موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (183 - 188)

ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ

غريب الكلمات:


فِدْيَةٌ: عِوض؛ وأصل (فدي): جَعْلُ شَيْءٍ مكانَ شَيْءٍ حِمًى له [1632] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/483)، ((المفردات)) للراغب (ص: 627)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 391). .
الْفُرْقَانِ: المُخرِج من الشُّبهة، والمميِّز بيْن الحقِّ والباطل، وأصلُه من الفَرْق، وهو الانفصال، والتمييز والتزييل بين شيئين [1633] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/494)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 28)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .
الرَّفَثُ: المقصود به هنا الجِماع، والرَّفث في الأصل: هو التصريحُ بِمَا يجب أَن يُكنى عَنهُ من ذِكر النِّكَاح، وكلِّ كلامٍ يُستحيا مِن إظهارِه والإفصاح عنه؛ فيشمل الجماعَ ومُقدِّماتِه، وما يتَّصل به من قولٍ وفِعل [1634] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 74)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 235)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/421)، ((المفردات)) للراغب (ص: 359)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 28)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 103). .
هُنَّ لِبَاسٌ لَكُم: أي: بمنزلة اللِّباس، وهو كنايةٌ عن شِدَّة المخالطة التي تُوجِبُ قِلَّةَ الصبر عنهنَّ، أو لأنَّ كلًّا منهما يستُر حالَ صاحبِه، ويمنعُه من الفجور؛ فأصلُ اللِّباس: المخالطة والمداخلة، والسِّتر كذلك [1635] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 734)، ((تفسير الزمخشري)) (1/230)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 28)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/295)، ((تفسير أبي السعود)) (1/201). .
تَخْتَانُونَ: تخونون بارتكابِ ما حُرِّم عليكم، وهو افتِعالٌ من الخِيانة، وهي مخالفة الحقِّ بنقض العهد في السِّرِّ [1636] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 74)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 135)، ((المفردات)) للراغب (ص: 305)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 28)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 103). .
عَاكِفُونَ: مُقِيمون، جمْع عاكِف؛ يقال: عكَف على كذا إذا أقام عليه [1637] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 63، 75)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/108)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 232). .
تُدْلُوا بها: تُصانِعوا، وتدْفَعوا بها، وأصل (دلي) يدلُّ على مُقاربةِ الشَّيءِ ومُداناتِه بِسُهولةٍ ورِفقٍ [1638] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 75)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/293)، ((المفردات)) للراغب (ص: 317)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 28). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: فِدْيَةٌ طَعَامُ:
فِدْيةٌ: مرفوعٌ بالابتداء، وخبرها محذوف، والتقدير: فعَليهِ فِديةٌ.
طَعَامُ: مرفوعٌ، بدلٌ مِن (فِديةٌ)، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: (هي)- على قراءة تنوين (فديةٌ)، أو مجرور مضاف إليه لفِدية على قراءةِ ضم (فديةُ) من غير تنوين [1639] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/121)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/150). .
2- قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ:
قَرِيبٌ: خبرٌ أوَّل لـ(إنَّ).
وجملة أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ: خبَر ثان لـ(إنَّ)، وليس صفةً له [1640] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/122)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/153). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بفَرْض الصِّيام عليهم؛ من أجلِ تحقيقِ التَّقوى، وأنَّه قد فُرِض أيضًا على الأُمَم السابقةِ من قَبلهم.
ومِن تيسيره سبحانه على عبادِه أنْ فرَض الصيامَ أيَّامًا قليلة، وأنَّ مَن كان مريضًا، أو مسافرًا فأفطَر، فعليه قضاءُ ما أفطره، ثم خيَّر اللهُ تعالى مَن كان قادرًا على الصِّيام، بَيْن الصِّيام والفِطر، فإنْ أفطَر، فعليه إطعامُ مِسكينٍ عن كلِّ يوم أفْطَره، فإنْ أطعَم أكثرَ من مسكين فهو أفضلُ، والصَّوم أفضلُ من جميعِ ذلك؛ فمَن علِم ما فيه مِن الخير، فإنَّه لن يتهاونَ فيه، ثمَّ نسَخ عزَّ وجلَّ هذا التَّخييرَ في حقِّ القادر، فأوجَب عليه الصَّومَ، وبقِي الفِطرُ والإِطعام للعاجِز عن الصِّيام.
ومدَح اللهُ عزَّ وجلَّ شهرَ رمضان، مبيِّنًا إحدى أعظمِ فضائِله، وهي نزولُ القرآن فيه، ووصَفَه بأنَّه يُرشد النَّاس إلى كلِّ خير، وأنَّه مشتملٌ على الآياتِ الواضِحات، ومبيِّنٌ لطُرق الهداية، وفارقٌ بين الحقِّ والباطل، ثمَّ بيَّن جلَّ وعلا وجوبَ صيام هذا الشَّهر العظيم على مَن كان حاضرًا مُقِيمًا، وأمَّا مَن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر، فعليه القضاءُ لإكمالِ عِدَّة ما أفطَر؛ وهذا تيسيرٌ منه سبحانه على عِباده، وهو يحبُّ منهم أنْ يُعظِّموه شاكرينَ له على ما هداهم إليه من نِعمة الصِّيام، وفضْلِه بتيسيرِ الأحكام.
ثمَّ خَاطَب اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم: إذا سألَك عِبادُ الله عن قُربه، فإنَّه قريبٌ، يستجيبُ دعاءَ مَن دَعاه، فعليهم أنْ يُطيعوه وينقادوا له، ويتيَقَّنوا أنَّه يُثِيب مَن أطاع، ويُجيب مَن دعا؛ لعلَّهم يُوفَّقون بهذا إلى الحقِّ.
