موسوعة التفسير

سورةُ الشُّعَراءِ
الآيات (210-220)

ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ

غَريبُ الكَلِماتِ:


لَمَعْزُولُونَ: أي: ممنوعونَ، يُقالُ: عزَلَ الشَّيءَ: إذا نحَّاه في جانبٍ، وأصلُ (عزل): يدُلُّ على تنحِيةٍ وإمالةٍ [1140] يُنظر: ((تفسير الطبري)) (17/652)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/307)، ((المفردات)) للراغب (ص: 565).   .
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ: أي: أهلَك وقَومَك الأقربينَ نَسَبًا، وأصلُ العِشرةِ والعَشيرةِ: مِن المخالَطةِ والمداخَلةِ [1141] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/326)، ((المفردات)) للراغب (ص: 663)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 723).   .
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ: أي: وألِنْ جانِبَك وكلامَك، وتواضَعْ لهم، وارفُقْ بهم [1142] يُنظر: ((تفسير الطبري)) (17/665)، ((المفردات)) للراغب (ص: 207)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 191)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 65).   .
بَرِيءٌ: فعيلٌ بمعنى فاعلٍ مِن (برِئ)، بمعنى التفصِّي والتنزُّهِ ونفيِ المخالطةِ، فالبريءُ: الخليُّ عن التلبُّسِ بشيءٍ وعن مخالطتِه، وأصلُ (برأ) هنا: يدُلُّ على التباعُدِ مِن الشيءِ ومزايلتِه [1143] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/236)، ((المفردات)) للراغب (ص: 121)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 231)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/322) و(11/176).   .

المعنى الإجماليُّ:


يُؤكِّدُ الله تعالى على أنَّ هذا القرآنَ مِن عندِه، ويردُّ على شبهاتِ المشركينِ، فيقولُ: وما تنزَّلت الشَّياطينُ بهذا القُرآنِ على مُحمَّدٍ، ولا يَنْبغي لهم ذلك ولا يَسْتطيعونَه؛ لأنَّهم مَحجوبونَ عن سَماعِ القُرآنِ في السَّماءِ.
 ثمَّ ينهَى سبحانَه عن الشركِ، فيقولُ: فلا تَدْعُ مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ فتُعذَّبَ مع المعَذَّبينَ.
ويأمرُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بأنْ يجهرَ بدعوتِه، وبأن يتوكَّلَ عليه وحْدَه، فيقولُ: وأنذِرْ قَومَك الأقرَبينَ عذابَ الله إنْ لم يؤمِنوا، وألِنْ جانِبَك لِمَنِ اتَّبَعك مِن المؤمِنينَ، وارفُقْ بهم، فإنْ عصاك قومُك الأقربَون فقُلْ لهم: إنِّي بريءٌ ممَّا تعمَلون مِن شِركٍ وعِصيانٍ، واعتَمِدْ على اللهِ العزيزِ القاهرِ الذي لا يُغلَبُ، الرَّحيمِ الذي لا يَعجَلُ بالعُقوبةِ، الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، ويراك وأنت تتقَلَّبُ في الصَّلاةِ معَ المصَلِّينَ بينَ القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ العليمُ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا احتَجَّ تعالى على صدْقِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم بكونِ القرآنِ تنزيلَ ربِّ العالَمينَ، وإنَّما يُعرَفُ ذلك لوقوعِه مِن الفصاحةِ في النهايةِ القصوى، ولأنَّه مُشتَمِلٌ على قَصَصِ المتقدِّمِينَ مِن غيرِ تفاوتٍ، مع أنَّه عليه السَّلامُ لم يَشتغِلْ بالتعَلُّمِ والاستفادةِ، فكان الكفَّارُ يقولون: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ هذا مِن إلقاءِ الجِنِّ والشياطينِ كسائِرِ ما يَنزِلُ على الكَهَنةِ؟! فأجاب اللهُ تعالى عنه بأنَّ ذلك لا يَتسَهَّلُ للشياطينِ؛ لأنَّهم مَرجومون بالشُّهُبِ، معزولون عنِ استِماعِ كلامِ أهلِ السَّماءِ [1144] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/535).   .
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210).
أي: وما نزَلَت الشَّياطينُ بالقُرآنِ على محمَّدٍ، بل نزَل به عليه جبريلُ الأمينُ [1145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/652)، ((تفسير القرطبي)) (13/142)، ((تفسير ابن كثير)) (6/165).   .
كما قال تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [التكوير: 25].
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان لا يلزَمُ مِن عَدَمِ التلَبُّسِ بالفِعلِ عَدَمُ الصَّلاحيةِ له؛ قال: وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أي: ما يصِحُّ وما يُتصَوَّرُ منهم النُّزولُ بشَيءٍ منه، ولَمَّا كان عدَمُ الانتفاءِ لا يلزَمُ منه عدَمُ القُدرةِ؛ قال: وَمَا يَسْتَطِيعُونَ أي: النُّزولَ به وإن اشتَدَّت مُعالجتُهم، على تقديرِ أن يكونَ لهم قابليَّةٌ لذلك [1146] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/105).   .
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211).
أي: ولا يَنبغي ولا يَصِحُّ للشَّياطينِ أن ينزِلوا بالقُرآنِ؛ لأنَّهم لا يُريدونَه؛ لِمُخالفتِه أحوالَهم ومقاصِدَهم، وحتى لو أرادوا إنزالَه فإنَّهم لا يستطيعونَ [1147] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/652)، ((الوسيط)) للواحدي (3/364)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (5/348، 349)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 126، 127)، ((تفسير ابن كثير)) (6/165). قال ابنُ تيمية: (بيَّن قولُه: وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أنَّهم لا يريدونَ تنزيلَه، وبقولِه: وَمَا يَسْتَطِيعُونَ أنَّهم عاجِزونَ عن تنزيلِه). ((الجواب الصحيح)) (5/348).   .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر: 16 - 18].
وقال سُبحانَه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: 6-10].
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212).
أي: لأنَّهم محجوبون مِن سَماعِ القُرآنِ في السَّماءِ [1148] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/652)، ((الوسيط)) للواحدي (3/364)، ((المفردات)) للراغب (ص: 565)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (5/350)، ((تفسير ابن كثير)) (6/165). قال الواحدي: (حِيلَ بيْنَهم وبينَ السَّمعِ بالملائكةِ والشُّهُبِ، وهو قَولُه: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ). ((الوسيط)) (3/364).   .
كما قال الله سبحانه وتعالى حاكيًا قَولَ الجِنِّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: 8، 9].
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لمَّا بيَّن الله تعالى أنَّ نزولَ القرآنِ مِن عندِه، وحقَّق صدقَه بأنَّه مذكورٌ في كتبِ الأنبياءِ السالفينَ، وشهِد به علماءُ بني إسرائيلَ، وأنحَى على المشركينَ بإبطالِ ما ألصقوه بالقرآنِ مِن بهتانِهم؛ لا جَرَمَ اقتضَى ذلك ثبوتَ ما جاء به القرآنُ، وأصلُ ذلك هو إبطالُ دينِ الشركِ الذي تقلَّدَتْه قريشٌ وغيرُها، وناضَلتْ عليه بالأكاذيبِ؛ فناسَبَ أن يتفرَّعَ عليه النهيُ عن الإشراكِ بالله، والتحذيرُ منه [1149] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/200).   .
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213).
أي: فلا تدْعُ مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ تَعبُدُه وتسألُه، فتكونَ مُعَذَّبًا مِن المعَذَّبينَ [1150] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/654)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/237، 238)، ((تفسير ابن كثير)) (6/166)، ((تفسير السعدي)) (ص: 598). قيل: الخطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وممَّن ذهَب إلى ذلك: ابنُ جرير، والبقاعي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/654)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/106)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 302). قال ابن عثيمين: (قال الله تعالى: فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ الخِطابُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا يلزَمُ مِن النَّهيِ عنه إمكانُ وقوعِه، كما أنَّ الله تعالى يأمُرُ المؤمنينَ بالثَّباتِ على الإيمانِ، وينهاهم عن الشِّركِ، وهو لم يقَعْ منهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 302). وقال الخازن: (الخطابُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والمرادُ به غيرُه؛ لأنَّه معصومٌ مِن ذلك). ((تفسير الخازن)) (3/332). وقال الشوكاني: (خِطابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا معَ كونِه منزَّهًا عنه، معصومًا منه؛ لحثِّ العبادِ على التوحيدِ، ونهيِهم عن شوائبِ الشركِ، وكأنَّه قال: أنتَ أكرَمُ الخَلقِ علَيَّ، وأعزُّهم عندي، ولو اتخَذْتَ معي إلهًا لعذبْتُك، فكيف بغيرِك مِن العبادِ؟!). ((تفسير الشوكاني)) (4/138). وقال الشنقيطي: (النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُخاطَبُ بمِثلِ هذا الخِطابِ، والمرادُ التشريعُ لأمَّتِه). ((أضواء البيان)) (6/100). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/5). وقيل: الخِطابُ لغيرِ مُعَيَّنٍ، يشملُ كلَّ مَن يسمعُ هذا الكلامَ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: أبو حيَّان، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/196)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/200). وقال مكِّي: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ أي: قلْ يا محمدُ لِمَن كفَر: لا تَدْعُ مع اللهِ إلهًا آخَرَ). ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) (8/5358). .
كما قال تعالى: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: 39].
وقال سُبحانَه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 65، 66].
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا سلَّى الله تعالى رسولَه أوَّلًا، ثمَّ أقام الحُجَّةَ على نبوَّتِه ثانيًا، ثمَّ أورد سؤالَ المنكِرِينَ وأجاب عنه ثالثًا؛ أمَره بعْدَ ذلك بما يَتعلَّقُ ببابِ التبليغِ والرِّسالةِ [1151] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/536).   .
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214).
أي: وحذِّرْ قَومَك الأقرَبينَ إليك نَسَبًا مِن عذابِ اللهِ إنْ لم يؤمِنوا، وقدِّمْ إنذارَهم على إنذارِ غيرِهم، ولا تُحابِهم لِقُربِهم [1152] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/654)، ((تفسير الزمخشري)) (3/339)، ((تفسير القرطبي)) (13/142)، ((تفسير ابن كثير)) (6/166)، ((تفسير الألوسي)) (10/132). قال ابن كثير: (هذه النِّذارةُ الخاصَّةُ لا تنافي العامَّةَ، بل هي فردٌ مِن أجزائها، كما قال: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس: 6]، وقال: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: 7]... وقال: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19]... وفي صحيحِ مُسلمٍ: «والذي نفْسي بيَدِه، لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمَّةِ؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ لا يؤمنُ بي، إلَّا دخل النَّارَ»). ((تفسير ابن كثير)) (6/166). ويُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (3/152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 598)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/100). وقال ابن عثيمين: (هذا في أوَّلِ الدَّعوةِ، أُمِرَ أن يُنذِرَ عَشيرتَه الأقربينَ؛ لأنَّهم أحقُّ النَّاسِ ببِرِّه، ولأنَّهم بمقتضى القَرابةِ -لا بمقتضى الواقعِ- أقرَبُ الناسِ إلى الإيمانِ به، ولأنَّهم أيضًا بمقتضى القرابةِ هم أشَدُّ النَّاسِ غَيرةً عليه، ولأنَّهم أيضًا بصِلةِ القرابةِ هم أعظَمُ النَّاسِ حَقًّا عليه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 304). .
عن ابنِ عباسٍ رَضيَ الله عنهما، قال: ((لَمَّا نزلَتْ:   وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعِدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الصَّفا فجعَل ينادي: يا بني فِهْرٍ، يا بني عَدِيٍّ -لبُطونِ قُريشٍ- حتى اجتَمَعوا، فجعَل الرجُلُ إذا لم يستطِعْ أن يخرُجَ أرسَلَ رَسولًا؛ لِيَنظُرَ ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقُرَيشٌ، فقال: أرَأَيْتَكم لو أخبَرْتُكم أنَّ خَيلًا بالوادي تريدُ أن تُغيرَ عليكم، أكنتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: نعَمْ، ما جرَّبْنا عليك إلَّا صِدقًا، قال: فإنِّي نذيرٌ لكم بيْنَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ، فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائِرَ اليومِ، ألهذا جمَعْتَنا؟! فنَزَلتْ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ [المسد: 1، 2])) [1153] رواه البخاري (4770) واللفظ له، ومسلم (208).   .
وعن أبي هُريرةَ رَضيَ الله عنه، قال: ((لَمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرَيشًا، فاجتَمَعوا فعَمَّ وخَصَّ، فقال: يا بَني كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ، أنقِذوا أنفُسَكم مِنَ النَّارِ، يا بَني مُرَّةَ بنِ كَعبٍ، أنقِذوا أنفُسَكم مِن النَّارِ، يا بني عَبدِ شَمسٍ، أنقِذوا أنفُسَكم مِن النَّارِ، يا بني عبدِ مَنافٍ، أنقِذوا أنفُسَكم مِنَ النَّارِ، يا بني هاشِمٍ، أنقِذوا أنفُسَكم مِنَ النَّارِ، يا بني عبدِ المطَّلِبِ، أنقِذوا أنفُسَكم مِن النَّارِ، يا فاطمةُ، أنقِذي نفْسَكِ من النَّارِ؛ فإنِّي لا أملِكُ لكم مِنَ الله شيئًا، غيرَ أنَّ لكم رَحِمًا سأبُلُّها بِبَلالِها [1154] سأبُلُّها بِبَلالِها بفتحِ الباءِ الثانيةِ وكسرِها، والبلالُ: الماءُ، أي: أصِلُها بصلتِها، شُبِّهت قطيعةُ الرحمِ بالحرارةِ، ووصلُها بإطفاءِ الحرارةِ ببرودةٍ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/80)، ((فتح الباري)) لابن حجر (10/422).   ) [1155] رواه البخاري (4771)، ومسلم (204) واللفظُ له.   .
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانتِ النِّذارةُ إنَّما هي للمُتَولِّينَ؛ أمَر بضِدِّها لأضْدادِهم [1156] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/109).   ، فبَعْدَ أنْ أمَره بإنذارِ المشركينَ مِن قومِه؛ أمَره بالرِّفقِ بالمؤمنينَ [1157] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (19/111).   ، فقال:
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215).
أي: وألِنْ جانِبَك لأتْباعِك المؤمِنينَ، وتواضَعْ لهم، وارفُقْ بهم، وتودَّدْ إليهم [1158] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/665)، ((تفسير الشوكاني)) (4/138)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599)، ((منع جواز المجاز)) للشنقيطي (ص: 30، 31).   .
كما قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان الإنذارُ يترتَّبُ عليه إمَّا الطاعةُ وإمَّا العصيانُ، جاء التَّقسيمُ عليهما، فكأنَّ المعنى: أنَّ مَنِ اتَّبَعَك مؤمِنًا فتواضَعْ له؛ فلذلك جاء قسيمُه: «فإنْ عصَوْك فتَبَرَّأْ منهم ومِن أعمالِهم» [1159] يُنظر: ((البحر المحيط)) لأبي حيان (8/197).   .
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216).
أي: فإنْ خالَفَ أمرَك قَومُك الأقرَبون ولم يتَّبِعوك، فقُلْ لهم: إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعمَلونَ مِن شِرْكِكم وعِصيانِكم [1160] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/665)، ((تفسير القرطبي)) (13/144)، ((تفسير ابن كثير)) (6/166)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/203). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: عَصَوْكَ: مَن أُمِر بإنذارِهم مِن عشيرتِه: ابنُ جرير، والواحديُّ، وابن الجوزي، وابن عطية، والنسفي، وأبو حيان، وجلال الدين المحلي، والشربيني، والألوسي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/665)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/350)، ((تفسير ابن عطية)) (4/245)، ((تفسير النسفي)) (2/586)، ((تفسير أبي حيان)) (8/197)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 492)، ((تفسير الشربيني)) (3/38)، ((تفسير الألوسي)) (10/133). قال أبو حيان: (وقيل: الضميرُ يعودُ على مَن اتَّبَعه مِن المؤمنينَ، أي: فَإِنْ عَصَوْكَ -يا محمَّدُ- في الأحكامِ وفروعِ الإسلامِ، بعْدَ تصديقِك والإيمانِ بك فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ لا منكم، أي: أظهِرْ عدَمَ رضاك بعَمَلِهم، وإنكارَك عليهم). ((تفسير أبي حيان)) (8/197). وهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ ابنِ تيميَّةَ، واختاره السعديُّ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/543)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599). قال السعدي: (فَإِنْ عَصَوْكَ في أمرٍ مِن الأمورِ، فلا تتبرَّأْ منهم، ولا تترُكْ معاملتَهم بخَفضِ الجَناحِ، ولِينِ الجانبِ، بل تبرَّأْ مِن عملِهم، فعِظْهم عليه وانصحْهم، وابذُلْ قدرتَك في ردِّهم عنه، وتوبتِهم منه، وهذا لدفعِ احترازِ وهْمِ مِن يتوهَّمُ أنَّ قولَه: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ للمؤمنينَ، يقتضي الرِّضاءَ بجميعِ ما يصدُرُ منهم، ما داموا مؤمنينَ، فدفَع هذا بهذا، والله أعلم). ((تفسير السعدي)) (ص: 599). وقال الشوكاني: (فَإِنْ عَصَوْكَ أي: خَالَفوا أمْرَكَ ولم يَتَّبِعوكَ... وهذا يدُلُّ على أنَّ المرادَ بالمؤمنينَ المشارفونَ للإيمانِ، المصدِّقونَ باللِّسانِ؛ لأنَّ المؤمنينَ الخلَّصَ لا يَعْصونَه ولا يُخالِفونَه). ((تفسير الشوكاني)) (4/138). وذكر ابنُ عثيمين أنَّ المرادَ: عشيرتُه أو غيرُهم. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 306). واختار العمومَ أيضًا ابنُ كثير، فقال: (ومَن عصاه مِن خَلقِ الله كائنًا مَن كان فليتبرَّأْ منه). ((تفسير ابن كثير)) (6/166). .
كما قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس: 41].
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان التبَرُّؤُ يُؤذِنُ بحُدوثِ مجافاةٍ وعَداوةٍ بيْنَه وبيْنَهم؛ ثَبَّتَ اللهُ جأشَ رسولِه بألَّا يَعبَأَ بهم، وأنْ يتوكَّلَ على ربِّه فهو كافيه [1161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/204).   ، فقال تعالى:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217).
أي: واعتَمِدْ في جميعِ أمورِك على اللهِ العزيزِ في نِقمتِه مِن أعدائِه، فلا يُقهَرُ ولا يُغالَبُ؛ الرَّحيمِ الذي يقبَلُ التَّوبةَ مِن عبادِه، ولا يَعجَلُ بالعُقوبةِ ولا يَخذُلُ أولياءَه، وفوِّضْ أمورَك إليه؛ لِيَحفَظَك ويَنصُرَك [1162] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/665)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير القرطبي)) (13/144)، ((تفسير ابن كثير)) (6/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   .
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218).
أي: توكَّلْ على اللهِ الذي يراك حينَ تقومُ إلى صَلاتِك [1163] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/665، 670)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير ابن كثير)) (6/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/103). قال القرطبي: (أي: حينَ تقومُ إلى الصَّلاةِ، في قولِ أكثَرِ المفَسِّرينَ). ((تفسير القرطبي)) (13/144). وقال ابن عاشور: (القيامُ: الصلاةُ في جَوفِ الليلِ، غلَب هذا الاسمُ عليه في اصطلاحِ القرآنِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/204). وقال ابن كثير: (قال ابنُ عبَّاسٍ: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ يعني: إلى الصَّلاةِ. وقال عِكْرِمةُ: يرى قيامَه وركوعَه وسجودَه. وقال الحسَنُ: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ: إذا صلَّيتَ وحْدَك. وقال الضحَّاكُ: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ أي: مِن فراشِك أو مجلِسِك. وقال قَتادةُ: الَّذِي يَرَاكَ: قائِمًا وجالِسًا وعلى حالاتِك). ((تفسير ابن كثير)) (6/171). وقال الشنقيطي: (أي: الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، وحينَ تقومُ مِن فِراشِك ومَجلِسِك). ((أضواء البيان)) (6/103). .
كما قال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور: 48].
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219).
أي: ويَراك وأنت معَ المصَلِّينَ تتقَلَّبُ في الصَّلاةِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا [1164] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/669، 670)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير ابن كثير)) (6/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/103). قال الواحدي: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي: ويرى رُكوعَك وسُجودَك وقيامَك مع المصَلِّينَ في الجماعةِ. والمعنى: يراك إذا صَلَّيتَ وحْدَك، ويراك إذا صلَّيتَ في الجماعةِ راكعًا وساجِدًا وقائِمًا، هذا قَولُ أكثَرِ المفسِّرينَ). ((الوسيط)) (3/365).   .
كما قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: 61].
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كانت هذه الأحوالُ مُشتَمِلةً على الأقوالِ، وكان قد قَدَّمَ الرُّؤيةَ المتضَمِّنةَ للعِلمِ؛ عَلَّلَ ذلك بالتَّصريحِ به مقرونًا بالسَّمعِ، فقال [1165] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/110).   :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220).
أي: إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لجَميعِ الأصواتِ، العليمُ بجميعِ الأعمالِ والأحوالِ والنيَّاتِ، ومِن ذلك سَماعُه لتلاوةِ محمَّدٍ، وذِكرِه في صلاتِه، العليمُ بما يعمَلُ فيها وبما في قَلبِه مِن الإيمانِ [1166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/670)، ((الوسيط)) للواحدي (3/365)، ((تفسير ابن كثير)) (6/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 599). قال البقاعي: (شمولُ العلمِ يستلزمُ تمامَ القدرةِ، فصار كأنَّه قال: إنَّه السميعُ العليمُ البصيرُ القديرُ؛ تثبيتًا للمتوكِّلِ عليه). ((نظم الدرر)) (14/110، 111).   .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دليلٌ على أنَّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يُرشِدَ ويَعِظَ الأقربَ منه فالأقربَ، وهو مَسؤولٌ سؤالًا مُباشِرًا بالنِّسبةِ إلى أهلِه [1167] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 305).   .
2- قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هذه وظيفةُ المسلمِ مع إخوانِه؛ أنْ يكونَ هَيِّنًا لَيِّنًا بالقَولِ وبالفِعلِ؛ لأنَّ هذا ممَّا يُوجِبُ الموَدَّةَ والأُلفةَ بينَ النَّاسِ، وهذه الأُلفةُ والمودَّةُ أمرٌ مطلوبٌ للشَّرعِ؛ ولهذا نهَى النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن كُلِّ ما يُوجِبُ العداوةَ والبَغضاءَ، مِثلُ البَيعِ على بَيعِ المُسلِمِ، والسَّوْمِ على سَومِ المُسلِمِ [1168] يُنظر ما أخرجه البخاري (2139)، ومسلم (1412) من حديث عبد الله بن عُمرَ رضي الله عنهما. وما أخرجه البخاري (2727)، ومسلم (1408/38) و(1413) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. والسَّومُ صورتُه: أن يأخُذَ شيئًا ليشتريَه، فيقولَ له: رُدَّه لأبيعَك خيرًا منه بثمنِه أو مِثلَه بأرخَصَ، أو يقولَ للمالكِ: استردَّه لأشتريَه منك بأكثرَ، ومحلُّه بعدَ استقرارِ الثمنِ، وركونِ أحدِهما إلى الآخَرِ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (4/353).   ، وغيرِ ذلك ممَّا هو معروفٌ لكثيرٍ مِن النَّاسِ [1169] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (2/544).   .
3- في قَولِه تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنَّ هذه أخلاقُه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أكمَلُ الأخلاقِ التي يحصُلُ بها مِن المصالحِ العظيمةِ، ودفْعِ المَضَارِّ ما هو مُشاهَدٌ، فهل يليقُ بمؤمنٍ باللهِ ورسولِه، ويدَّعي اتِّباعَه والاقتِداءَ به أنْ يكونَ كَلًّا على المُسلمينَ، شَرِسَ الأخلاقِ، شديدَ الشَّكيمةِ عليهم، غليظَ القلبِ، فَظَّ القَولِ فظيعَه؟!
وإنْ رأى منهم معصيةً أو سوءَ أدبٍ هَجَرَهم ومقَتَهم وأبغضَهم، لا لِينَ عندَه، ولا أدبَ لديه ولا توفيقَ! قد حَصَّلَ مِن هذه المعاملةِ مِن المفاسدِ وتعطيلِ المصالحِ ما حَصَّلَ، ومع ذلك تجدُه محتَقِرًا لِمَنِ اتَّصفَ بصفاتِ الرَّسولِ الكريمِ، وقد رماه بالنِّفاقِ والمُداهَنةِ، وقد كمَّل نفْسَه ورَفَعَها، وأُعجِبَ بعمَلِه، فهل هذا إلَّا مِن جهْلِه وتزيينِ الشَّيطانِ وخَدْعِه له [1170] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   ؟!
4- في قَولِه تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إرشادٌ إلى ألَّا تتعالى على المؤمنينَ، ولا ترتَفِعَ في الجوِّ، بل اخفِضِ الجَناحَ، حتى وإنْ كنتَ تستطيعُ أنْ تطيرَ في الجوِّ، فاخفِضْ جَناحَك لِمَن اتَّبَعك مِن المؤمنينَ، وأمَّا مَن خالَفَك وعصاك فأقِمْ عليه العُقوبةَ اللائِقةَ به؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَقُلْ: «اخفِضْ جناحَك لكلِّ أَحَدٍ»، بل قال: لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [1171] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/628).   .
5- أعظَمُ مُساعدٍ للعبدِ على القيامِ بما أُمِرَ به: الاعتِمادُ على ربِّه، والاستِعانةُ بمولاهُ على توفيقِه للقيامِ بالمأمورِ؛ فلذلك أمَرَ اللهُ تعالى بالتوكُّلِ عليه، فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [1172] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   .
6- قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فاستِحضارُ العبدِ رُؤيةَ اللهِ له في جَميعِ أحوالِه، وسَمْعَه لكُلِّ ما ينطِقُ به، وعِلمَه بما ينطوي عليه قَلبُه مِن الهَمِّ والعَزمِ والنيَّاتِ: ممَّا يُعينُه على مَنزلةِ الإحسانِ [1173] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 599).   .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ دَليلٌ على أنَّ القرآنَ تَفِرُّ منه الشَّياطينُ، وأنَّه لا يمكِنُ أنْ تَقرَبَه، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في بعضِ الآياتِ أنَّها تَطْرُدُ الشَّياطينَ، كما في (البَقَرةِ) وفي (آيةِ الكرسيِّ) وما أشبَهَ ذلك [1174] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 301).   .
2- في قَولِه تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ إشارةٌ إلى أنَّ الإنسانَ كلَّما انقادَ للشَّيطانِ ابتعدَ عن فَهمِ القُرآنِ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ؛ لأنَّهم شياطينُ، فمَن كان شَيطانًا -والشَّيطانُ مِن بني آدمَ هو الذي يتلقَّى ما تأمُرُه الشَّياطينُ به- فإنَّه يُعزَلُ أيضًا عن فَهمِ القُرآنِ [1175] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 301).   .
3- قولُه تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ في هذا إبطالٌ للكهانةِ مِن أصْلِها [1176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/200).   .
4- في قَولِه تعالى: فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ لم يَقُلْ: «مُعذَّبًا، أو ستُعَذَّب»؛ إشارةً إلى أنَّ المُشرِكين الكُفَّارَ كثيرون، والذي يدعو مع اللهِ إلهًا آخَرَ يكونُ منهم [1177] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 303).   .
5- السِّرُّ في الأمرِ بإنذارِ الأقرَبينَ أوَّلًا في قَولِه تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أنَّ الحُجَّةَ إذا قامتْ عليهم تَعَدَّتْ إلى غيرِهم، وإلَّا فكانوا عِلَّةً للأبعَدينَ في الامتِناعِ، وأيضًا ألَّا يأخُذَه ما يأخذُ القَريبَ للقَريبِ مِن العَطفِ والرأفةِ، فيُحابيَهم في الدَّعوةِ والتَّخويفِ؛ فلذلك نُصَّ له على إنذارِهم [1178] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/503).   ، وإنْ كان مأمورًا بإنذارِ النَّاسِ كافَّةً، كما قال: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [يونس: 2]؛ لأنَّ في إنذارِهم -وهم عشيرتُه- عدَمَ مُحاباةٍ ولُطفٍ بهم، وأنَّهم والنَّاسَ في ذلك شرَعٌ واحدٌ [1179] أي: مُتساوونَ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (21/266).   في التَّخويفِ والإنذارِ، فإذا كانتِ القرابةُ قد خُوِّفوا وأُنْذِروا مع ما يَلْحقُ الإنسانَ في حقِّهم مِن الرَّأفةِ؛ كان غيرُهم في ذلك أوكَدَ وأدْخَلَ. أو لأنَّ البُداءةَ تكونُ بمَن يَلِيه ثمَّ مَن بعْدَه، كما قال: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [1180] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/151)، ((تفسير أبي حيان)) (8/196، 197)، ((تفسير أبي السعود)) (6/267).   [التوبة: 123].
6- في قَولِه تعالى: لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دَليلٌ على أنَّ تحقيقَ الإيمانِ إنَّما يكونُ في اتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنه لَمَّا قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ، فهو إذا أنذَرَ إمَّا أنْ يُتَّبعَ وإمَّا ألَّا يُتَّبعَ [1181] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الشعراء)) (ص: 306).   .
7- قال الله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هذا يدُلُّ على أنَّ كَونَه سُبحانَه سَميعًا أمرٌ مُغايرٌ لعِلْمِه بالمَسموعاتِ، وإلَّا لكان لفْظُ العليمِ مفيدًا فائِدتَه [1182] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/537).   !

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ردٌّ لِمَا زعَمَه الكفَرةُ في حقِّ القرآنِ الكريمِ مِن أنَّه مِن قَبِيلِ ما يُلقيهِ الشَّيطانُ على الكَهنةِ، بعْدَ تحقيقِ الحقِّ ببَيانِ أنَّه نزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ؛ فقولُه: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ عطْفٌ على جُملةِ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 192]، وما بيْنَهما اعتراضٌ، استدعاهُ تَناسبُ المعاني، وأخْذُ بعضِها بحُجَزِ بَعضٍ؛ تفنُّنًا في الغرَضِ، وهذا رَدٌّ على قولِهم في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هو كاهنٌ، وزعْمِهم أنَّ الَّذي يأْتِيه شيطانٌ [1183] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/267)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/198، 199).   .
2- قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
- مفعولُ يَسْتَطِيعُونَ محذوفٌ، أي: ما يَستطيعونَهُ [1184] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/199).   ؛ ولعلَّ ذلك لرِعايةِ الفاصِلةِ.
3- قولُه تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ استِئنافٌ؛ فكان كالفَذْلَكةِ [1185] الفَذْلكة: مِن فَذْلَكَ حِسابَه فَذْلَكَةً، أي: أَنْهاهُ وفَرَغَ مِنْه، وذكَر مُجمَلَ ما فُصِّل أولًا وخُلاصتَه. و(الفَذْلكةُ) كلمةٌ منحوتةٌ كـ (البَسملة) و (الحوقلة)، مِن قولِهم: (فذَلِكَ كذَا وكذَا عددًا). ويُرادُ بالفَذْلَكةِ: النتيجةُ لِمَا سبَق مِن الكلامِ، والتفريعُ عليه، ومنها فَذْلَكةُ الحسابِ، أي: مُجمَلُ تفاصيلِه، وإنهاؤُه، والفراغُ منه، كقولِه تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ بعْدَ قولِه: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196]. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (27/293)، ((كناشة النوادر)) لعبد السلام هارون (ص: 17)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 638، 639).   لِمَا قبْلَه، وهو بعُمومِه يَتنزَّلُ مَنزلةَ التَّذييلِ [1186] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/199، 200).   .
- وأُعِيدَت الضَّمائرُ بصِيغةِ العُقلاءِ لَهُمْ.. يَسْتَطِيعُونَ.. إِنَّهُمْ.. لَمَعْزُولُونَ بعْدَ أنْ أُضمِرَ لهم بضَميرِ غيرِ العقلاءِ في قولِه: وَمَا تَنَزَّلَتْ؛ اعتبارًا بمُلابسةِ ذلك للكُهَّانِ [1187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/199).   .
- وما أحسَنَ ما تَرتَّبَ نَفْيُ هذه الجُملِ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ؛ حيثُ نَفى أوَّلًا تَنزيلَ الشَّياطينِ به، والنَّفيُ في الغالبِ يكونُ في المُمكنِ، وإنْ كان هنا لا يُمكِنُ مِن الشَّياطينِ التَّنزُّلُ بالقرآنِ، ثمَّ نفَى انبغاءَ ذلك والصَّلاحيَّةَ، أي: ولو فُرِضَ الإمكانُ لم يَكونوا أهْلًا له، ثمَّ نفَى قُدرتَهم على ذلك، وأنَّه مُستحيلٌ في حقِّهم التَّنزُّلُ به؛ فارْتَقى مِن نفْيِ الإمكانِ إلى نفْيِ الصَّلاحيَّةِ، إلى نفْيِ القُدرةِ والاستطاعةِ، وذلك مُبالَغةٌ مُترتِّبةٌ في نَفْيِ تَنزيلِهم به، ثمَّ علَّلَ انتفاءَ ذلك عن استماعِ كلامِ أهلِ السَّماءِ: بأنَّهم مَرْجومون بالشُّهبِ [1188] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/196).   .
4- قولُه تعالى: فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فيه تَوجيهُ الخِطابِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مع ظُهورِ استحالةِ صُدورِ المُنْهَى عنه عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَهييجًا وحثًّا على ازديادِ الإخلاصِ، ولُطفًا لسائرِ المُكلَّفينَ؛ ببَيانِ أنَّ الإشراكَ مِن القُبْحِ والسُّوءِ بحيث يُنْهَى عنه مَن لا يُمكِنُ صُدورُه عنه، فكيف بمَن عدَاهُ [1189] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/339)، ((تفسير البيضاوي)) (4/151)، ((تفسير أبي السعود)) (6/267).   ؟! ولأنَّه المُبلِّغُ عن اللهِ تعالى، فللِاهتمامِ بهذا النَّهيِ وقَعَ تَوجيهُه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مع تحقُّقِ أنَّه مُنْتَهٍ عن ذلك؛ فتعيَّنَ أنْ يكونَ النَّهيُ للَّذين هم مُتلبِّسونَ بالإشراكِ، والمقصودُ مِن مِثلِ ذلك الخِطابِ غيرُه ممَّن يَبلُغُه الخِطابُ؛ فالمعنى: فلا تَدْعوا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، فتَكونوا مِن المُعذَّبينَ. وفي هذا تعريضٌ بالمُشركينَ أنَّهم سيُعذَّبون؛ للعِلْمِ بأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابَه غيرُ مُشركينَ. وقيل: هو خِطابٌ لغيرِ مُعيَّنٍ؛ فيَعُمُّ كلَّ مَن يَسمعُ هذا الكلامَ [1190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/200).   .
5- قولُه تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ عطْفٌ على قولِه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 193، 194]؛ فهو تَخصيصٌ بعدَ تَعميمٍ؛ للاهتمامِ بهذا الخاصِّ. ووجْهُ الاهتمامِ أنَّهم أَوْلَى النَّاسِ بقَبولِ نُصحِه، وتعزيزِ جانبِه، ولئلَّا يَسبِقَ إلى أذهانِهم أنَّ ما يُلْقِيه الرَّسولُ مِن الغِلظةِ في الإنذارِ وأهوالِ الوعيدِ لا يقَعُ عليهم؛ لأنَّهم قرابةُ هذا المُنذِرِ وخاصَّتُه. وأنَّ فيه تَعريضًا بقلَّةِ رَعْيِ كثيرٍ منهم حقَّ القرابةِ؛ إذ آذاهُ كثيرٌ منهم وعصَوهُ، مثلُ أبي لَهبٍ؛ فلا يَحْسَبوا أنَّهم ناجونَ في الحالتينِ، وأنْ يَعلَموا أنَّهم لا يُكتَفى مِن مُؤمنِهم بإيمانِه حتَّى يضُمَّ إليه العملَ الصَّالحَ، فهذا ممَّا يَدخلُ في النِّذارةِ. والعشيرةُ: هم الأدْنونَ مِن القبيلةِ، فوصْفُ الأقربينَ تأكيدٌ لمعنى العشيرةِ، واجتلابٌ لقُلوبِهم إلى إجابةِ ما دَعاهم إليه، وتعريضٌ بأهلِ الإدانةِ منهم [1191] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/200- 202).   .
6- قولُه تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُعترِضٌ بيْنَ الجُملتينِ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ و: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ؛ ابتدارًا لكرامةِ المؤمنينَ قبْلَ الأمْرِ بالتَّبرُّؤِ مِن الَّذين لا يُؤمِنون -على أحدِ القولينِ في المرادِ بقولِه: عَصَوْكَ-، وبعْدَ الأمْرِ بالإنذارِ الَّذي لا يَخْلو مِن وقْعٍ أليمٍ في النُّفوسِ [1192] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/202).   .
- قولُه: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كِنايةٌ عن التَّواضُعِ [1193] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/340)، ((تفسير أبي حيان)) (8/197).   .
- قولُه: لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المُتَّبِعون للرَّسولِ هم المُؤمِنونَ، والمُؤمِنون هم المُتبِعون للرَّسولِ؛ فوجْهُ تَسميتِهم قبْلَ الدُّخولِ في الإيمانِ (مؤمنين): مُشارفَتُهم ذلك، أو أنْ يُرِيدَ بالمُؤمنينَ المُصدِّقينَ بألْسِنَتِهم، وهم صِنفانِ: صِنفٌ صَدَّق واتَّبَع رسولَ اللهِ فيما جاء به، وصِنْفٌ ما وُجِدَ منه إلَّا التَّصديقُ فحسْبُ، ثمَّ إمَّا أنْ يَكونوا مُنافقينَ أو فاسقينَ، والمُنافِقُ والفاسقُ لا يُخفَضُ لهما الجَناحُ؛ فـ (مِن) على الأوَّلِ: بَيانٌ. وعلى الثَّاني: تَبعيضٌ، ومَوقعُه مَوقعُ البدلِ لِمَنِ اتَّبَعَكَ، والتَّقديرُ: واخفِضْ جَناحَك لبعضِ المؤمنينَ. والَّذي هو أجْرى على أفانينِ البلاغةِ: أنْ يُحمَلَ الكلامُ على أُسلوبِ وضْعِ المُظهَرِ موضِعَ المُضمرِ، وأنَّ الأصلَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ (منهم)؛ فعُدِلَ إلى الْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَعُمَّ، وليُؤذِنَ أنَّ صِفةَ الإيمانِ هي الَّتي تَستحِقُّ أنْ يُكرَمَ صاحبُها، ويُتواضَعَ لِأجْلِها لِمَن اتَّصَف بها، سواءٌ كان مِن عَشيرتِك أو مِن غَيرِهم [1194] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/341)، ((تفسير البيضاوي)) (4/151)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/432، 433)، ((تفسير أبي السعود)) (6/268).   . وقيل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَيانٌ لـ لِمَنِ اتَّبَعَكَ؛ فإنَّ المُرادَ المُتابَعةُ في الدِّينِ، وهي الإيمانُ. والغرضُ مِن هذا البَيانِ: التَّنويهُ بشأْنِ الإيمانِ، كأنَّه قيلَ: واخفِضْ جَناحَك لهم؛ لأجْلِ إيمانِهم. وجَبْرٌ لخاطِرِ المؤمنينَ مِن قَرابتِه [1195] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/203).   .
- وأيضًا في قولِه: لِمَنِ اتَّبَعَكَ لعلَّه احتُرِزَ بالتَّعبيرِ بصِيغةِ الافتعالِ عن مثْلِ أبي طالبٍ ممَّن لم يُؤمِنْ، أو آمَن ظاهرًا وكان منافقًا، أو ضعيفًا بالإيمانِ فاسقًا؛ وحُقِّقَ المُرادُ بقولِه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: الَّذين صار الإيمانُ لهم صِفةً راسخةً، سواءٌ كانوا مِن الأقربينَ أو الأبعدينَ [1196] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/109).   .
7- قولُه تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ تفريعٌ على جُملةِ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، أي: فإنْ عصاك عَشيرتُك، فما عليك إلَّا أنْ تَتبرَّأَ مِن عمَلِهم، وإنَّما أُمِرَ بأنْ يقولَ لهم ذلك؛ لِإظهارِ أنَّهم أهْلٌ للتَّبرُّؤِ مِن أعمالِهم، فلا يَقتصِرُ على إضمارِ ذلك في نفْسِه [1197] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/203).   .
8- قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
- وَتَوَكَّلْ هو عطْفٌ على جوابِ الشَّرطِ، أي: قُلْ: إنِّي بَرِيءٌ وتوكَّلْ، وعطْفُه على الجوابِ يَقْتضي تَسبُّبَه على الشَّرطِ كتَسبُّبِ الجوابِ، وهو يَستلزمُ البِدارَ به [1198] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/203).   .
- وناسَبَ الوصفُ بالعزيزِ -وهو الَّذي لا يُغالَبُ-، وبالرَّحيمِ -وهو الَّذي يَرحمُك- وهاتانِ الصِّفتانِ هما اللَّتانِ جاءتا في أواخرِ قصصِ هذه السُّورةِ. فالتَّوكُّلُ على مَن هو بهَذينِ الوَصفينِ كافِيهِ شَرَّ مَن يُبغِضُه مِن هؤلاء وغَيرِهم؛ فهو يَقهَرُ أعداءَك بعِزَّتِه، ويَنصرُك عليهم برَحمتِه [1199] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/197).   .
- وعلَّقَ التَّوكُّلَ بالاسمينِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وما تبِعَهُما مِن الوصفِ بالمَوصولِ، وما ذيَّلَ به مِن الإيماءِ إلى أنَّه يُلاحِظُ قولَه ويَعلمُ نِيَّتَه؛ إشارةً إلى أنَّ التَّوكُّلَ على اللهِ يأْتي بما أومَأَتْ إليه هذه الصِّفاتُ ومُسْتَتبعاتُها بوصْفِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ للإشارةِ إلى أنَّه بعِزَّتِه قادرٌ على تغلُّبِه على عدُوِّه الَّذي هو أقْوى منه، وأنَّه برَحمتِه يَعصِمُه منهم. وقد لُوحِظَ هذانِ الاسمانِ غيرَ مرَّةٍ في هذه السُّورةِ لهذا الاعتبارِ [1200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/204).   .
- قولُه: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لعلَّ السِّرَّ في تَقديمِ هذا الاسمِ على الوصفينِ الأخيرينِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ اقتضاءُ مَقامِ التَّسلِّي عن المَشاقِّ اللَّاحقةِ مِن القومِ إليه؛ لأنَّ قولَه: وَتَوَكَّلْ عطْفٌ على قولِه: فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ، كأنَّه قِيلَ: فإنْ لم يَنتفِعوا بإنذارِك، ولم يَنجَعْ فيهم وَعْظُك تبرَّأْ منهم، وكِلْ أمْرَك وأمْرَهم إلى العزيزِ الغالبِ القاهرِ، واشتغِلْ بدَعوةِ مَن يَقبَلُ دعوتَك، وبلِّغْ إليهم ما أُنزِلَ إليك مِن الرَّحمةِ مِن ربِّك، واخفِضْ جناحَك لهم رَحمةً؛ لأنَّك رَحمةٌ مُهْداةٌ إلى الخلْقِ، وتفرَّغْ لعِبادةِ ربِّك باللَّيلِ والنَّهارِ [1201] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/435).   .
9- قوله تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
- وَصْفُه تعالى بـ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ مَقصودٌ به لازمُ معناهُ؛ وهو أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمَحلِّ العِنايةِ منه؛ لأنَّه يَعلمُ توجُّهَه إلى اللهِ ويَقبَلُ ذلك منه، فالمُرادُ مِن قولِه: يَرَاكَ رُؤيةٌ خاصَّةٌ، وهي رُؤيةُ الإقبالِ والتَّقبُّلِ، كقولِه: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [1202] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/204).   [الطور: 48].
10- قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
- إنَّما وصَفَ اللهُ تعالى ذاتَه بعلْمِه بحالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّتي بها يَستأهِلُ ولايتَه بعْدَ أنْ عبَّرَ عنه بما يُنبِئُ عن قَهرِ أعدائِه ونصْرِ أوليائِه مِن وصفَيِ العزيزِ الرحيمِ؛ تَحقيقًا للتَّوكُّلِ، وتَوطينًا لقلْبِه عليه [1203] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/151)، ((تفسير أبي السعود)) (6/268).   .
- والقيامُ: الصَّلاةُ في جَوفِ اللَّيلِ، والتَّقلُّبُ في السَّاجدينَ: هو صَلاتُه في جماعاتِ المُسلمينَ في مَسجدِه. وهذا يَجمعُ معنى العنايةِ بالمسلمينَ تَبعًا للعِنايةِ برسولِهم، فهذا مِن بَرَكتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد جمَعَها هذا التَّركيبُ العجيبُ الإيجازِ [1204] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/204).   .
11- قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
- مَوقعُ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ مَوقعُ التَّعليلِ للأمْرِ بـ قُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: 216]، وللأمْرِ بـ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ فصِفةُ (السَّميعِ) مُناسِبةٌ للقولِ، وصِفةُ (العليمِ) مُناسِبةٌ للتَّوكُّلِ، أي: إنَّه يَسمعُ قولَك ويَعلمُ عزْمَك. وضميرُ الفصلِ هُوَ للتَّقويةِ [1205] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/204).   .