موسوعة التفسير

سورةُ فاطرٍ
الآيتان (27-28)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ

غَريبُ الكَلِماتِ:


جُدَدٌ: أي: خُطوطٌ وطَرائِقُ تكونُ في الجِبالِ، واحِدُها: جُدَّةٌ، وهي: الطريقةُ الظَّاهِرةُ، وأصلُ (جدد) هنا: يدُلُّ على القَطعِ [442] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قُتَيبة (ص: 361)، ((تفسير ابن جرير)) (19/363)، ((غريب القرآن)) للسِّجستاني (ص: 180)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 311)، ((تفسير القرطبي)) (14/342)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 347). .
وَغَرَابِيبُ: جمْعُ غِربيبٍ، وهو: الشَّديدُ السَّوادِ، والعَرَبُ تقولُ للشَّديدِ السَّوادِ الذي لونُه كلَونِ الغُرابِ: أسوَدُ غِربيبٌ [443] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قُتَيبة (ص: 361)، ((غريب القرآن)) للسِّجستاني (ص: 352)، ((تفسير القرطبي)) (14/343)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 347). .

المعنى الإجماليُّ:


يَذكُرُ اللهُ تعالَى أدلَّةً أُخرى على عَظيمِ قُدرتِه، فيقولُ: ألم ترَ -يا مُحمَّدُ- أنَّ اللهَ أنزلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فأخرَجْنا به ثَمراتٍ مُختلِفةَ الألوانِ مع أنَّها جميعًا تُسقَى بماءٍ واحدٍ، وجعَلْنا بقُدرتِنا مِنَ الجِبالِ خُطوطًا وقِطَعًا ذاتَ ألوانٍ مُختَلِفةٍ؛ فمنها الأبيضُ، ومنها الأحمرُ، ومنها ما هو شَديدُ السَّوادِ؛ ومِنَ النَّاسِ والدوابِّ والأنعامِ أصنافٌ وأنواعٌ مختَلِفٌ ألوانُها اختِلافًا كذلك الاختِلافِ الكائِنِ في الجِبالِ وفي أنواعِ الثِّمارِ.
ثُمَّ يُبيِّنُ سُبحانَه مَن هُمْ أَوْلَى النَّاسِ بخَشيتِه، فيقولُ: إنَّما يَخشَى اللهَ تعالَى العُلَماءُ العالِمونَ باللهِ تعالَى وصِفاتِه وشَرائعِه، إنَّ اللهَ قاهِرٌ غالِبٌ، مُمتنِعٌ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقْصٍ، غَفورٌ لِذُنوبِ عِبادِه.

تَفسيرُ الآيتَينِ:


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا قرَّر اللهُ تعالَى وَحدانيَّتَه بأدِلَّةٍ قرَّبَها، وأمْثالٍ ضَرَبها؛ أتْبَعَها بأدلَّةٍ سماويَّةٍ وأرضيَّةٍ، فقال [444] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/28). :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا.
أي: ألمْ تَرَ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ أنزلَ مِن السَّماءِ ماءً، فأخرَجْنا بهذا الماءِ الواحدِ ثَمراتٍ مُختَلِفةَ الألوانِ [445] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/362-363)، ((تفسير ابن كثير)) (6/543-544)، ((تفسير السعدي)) (ص: 688). ؟!
كما قال تعالَى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 3، 4].
وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ.
أي: وجَعَل سُبحانَه مِن [446] قال ابن عاشور: (مِنْ تبعيضيةٌ على معنَى: وبعضُ تُرابِ الجبالِ جُدَدٌ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/302). الجِبالِ خُطوطًا وطَرائِقَ بيضاءَ وحَمراءَ، مُختَلِفةَ الألوانِ، وخُطوطًا وطَرائِقَ شَديدةَ السَّوادِ [447] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/362، 363)، ((تفسير القرطبي)) (14/342)، ((تفسير ابن كثير)) (6/544)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/45-46)، ((تفسير السعدي)) (ص: 688)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 192-193). .
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
 أنَّها استِدلالٌ آخَرُ على قُدرةِ اللهِ تعالَى وإرادتِه [448] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/236). .
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ.
أي: وكما جعَلَ اللهُ ألوانَ الثَّمَراتِ والجِبالِ مُختَلِفةً، كذلك جعَلَ النَّاسَ والدَّوابَّ [449] قال ابنُ كَثير: (وهو: كُلُّ ما دبَّ على قوائِمَ). ((تفسير ابن كثير)) (6/544). وقال ابنُ عثيمين: (المرادُ بها ما عدا النَّاسَ والأنعامَ، فتَشمَلُ كُلَّ ما دَبَّ على الأرضِ إلَّا النَّاسَ والأنعامَ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 198). والأنعامَ من الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ مُختَلِفةَ الألوانِ، كالحُمرةِ، والبَياضِ، والسَّوادِ، والصُّفرةِ، وغيرِها مِن الألوانِ [450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/363)، ((الوسيط)) للواحدي (3/504)، ((تفسير ابن كثير)) (6/544)، ((تفسير السعدي)) (ص: 688). قال ابنُ عطيَّة: (قَولُه: كَذَلِكَ يحتَمِلُ أن يكونَ مِن الكلامِ الأوَّلِ، فيجيء الوَقفُ عليه حسَنًا، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسِّرين. ويَحتَمِلُ أنْ يكونَ من الكلامِ الثَّاني يخرُجُ مَخرجَ السَّبَبِ، كأنَّه قال: كما جاءت القُدرةُ في هذا كُلِّه إنَّما يَخشَى اللهَ من عِبادِه العُلماءُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/437). .
كما قال تعالَى: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم: 22].
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
مُناسَبتُها لِمَا قبْلَها:
لَمَّا قال تعالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وعَدَّدَ آياتِه وأعلامَ قُدرَتِه، وآثارَ صَنعَتِه، وما خَلَقَ مِنَ الفِطَرِ المُختَلِفةِ الأجناسِ، وما يُستَدَلُّ به عليه وعلى صِفاتِه؛ أتْبَعَ ذلك قَولَه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، كأنَّه قال: إنَّما يَخشاهُ مِثلُكَ ومَن على صِفَتِكَ ممَّن عَرَفَه حَقَّ مَعرِفَتِه [451] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/611). .
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
أي: إنَّما يَخافُ اللهَ تعالَى ويُعظِّمُه، فيتَّقي عِقابَه بطاعتِه وتَرْكِ مَعصيتِه مِن خِلقِه: العُلَماءُ العالِمونَ باللهِ تعالَى وصِفاتِه وقُدْرتِه على كُلِّ شيءٍ، والعالِمونَ بشَرائعِه [452] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/364)، ((تفسير ابن جُزي)) (2/175)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/21، 24)، ((تفسير ابن كثير)) (6/544)، ((فتح الباري)) لابن رجب (1/90)، ((تفسير السعدي)) (ص: 689). .
