ اللهَ أذهب عنكم عُبِّـيَّةَ [20] عُبِّيَّةَ: يعني: الكِبرَ. ينظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/169). الجاهليَّةِ وفَخْرَها بالآباءِ، إنَّما هو مُؤمِنٌ تَقيٌّ، وفاجِرٌ شَقيٌّ، النَّاسُ بَنو آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ من تُرابٍ)) [21] رواه الترمذي (3955). حسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3955)، وحسَّن إسنادَه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح السنة)) (13/124)، وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ. والحَديثُ رُويَ بلفظِ: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قد أذهَبَ عنكُم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وفَخرَها بالآباءِ، مُؤمِنٌ تَقيٌّ وفاجِرٌ شَقيٌّ، أنتُم بَنو آدَمَ وآدَمُ من تُرابٍ، ليَدَعَنَّ رِجالٌ فَخْرَهم بأقوامٍ إنَّما هم فَحمٌ مِن فَحمِ جَهَنَّمَ أو ليَكونُنَّ أهونَ على اللهِ منَ الجُعلانِ التي تَدفعُ بأنفِها النَّتنَ)). رواه أبو داود (5116) واللفظ له، وأحمد (10781). صحَّحه ابنُ تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/247)، وصحَّحه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (5116)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (5116). ) [22] ((الأخلاق الإسلامية)) لحسن السعيد المرسي (ص: 24). .
ثالثًا: الارتِباطُ الوثيقُ بَينَ الأخلاقِ والدِّينِ الإسلاميِّ عَقيدةً وشَريعةً
إنَّ ارتِباطَ الأخلاقِ بالعَقيدةِ وثيقٌ جِدًّا؛ لذا فكَثيرًا ما يَربُطُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بَينَ الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، الذي تُعَدُّ الأخلاقُ الحَسَنةُ أحَدَ أركانِه، فالعَقيدةُ دونَ خُلُقٍ شَجَرةٌ لا ظِلَّ لها ولا ثَمَرةَ، أمَّا عنِ ارتِباطِ الأخلاقِ بالشَّريعةِ فإنَّ الشَّريعةَ منها عِباداتٌ، ومنها مُعامَلاتٌ، والعِباداتُ تُثمِرُ الأخلاقَ الحَسَنةَ ولا بُدَّ، إذا ما أقامَها المُسلمُ على الوَجهِ الأكمَلِ؛ لذا قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] ،وقال في الزَّكاةِ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] ، وقال في الصَّومِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183] ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به فليس للَّهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طَعامَه وشَرابَه)) [23] رواه البخاري (1903). . وقال في الحَجِّ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: 197] .
وأمَّا صِلةُ الأخلاقِ بالمُعامَلاتِ فإنَّ المُعامَلاتِ كُلَّها قائِمةٌ على الأخلاقِ الحَسَنةِ في أقوالِ المُسلمِ وأفعالِه، والمُتَأمِّلُ لتَعاليمِ الإسلامِ يَرى هذا واضِحًا جَليًّا.
رابعًا: الأخلاقُ لها آثارٌ عَظيمةٌ في سُلوكِ الفردِ والمُجتَمَعِ
(تَظهَرُ أهَمِّيَّةُ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ لِما لها من أثَرٍ في سُلوكِ الفردِ، وفي سُلوكِ المُجتَمَعِ.
أمَّا أثَرُها في سُلوكِ الفردِ فلِما تَزرَعُه في نَفسِ صاحِبِها منَ الرَّحمةِ والصِّدقِ، والعَدلِ والأمانةِ، والحَياءِ والعِفَّةِ، والتَّعاوُنِ والتَّكافُلِ، والإخلاصِ والتَّواضُعِ.. وغَيرِ ذلك منَ القِيَمِ والأخلاقِ السَّاميةِ، فالأخلاقُ بالنِّسبةِ للفردِ هي أساسُ الفلاحِ والنَّجاحِ؛ يَقولُ تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9-10] ، ويقولُ سُبحانَه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: 14-15] ، والتَّزكيةُ في مَدلولِها ومَعناها تَعني: تَهذيبَ النَّفسِ باطِنًا وظاهرًا في حَرَكاتِه وسَكَناتِه.
وأمَّا أثَرُها في سُلوكِ المُجتَمَعِ كُلِّه، فالأخلاقُ هي الأساسُ لبناءِ المُجتَمَعاتِ الإنسانيَّةِ إسلاميَّةً كانت أو غَيرَ إسلاميَّةٍ، يُقَرِّرُ ذلك قَولُه تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: 1-3] .