ثمَّ أخبَر تعالى أنَّه أباح لعباده مُجامَعةَ نسائهم في ليالي الصيام؛ فإنَّ كلًّا من الزَّوجين بمثابةِ اللِّباس للآخَر، وأخبَرهم أنَّه علِم أنَّهم كانوا يُراودون أنفسَهم على مباشرةِ نسائهم ليلًا، وعلى الأكْل بعد النوم، قبل أن يطلُعَ الفجر، بل إنَّ بعضهم قد فعَلَ ذلك، فأباحَ اللهُ لهم الأكْلَ والشُّرب والجِماعَ في ليالي الصوم رحمةً بهم، إلَّا أنَّه سبحانه قد تجاوَز عنهم ما فعَلوه من قبلُ، وتاب عليهم، فأباح لهم ما كان حرامًا من المواقَعة للنِّساء، فلهم الآن أنْ يجامِعوهنَّ، قاصدين بذلك ما قدَّره الله تعالى من الولَدِ، وليلةَ القَدْر التي ينبغى ألَّا تشغَلَهم متعةُ الجِماع عنها، بل عليهم الحرصُ على طَلبِها، وممَّا أباحه اللهُ لهم أيضًا أنْ يأكلوا ويَشرَبوا في جميع أوقات اللَّيل، حتى يتضحَ بياضُ النَّهارِ من سواد اللَّيل، فحِينَها يجبُ عليهم الإمساكُ عن الأكْل والشُّربِ والجِماع إلى أنْ غُروبِ الشَّمس، ثمَّ نهى الله عزَّ وجلَّ المؤمنين عن الجِماعِ وهم معتكِفون في المساجدِ، مبيِّنًا أنَّ الأمورَ التي يجبُ اجتنابُها مِن الأكْل والشُّربِ والجِماع في نهارِ رمضانَ، والجِماع حالَ الاعتكاف في المساجد- محرَّماتٌ يجب أنْ يَجتنبوها، وألَّا يَقرَبوها، وكما بيَّن اللهُ أحكامَ الصِّيام بيانًا تامًّا، يُبيِّن أيضًا باقيَ أحكام الشَّريعة الأخرى في كتابه، وعلى لسانِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ليعلَم النَّاسُ كيف يُطيعون الله؛ فِعلًا للمأموراتِ، واجتنابًا للمنهيَّاتِ.
ثمَّ نهاهم اللهُ سبحانه وتعالى عن أكْلِ أموال بعضهم بعضًا بغير حقٍّ، ونهاهم عن الاحتيالِ بأنْ يتوصَّلوا بحُكْم الحاكم إلى أكلِ طائفةٍ من أموال النَّاس بالحرام، مع عِلمهم بأنَّ ما يقُومون به حرامٌ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ.
أي: يُخبِر اللهُ تعالى المؤمنينَ به وبرسولِه مِن هذه الأمَّةِ بفَرْض عِبادةِ الصِّيام عليهم [1641] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/152)، ((تفسير ابن كثير)) (1/497)، ((تفسير القرطبي)) (2/272). وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: (إذا سمعتَ اللهَ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرْعِها سمعك؛ فإنَّه خيرٌ يَأمُر به، أو شرٌّ يَنهى عنه) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/196)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/130)، وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/619). .
والصِّيام: هو التعبُّدُ لله تعالى بالإمساكِ عن الأكْلِ والشُّرب والجِماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس [1642] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/152)، ((تفسير ابن كثير)) (1/497)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (25/220). .
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
أي: فُرِضَت عليكم عِبادةُ الصِّيام كَما فُرِضت أيضًا على الأُممِ السَّابِقة [1643] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/497)، ((تفسير السعدي)) (ص: 86). وقيل: التشبيه فِي أصل فرض الصَّوْم، لا في قدْره وكيفيَّته ووقته. وهذا اختيار ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) (ص: 284)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (2/156-157)، وابن عثيمين في ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (2/316-317). وقيل: التشبيه إنما هو في الوقت، ففُرِض على هذه الأمة صوم شهر رمضان كما فرض صومه على الأمم السابقة، وهذا اختيار ابن جرير في ((تفسيره)) (3/155). وممَّن قال بهذا القول من السَّلف: الشعبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/153). وقيل: التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم مِن مَنْعهم من الأكل والشرب والنِّكاح، فإذا حان الإفطارُ فلا يفعل هذه الأشياء مَن نام، كما كان الأمرُ من قبلُ لدى النصارى. وممَّن قال بمثل هذا القول: ابن عمر، وابن عبَّاس، وأبو العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، ومقاتل بن حيَّان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/154)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/305). وقيل: التشبيه في فَرْض صيام ثلاثة أيَّام من كل شهر ويوم عاشوراء، كما كان الأمرُ من قبلُ لدى اليهود. وممَّن قال بنحو هذا القول من السَّلف: ابن عبَّاس، والضَّحَّاك بن مُزاحِم، وقتادة، وعطاء. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/154)، و ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/304). .
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
أي: من أجل الوصولِ بصِيامِكم إلى مَرتبةِ التَّقوى [1644] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/250)، ((تفسير القرطبي)) (1/226-227)، ((تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري)) لابن تيميَّة (1/275).   .
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
أي: إنَّ هذا الصِّيامَ مفروضٌ عليكم في أيَّامٍ قليلةٍ، مَحصيَّة ساعاتُها [1645] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/156-160)، ((تفسير القرطبي)) (2/276)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/158)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/320). ، وهي أيَّامُ شهرِ رَمضانَ [1646] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/161)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/273)، ((تفسير القرطبي)) (2/276). وممَّن قال من السَّلف بأنَّ الأيَّام المعدودات هنا، هي شهرُ رمضان: ابنُ أبي لَيلَى، ومُقاتِل بن حيَّان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/159)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/306). وقيل: المرادُ بها: ثلاثةُ أيَّام من كلِّ شهر، ثم نُسِخَ فرْضُ صِيامها بصيام شهر رمضان. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/497). وممَّن قال بهذا القول من السَّلف: ابن عبَّاس، وعطاء، وقَتادة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/157)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/305). .
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
أي: مَن كان مِن المؤمنين في حالِ مرضٍ أو سَفَر، فأفطَر، فعليه أنْ يَقضيَ صيامَ الأيَّام الَّتي أفطَرها في أيَّامٍ أخرى [1647] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/160)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/273)، ((تفسير ابن عطية)) (1/251)، ((تفسير القرطبي)) (2/281)، ((تفسير ابن كثير)) (1/498). .
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ... وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
الناسخ والمنسوخ:
هذا الحُكمُ المذكور في الآية منسوخٌ؛ إذ لَمَّا فرَض الله تعالى الصَّومَ في صدْر الإِسلام، كان المسلِمُ يُخيَّر بين الصَّوم وإطعامِ مسكينٍ عن كلِّ يوم أفْطَره، فإنِ اختار الصيامَ كان خيرًا له، ثمَّ نَسَخ اللهُ عزَّ وجلَّ هذا التخييرَ في حقِّ القادِر على الصيام بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فأوجب عليه الصومَ، وبقِي الفطرُ والإِطعامُ للعاجز عنه [1648] قال ابنُ حَزم: (قوله تعالى: وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَه فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسكِينٍ هذه الآية نِصفها منسوخٌ، وناسخها قوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه يعني: فمَن شهِد منكم الشهرَ حيًّا بالغًا، صحيحًا عاقلًا، فليصمْه) ((الناسخ والمنسوخ)) (ص: 26). وقال ابنُ تيميَّة: (إنَّ الصَّحابة والتَّابعين أخْبَروا أنَّ الله رخَّص في هذه الآية للعاجز عن الصَّوم أنْ يُفطِر ويُطعِم، وأنَّ حُكم الآية باقٍ في حقِّه، وهم أعلمُ بالتنزيل والتأويل، وأيضًا فإنَّ ذلك تبيَّن من وجهين: أحدهما: أنَّ ابن عبَّاس وأصحابَه قرَؤوا (يُطَوَّقونه) ويُطِيقُونَهُ، وهي قراءة صحيحةٌ عنه، والقراءة إذا صحَّت عن الصَّحابة، كان أدْنَى أحوالها أن تَجري مجرَى خبَر الواحد في اتِّباعها، والعملِ بها؛ لأنَّ قارئها يُخبر أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرأها كذلك، فإمَّا أن يكون حرفًا من الحروف السَّبعة التي نزَل القرآن بها، ويكون بعدَ النَّسخ يَقرأ الآية على حَرفين: (يُطَوَّقونه) ويُطِيقُونَهُ، أو يكون سمِعَها على جِهة التفسير وبيان الحُكم، فاعتقد أنَّها من التِّلاوة، وعلى التقديرين، فيجب العملُ بها، وإنْ لم يُقطع بأنَّها قرآن... ومعنى (يطوَّقونه)؛ أي: يُكلَّفونه، فلا يستطيعونه؛ فكلُّ مَن كُلِّف الصَّوم فلم يُطِقْه، فعليه فِديةٌ طعامُ مِسكين، وإنْ صام مع الجَهد والمشقَّة، فهو خيرٌ له، وهذا معنى كلام ابن عبَّاس في رِواية عطاء عنه. الثاني: أنَّ العامة تقرأ: يُطِيقُونَهُ، فكان في صَدر الإِسلام لَمَّا فرَض الله الصومَ، خُيِّر الرَّجُل بين أن يَصومَ وبين أن يُطعِم مكانَ كل يومٍ مِسكينًا؛ فإنْ صام ولم يُطعم، كان خيرًا له، ثم نَسَخ الله هذا التخييرَ في حقِّ القادر بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فأوجب الصومَ، ومنَع من الفِطر والإِطعام، وبقِي الفِطر والإطعام للعاجز عن الصَّوم... ويُبيِّن ذلك أنَّ الشيخ والعجوز إذا كانَا يُطيقانِ الصَّوم، فإنَّهما كانَا يكونانِ مخيَّريْن بين الصِّيام والإطعام، فإذا عجَزَا بعد ذلك عن الصَّوم، تعيَّن عليهما الإِطعام، ثم نُسِخ ذلك التخيير، وبقِي هذا المعيَّن، وهذا ما تَقدَّم عن معاذ، وابن عبَّاس من رِواية سعيد بن جُبير وغيرِه من التابعين) ((شرح عمدة الفقه- كتاب الصيام)) (1/262-264). وقال أيضًا: (قد ثبَت باتِّفاق أهل العلم-وهو في كتُب الحديث الصِّحاح، وغيرها، وكتُب التفسير والفقه -: أنَّ الله لَمَّا أوجب رمضانَ كان المقيم مخيَّرًا بين الصوم وبين أن يُطعِم كلَّ يوم مِسكينًا، فكان الواجبُ هو إطعام المسكين، ونَدَب سبحانه إلى إطعامِ أكثرَ مِن ذلك، فقال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ثمَّ قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، فلمَّا كانوا مخيَّرِين، كانوا على ثلاثِ دَرجاتٍ: أعلاها الصوم، ويليه أن يُطعِم في كلِّ يوم أكثرَ من مسكين، وأدناها أن يَقتصرَ على إطعام مسكين، ثمَّ إنَّ الله حتَم الصومَ بعد ذلك، وأسقطَ التخيير في الثَّلاثة) ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (31/250). وقال ابنُ كَثير: (روَى البخاريُّ عن سَلمةَ بن الأكوع، أنَّه قال: ((لمَّا نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ كان مَن أراد أن يُفطر يَفتدي، حتى نزلت الآيةُ التي بعدَها، فنَسختْها))... وقال البخاريُّ أيضًا: ... عن عطاءٍ سمِعَ ابنَ عبَّاس يقرأ: (وعلى الذين يُطوَّقونه فِديةٌ طعام مسكين)، قال ابن عبَّاس: ليستْ منسوخةً؛ هو للشَّيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعانِ أن يصومَا، فيُطعمانِ مكانَ كلِّ يوم مسكينًا))... فحاصل الأمر: أنَّ النسخ ثابتٌ في حقِّ الصَّحيح المقيم بإيجاب الصِّيام عليه، بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وأما الشيخ الفاني [الهَرِم] الذي لا يَستطيع الصيامَ، فله أن يُفطِر، ولا قضاءَ عليه؛ لأَّنه ليست له حالٌ يَصير إليها يتمكَّن فيها من القضاء) ((تفسير ابن كثير)) (1/499-500). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ الآية منسوخةٌ: ابن عمر، ومعاذ بن جبل، وسَلَمة بن الأَكوع، وعلقمة، وعِكرمة، والحسن البصري، والضَّحَّاك، وعَبِيدة السَّلْماني، والشَّعبي، وعطاء الخُراساني، وزيد بن أَسْلَم، والزُّهري. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/161)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/307). .
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.
أي: يجبُ على مَن استطاع الصِّيامَ ولم يصُمْ، أنْ يُقدِّمَ عن كلِّ يومٍ أفطَره طعامًا لمسكينٍ [1649] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/178، 179)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/274)، ((تفسير ابن كثير)) (1/498)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/166)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/321). .
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.
أي: مَن أطعَم أكثرَ مِن مسكين، فذلك أفضلُ من إطعامِ مسكينٍ واحدٍ عن كلِّ يومٍ أفطَره [1650] يُنظر: ((شرح عمدة الفقه-كتاب الطهارة والحج)) لابن تيميَّة (1/468)، ((شرح عمدة الفقه-كتاب الصيام)) لابن تيميَّة (1/258)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/168). وعنِ ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّه قال: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا قال: زادَ مِسكينًا آخرَ) رواه النَّسائي (4/190)، والطبراني (11/168) (11388)، والدارقطني في ((السنن)) (2/205). وقال الدارقطنيُّ: إسنادُه صحيحٌ ثابت. وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النَّسائي)) (4/190). وممَّن قال بهذا القول من السَّلف: عَطاء، وطاوس، وهو أحد قولَي مجاهدٍ، والحسنُ، والسُّدِّي، ومقاتِل بن حيَّان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/183)، و ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/309). .
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.
أي: صيامُ ما كُتِبَ لكم، خيرٌ لكم مِن أنْ تُفطِروا وتُطعِموا [1651] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/186)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 150)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (31/250)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/660)، ((تفسير السعدي)) (ص: 86)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/324). .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: إذا عرَفتُم ما في الصَّومِ مِن الخيرِ لكم، فإنَّكم لن تتهاونوا في الصِّيام [1652] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/253)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/168)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/324). .
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185).
شَهْرُ رَمَضَانَ.
أي: الأيَّامُ المعدودات هي شهرُ رمضانَ [1653] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/188)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 150)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/275)، ((تفسير القرطبي)) (2/291)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/168-169)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/332). .
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
قيل: المعنى: أنَّ القرآنَ نزَل جُملةً واحدة- أي:كاملًا- مِن اللَّوحِ المحفوظ إلى السَّماء الدُّنيا في ليلة القَدْر مِن شَهرِ رمضان [1654] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/188)، ((تفسير ابن كثير)) (1/501). وقد حَكَى القرطبيُّ في ((تفسيره)) (2/297-298) الإجماعَ على ذلك. وممَّن رُوي عنه هذا القول من السَّلف: ابن عبَّاس، وسعيد بن جُبير، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/189)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/310). ، وقيل: المعنى: أنَّ ابتداءَ نزولِ القُرآنِ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في ليلةِ القَدْر من شهرِ رَمضانَ [1655] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/172)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/332-333). وممَّن رُوي عنه نحو هذا القول: ابن إسحاق. يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (1/143). .
هُدًى لِلنَّاسِ.
أي: إنَّ القرآنَ يُرشد النَّاسَ، ويدُلُّهم على طريقِ الحقِّ [1656] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/192)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/173)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/333).   .
وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ.
أي: إنَّ القرآنَ مشتمِلٌ على آياتٍ واضحات، وهي دَلائلُ وبراهينُ جليَّةٌ، تبيِّن الحقَّ، وتُرشِد إليه، وتُثبِت صِدقَ ما في القرآن مِن أخبارٍ، وعَدْلَ ما فيه من أحكامٍ، وتَفصِل بين الحقِّ والباطل [1657] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/192)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 150)، ((النبوات)) لابن تيمية (2/641)، ((تفسير ابن كثير)) (1/502)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/173)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (4/270). .
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
أي: فمَن كان حاضرًا مُقِيمًا في بلدِه، فقد وجَب عليه صيامُ ما حضَرَه من أيَّام الشَّهر [1658] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/201)، ((تفسير ابن كثير)) (1/503)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/334). .
وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
أي: إنَّ مَن كان في حالِ المرَض أو السَّفر، فأفطَر، فعليه أنْ يقضيَ الصِّيامَ في أيَّامٍ أخرى، بعدَد الأيَّام الَّتي أفطَرها [1659] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/201، 203)، ((تفسير ابن كثير)) (1/503)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/334-335). .
يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
أي: إنَّما رخَّص اللهُ تعالى في الإفطار لِمَن كان مريضًا، أو مسافرًا، وشرَعَ قضاءَ ما أفطَره؛ لأنَّه يحبُّ أنْ يُخفِّف عن المؤمنين، ويُسهِّل عليهم أحكامَه [1660] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/218)، ((تفسير ابن كثير)) (1/505)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/335). .
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.
أي: ويُريد اللهُ تعالى أنْ تُكمِلوا العِدَّة، والمعنى: يريدُ اللهُ شرعًا- أي: يُحِبُّ- أنْ تُكمِلوا عدَّةَ شهر رمضان بقضاءِ الأيَّام الَّتي أفطَرْتموها منه [1661] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/219)، ((تفسير ابن كثير)) (1/505)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/176)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/335). .
وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ.
أي: ويُريد اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ تُكبِّرُوه، والمعنى: يُريد اللهُ شرعًا- أي: يُحبُّ- أنْ تُعظِّموه بقول: اللهُ أكبَرُ، وذلك بعد انقضاءِ شهرِ رمضانَ؛ لِمَا أنعَم به عليكم من إرشادكم إلى هذا الشَّهرِ، وتشريع صومه وأحكامه، وتوفيقكم لتحقيق صيامه وإتمامِه [1662] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/221)، ((تفسير القرطبي)) (2/306)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (24/224)، ((تفسير ابن كثير)) (1/505)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/176)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/336). .
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أي: من أجْل أنْ تكونوا بتكبيرِكم اللهَ عزَّ وجلَّ، وبالقيام بغير ذلك من أنواع شكره كأداء فرائضه وترك محارمه، مِن الشَّاكرين لنِعمة اللهِ تعالى عليكم بصِيام شهرِ رمضانَ، وتيسيرِه أحكامَه عليكم [1663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/222)، ((تفسير ابن عطية)) (1/255)، ((تفسير القرطبي)) (1/226-227)، ((تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري)) لابن تيميَّة (1/275)، ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 221)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/177)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/336). .
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186).
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.
أي: إذا سأَلك المؤمنون عن قُرْبي يا محمَّدُ، فأنا قريبٌ منهم، وأستجيبُ لدعاءِ مَن دعاني منهم، سواءٌ كان دعاءَ عبادةٍ فأُثيبهم عليها، أو دعاءَ مسألةٍ فأُعطيهم ما طلبوا [1664] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/222)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (15/11)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/342). .
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
أي: فلينقادوا لي، ممتثِلين أوامري، ومجتَنِبين نواهيَّ، وليؤمنوا بأنِّي أُثيبهم على انقيادِهم لي، وأُجِيب دعاءَهم وتضرُّعَهم لي، من أجل إصابةَ الحقِّ بذلك، والتَّوفيقَ للعِلم النَّافع والعملِ الصالح [1665] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/225)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (1/135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/180)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/343). .
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187).
سبب النُّزول:
عن البَرِاء رضي الله عنه، قال: ((كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم إذا كان الرجلُ صائمًا، فحضَر الإفطارُ، فنام قبل أنْ يُفطِر، لَم يأكُلْ ليلتَه ولا يومَه حتى يُمسِيَ، وإنَّ قيسَ بنَ صِرْمَةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، فلمَّا حضَر الإفطارُ أتى امرأتَه فقال لها: أعندكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطلِقُ فأطلُب لك، وكان يومَه يعملُ فغلبتْه عيناه، فقالت: خيبةً لكَ، فلمَّا انتصَف النَّهارُ، غُشِي عليه، فذُكِر ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، فنزَلَتْ هذه الآيةُ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، ففرِحوا بها فرَحًا شديدًا، ونزلت : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)) [1666]  رواه البخاري (1915). .
وعن البَراءِ رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نزَل صومُ شهر رمضان، كانوا لا يقرَبون النِّساءَ رمضانَ كلَّه، فكان رجالٌ يخُونون أنفسَهم، فأنزَل اللهُ: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ الآية) )َ [1667] رواه البخاري (4508). .
وعن سَهْلِ بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: ((أُنزِلت: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل:مِنَ الْفَجْرِ، فكان رِجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربَط أحدُهم في رِجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكل ويشرَبُ حتى يتبيَّنَ له رؤيتُهما، فأنزَل الله بعدُ: مِنَ الْفَجْرِ، فعلِموا أنَّه إنَّما يعني اللَّيلَ والنَّهارَ )) [1668] رواه البخاري (1917)، ومسلم (1091). .
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.
أي: أُبِيح لكم في ليالي الصِّيام الإفضاءُ إلى نسائِكم، أي: مجامعتُهنَّ [1669] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/229)، ((تفسير ابن كثير)) (1/510)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/346). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ الرَّفَث معناه الجِماع: ابن عبَّاس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وطاوس، والحسن، والضَّحَّاك، وإبراهيم النَّخَعي، وسالم بن عبد الله، والسُّدِّي، وعمرو بن دينار، وقتادة، والزُّهري، ومقاتل بن حَيَّان، وعطاء الخراساني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/229)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/315). .
هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ.
أي: إنَّ كلًّا مِن الزَّوجِ والزَّوجة بمثابةِ اللِّباس للآخَر، وذلك تعبيرٌ عن انضمامِهما متجرِّدَيْنِ، وشدةِ امتزاجِهما ببعضِهما حال الجِماعِ [1670] وقيل المعنى: هُنَّ سكنٌ لهم، وأنتم سكنٌ لهنَّ. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/286). ويُنظر لكلا المعنييْن: ((تفسير ابن جرير)) (3/231-232)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/286)، ((تفسير ابن عطية)) (1/257)، ((تفسير ابن كثير)) (1/510)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/346). قال ابنُ أبي حاتم: (عن الرَّبيع بن أنس هنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ قال: هنَّ لحافٌ لكم، وأنتم لحافٌ لهنَّ) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/316). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: (عن ابن عبَّاس هنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ قال: هنَّ سكنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهنَّ. ورُوي عن مجاهد، وسعيد بن جُبَير، وقَتادة، والسُّدِّي، ومقاتل بن حَيَّان، نحوُ ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/316). .
عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ.
أي: عَلِم اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّكم كنتم- أيُّها المؤمنون- تخُونون أنفسَكم بمعصيةِ الله سبحانه، فلا تَفُون بأمرِ الله تعالى لكم بالامتناعِ عن الجِماعِ لياليَ الصِّيام، إلَّا أنَّه قد تاب عليكم بأنْ أحلَّ لكم هذا الَّذي حرَّم عليكم من قبلُ، وتجاوَز عنكم ما سلَف من التخوُّنِ [1671] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/286)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/347). .
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ.
أي: فالآنَ بعد هذه السَّعةِ بإباحة جِماعِ نسائكم، لكم أنْ تُجامِعوهنَّ، واطلُبوا بجِماعِهنَّ ما قدَّر اللهُ تعالى لكم مِن الولد [1672] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/242، 247، 248)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/286)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/183)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/557)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/348). والقول بأن المراد هو طلب الولد، قولُ جمهور المفسِّرين. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/286)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/557). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ المباشرةَ هنا الجِماع: ابن عبَّاس، ومجاهد، وعطاء، والضَّحَّاك، ومقاتل ابن حَيَّان، والسُّدِّي، والربيع بن أنس، وزيد بن أسلم) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/242)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/317). وممَّن قال من السَّلَف: إنَّ المقصودَ بقوله تعالى: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ هو طلبُ الولد: ابن عبَّاس-في أحَد قوليه-وأنس، وشُرَيح، والحسن، ومجاهد، وعطاء، والضَّحَّاك، وسعيد بن جُبَير، وعِكْرمة، والسُّدِّي، والربيع بن أنس، والحَكم بن عُتبة، وقتادة، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حَيَّان، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/244)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/317). ، وممَّا كتَب الله تعالى لكم أيضًا ليلة القَدْرِ، مِن ليالي شهرِ رمضانَ، فلا ينبغي لكم أنْ تشتغلوا بلذَّةِ الجِماعِ عنها، فتُفوِّتوا أجرها [1673] وممَّن جمَع بين هذا القول وسابقه: ابن جرير في ((تفسيره)) (3/247)، وابن القيِّم في ((تحفة المودود)) (1/8-10). وقيل: المعنى: ابتُغوا الرخصةَ والتوسعة. واستحسنه ابنُ عطية في ((تفسيره)) (1/257-258). وقيل: ما كتبه اللهُ: هو ما أباحه من مباشرةِ النِّساء في غير وقت الصيام. واختاره ابن عاشور في ((تفسيره)) (2/183). وأجاز أيضًا أن يكونَ المرادُ بذلك طلبَ الولد. وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (2/318). .
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
أي: أباح تعالى الأكلَ والشُّرب في أيِّ وقتٍ من الليل شاءه الصائمُ، حتى يظهَر ويتميَّز بياضُ النَّهار من سواد اللَّيل، وحينها يجبُ الإمساكُ عن الأكل والشُّربِ والجِماع إلى غروب الشمس [1674] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/260-267)، ((تفسير ابن كثير)) (1/512-517)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87). .
عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إذا أقبَل اللَّيلُ مِن هاهنا، وأَدبَر النَّهار مِن هاهنا، وغربتِ الشَّمسُ، فقد أفطَر الصَّائمُ )) [1675] رواه البخاري (1954) واللفظ له، ومسلم (1100). .
وعن عَديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه، قال: (( لَمَّا نزلتْ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. عَمَدْتُ إلى عِقَالٍ أسودَ وإلى عِقَالٍ أبيضَ، فجَعلتُهما تحتَ وسَادتي، فجعلتُ أنظرُ في الليلِ فلا يَسْتَبِينُ لي، فَغَدَوتُ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فذكرتُ لهُ ذلكَ، فقالَ: إنَّما ذاكَ سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ )) [1676] رواه البخاري (1916) واللفظ له، ومسلم (1090). .
وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ.
نهى اللهُ تعالى المؤمنين عن الجِماعِ حالَ اعتكافهم للعبادة في بيوتِ اللهِ تبارك وتعالى [1677] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/268، 272)، ((تفسير السعدي)) (ص:87)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/349). قال ابن أبي حاتم: (عن ابن عبَّاس، قوله: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، هذا في الرجل يعتكفُ في المسجد في رمضانَ أو غيره، فحرَّم الله عليه أن ينكحَ النساء ليلًا ونهارًا، حتى يقضي اعتكافه) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/319). .
تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا.
أي: هذا الَّذي بيَّنه اللهُ تعالى مِن الأحكامِ في هذه الآيةِ- كتحريمِ الأكلِ، والشُّرب، والجِماعِ في نهار الصِّيام، وغير ذلك مِن محرَّمات- قد عرَّفها اللهُ تعالى لعباده، وبيَّنها، لتفصلها عن الحلالِ، وتتميَّزَ لهم، وعليهم أنْ يُبقُوا أنفسَهم بعيدةً عنها [1678] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/274)، ((تفسير ابن كثير)) (1/520)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87). .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
أي: كما بيَّن اللهُ تعالى لعباده أحكامَ الصِّيام أتمَّ تبيينٍ، فكذلك يُبيِّن أيضًا سائرَ الأحكام الأخرى في كتابِه أو على لسانِ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلامُ، ويوضِّحُها لهم أكملَ إيضاح؛ كي يقوموا بأحكامِه؛ فِعلًا لِما أمَر، واجتنابًا لِما نهى [1679] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/275)، ((تفسير ابن كثير)) (1/520)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88). .
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا حذَّر الله تعالى من الجُرأة على مخالفة حُكم الصِّيام غيرِ المأذون فيه في قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا  ، وهو ضربٌ من الأكْل الحرام- عطَف عليه أكلًا آخَرَ مُحرَّمًا، وهو أكلُ المال بالباطل [1680] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/187). . وأيضًا لَمَّا سبَق في آيات الصِّيام تحريمٌ لأشياءَ خاصَّة في زمانٍ خاصٍّ- ذكَر عَقِبَه ما تحريمُه عامٌّ في زمانه، وهو أكْل أموال  النَّاس بالباطل [1681] يُنظر: ((تفسير العثيمين - الفاتحة والقرة)) (2/363). ، فقال:
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.
أي: لايأخُذْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بغير الطُّرق التي أباحها اللهُ تعالى لذلك [1682] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/276)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/289)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88). .
ثم أفرد الله تعالى بالذِّكر أحدَ أنواع أكْل أموال الناس بالباطل، فقال:
وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ.
أي: لا تتوصَّلوا بحُكم الحاكم إلى أكلِ الأموال بغير حقٍّ؛ وذلك كأن يجحَدَ امرؤٌ الحقَّ الذي عليه، وليس عليه بيِّنة، ثمَّ يُخاصمه عند القاضي، فيطلُب القاضي من المدَّعِي بيِّنةً، فإن لم تكُنْ له بيِّنة طلَب من المدَّعَى عليه اليمينَ، فإذا حلَف بَرِئ، فتوصَّل إلى جَحدِ مالِ غيره بالمحاكمة، أو يتوصَّل إلى ذلك برِشْوة الحاكم بالمالِ؛ ليحكمَ له بتلك الأموالِ بغير حقٍّ [1683] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/276، 279)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/289)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/70)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/190، 191)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/364-365). قال ابن أبي حاتم: (عن ابن عبَّاس قوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ قال: هذا في الرجُل يكون عليه مالٌ وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المالَ ويُخاصمهم إلى الحُكَّام، وهو يعرِف أنَّ الحقَّ عليه، وقد علِم أنَّه آثمٌ آكِلٌ حرامًا. ورُوي عن مجاهد، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقَتادة، ومقاتل بن حَيَّان، قالوا: لا تُخاصِم وأنت تَعلم أنَّك ظالم) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/321). وقيل: إنَّ قوله: وَتُدْلُوا مرتبطٌ بالجملةِ السابقة: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ؛ فيكون النَّهيُ عن مجموع الأمرين، أي يكون أكلُ أموال النَّاس بالباطلِ خاصًّا في هذه الآيةِ، بأكلِها فقط عبر الحُكَّام، بالرِّشوةِ أو بغيرها، كما سبَق ذِكره. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/279)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/190، 191). .
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: فتكونون بذلك آكِلينَ طائفةً مِن أموال النَّاس بالحرامِ، وأنتم تعلَمون أنَّكم واقِعونَ في الحرام [1684] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/276، 277)، ((تفسير ابن كثير)) (1/521)، ((تفسير السعدي)) (ص: 88)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/193)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/365-366). .

الفوائد التربويَّة:


1- النَّظر في حِكمة الله سبحانه وتعالى في تنويعِ العبادات؛ فمِنها ما هو ماليٌّ محضٌ: كالزَّكاة، ومنها ما هو بدنيٌّ محضٌ؛ كالصَّلاة، ومنها ما هو مركَّبٌ منهما: بدَنيٌّ، وماليٌّ: كالحجِّ، ومنها ما هو مِن قَبيل التُّروك: كالصِّيام؛ وذلك ليتمَّ اختبارُ المكلَّف؛ لأنَّ مِن النَّاس مَن يَهُون عليه العملُ البدنيُّ دون الماليِّ، ومنهم مَن يكونُ بعكسِ ذلك، وهكذا [1685] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/319). .
2- تَسليةُ المكلِّف لِمَن كلَّفه بعمل؛ ليهُون عليه القيامُ به، ومن ذلك: الإشارةُ إلى تكليفِ غيرِه به من قَبلُ؛ لقوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذين مِنْ قَبْلِكُمْ، ومن ذلك أيضًا: التعبيرُ بكلماتٍ يكونُ بها تهوينُ الأمرِ على المكلَّف؛ لقوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودُاتٍ [1686] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/318، 324). .
3- يَنبغي سلوكُ الأسبابِ الموصِّلة إلى تحقيقِ التَّقوى؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أوجَب الصِّيامَ لهذه الغايةِ في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [1687] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/318). .
4- النَّظَر في حِكمةِ الله سبحانه وتعالى في التدرُّج بالتَّشريع؛ حيث كان الصِّيامُ أوَّلَ الأمرِ على سبيلِ التَّخيير، فإمَّا أنْ يصومَ، وإمَّا أنْ يُطعِمَ كما قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، ثمَّ تعيَّن الصِّيامُ على القادرِ بعد ذلك [1688] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/328). .
5- أنَّ مِن شرط إجابةِ الدُّعاء أنْ يكونَ الدَّاعي صادقَ الدَّعوة في دعوةِ الله عزَّ وجلَّ؛ بحيث يكون مخلصًا مُشعِرًا نفسَه بالافتقار إلى ربِّه، ومشعِرًا نفسَه بكرَمِ الله وجُودِه؛ لقوله تعالى: إِذَا دَعَانِ [1689] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/345). .
6- أنَّ الإنسانَ كما يخُون غيرَه قد يخُون نفسَه؛ وذلك إذا أوقَعها في معاصي اللهِ؛ فإن هذا خيانةٌ، وعلى هذا فنفسُ الإنسان أمانةٌ عنده؛ لقوله تعالى: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187] [1690] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/352). .
7- أنَّه ينبغي البُعدُ عن المحارمِ؛ لقوله تعالى: فَلَا تَقْرَبُوهَا [1691] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/359). .
8- أنَّ العِلم سببٌ للتَّقوى؛ لقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، ووجهُه: أنَّه ذكَره عقِبَ قولِه تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ؛ فدلَّ هذا أنَّه كلَّما تبيَّنتِ الآياتُ حصَلت التَّقوى، ويؤيِّدُ ذلك قولُه تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28]، فكلَّما ازداد الإنسانُ عِلمًا بآياتِ الله، ازداد تُقًى؛ ولهذا يُقال: مَن كان باللهِ أعرَفَ كان منه أخوَفَ [1692] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/361). .
9- في قوله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187]، إشارةٌ إلى علوِّ مرتبةِ التَّقوى؛ لكونِ الآياتِ تبيَّنُ للناسِ مِن أجلِ الوصول إليها [1693] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/361). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- مِن فوائدِ التَّشبيه المذكور في قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذين مِنْ قَبْلِكُمْ: استكمالُ هذه الأمَّةِ للفضائلِ الَّتي سَبَقت إليها الأممُ السَّابقة، وليكون للمسلمين فيه أُسوةٌ، وليجتهدوا في أداءِ هذا الفرض بأكملَ ممَّا فعَله مَن سبَقهم [1694] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/497)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/317). .
2- ثبوتُ تفاضُلِ الأعمال؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، وتفاضُلُ الأعمال يستلزم تفاضُلَ العامل [1695] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/330). .
3- في قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إثباتُ صِفة العلوِّ لله تعالى؛ لأنَّه أَنزَل القرآن، والإنزالُ إنَّما يكون من عُلْوٍ [1696] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/332) .
4- أنَّ المشقَّةَ تَجلِب التَّيسيرَ؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ؛ لأنَّ المرَضَ والسَّفر مَظِنَّةُ المشقَّةِ [1697] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/324). .
5- في قوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ إثباتُ صِفة الإرادةِ لله تعالى، والمرادُ بها هنا: الإرادةُ الشَّرعيَّة، وهي بمعنى المحبَّة [1698] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/335). ويُنظر: ((رسالة لأهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (ص: 214)، ((التدمرية)) لابن تيمية (ص: 25)، ((دقائق التفسير)) لابن تيمية (5/184-193)، ((القواعد المثلى)) لابن عثيمين (ص: 39). .
6- قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي... إِذَا دَعَانِ تخلَّل الدُّعاء أحكامَ الصيام؛ إشارةً إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدَّة، بل وعند كلِّ فِطر [1699] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/509)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/179). .
7- قيل: إنما قال تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ ولم يقل: (فقل لهم إني قريب) إيجازًا لظهوره من قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، وتنبيهًا على أنَّ السؤال مفروضٌ غير واقع منهم بالفعل، وفيه لطيفةٌ قرآنية، وهي إيهام أنَّ الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم مباشرةً منه إليهم؛ إذ حذف في اللفظ ما يدلُّ على وساطة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ تنبيهًا على شدَّة قُرب العبد من ربِّه في مقام الدُّعاء، واحتيج للتأكيد بـ(إنَّ)؛ لأنَّ الخبر غريبٌ، وهو أن يكون تعالى قريبًا مع كونهم لا يرونه [1700] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/179). .
8- قُيِّدَت هذه الآية بالمشيئة فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء، وأمَّا قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فأطلقت فيه إجابة الدعوة دون تقييدٍ بالمشيئة؛ قيل لأنَّ الآية التي قُيِّدت: جاءت في دعاء الكفار، وجاءت الآية الأخرى في دعاء المؤمنين فلم تُقيَّد بالمشيئة؛ لأنَّ دعاء المؤمن لا يُرَد إلا إذا كان بإثمٍ أو قطيعة، وما جرى مجرى ذلك [1701] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/239). .
9- قيل: جاء قولُه تعالى: إِذَا دَعَانِ بعد قوله تعالى: الدَّاعِ مع أن الدَّاعي لا يُوصَف بأنه داعٍ إلَّا إذا دعا؛ لأن المراد بقوله تعالى: إِذَا دَعَانِ: إذا صدق في دعائه إيَّاي؛ بأنْ شعَر بأنَّه في حاجةٍ إلى الله تعالى، وأنَّ الله سبحانه قادرٌ على إجابته، وأخلص الدعاء لله عزَّ وجلَّ بحيث لا يتعلق قلبه بغيره [1702] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/342). .
10- أنَّ الزَّوجةَ سِترٌ للزَّوج، وهو سِترٌ لها، وأنَّ بينهما مِن القُربِ كما بين الثِّيابِ ولابِسِيها، ومِن التَّحصينِ للفُروج ما هو ظاهرٌ؛ لقوله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [1703] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/351). .
11- أنَّه ينبغي أنْ يكونَ الإنسان قاصدًا بوَطْئِه طلَبَ الولَدِ؛ لقوله تعالى: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ [1704] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/351). .
12- جوازُ أنْ يُصبِح الصائمُ جُنُبًا؛ لأنَّ اللهَ أباح الجِماعَ حتَّى يتبيَّنَ الفجرُ، ولازِمُ هذا أنَّه إذا أخَّر الجِماعَ لَم يغتسِلْ إلَّا بعد طلوعِ الفجرِ، وقد ثبَت عن الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه كان يُصبِح جُنُبًا مِن جِماع أهلِه، ثم يصومُ [1705] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/354). والحديث أخرجه البخاري (1931) واللفظ له، ومسلم (1109)، من حديث عائشة رضي الله عنها. .
13- أنَّ بياضَ النَّهار وسوادَ الليل يتعاقبانِ، فلا يجتمعانِ؛ لقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [1706] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/354). .
14- أنَّ الاعتكافَ مشروعٌ في كلِّ مسجد؛ لعموم قوله تعالى: فِي الْمَسَاجِدِ [1707] يُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (1/627). .
15- استنبط بعضُ أهل العلم أنَّ الاعتكافَ يكون في رمضان في آخره؛ لأنَّ الله تعالى ذكَر حُكْمه عقِبَ آياتِ الصِّيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السُّنَّة [1708] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/359). .
16- جاء قولُه سبحانه وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فلا تقْرَبُوها؛ عقب محرماتٍ، فناسب أن يُنهى عن قربانها، والنهي عن قِربان شيءٍ أبلغُ من النهي عن فعله، وجاء في موضعٍ آخر: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها عَقِبَ أوامر؛ فناسب أن يُنهى عن مجاوزتها [1709] يُنظر: ((الدر المصون)) للحلبي (2/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 87). .
17- حِرص الشَّارعِ على حِفظ الأموال؛ لقوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ؛ فالأموالُ تقُوم بها أمورُ الدِّين، وأمورُ الدنيا؛ كما قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5] [1710] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/366). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيه تَكرارٌ للنِّداء؛ لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ، ولبيان حُكمٍ آخَر من الأحكام الشرعيَّة، بعدما سبَق تفصيلُه في الآيات الماضية عن القِصاص [1711] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/198). .
2- قوله: كُتِب مبنيٌّ للمفعول- وكذا أمثاله من المكتوبات- وحُذِف الفاعل للعِلم به؛ إذ هو: الله تعالى-؛ لأنَّها مشاقُّ صعبةٌ على المكلَّف، فناسَب أنْ لا تُنسب إلى الله تعالى، وإنْ كان الله تعالى هو الذي كتَبها، وحين يكون المكتوبُ للمكلَّف فيه راحةٌ واستبشار يُبنى الفعل للفاعِل، كما في قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54]، وقوله: كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21]، وأمثالها، وهذا من لَطيف عِلم البيان [1712] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/177). .
3- قوله: عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فيه تقديمٌ وتأخير، حيث قدَّم شِبه الجملة عَلَيْكُمُ على نائب الفاعل الصِّيَامُ، والأصل تأخيرها عنه؛ لأنَّ البَداءةَ بذِكر المكتوب عليه آكَدُ مِن ذكر المكتوب؛ لتعلُّق الكَتْب بمَن يؤدِّي [1713] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/266). .
4- في قوله تعالى: أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ عُبِّر عن رمضانَ بأيَّامٍ، وهي جمْع قِلَّة، ووُصفَت بمَعدوداتٍ، وهي جمْعُ قِلَّة أيضًا؛ تهوينًا لأمرِه على المكلَّفين، والمعدوداتُ كنايةٌ عن القلَّة؛ لأنَّ الشيءَ القليل يُعدُّ عدًّا؛ ولذلك يقولون: الكثيرُ لا يُعَدُّ، ولأجْل هذا اختير في وصفِ الجمْعِ مجيئُه بلَفْظ مَعْدُودَاتٍ، وإنْ كان مجيئُه بلفظ (مَعْدودَة)- على طريقةِ الجمْع المُكسَّر الذي فيه هاءُ تأنيثٍ- أكثرَ [1714] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/161).
5- قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه حذْف معمول تَعْلَمُونَ؛ إمَّا للاقتصار، أي: إنْ كنتم مِن ذوي العِلم والتَّمييز، وإمَّا للاختصار؛ للدَّلالة عليه، وفَهمه من السِّياق [1715] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/276). .
6- قوله: فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فيه حذْفٌ، ووضْعٌ للمُظهر المتأخِّر مكانَ المضمَر الأوَّل؛ إذ أصله: فمن شهد فيه فليصم فيه؛ فأضمر (فيه) الأولى، وهذا يُفيد التعظيم والمبالَغة في البيان [1716] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/125)، ((تفسير أبي السعود)) (1/200). .
7- وفي قوله: عَنِّي و: إنِّي من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ: التفاتٌ من غَيْبَة إلى تَكَلُّمٍ؛ لأنَّ قبلَه، وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ، والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ، وفيه ما لا يَخفْى من تشريفِه ورفعِ محلِّه [1717] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/205)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/290)، ((تفسير أبي السعود)) (1/200). .
- وقوله فَإِنِّي: فيه تقريبُ الجواب، وتنبيهٌ على شِدَّة قُرب العبد من ربِّه في مقام الدُّعاء، وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة؛ إشعارًا بفرط قُربه وحضوره مع كلِّ سائل فقال: فإنِّي دون (فقل إني)، فإنَّه لو أثبت (قل)، لأوهم بُعدًا وليس المقام كذلك، ولكان قوله: فَإِنِّي، موهمًا فيحتاج إلى أن يقال: (إنَّ الله) أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفكُّ عن إشكال؛ وإذا كان هذا التلطُّف بالسَّائلين؛ فما ظنُّك بالسالكين السائرين [1718] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (3/71)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/179). ؟!
- واحتيج للتأكيد بـ(إنَّ)؛ لتأكيد كونه تعالى قريبًا منهم، مع كونِهم لا يَرَوْنه [1719] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/179). .
8- وردَ قوله تعالى: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ بعد قوله سبحانه: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ من باب ذِكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفائدته: بيان شدَّة شَناعة هذه الصورة، ولأنها جامعةٌ لمحرماتٍ كثيرة [1720] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/187). .