كما قال تعالَى: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9].
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((واللهِ إنِّي لأَرْجو أنْ أكونَ أخشاكم لِلهِ، وأعْلَمَكم بما أتَّقي )) [453] أخرجه مسلم (1110). .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((يا أمَّةَ مُحمَّدٍ، واللهِ لو تَعلَمونَ ما أعلَمُ، لضَحِكتُم قليلًا ولبَكَيتُم كثيرًا )) [454] أخرجه البخاريُّ (1044) واللفظ له، ومُسلِمٌ (901). .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.
أي: إنَّ اللهَ قاهِرٌ غالِبٌ مُنتقِمٌ ممَّن كفَرَ به وعصاه، مُمتنِعٌ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ غفورٌ لذُنوبِ عِبادِه، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها [455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/365)، ((تفسير القرطبي)) (14/344)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/47-48)، ((تفسير السعدي)) (ص: 689)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 200-202). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ... التَّنبيهُ على أنَّه يَنبغي للإنسانِ أنْ يَتفكَّرَ في خَلقِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ هذا تقريرٌ، والتَّقريرُ لا يكونُ إلَّا بعدَ أنْ يَنظُرَ المُقرَّرُ فيما قُرِّرَ به؛ حتى يُقِرَّ به ويَعترِفَ [456] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 193). .
2- قال اللهُ تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ الخَشيةُ بقَدْرِ مَعرفةِ المَخشيِّ؛ والعالِمُ يَعرِفُ اللهَ فيَخافُه ويَرجوه، وهذا دَليلٌ على أنَّ العالِمَ أعْلَى دَرجةً مِن العابِدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]، فبَيَّن أنَّ الكرامةَ بقَدرِ التَّقوى. والتَّقوى بقَدرِ العِلمِ؛ فالكرامةُ بقَدرِ العِلمِ لا بقَدرِ العَمَلِ، نَعَم، العالِمُ إذا ترَك العَمَلَ قَدَح ذلك في عِلمِه [457] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/236). .
3- في قَولِه تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فَضيلةُ خشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ حيثُ لا يَتَّصِفُ بها إلَّا العُلَماءُ [458] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 203). .
4- قَولُ اللهِ تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ المرادُ بالعُلَماءِ هم الذين عَلِموه بصِفاتِه وتَوحيدِه، وما يجوزُ عليه وما يجِبُ له، وما يَستحيلُ عليه؛ فعَظَّموه وقدَّروه حَقَّ قَدرِه، وخَشُوه حَقَّ خَشيتِه، ومَن ازدادَ به عِلمًا ازدادَ منه خوفًا، ومَن كان عِلمُه به أقَلَّ كان آمَنَ [459] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/610)، ((تفسير أبي حيان)) (9/31). .
5- مَن عرَفَ اللهَ لم يكُنْ شَيءٌ أحَبَّ إليه منه، ولم تَبقَ له رغبةٌ فيما سِواه إلَّا فيما يقَرِّبُه إليه، ويُعينُه على سَفَرِه إليه، ومن عَلاماتِ المعرفةِ الهَيبةُ؛ فكلَّما ازدادتْ معرِفةُ العبدِ برَبِّه ازدادتْ هيبتُه له وخَشيتُه إيَّاه، كما قال اللهُ تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، أي: العُلَماءُ به، ومَن عرَفَ اللهَ صفَا له العَيشُ، وطابَتْ له الحياةُ، وهابه كُلُّ شَيءٍ، وذهَب عنه خوفُ المخلوقينَ، وأنِسَ باللهِ، واستوحشَ مِن النَّاسِ، وأورثَتْه المعرفةُ الحياءَ مِن اللهِ، والتعظيمَ له والإجلالَ، والمراقبةَ والمحبَّةَ، والتوكُّلَ عليه، والإنابةَ إليه، والرِّضا به، والتَّسليمَ لأمرِه [460] يُنظر: ((روضة المحبين)) لابن القيِّم (ص: 406). .
6- قولُه تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فيه أنَّ العِلمَ التامَّ يَستلزِمُ الخَشيةَ؛ فمَن كان باللهِ وبأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه وأحكامِه أعلمَ، كان له أَخشَى وأتْقَى [461] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (1/81). ، والعلماءُ باللهِ العارِفونَ به هُمُ الذين يَخْشَونه حَقَّ خَشيتِه؛ لأنَّه كلَّما كانتِ المعرفةُ للعظيمِ القَديرِ العليمِ الموصوفِ بصِفاتِ الكمالِ، المنعوتِ بالأسماءِ الحُسنَى-كلَّما كانتِ المعرفةُ به أتمَّ، والعلمُ به أكملَ، كانتِ الخشيةُ له أعظمَ وأكثرَ [462] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/544). ، وهذه الخَشيةُ توجِبُ له الانكِفافَ عن المعاصي، والاستِعدادَ للِقاءِ مَن يخشاه، وهذا دَليلٌ على فَضيلةِ العِلمِ؛ فإنَّه داعٍ إلى خَشيةِ اللهِ، وأهلُ خَشيتِه هم أهلُ كرامتِه، كما قال تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: 8] [463] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:688). ؛ فخَوفُ العَبدِ مِن اللهِ لا يحصُلُ إلَّا إذا عَلِمَ كَونَه تعالى عالِمًا بجَميعِ المعلوماتِ، قادِرًا على كُلِّ المقدوراتِ، غيرَ راضٍ بالمُنكَراتِ والمحَرَّماتِ؛ فإذَن الخَوفُ مِن لوازمِ العِلمِ باللهِ، وبهذا يُعرَفُ نباهةُ قَدرِ العِلمِ [464] يُنظر: ((تفسير النيسابوري)) (1/232). .
7- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ دَليلٌ على أنَّ الخَشيةَ لا تَثبُتُ لأهلِها إلَّا بالعِلمِ، وأنَّ العِلمَ لا يَتكاملُ لأهله إلَّا بالفِكرِ في خَلقِ اللهِ، والإيمانِ بجميلِ صُنعِه وقُدرتِه المحيطةِ بخَلقِه؛ لأنَّه جلَّ وعلا ابتدأَ الآيةَ، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، وذَكرَ الجِبالَ والنَّاسَ والأنعامَ واختِلافَ ألوانِها، ثم قال: كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ؛ فدلَّ على أنَّ العُلَماءَ لهم فيما ذَكرَه مُعتبَرٌ وفِكرٌ، وتَولُّدُ خَشيةٍ مِن قادرٍ هذا فِعلُه وصُنعُه [465] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/700). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قَولُ الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ذَكَرَ هذا الدَّليلَ على طريقةِ الاستِخبارِ، وقال: أَلَمْ تَرَ، وذكَرَ الدَّليلَ المتقَدِّمَ على طريقةِ الإخبارِ، وقال: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ [فاطر: 9]، وفي ذلك وجهانِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ إنزالَ الماءِ أقرَبُ إلى النَّفعِ، والمنفعةُ فيه أظهَرُ؛ فإنَّه لا يَخفَى على أحدٍ في الرُّؤيةِ أنَّ الماءَ منه حياةُ الأرضِ؛ فعظَّم دَلالتَه بالاستِفهامِ؛ لأنَّ الاستفهامَ الذي للتَّقريرِ لا يُقالُ إلَّا في الشَّيءِ الظَّاهِرِ جِدًّا، كما أنَّ مَن أبصَرَ الهِلالَ وهو خفيٌّ جدًّا، فقال له غيرُه: أين هو؟ فإنَّه يقولُ له: في الموضِعِ الفُلانيِّ، فإذا لم يَرَه يقولُ له: الحَقُّ معك؛ إنَّه خَفيٌّ وأنت معذورٌ، وإذا كان بارزًا يقولُ له: أمَا تراه؟ هذا هو ظاهِرٌ!
الوجهُ الثَّاني: وهو أنَّه ذكَرَه بعدَما قرَّر المسألةَ بدَليلٍ آخَرَ، وظهَرَ بما تقدَّم للمَدعوِّ بَصارةٌ بوجوهِ الدَّلالاتِ، فقال له: أنت صِرتَ بصيرًا بما ذكَرْناه، ولم يبقَ لك عذرٌ، ألا ترَى هذه الآيةَ [466] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/235). ؟!
2- في قَولِه تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ إثباتُ الأسبابِ؛ فإنَّ الباءَ هنا للسَّبَبِيَّةِ، ففي الآيةِ إثباتُ الأسبابِ، وأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى قدْ قَرَنَ الأشياءَ بأسبابِها، وهذا مِن تمامِ حكمتِه؛ أنْ تكونَ الأسبابُ والمُسَبَّبَاتُ مُتلازِماتٍ؛ فمِنَ المعلومِ أنَّ اللهَ قادرٌ على أنْ يُخْرِجَ هذه الثمراتِ بدون ماءٍ! ولكنْ قد جَعَل لكلِّ شيءٍ سببًا [467] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 194). .
3- في قَولِه تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا بيانُ قدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بإخراجِ هذه الثَّمَراتِ المختَلِفةِ الألوانِ مع أنَّها في أرضٍ واحدةٍ، وتُسقَى بماءٍ واحدٍ، ويَظهَرُ ذلك لك جَلِيًّا إذا نظرتَ إلى الزهورِ كيف تَجِدُ هذا الاختلافَ العجيبَ بينها مع أنَّها تُسقَى بماءٍ واحدٍ [468] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 196). ؟!
4- قَولُ اللهِ تعالَى: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ذكَرَ (الجِبالَ) ولم يذكُرِ (الأرضَ)، كما قال في مَوضعٍ آخَرَ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: 4]، مع أنَّ هذا الدَّليلَ مِثلُ ذلك؛ وذلك لأنَّ الله تعالى لَمَّا ذكرَ في الأوَّلِ: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ [فاطر: 27]، كان نفْسُ إخراجِ الثِّمارِ دَليلًا على القُدرةِ، ثمَّ زاد عليه بيانًا، وقال: مُخْتَلِفًا، كذلك في الجِبالِ في نَفسِها دَليلٌ للقُدرةِ والإرادةِ؛ لأنَّ كونَ الجِبالِ في بَعضِ نواحي الأرضِ دونَ بَعضِها، والاختِلافَ الذي في هيئة الجبلِ -فإنَّ بَعضَها يكونُ أخفَضَ، وبَعضُها أرفَعَ-: دليلُ القُدرةِ والاختيارِ، ثمَّ زاده بيانًا وقال: جُدَدٌ بِيضٌ، أي: مع دَلالتِها بنَفسِها هي دالَّةٌ باختلافِ ألوانِها، كما أنَّ إخراجَ الثَّمَراتِ في نَفسِها دلائِلُ، واختلافَ ألوانِها دليلٌ [469] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/235-236). .
5- قال تعالَى: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ لَمَّا ذَكَر الغَرابيبَ -وهو الشَّديدُ السَّوادِ- لم يَذكُرْ فيه مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا؛ لأنَّه مِن حيثُ جَعَلَه شَديدَ السَّوادِ -وهو المُبالِغُ في غايةِ السَّوادِ- لم يَكُنْ له ألوانٌ، بل هذا لَونٌ واحِدٌ، بخِلافِ البِيضِ والحُمْرِ؛ فإنَّها مُختَلفةٌ [470] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/29). .
6- قال اللهُ تعالَى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ اختِلافُ الألوانِ المذكورةِ: مِن غرائِبِ صُنعِه تعالَى وعَجائبِه، ومِن البراهينِ القاطِعةِ على أنَّه هو المؤثِّرُ جَلَّ وعلا، وأنَّ إسنادَ التأثيرِ للطَّبيعةِ مِن أعظَمِ الكُفرِ والضَّلالِ [471] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/173). .
7- قال تعالَى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: 7] إلى قَولِه: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: 8]، فأخبَرَ أنَّ خَيرَ البريَّةِ مَن خَشِيَ رَبَّه، وأخبَرَ في الآيةِ هنا أنَّ العُلَماءَ باللهِ هم الذين يَخشَونَه، فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ؛ فحَصَل بمجموعِ الآيتَينِ أنَّ أهلَ العِلمِ باللهِ هم خيرُ البَريَّةِ وإنْ كانوا على طَبَقاتٍ في ذلك [472] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (3/489). .
8- قَولُه تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ يَقتضي الحَصرَ مِن الطَّرفينِ: ألَّا يخشاه إلَّا العُلماءُ، ولا يكونَ عالِمًا إلَّا مَن يخشاه؛ فلا يخشاه إلَّا عالِمٌ، وما مِن عالِمٍ إلَّا وهو يخشاه، فإذا انتفَى العِلمُ انتفتِ الخشيةُ، وإذا انتفتِ الخشيةُ دلَّت على انتِفاءِ العِلمِ [473] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيِّم (ص: 172). .
9- قَولُه تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فيه دَلالةٌ على أنَّ الخشيةَ هي: الخوفُ الناتجُ عن عِلْمٍ [474] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/43). .
10- الخَشيةُ أخَصُّ مِن الخَوفِ؛ فإنَّ الخَشيةَ للعُلَماءِ باللهِ؛ قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، فهي خَوفٌ مَقرونٌ بمَعرفةٍ؛ فالخَوفُ حَركةٌ، والخَشيةُ انجِماعٌ وانقِباضٌ وسكونٌ؛ فإنَّ الذي يرَى العدوَّ والسَّيلَ ونحوَ ذلك، له حالتانِ:
إحداهما: حركةٌ للهَرَبِ منه، وهي حالةُ الخَوفِ.
والثانيةُ: سُكونُه وقرارُه في مكانٍ لا يَصِلُ إليه فيه، وهي الخَشيةُ؛ فالخوفُ لعامَّةِ المؤمِنينَ، والخشيةُ للعُلَماءِ العارفينَ، وعلى قَدرِ العِلمِ والمعرفةِ يكونُ الخَوفُ والخشيةُ، فصاحِبُ الخوفِ يلَتَجئُ إلى الهرَبِ والإمساكِ، وصاحِبُ الخَشيةِ يلتجئُ إلى الاعتِصامِ بالعِلمِ، ومَثَلُهما مَثَلُ مَن لا عِلمَ له بالطِّبِّ، ومَثَلُ الطَّبيبِ الحاذِقِ؛ فالأوَّلُ يَلتجئُ إلى الحِمْيةِ والهرَبِ، والطَّبيبُ يَلتجئُ إلى مَعرفتِه بالأدويةِ والأدواءِ [475] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيِّم (1/508،509). .
11- قَولُ اللهِ تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ يدُلُّ بالالْتزامِ على أنَّ غيرَ العُلَماءِ لا تَتأتَّى منهم خَشيةُ اللهِ؛ فدلَّ على أنَّ البَشَرَ في أحوالِ قُلوبِهم ومَداركِهم مختَلِفونَ، وهذا مِثلُ قَولِه تعالَى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [476] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/304). [فاطر: 18].
12- العُلَماءُ في قَولِه تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ هم العُلَماءُ باللهِ؛ العُلَماءُ بأسمائِه وصِفاتِه وآياتِه، وليس المرادُ بهم عُلَماءَ الصِّناعةِ والتكنولوجيا وما أشبهَ ذلك؛ فإنَّ هؤلاء عُلَماءُ في الدُّنيا، يَعلمونَ ظاهرًا مِن الحياةِ الدُّنيا؛ وذلك أنَّ الخَشيةَ لا تكونُ إلَّا عن عِلمٍ بحالِ المَخْشِيِّ، ومَعلومٌ أنَّ العِلمَ بهذه الصَّنائعِ لا تَعَلُّقَ له بعَظمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فهو مادِّيٌّ مَحضٌ، بخِلافِ المعرفةِ باللهِ وعظَمتِه؛ فأهلُ المعرفةِ به هم أهلُ خَشيتِه [477] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (26/26). .
13- قال اللهُ تعالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ مَن خَشِيَ اللهَ وأطاعه، وامتثَلَ أوامِرَه واجتنَبَ نواهيَه: فهو عالمٌ؛ لأنَّه لا يَخشاه إلَّا عالمٌ، وعلى نفْيِ الخَشيةِ عن غيرِ العُلَماءِ، ونَفيِ العِلمِ عن غيرِ أُولي الخشيةِ أيضًا، وأنَّ مَن لم يخشَ اللهَ فليس بعالمٍ، وبذلك فسَّرها السَّلَفُ.
وممَّا يُبيِّنُ أنَّ العِلمَ يُوجِبُ الخَشيةَ، وأنَّ فَقدَه يَستلزِمُ فَقْدَ الخَشيةِ؛ وُجوهٌ:
أحدُها: أنَّ العِلمَ باللهِ تعالَى وما له مِن الأسماءِ والصِّفاتِ، كالكِبرياءِ والعَظَمةِ، والجَبَروتِ والعِزَّةِ.. وغيرِ ذلك: يُوجِبُ خَشيتَه؛ وعدمَ ذلك يستلزِمُ فَقْدَ هذه الخَشيةِ.
الوجهُ الثاني: أنَّ العِلمَ بتفاصيلِ أمرِ اللهِ ونَهيِه، والتَّصديقَ الجازِمَ بذلك وبما يترتَّبُ عليه مِن الوَعدِ والوَعيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، مع تيقُّنِ مُراقبةِ اللهِ واطِّلاعِه ومُشاهدتِه، ومَقتِه لعاصيه، وحُضورِ الكِرامِ الكاتِبينَ: كُلُّ هذا يُوجِبُ الخَشيةَ، وفِعلَ المأمورِ، وتَرْكَ المحظورِ، وإنَّما يَمنَعُ الخَشيةَ ويُوجِبُ الوقوعَ في المحظوراتِ: الغَفلةُ عن استِحضارِ هذه الأمورِ.
الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ تصوُّرَ حَقيقةِ المَخُوفِ يُوجِبُ الهربَ منه، وتصوُّرَ حقيقةِ المحبوبِ يُوجِبُ طَلَبه، فإذا لم يَهرُبْ مِن هذا، ولم يَطلُبْ هذا؛ دلَّ على أنَّ تصوُّرَه لذلك ليس تامًّا، وإنْ كان قد تصوَّرَ الخبَرَ عنه. وتصوُّرُ الخبرِ وتصديقُه وحِفظُ حُروفِه: غيرُ تصوُّرِ المخبِرِ به؛ فإذا أُخبِرَ بما هو محبوبٌ أو مكروهٌ له، ولم يُكذِّبِ الخبَرَ، بل عرَفَ صِدقَه، لكِنْ قَلبُه مَشغولٌ بأمورٍ أُخرى عن تصوُّرِ ما أُخبِرَ به: فهذا لا يَتحرَّكُ للهَرَبِ ولا للطَّلبِ.
الوجهُ الرَّابِعُ: أنَّ كثيرًا من الذُّنوبِ قد يكونُ سَببُ وُقوعِه جَهْلَ فاعِلِه بحَقيقةِ قُبحِه وبُغضِ اللهِ له، وتفاصيلِ الوَعيدِ عليه، وإن كان عالِمًا بأصلِ تحريمِه وقُبحِه، لكِنَّه يكونُ جاهلًا بما وردَ فيه من التَّغليظِ والتَّشديدِ ونهايةِ القُبحِ؛ فجَهلُه بذلك هو الذي جرَّأه عليه وأوقعَه فيه، ولو كان عالِمًا بحَقيقةِ قُبحِه لأوجبَ ذلك العِلمُ تَرْكَه؛ خَشيةً من عقابِه.
الوجهُ الخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن عَلِمَ عِلمًا تامًّا جازِمًا بأنَّ فِعلَ شَيءٍ يَضُرُّه ضَررًا راجِحًا، ولم يفعَلْه؛ فإنَّ هذا خاصَّةُ العاقِلِ، فإنَّ نفسَه تنصَرِفُ عمَّا يُعلَمُ رُجحانُ ضَرَرِه بالطَّبعِ؛ فإنَّ اللهَ جعَل في النَّفْسِ حُبًّا لِمَا ينفَعُها، وبُغضًا لِما يضُرُّها، فلا يفعَلُ ما يَجزِمُ بأنَّه يَضُرُّها ضررًا راجِحًا، ولا يقعُ ذلك إلَّا مع ضَعيفِ العَقلِ.
الوجهُ السَّادسُ: أنَّ لذَّاتِ الذُّنوبِ لا نِسبةَ لها إلى ما فيها مِن الآلامِ والمفاسِدِ البتَّةَ؛ فإنَّ لذَّاتِها سَريعةُ الانقضاءِ، وعُقوباتِها وآلامَها أضعافُ ذلك، ومِن هاهنا يُعلَمُ أنَّه لا يُؤثِرُ لذَّاتِ الذُّنوبِ إلَّا من هو جاهِلٌ بحَقيقةِ عواقِبِها.
الوجهُ السَّابعُ: أنَّ المُقدِمَ على مُوافَقةِ المحظورِ إنَّما أوْجبَ إقدامَه عليه ما فيه مِن اللَّذَّةِ الحاصِلةِ له به، فظَنَّ أنَّه تحصُلُ له لذَّتُه العاجِلةُ، ورجَا أنْ يَتخَلَّصَ مِن تَبِعتِه بسَبَبٍ مِن الأسبابِ، ولو بالعَفوِ المجرَّدِ، فيَنالَ به لذَّةً، ولا يَلحَقَه به مَضرَّةٌ! وهذا من أعظَمِ الجَهلِ، والأمرُ بعَكسِ باطنِه؛ فإنَّ الذُّنوبَ يَتبَعُها -ولا بُدَّ- مِن الهُمومِ والآلامِ، وضِيقِ الصَّدرِ، والنَّكدِ، وظُلمةِ القَلبِ وقَسوتِه: أضعافُ أضعافِ ما فيها مِن اللَّذَّةِ، ويفوتُ بها مِن حلاوةِ الطَّاعاتِ، وأنوارِ الإيمانِ، وسُرورِ القَلبِ ببَهجةِ الحَقائِقِ والمعارِفِ: ما لا يُوازي الذَّرَّةَ منه جميعُ لذَّاتِ الدُّنيا! فيَحصُلُ لصاحِبِ المعصيةِ العِيشةُ الضَّنكُ، وتفوتُه الحياةُ الطيِّبةُ؛ فينعكِسُ قَصدُه بارتكابِ المعصيةِ [478] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/786- 807). .

بلاغةُ الآيتينِ:


1- قَولُه تَعالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
- قَولُه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً استِئنافٌ في إيضاحُ ما سبَقَه مِنَ اختِلافِ أحوالِ الناسِ في قَبولِ الهُدى ورَفضِه؛ بسَبَبِ ما تهَيَّأتْ خِلْقةُ النُّفوسِ إليه؛ لِيَظهَرَ به أنَّ الاختِلافَ بيْنَ أفرادِ الأصْنافِ والأنواعِ ناموسٌ جِبِلِّيٌّ فَطَرَ اللهُ عليه مَخلوقاتِ هذا العالَمِ الأرضيِّ. والخِطابُ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِيَدفَعَ عنه اغتِمامَه مِن مُشاهَدةِ عَدَمِ انتِفاعِ المُشرِكينَ بالقُرآنِ [479] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/150)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/300). .
- وضُرِبَ اختِلافُ الظَّواهرِ في أفرادِ الصِّنفِ الواحِدِ مَثَلًا لاختلافِ البواطنِ؛ تَقريبًا للأفهامِ، فكان هذا الاستِئنافُ مِن الاستئنافِ البَيانيِّ؛ لأنَّ مِثلَ هذا التَّقريبِ ممَّا تَشرئِبُّ إليه الأفهامُ عندَ سَماعِ قولِه: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ [480] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/300). [فاطر: 22].
- وهذا الاستِفهامُ أَلَمْ تَرَ ... تَقريريٌّ، وجاء التَّقريرُ على نَفْيِ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ نفْيَ الرُّؤيةِ هو غيرُ الواقعِ مِن حالِهم في نفْسِ الأمرِ، ولكنَّ حالَهم يُشبِهُ حالَ مَن لا يَرَون هذا، فوقَعَ الاستِفهامُ عنه لعلَّهم لم يَرَوا ذلك؛ مُبالَغةً [481] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/110)، (22/300). .
- قولُه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ذِكرُ إنزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ إدْماجٌ [482] الإدماجُ: أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرَضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ؛ فهو مِن أفانينِ البَلاغةِ، ويكونُ مرادُ البليغِ غَرَضينِ، فيُقرِنُ الغرضَ المسوقَ له الكلامُ بالغرضِ الثَّاني، وفيه تَظهرُ مَقدرةُ البليغِ؛ إذ يأتي بذلك الاقترانِ بدونِ خروجٍ عن غَرَضِه المسوقِ له الكلامُ ولا تَكلُّفٍ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجتِ المبالَغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مُبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمْدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/339)، ((علوم البلاغة)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). في الغَرَضِ؛ لِلاعتِبارِ بقُدرةِ اللهِ مع ما فيه مِنَ اتِّحادِ أصْلِ نَشْأةِ الأصنافِ والأنواعِ، كَقَولِه تَعالَى: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: 4]، وذلك أرْعَى لِلاعتِبارِ. وجيءَ بالجُملَتَيْنِ الفِعلِيَّتَيْنِ في أَنْزَلَ وفَأَخْرَجْنَا؛ لِأنَّ إنزالَ الماءِ وإخراجَ الثَّمَراتِ مُتجَدِّدٌ آنًا فَآنًا [483] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/301). .
- والالتِفاتُ مِنَ الغَيبةِ أَنْزَلَ إلى التَّكَلُّمِ في فَأَخْرَجْنَا؛ لإظْهارِ كَمالِ الاعتِناءِ بالفِعلِ؛ لِمَا فيه مِنَ الصُّنعِ البَديعِ المُنْبئِ عن كَمالِ القُدرةِ والحِكمةِ، ولأنَّ الاسمَ الظاهِرَ اللَّهَ أنسَبُ بمَقامِ الاستِدلالِ على ذلك؛ لأنَّه الاسمُ الجامِعُ لِمَعاني الصِّفاتِ. وضَميرُ التَّكلُّمِ في فَأَخْرَجْنَا أنسَبُ بما فيه مِنَ امتِنانٍ؛ لِمَا في ذلك مِنَ الفَخامةِ؛ إذْ هو مُسنَدٌ لِلمُعظِّمِ نَفسَه المُتَكلِّمِ، ولأنَّ نِعمةَ الإخراجِ أتَمُّ مِن نِعمةِ الإنزالِ؛ لِفائدةِ الإخراجِ، فأسنَدَ الأتَمَّ إلى ذاتِه بضَميرِ المُتَكلِّمِ، وما دُونَه بضَميرِ الغائِبِ [484] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/28- 29)، ((تفسير أبي السعود)) (7/150)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/301)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/151). .
وقيل: لأنَّه إنْ كان جاهِلًا يَقولُ: نُزولُ الماءِ بالطَّبعِ؛ لِثقلِه! فيُقالُ له: فالإخراجُ لا يُمكِنُك أنْ تقولَ فيه: إنَّه بالطَّبعِ؛ فهو بإرادةِ اللهِ، فلمَّا كان ذلك أظهَرَ، أسنَدَه إلى المتكلِّم. وقيل: لأنَّ اللهَ تعالَى لَمَّا قال: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُلِمَ اللهُ بدليلٍ، وقَرُب المتفكِّرُ فيه إلى اللهِ تعالى؛ فصار من الحاضِرينَ، فقال له: (أَخْرَجْنَا)؛ لِقُربِه [485] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/235). .
- وقَدَّمَ الاعتِبارَ باختِلافِ أحوالِ الثَّمَراتِ في قَولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا؛ لِأنَّ في اختِلافِها سَعةً تُشبِهُ سَعةَ اختِلافِ الناسِ في المَنافِعِ والمَدارِكِ والعَقائِدِ [486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/301). .
- وفي قَولِه: فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا قاله بتأنيثِ الضَّميرِ في أَلْوَانُهَا؛ لِعَودِهِ إلى الثَّمَراتِ، وقال ثانيًا: مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا بتَأنيثِهِ أيضًا؛ لِعَودِه إلى الجِبالِ، وقال ثالثًا: مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ بتَذكيرِه؛ لِعَودِه إلى بَعضِ المَفهومِ مِن لَفظِ مِنْ في قَولِه: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ [487] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 210)، ((بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز)) للفيروزابادي (1/387-388)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 468-469). . وأيضًا جُرِّدَ قولُه: مُخْتَلِفًا مِن عَلامةِ التَّأنيثِ، معَ أنَّ فاعلَه جمْعٌ -وشَأنُ النَّعتِ السَّببيِّ أنْ يُوافِقَ مَرفوعَه في التَّذكيرِ وضِدِّه، والإفرادِ وضِدِّه، ولا يُوافِقُ في ذلك مَنعوتَه-؛ لأنَّه لَمَّا كان الفاعِلُ جمْعًا لِمَا لا يَعقِلُ -وهو الألوانُ- كان حَذفُ التَّاءِ في مِثلِه جائزًا في الاستِعمالِ، وآثَرَه القرآنُ إيثارًا للإيجازِ [488] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/301 - 302). .
- قولُه: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ فيه تَقديمُ الخَبَرِ وَمِنَ الْجِبَالِ؛ لِلاهتِمامِ، ولِلتَّشويقِ لِذِكرِ المُبتَدأِ؛ حَثًّا على التأمُّلِ والنَّظَرِ [489] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/302). .
- وأيضًا في قَولِه: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ما يُعرَفُ في البَلاغةِ بالتَّدبيجِ -وهو أنْ يَذكُرَ المُتكَلِّمُ ألوانًا يَقصِدُ الكِنايةَ بها والتَّوريةَ بذِكرِها عن أشياءَ؛ مِن وَصْفٍ أو مَدْحٍ، أو هِجاءٍ أو نَسيبٍ، أو غَيرِ ذلك مِنَ الفُنونِ- وقد أرادَ اللهُ تَعالَى بذلك الكِنايةَ عنِ المُشتَبهِ مِنَ الطُّرُقِ؛ لِأنَّ الجادَّةَ البَيضاءَ هي أوضَحُ الطُّرُقِ وأبيَنُها، ودُونَها الحَمراءُ، ودُونَ الحَمراءِ السَّوداءُ، كأنَّها في خَفائِها والْتِباسِ مَعالِمِها ضِدُّ البَيضاءِ في الظُّهورِ والوُضوحِ، ولَمَّا كانتْ هذه الألوانُ الثلاثةُ في الظُّهورِ لِلعَينِ طَرَفيْنِ وواسطةً بيْنَهما؛ فالطَّرَفُ الأعْلَى في الظُّهورِ البَياضُ، والطَّرَفُ الأدْنَى في الخَفاءِ السَّوادُ، والأحمَرُ بيْنَهما على وَضَحِ الألوانِ والتَّراكيبِ، وكانتْ ألوانُ الجِبالِ لا تَخرُجُ -في الأغلَبِ- عن هذه الألوانِ الثَّلاثةِ، والهِدايةُ بكُلِّ عَلَمٍ نُصِبَ لِلهدايةِ مُنقَسِمةٌ هذه القِسمةَ؛ أتَتِ الآيةُ الكَريمةُ على هذا التَّقسيمِ، فحَصَلَ فيها التَّدبيجُ مع صِحَّةِ التَّقسيمِ، وهي مَسرودةٌ على نَمَطٍ مُتَعارَفٍ، مَسوقةٌ لِلاعتِدادِ بالنِّعَمِ على ما هَدَتْ إليه مِنَ السَّعيِ في طَلَبِ المَصالِحِ والمَنافِعِ، وتجَنُّبِ المَعاطِبِ والمَهالِكِ الدُّنيويَّةِ والأُخرويَّةِ [490] يُنظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/306)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/151). .
- قَولُه: وَغَرَابِيبُ سُودٌ (غَرابيبُ) جمْع غِربيبٍ، والغِربيبُ: اسمٌ للشَّيءِ الأسودِ الحالِكِ سوادُه، ولعلَّه مأخوذٌ مِن الغُرابِ لشُهرةِ الغُرابِ بالسَّوادِ. وسُودٌ جمْع أَسودَ، فالغِربيبُ يَدُلُّ على أشَدَّ مِن مَعنى أسوَدَ؛ فكانَ مُقتَضى الظاهِرِ أنْ يَكونَ (غَرَابِيبُ) مُتَأخِّرًا عن سُودٌ؛ لِأنَّ الغِربيبَ تأكيدٌ للأسودِ، ولأنَّ الأغلَبَ أنَّهم يَقولونَ: أسوَدُ غِربيبٌ، كما يَقولونَ: أبيَضُ يَقَقٌ، وأصفَرُ فاقِعٌ، وأحمَرُ قانٍ، ولا يَقولونَ: غِربيبٌ أسوَدُ، وإنَّما خُولِفَ ذلك؛ لِلرِّعايةِ على الفَواصِلِ المَبنيَّةِ على الواوِ والياءِ السَّاكنتينِ ابتداءً مِن قولِه: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15]، ولِزيادةِ التَّوكيدِ؛ حيثُ يَدُلُّ على المَعنى الواحِدِ مِن طَريقَيِ الإظهارِ والإضمارِ جَميعًا [491] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/609- 610)، ((تفسير البيضاوي)) (4/258)، ((تفسير أبي السعود)) (7/151)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/303). .
2- قَولُه تَعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
- إيرادُ الجُملتَيْنِ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ [فاطر: 27] ووَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ اسميَّتَيْنِ مع مُشارَكتِهما لِمَا قَبلَهُما مِنَ الجُملَةِ الفِعليَّةِ في الاستِشهادِ بمَضمونِهما على تَبايُنِ النَّاسِ في الأحوالِ الباطِنةِ؛ لِمَا أنَّ اختِلافَ الجِبالِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ فيما ذُكِرَ مِنَ الألوانِ أمْرٌ مُستَمِرٌّ، فعَبَّرَ عنه بما يَدُلُّ على الاستِمرارِ، وأمَّا إخراجُ الثَّمَراتِ المُختَلِفةِ فحيثُ كان أمرًا حادِثًا عبَّرَ عنه بما يَدُلُّ على الحُدوثِ [492] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/151)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/303)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/152). .
- ولَمَّا كان إخراجُ الثَّمَراتِ المُختَلِفةِ فيه نوعُ خَفاءٍ علَّقَ به الرُّؤيةَ بطَريقِ الاستِفهامِ التَّقريريِّ المُنبِئِ عنِ الحَملِ عليها، والتَّرغيبِ فيها، بخِلافِ أحوالِ الجِبالِ والنَّاسِ وغيرِهما؛ فإنَّها مُشاهدَةٌ غَنيَّةٌ عنِ التأمُّلِ؛ فلذلك جُرِّدتْ عنِ التَّعليقِ بالرُّؤيةِ [493] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/151). .
- وَ(مِنْ) في قوله: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ تَبعيضيَّةٌ، والمَعنى: أنَّ المُختَلِفَ ألوانُه بَعضٌ مِنَ الناسِ، ومَجموعُ المُختَلِفاتِ كُلُّه هو الناسُ كُلُّهم، وكذلك الدَّوابُّ والأنعامُ، وهو نَظمٌ دَقيقٌ دَعا إليه الإيجازُ [494] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/303). .
- ولَمَّا كانتِ الدابَّةُ في الأصلِ اسمًا لِما دَبَّ على الأرضِ، ثمَّ غَلَبَ إطلاقُه على ما يُركَبُ، قال: وَالْأَنْعَامِ؛ لِيَعمَّ الكُلَّ صريحًا [495] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/325). .
- قَولُه: كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ كَذَلِكَ ابتِداءُ كَلامٍ يتنَزَّلُ مَنزِلةَ الإخبارِ بالنَّتيجةِ عَقِبَ ذِكرِ الدَّليلِ، والمَعنى -على قَولٍ-: كذلك أمْرُ الاختِلافِ في ظَواهِرِ الأشياءِ، المُشاهَدِ في اختِلافِ ألوانِها، وهو تَوطِئةٌ لِمَا يَرِدُ بَعدَه مِن تَفصيلِ الاستِنتاجِ بقَولِه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، أي: إنَّما يَخشَى اللهَ مِنَ البَشَرِ المُختَلِفةِ ألوانُهمُ العُلماءُ منهم؛ فجُملةُ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ مُستأنَفةٌ عن جُملةِ كَذَلِكَ، وإذا عُلِمَ ذلك دلَّ بالالتزامِ على أنَّ غيرَ العلماءِ لا تَتأتَّى منهم خَشيةُ اللهِ؛ فدلَّ على أنَّ البشرَ في أحوالِ قُلوبِهم ومَداركِهم مُختلِفونَ. وأُوثِرَ هذا الأُسلوبُ في الدَّلالةِ؛ تخَلُّصًا لِلتَّنويهِ بأهلِ العِلمِ والإيمانِ؛ ليَنتَقِلَ إلى تَفصيلِ ذلك بقَولِه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [496] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/304). [فاطر: 29].
- وأيضًا قَولُه: كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ تَكمِلةٌ لِقَولِه تَعالَى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [فاطر: 18]، بتَعيينِ مَن يَخشاهُ عزَّ وجلَّ مِنَ النَّاسِ بعْدَ بَيانِ اختِلافِ طَبَقاتِهم، وتَبايُنِ مَراتِبِهم، أمَّا في الأوصافِ المَعنويَّةِ فبِطَريقِ التَّمثيلِ، وأمَّا في الأوصافِ الصُّوريةِ فبِطَريقِ التَّصريحِ؛ تَوفِيةً لكُلِّ واحِدةٍ منهما حَقَّها اللَّائِقَ بها مِنَ البَيانِ، أيْ: إنَّما يَخشاهُ تَعالى بالغَيبِ العالِمونَ به عزَّ وجلَّ وبما يَليقُ به مِن صِفاتِهِ الجَليلةِ، وأفعالِه الجَميلةِ [497] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/151). .
- والقَصْرُ المُستَفادُ مِن إِنَّمَا قَصْرٌ إضافيٌّ [498] القَصرُ أو الحَصرُ: في اصطِلاح البلاغيِّينَ هو تَخصيصُ شَيءٍ بشَيءٍ وحصْرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأوَّلُ: مَقصورًا، والثَّاني: مقصورًا عليه، مِثلُ: إنَّما زيدٌ قائمٌ، و: ما ضرَبْتُ إلَّا زيدًا. ويَنقسِمُ إلى قصرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادِّعائيٍّ، وقَصْرِ قَلْبٍ؛ فالحقيقيُّ هو: أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَبِ الحقيقةِ والواقِع، بألَّا يَتعدَّاه إلى غيرِه أصلًا، مِثلُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ حيثُ قُصِر وصْفُ الإلَهيَّةِ الحقِّ على مَوصوفٍ هو اللهُ وحْدَه، وهذا مِن قصرِ الصِّفةِ على الموصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والإضافيُّ: أن يكونَ المقصورُ عنه شيئًا خاصًّا، يُرادُ بالقصرِ بيانُ عدَمِ صحَّةِ ما تصوَّره بشأنِه أو ادَّعاه المقصودُ بالكلامِ، أو إزالةُ شكِّه وتردُّدِه إذا كان الكلامُ كلُّه منحصرًا في دائرةٍ خاصَّةٍ؛ فليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنَّما هو قصرٌ بالإضافةِ إلى موضوعٍ خاصٍّ، يَدورُ حوْلَ احتمالَينِ أو أكثَرَ مِن احتمالاتٍ محصورةٍ بعددٍ خاصٍّ، ويُستدَلُّ عليها بالقرائنِ، مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144]. والادِّعائيُّ: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مَبنيًّا على الادِّعاءِ والمبالَغةِ، بتنزيلِ غيرِ المذكورِ مَنزِلةَ العدَمِ، وقصْرِ الشَّيءِ على المذكورِ وحْدَه. وقصْرُ القَلبِ: أن يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السَّامعِ، كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ مُعَيَّنةٍ أو طرَفٍ مُعَيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زَيْدٌ هناك بشاعِرٍ. وللقَصرِ طُرُقٌ كثيرة؛ منها: القصرُ بالنَّفيِ والاستثناءِ، والقصرُ بـ(إنَّما)، والقصرُ بتقديمِ ما حَقُّه التأخيرُ، وغيرُ ذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118)، و(3/6)، ((التعريفات)) للجرجاني (1/175-176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167- 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525). ، أي: إنَّما يَخشاهُ تَعالى بالغَيبِ العالِمونَ به عزَّ وجلَّ وبما يَليقُ به مِن صِفاتِهِ الجَليلةِ، ولا يَخشاهُ الجُهَّالُ، وهم أهلُ الشِّركِ؛ فإنَّ مِن أخَصِّ أوصافِهِم أنَّهم أهلُ الجاهليةِ وعَدَمِ العِلْمِ. وتَقديمُ مَفعولِ يَخْشَى على فاعِلِه -أي: تَقديمُ اسمِ اللهِ تعالَى، وتأخيرُ العُلماءِ-؛ لِأنَّ المَحصورَ فيهم خَشيةُ اللهِ هم العُلَماءُ، ومعناه: أنَّ الذين يَخْشَونَ اللهَ مِن عِبادِه العُلماءُ دُونَ غيرِهم؛ فوَجَبَ تأخيرُه على سُنَّةِ تأخيرِ المَحصورِ فيه، ولو أُخِّرَ، انعَكَس الأمْرُ؛ فكان المعنَى: أنَّهم لا يَخْشَونَ إلَّا اللهِ، كقولِه: وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب: 39]، وبَيْنهما تغايُرٌ؛ ففي الأوَّلِ بيانُ أنَّ الخاشِينَ هم العُلماءُ، وفي الثاني بيانُ أنَّ المَخشيَّ منه هو اللهُ تعالَى [499] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/437)، ((تفسير البيضاوي)) (4/258)، ((تفسير النسفي)) (3/86، 87)، ((تفسير أبي السعود)) (7/151)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/304)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/152). .
- قَولُه: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تَعليلٌ لِوجوبِ الخَشيةِ؛ لدَلالَتِه على أنَّه مُعاقِبٌ لِلمُصِرِّ على طُغيانِه، غَفورٌ لِلتَّائِبِ عن عِصيانِه [500] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/611)، ((تفسير البيضاوي)) (4/258)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/647)، ((تفسير أبي حيان)) (9/31)، ((تفسير أبي السعود)) (7/151). . وهو أيضًا تَكميلٌ؛ للدَّلالةِ على استِغناءِ اللهِ تَعالى عنْ إيمانِ المُشرِكينَ، ولكنَّه يُريدُ لهم الخَيرَ، ولَمَّا كان في هذا الوَصفِ ضَرْبٌ مِنَ الإعراضِ عنهم ممَّا قد يُحدِثُ يأسًا في نُفوسِ المُقارِبينَ منهم، أُلِّفَتْ قُلوبُهم بإتْباعِ وَصفِ عَزِيزٌ بوَصفِ غَفُورٌ، أي: فهو يَقبَلُ التوبةَ منهم إنْ تابوا إلى ما دَعاهم اللهُ إليه، على أنَّ في صِفةِ غَفُورٌ حَظًّا عَظيمًا لِأحَدِ طَرَفَيِ القَصْرِ، وهم العُلماءُ، أي: غَفورٌ لهم [501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/305). .
وقيل: مُناسَبةُ ذِكرِ العِزَّةِ والمغفرةِ هنا في قَولِه: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ بعدَ ذِكرِ الخَشيةِ: الإشارةُ إلى أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ أهلٌ لأنْ يُخشَى؛ لأنَّه عزيزٌ، وأنَّه إذا نقَصَ شَيءٌ مِن الخَشيةِ فإنَّه يُقابِلُ بالمغفرةِ، فهو عزيزٌ؛ فلذلك كان أهلًا للخَشيةِ؛ وهو غفورٌ إذا نقَصَ شَيءٌ مما يجِبُ له من خَشيتِه عزَّ وجَلَّ [502] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة فاطر)) (ص: 201). ، ولأنَّ العِزَّةَ دالَّةٌ على كَمالِ القُدرةِ على الانتقامِ، ولا يُوصَفُ بالمَغْفرةِ والرَّحمةِ إلَّا القادِرُ على العُقوبةِ [503] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (11/364). ، كما حكَى تعالَى عن عِيسَى عليه السَّلامُ قولَه: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: 118].
- وفي قولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال تعالى في موضِعٍ آخَرَ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 4] فخُولِفَ بيْنَ المَقطعَيْنِ؛ وذلك لأنَّ ما نحن فيه في سُورةِ (فاطِر) أبسَطُ وأجمَعُ مِن تلك الآيةِ التي في سُورةِ (الرَّعدِ)؛ لأنَّ فيها ذِكرَ الثِّمارِ والجِبالِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ واختِلافِها، وهي مُختَصَّةٌ بالثَّمَراتِ [504] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/646). .
- وصُدِّرتْ هذه الآيةُ بهَمزةِ الاستِفهامِ، وحَرفِ النَّفْيِ (لَمْ)؛ لإفادةِ مَزيدِ التَّقريرِ، وبالخِطابِ العامِّ؛ لِئلَّا تُختَصَّ الرُّؤيةُ براءٍ دُونَ راءٍ؛ لفَخامةِ الأمْرِ، ثم قَرَّرَ هذا المَعنى في أثنائِهما بقَولِه: كَذَلِكَ، أي: الأمْرُ كما ذَكَرتُ، كأنَّه تَعالى يَقولُ: هذه الأشياءُ كُلُّها مُتساويةٌ في الجِسميَّةِ، واختِلافِ أنواعِها، ثم اختِلافِ كُلٍّ منها بما خُصَّ به مِنَ الأصنافِ، لا بُدَّ له مِن قادِرٍ مُختارٍ قاهِرٍ يتصَرَّفُ في مُلكِهِ كيف يَشاءُ، وهذا ظاهِرٌ جَلِيٌّ عنْدَ كُلِّ ذي عقْلٍ [505] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (12/646). .