فالعَمَلُ الصَّالحُ المُدَعَّمُ بالتَّواصي بالحَقِّ، والتَّواصي بالصَّبرِ في مواجَهةِ المُغرِياتِ والتَّحَدِّياتِ من شَأنِه أن يَبنيَ مُجتَمَعًا مُحَصَّنًا لا تَنالُ منه عَوامِلُ التَّرَدِّي والانحِطاطِ، وليس ابتِلاءُ الأمَمِ والحَضاراتِ كامنًا في ضَعفِ إمكاناتِها المادِّيَّةِ أو مُنجَزاتِها العِلميَّةِ، إنَّما في قيمَتِها الخُلُقيَّةِ التي تَسودُها وتَتَحَلَّى بها) [24] ((الأخلاق الإسلامية)) لحسن السعيد المرسي (ص: 26). .
خامِسًا: مَكارِمُ الأخلاقِ ضَرورةٌ اجتِماعيَّةٌ
(إنَّ أيَّ مُجتَمَعٍ منَ المُجتَمَعاتِ الإنسانيَّةِ لا يَستَطيعُ أفرادُه أن يَعيشوا مُتَفاهمينَ مُتَعاوِنينَ سُعَداءَ ما لم تَربُطْ بَينَهم رَوابطُ مَتينةٌ منَ الأخلاقِ الكَريمةِ.
ولو فرَضْنا احتِمالًا أنَّه قامَ مُجتَمَعٌ منَ المُجتَمَعاتِ على أساسِ تَبادُلِ المَنافِعِ المادِّيَّةِ فقَط من غَيرِ أن يَكونَ وراءَ ذلك غَرَضٌ أسمى؛ فإنَّه لا بُدَّ لسَلامةِ هذا المُجتَمَعِ من خُلُقَي الثِّقةِ والأمانةِ على أقَلِّ التَّقاديرِ.
فمَكارِمُ الأخلاقِ ضَرورةٌ اجتِماعيَّةٌ لا يَستَغني عنها مُجتَمَعٌ منَ المُجتَمَعاتِ، ومَتى فُقِدَتِ الأخلاقُ التي هي الوسيطُ الذي لا بُدَّ منه لانسِجامِ الإنسانِ مَعَ أخيه الإنسانِ تفكَّكَ أفرادُ المُجتَمَعِ وتَصارَعوا، وتَناهَبوا مَصالحَهم، ثمَّ أدَّى بهم ذلك إلى الانهيارِ ثمَّ إلى الدَّمارِ.
منَ المُمكِنِ أن تَتَخَيَّلَ مُجتَمَعًا منَ المُجتَمَعاتِ انعَدَمَت فيه مَكارِمُ الأخلاقِ كَيف يَكونُ هذا المُجتَمَعُ؟!
كَيف تَكونُ الثِّقةُ بالعُلومِ والمَعارِفِ والأخبارِ، وضَمانُ الحُقوقِ لولا فضيلةُ الصِّدقِ؟!
كَيف يَكونُ التَّعايُشُ بَينَ النَّاسِ في أمنٍ واستِقرارٍ، وكَيف يَكونُ التَّعاوُنُ بَينَهم في العَمَلِ ضِمنَ بيئةٍ مُشتَرَكةٍ، لولا فضيلةُ الأمانةِ؟
كيف تَكونُ أمَّةٌ قادِرةً على إنشاءِ حَضارةٍ مُثلى لولا فضائِلُ التَّآخي والتَّعاوُنِ، والمَحَبَّةِ والإيثارِ؟
كَيف تَكونُ جَماعةٌ مُؤَهَّلةً لبناءِ مجدٍ عَظيمٍ لولا فضيلةُ الشَّجاعةِ في رَدِّ عُدوانِ المُعتَدينَ وظُلمِ الظَّالمينَ، ولولا فضائِلُ العَدلِ والرَّحمةِ والإحسانِ والدَّفعِ بالتي هي أحسَنُ؟!
كَيف يَكونُ الإنسانُ مُؤَهَّلًا لارتِقاءِ مَراتِبِ الكَمالِ الإنسانيِّ إذا كانت أنانيَّتُه مُسَيطِرةً عليه، صارِفةً له عن كُلِّ عَطاءٍ وتَضحيةٍ وإيثارٍ؟
لقد دَلَّتِ التَّجرِباتُ الإنسانيَّةُ والأحداثُ التَّاريخيَّةُ أنَّ ارتِقاءَ القُوى المَعنَويَّةِ للأمَمِ والشُّعوبِ مُلازِمٌ لارتِقائِها في سُلَّمِ الأخلاقِ الفاضِلةِ، ومُتَناسِبٌ مَعَه، وأنَّ انهيارَ القُوى المَعنَويَّةِ للأمَمِ والشُّعوبِ مُلازِمٌ لانهيارِ أخلاقِها، ومُتَناسِبٌ مَعَه، فبَينَ القُوى المَعنَويَّةِ والأخلاقِ تَناسُبٌ طَرديٌّ دائِمًا صاعِدَينِ وهابطَينِ.
وذلك لأنَّ الأخلاقَ الفاضِلةَ في أفرادِ الأمَمِ والشُّعوبِ تُمَثِّلُ المَعاقِدَ الثَّابتةَ التي تُعقَدُ بها الرَّوابطُ الاجتِماعيَّةُ، ومتى انعَدَمَت هذه المَعاقِدُ أوِ انكَسَرَت في الأفرادِ لم تَجِدِ الرَّوابطُ الاجتِماعيَّةُ مَكانًا تَنعَقِدُ عليه، ومَتى فُقِدَتِ الرَّوابطُ الاجتِماعيَّةُ صارَتِ المَلايينُ في الأمَّةِ المُنحَلَّةِ عن بَعضِها مُزَوَّدةً بقوَّةِ الأفرادِ فقَط، لا بقوَّةِ الجَماعةِ، بل رُبَّما كانتِ القوى المُبَعثَرةُ فيها بَأسًا فيما بَينَها، مُضافًا إلى قوَّةِ عَدوِّها.
وإذا كانتِ الأخلاقُ في أفرادِ الأمَمِ تُمَثِّلُ مَعاقِدَ التَّرابُطِ فيما بَينَهم، فإنَّ النُّظُمَ الإسلاميَّةَ الاجتِماعيَّةَ تُمَثِّلُ الأربطةَ التي تَشُدُّ المَعاقِدَ إلى المَعاقِدِ، فتَكونُ الكُتلةُ البَشَريَّةُ المُتَماسِكةُ القَويَّةُ التي لا تهونُ ولا تَستَخذي) [25] ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني (1/29). .
سادِسًا: أهَمِّيَّةُ الأخلاقِ في الدَّعوةِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ
(الذي يَظُنُّ أنَّ النَّاسَ يدخُلونَ في الدِّينِ فقَط لأنَّهم يَقتَنِعونَ عَقليًّا فقَط، لا شَكَّ أنَّه مُخطِئٌ... وكَثيرٌ منَ النَّاسِ يدخُلونَ في الدِّينِ لأنَّهم يَرَونَ أنَّ أهلَ هذا الدِّينِ على خُلُقٍ، وأنَّ الدُّعاةَ إلى اللهِ عِندَهم أخلاقٌ، والشَّواهِدُ في هذا البابِ كَثيرةٌ... فالاستِقامةُ على الأخلاقِ لها أثَرٌ كَبيرٌ، ونَفعُها بَليغٌ، ولا أدَلَّ على ذلك ممَّا جاءَ في السِّيرةِ النَّبَويَّةِ من أنَّ أخلاقَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانت مَحَلَّ إعجابِ المُشرِكينَ قَبلَ البَعثةِ، حتَّى شَهِدوا له بالصِّدقِ والأمانةِ.
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرَأيتَكُم لو أخبَرتُكُم أنَّ خَيلًا تَخرُجُ بسَفحِ هذا الجَبَلِ أكنُتُم مُصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جَرَّبنا عليك كَذِبًا. قال: فإنِّي نَذيرٌ لكُم بَينَ يَدَي عَذابٍ شَديدٍ)) [26] أخرجه مطولًا البخاري (4971)، ومسلم (208)، واللفظ له. .
وقد بَدَأ انعِكاسُ الصُّورِ السُّلوكيَّةِ الرَّائِعةِ في تَأثيرِها في انتِشارِ هذا الدِّينِ في بَعضِ المَناطِقِ التي لم يَصِلْها الفتحُ؛ إذ دَخَل في هذا الدِّينِ الحَنيفِ شُعوبٌ بكامِلِها لمَّا رَأوا القُدوةَ الحَسَنةَ مُرتَسِمةً خُلُقًا حَميدًا في أشخاصٍ مُسلمينَ صالحينَ مارَسوا سُلوكَهمُ الرَّشيدَ، فكانوا كَحامِلِ مِصباحٍ يُنيرُ طَريقَه لنَفسِه بمِصباحِه، فيَرى الآخَرونَ ذلك النُّورَ ويَرَونَ به، وليس أجمَلَ منه في قَلب الظَّلامِ، وبناءً على ذلك الإقبالِ سَريعًا دونَ دافِعٍ سِوى القُدوةِ الحَسَنةِ، فرُبَّ صِفةٍ واحِدةٍ ممَّا يَأمُرُ بها الدِّينُ تُتَرجَمُ حَيَّةً على يَدِ مُسلمٍ صالحٍ يَكونُ لها أثَرٌ لا يُمكِنُ مُقارَنَتُه بنَتائِجِ الوعظِ المُباشِرِ؛ لأنَّ النُّفوسَ قد تَنفِرُ منَ الكَلامِ الذي تَتَصَوَّرُ أنَّ للنَّاطِقِ به مَصلحةً، وأحسَنُ من تلك الصِّفاتِ التَّمَسُّكُ بالأخلاقِ الحَميدةِ التي هي أوَّلُ ما يُرى منَ الإنسانِ المُسلمِ، ومن خِلالها يُحكَمُ له أو عليه...) [27]((موسوعة الأخلاق)) لخالد الخراز (ص 39) (بتصرف). .
سابعًا: أهَمِّيَّةُ الأخلاقِ في إضفاءِ السَّعادةِ على الأفرادِ والمُجتَمَعاتِ
لا شَكَّ أنَّ السَّعادةَ كُلَّ السَّعادةِ في الإيمانِ باللهِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وعلى قَدرِ امتِثالِ المُسلمِ لتَعاليمِ الإسلامِ في سُلوكِه وأخلاقِه تَكونُ سَعادَتُه، فـ(التِزامُ قَواعِدِ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ كَفيلٌ بتَحقيقِ أكبَرِ نِسبةٍ من... السَّعادةِ للفَردِ الإنسانيِّ، وللجَماعةِ الإنسانيَّةِ، ثمَّ لسائِرِ الشُّرَكاءِ في الحَياةِ على هذه الأرضِ، وذلك بطَريقةٍ بارِعةٍ جدًّا يَتِمُّ فيها التَّوفيقُ بالنِّسَبِ المُستَطاعةِ بَينَ حاجاتِ ومَطالِبِ الفردِ من جِهةٍ، وحاجاتِ ومَطالِبِ الجَماعةِ من جِهةٍ أخرى، ويَتِمُّ فيها إعطاءُ كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، أو قِسطًا من حَقِّه وَفقَ نِسبةٍ عادِلةٍ اقتَضاها التَّوزيعُ العامُّ المَحفوفُ بالحَقِّ والعَدلِ.
فمنَ الواضِحِ في هذا العُنصُرِ أنَّ أسُسَ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ لم تُهمِلِ ابتِغاءَ سَعادةِ الفردِ الذي يُمارِسُ فضائِلَ الأخلاقِ ويَجتَنِبُ رَذائِلَها، ولم تُهمِلِ ابتِغاءَ سَعادةِ الجَماعةِ التي تَتَعامَلُ فيما بَينَها بفضائِلِ الأخلاقِ مُبتَعِدةً عن رَذائِلِها.
ورَوعةُ الأخلاقِ التي أرشَدَ إليها الإسلامُ تَظهَرُ فيما اشتَمَلت عليه منَ التَّوفيقِ العَجيبِ بَينَ المَطالِبِ المُختَلفةِ للفردِ من جِهةٍ، وللجَماعةِ من جِهةٍ أخرى، وتَظهَرُ فيما تُحَقِّقُه من وحَداتِ السَّعادةِ الجُزئيَّةِ في ظُروفِ الحَياةِ الدُّنيا بقدرِ ما تَسمَحُ به سُنَنُ الكَونِ الدَّائِمةُ الثَّابتةُ التي تَشمَلُ جَميعَ العامِلينَ، مُؤمنينَ باللهِ أو كافِرينَ، أخلصوا له النِّيَّةَ أو لم يُخلِصوا) [28]((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) لعبد الرحمن الميداني (1/82). .

انظر أيضا: