موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (17 - 19)

ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

غريب الكلمات:


يَمْسَسْكَ: أي: يُصبْك، والمسُّ يُقال في كلِّ ما يَنالُ الإنسانَ مِن أذًى، وأصل (مسس): جسُّ الشيءِ باليدِ [264] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 767)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 83). .
الْقَاهِرُ: أي: الغالبُ، العالي، والقهرُ: الغلبةُ والتَّذليلُ معًا، وأصلُ (قهر): يدلُّ على غلبةٍ وعلوٍّ [265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/180)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/35)، ((المفردات)) للراغب (ص: 687). .
وَأُوحِيَ إِلَيَّ: أي: أُلقِيَ إليَّ، ويُطلَقُ الوحيُ والإيحاءُ على إلْقاءِ المعنى إلى صاحبِه، والإشارةِ، والكتابةِ، وأصلُ الوحي: يدُّل على  إلْقاءِ عِلمٍ في إخفاءٍ، وكلُّ ما ألْقَيتَه إلى غَيرِك حتَّى عَلِمَه فهو وَحْيٌ كيف كانَ [266] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/93)، ((المفردات)) للراغب (ص: 858-859)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 196)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 122). .
لِأُنْذِرَكُمْ: أي: لأُبلِّغكم وأُخوفِّكم؛ فالإنذارُ: هو التَّخويفُ، والتهديدُ، والإبلاغُ، والإخبارُ الذي فيه تخويفٌ [267] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/414)، ((المفردات)) للراغب (ص: 797)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 48)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 201). .

مشكل الإعراب:


قوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
أيُّ: مبتدأٌ [268] و(أيٌّ) اسمٌ مُبهَمٌ نَكِرةٌ، وهي بَعضُ ما تُضافُ إليه؛ فإنْ أُضيفَتْ إلى الزَّمانِ فهي زمانٌ، وإنْ أُضيفَتْ إلى المكانِ فهي مكانٌ؛ فإنَّها إلى أيِّ شَيءٍ أُضِيفتْ كانتْ منه؛ وهي هنا  اسمُ استفهامٍ مُضافٌ إلى شَيْءٍ، فصارتْ هذه الكلمةُ صادِقةً على جوابِ الاستفهامِ، وهنا جوابُ الاستفهامُ اللهُ، فاقْتَضَى إطلاقَ اسمِ (شَيْءٍ) خَبرًا عن اللهِ تعالى. يُنظر: ((شرح المفصل)) لابن يعيش (4/269)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/167)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 104). ، وأَكْبَرُ: خبرُه، وشَهَادَةً: تمييزٌ، واسمُ الجَلالةِ اللهُ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتَّقديرُ: أكبرُ الأشياءِ شَهادةً اللهُ. ويجوزُ أنْ يَكونَ مبتدأً، والخبرُ مَحذوفٌ؛ والتَّقديرُ: اللهُ أكبرُ شَهادةً. وقوله: شَهِيدٌ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والتقدير: هو شَهيدٌ؛ فعَلَى هذا يكون قولُه: قُلِ اللهُ جوابًا لـأَيُّ مِن حيثُ اللَّفظُ والمعنى. ويجوزُ أنْ يكون لفظُ الجَلالة اللهُ مُبتدأً، وشَهِيدٌ خبَرَه، ودلَّتْ هذِه الجُملةُ على جَوابِ أَيُّ من طَريقِ المعنى، أيْ: إنَّها دالَّةٌ على الجوابِ، وليستْ هي الجواب. وجملةُ اللهُ شَهِيدٌ.. في مَحلِّ نَصْبٍ؛ لأنَّها مقولُ القولِ [269] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري  (1/486)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/566- 567). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنْ يُصبْك اللهُ بضُرٍّ، فلن يُزيلَه ويَرفعَه عنك إلَّا هو، وإنْ يُصبْك بخيرٍ، فهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ثم بيَّنَ سبحانه كمالَ قدرتِه، وعظيمَ سلطانِه، وأنَّه هو الذي قهَر كلَّ شيءٍ، وأنَّه هو العالي على خَلْقَه ذاتًا وقدْرًا وقهرًا، ذو السُّلطةِ التامَّةِ على عِبادِه، وهو الحكيمُ الخَبير.
ثمَّ يأمُر اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يسألَ المكذِّبين: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً على صِدقِ ما جاءَ به؟ وأمَرَه تعالى أنْ يُجيبهم: أنَّ أكبرَ الأشياءِ شهادةً هو اللهُ تعالى، هو الذي لا يجوزُ أن يقَعَ في شهادتِه السَّهوُ والخطأُ والكذِبُ، وهو الشهيدُ جلَّ وعلا بيْنه وبيْنهم، وهو سبحانه قد أوْحَى إليه هذا القرآنَ؛ ليُنذِرَهم به من العذابِ، ويُنْذِرَ كلَّ مَن بلَغَه القرآنُ، ثم أمَره أنْ يسألَ هؤلاء المكذِّبين: هل هم يَشهَدون أنَّ مع اللهِ تعالى آلهةً غيرَه تستحقُّ أن تُعبَد؟! فإنْ شَهِدوا بذلك فليقلْ لهم: إنَّه لا يَشهَدُ معهم، إنَّما هو مَعبودٌ واحدٌ هو الذي يَستحقُّ العبادةَ سبحانه وتعالى، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَريءٌ ممَّا يُشرِكون.

تفسير الآيات:


وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (17) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أَبْطلَتِ الآياتُ السَّابقةُ استحقاقَ الأصنامِ الإلهيَّةَ؛ لأنَّها لم تَخْلُقْ شيئًا، وأوجبتْ عبادةَ المستحِقِّ الإلهيَّةَ بحقٍّ؛ أبطلتْ هذه الآيةُ استحقاقَهم العبادةَ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ للنَّاسِ ضَرًّا ولا نفعًا [270] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/162، 163). ، فقال تعالى:
وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ.
أي: وإنْ يُصِبْكَ اللهُ- يا محمَّدُ- بشِدَّةٍ وعُسرٍ وضِيقٍ، مِن شَظَفِ عيشٍ، أو مَرضٍ، أو غمٍّ أو همٍّ، أو غيرِ ذلك مِن أنواع الضُّرِّ [271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 252)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 83). .
فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ.
أي: فلنْ يَرفعَ، ويُزيلَ ذلك الضرَّ عنك إلَّا اللهُ تعالى وحْدَه [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/179)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 83). .
وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ.
أي: وإنْ يُصِبْكَ اللهُ تعالى- يا محمَّدُ- بأيِّ خيرٍ كان، كالصِّحَّةِ والعقلِ، والمالِ والأهلِ، والأمْنِ وغيرِ ذلك [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/179)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 83). .
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ.
أي: فهو على كلِّ شيءٍ قادرٌ، لا يُعجِزُه شيءٌ، ولا يَمتنِعُ منه، ومِن ذلك خيرُه وعطاؤُه؛ فلا يَقدِرُ أحدٌ على ردِّه عمَّنْ أرادَه له سبحانه [274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/180)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/475). .
كما قال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [يونس: 107].
وقال سبحانه: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر: 2].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: 38].
وقال سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا [الفتح: 11].
وقال تعالى: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: 17].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضِي اللهُ عنه، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا رفَعَ رأسَه مِنَ الرُّكوعِ قال: ربَّنا لكَ الحمدُ مِلْءَ السَّمواتِ والأرضِ، ومِلْءَ ما شِئتَ مِن شيءٍ بعدُ، أَهْلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لِمَا أَعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِمَا مَنعتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ )) [275] رواه مسلم (477). .
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال له: ((... واعلمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعتْ على أنَ يَنفعوك بشَيءٍ، لم يَنفعوك إلَّا بشَيءٍ قد كتَبَه اللهُ لك، وإنِ اجتَمعوا على أنْ يَضُرُّوك بشيءٍ لم يضُرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ عليك... )) [276] أخرجه الترمذي (2516)، وأحمد (2669)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5417)، والحاكم في المستدرك (6303). صحَّحه الترمذيُّ (2516)، والألبانيُّ في ((صحيح الجامع)) (7957)، وحسَّنه ابنُ رجب في ((جامع العلوم والحكم)) ( 1/459)، وابنُ حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) ( 1/327). .
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر تعالى انفرادَه بتصرُّفِه بما يُريدُه من ضُرٍّ وخيرٍ، وقُدرتَه على الأشياءِ، ذَكَرَ قَهْرَه وغَلبَتَه، فقال [277] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/457). :
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ.
أي: واللهُ سبحانه هو المستعبِدُ خَلْقَه، العالي عليهم؛ ذاتًا وقدْرًا وقهرًا، ذو السُّلطةِ التامَّةِ عليهم، الذي له الخَلائقُ خَضَعَتْ، وذلَّتْ له، ودَانَتْ [278] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/180)، ((تفسير ابن كثير)) (3/244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 252)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 86-87). .
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
أي: وهو سُبحانَه الحَكيمُ في جميعِ ما يَفعلُه؛ فيما أمَر بِه ونَهى عنه، وأثابَ وعاقَب، وفيما خلَقَ وقدَّر، فيَضعُ كلَّ شيءٍ في مَوضعِه اللَّائقِ به، وهو سُبحانَه الخبيرُ، المطَّلعُ على جميعِ السَّرائرِ والضَّمائرِ، العليمُ بمصالحِ الأشياءِ ومَضارِّها، ومواضعِها ومحالِّها، الذي لا تَخفَى عليه عواقبُ الأمورِ [279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/180)، ((تفسير ابن كثير)) (3/244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 252)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 87-92). .
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكرَ اللهُ عزَّ وجلَّ الاستدلالَ على إثباتِ ما يَليقُ بِه تعالى مِن الصِّفات، انتَقَلَ إلى إثباتِ صِدقِ رِسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإلى جَعْلِ اللهِ حَكَمًا بينه وبينَ مُكذِّبيه [280] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/166). .
وأيضًا لَمَّا أقامَ الأدلَّةَ على الوحدانيَّةِ والقُدرة، ووصَل إلى صِفةِ القهرِ المؤذِنِ بالانتقامِ، لم يَبقَ إلَّا الإشهادُ عليهم؛ إيذانًا بما يَستحقُّونه مِن سوءِ العذابِ، وإنذارًا به؛ لئلَّا يقولوا إذا حَلَّ بهم: إنَّه لم يَأتِنْا نذيرٌ [281]  يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/39). ، فقال:
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً.
أي: قلْ- يا محمَّد- لهؤلاءِ المكذِّبين: أيُّ شيءٍ أعظمُ شَهادةً على صِدقي [282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/181)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 99-100). ؟
قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ.
أي: قلْ لهم- يا محمَّدُ-: إنَّ أكْبرَ الأشياءِ شهادةً هو اللهُ تبارك وتعالى، الذي لا يَجوزُ أنْ يقعَ في شَهادتِه السهوُ والخطأُ والكذبُ، وهو الشَّهيدُ بَيني وبَينكم؛ بالمحقِّ منَّا مِن المبطِلِ؛ فهو العالمُ بما جِئتُكم به، فيَشهَدُ لي بإقرارِه وفِعلِه، فيُقرُّني على ما قلتُ لكم؛ إذ لا يَليقُ بحِكمتِه وقُدرتِه سبحانه أنْ يُقرَّ كاذبًا عليه، يَزعُمُ أنَّ اللهَ تعالى أرْسلَه، وهو سبحانه لم يُرسِلْه [283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/181)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 252-253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 99-100). .
كما قال عزَّ وجلَّ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: 40- 47].
وقال سبحانه: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 166].
وقال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1].
وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الأحقاف: 8].
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ.
أي: وأَوْحَى اللهُ إليَّ هذا القرآنَ الكريمَ لِمَصلحتِكم؛ أنْ أُنذِرَكم به مِن العذابِ، وأُنذرَ كذلك كلَّ مَن بلَغَه القرآنُ [284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/181-184)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 101-102). .
ثمَّ أمَر اللهُ تعالى رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم بالشَّهادةِ له بالوحدانيَّة التي جحَدها المُشركونَ، وبالبراءةِ من قولِهم، وشهادتِهم بالشِّرك [285] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/285). ، فقال تعالى:
  أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى.
أي: هل تَشهدون- يا أيُّها المشرِكونَ- بأنَّ معَ اللهِ تعالى معبوداتٍ أخرى، تستحقُّ العبادةَ [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/184)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253). ؟
قُل لاَّ أَشْهَدُ.
أي: إنْ شَهِدوا بأنَّ مع اللهِ تعالى آلهةً أخرى، فقُلْ- يا محمَّدُ-: لا أَشهَدُ مَعكُم على ذلك [287] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/185)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 103). .
قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ.
أي: قلْ: إنَّما هو معبودٌ واحدٌ، مُنفردٌ باستحقاقِ العبوديَّةِ، لا شَريكَ له [288] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253). .
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ.
أي: وإنَّني بريءٌ مِن كلِّ شَريكٍ تدَّعونَه لله، وتَعبُدونه مع اللهِ تعالى؛ فلا أَعْبُدُ سِوى اللهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا [289] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253). .

الفوائد التربوية:


1- يُستفادُ مِن قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ... أنَّه يَنبغي للإنسانِ أنْ يُعلِّقَ رجاءَه باللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه إذا عَلِم مضمونَ هذه الآيةِ فسوفَ يَعتمِدُ في أمورِه كلِّها على اللهِ عزَّ وجلَّ [290] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 84). .
2- قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فيه الحثُّ على الصَّبرِ؛ لأنَّك إذا عَلِمتَ أنَّ الذي أصابَك بالضرِّ هو اللهُ، فلا بدَّ أنْ تَصبِرَ؛ لأنَّك عَبْدُه، يَفعلُ بك ما شاءَ، فتصبرُ على ما يُصيبك مِن الضَّرر [291] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 84). .
3- قوَّةُ رَجاءِ العبدِ باللهِ عزَّ وجلَّ إذا أصابَه الضَّررُ أنْ يزولَ عنه الضررُ؛ وجْهُ ذلك قولُه: فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ، وكم مِن أضرارٍ حدَثَتْ للإنسانِ حتى أوصلتْ إلى اليأسِ والقُنوطِ، فكَشفَها اللهُ عزَّ وجلَّ! وكم مِن إنسانٍ أُصيبَ بمرضٍ حتى وصَلَ إلى حافَةِ القبرِ، ثمَّ شفاه الله عزَّ وجلَّ! وكم مِن إنسانٍ أُصيبَ بالفقرِ حتى وصَلَ إلى ألَّا يجِدَ قُوتَ يومِه فأَغْناه اللهُ عزَّ وجلَّ! وكم مِن إنسانٍ كان وحيدًا فرَزَقَه اللهُ! وهلمَّ جرًّا؛ لأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ [292] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 84). .
4- في قوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ إثباتُ وصْفِ الخبرةِ للهِ عزَّ وجلَّ، وهي العلمُ ببواطنِ الأمورِ، ويَترتَّبُ على إيمانِنا بهذا أنْ نَستسلمَ لحُكمِ اللهِ الشرعيِّ، كما أنَّنا مُسْتسلِمون لحُكمِه القَدَريِّ، وألَّا نُكلِّفَ أنفُسَنا بالاطِّلاعِ على الحِكمةِ فيما لا تُدرِكُه عقولُنا، بل نُؤمِنُ ونُسلِّمُ، وكذلك يُقال في الأحكامِ القَدَريَّة: نُؤمِنُ باللهِ ونُسلِّمُ لقَضائِه [293] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 97). .
5- وجوبُ التبرُّؤِ من أهلِ الباطِلِ وما هم عليه، ومِن المشركين ومِن عملِهم الشركيِّ، والتبرؤِ من كلِّ ما يُعبَدُ من دونِ الله، ولا تجوزُ المُداهنةُ في هذا، ولا الموافقةُ، فإن لم يشهَدْ ببُطلانِ الآلهةِ سوَى اللهِ عزَّ وجلَّ، فإنَّه لم يُخلصْ ولم يُوحِّد؛ إذ إنَّ التوحيدَ مبنيٌّ على النفيِ والإثْباتِ؛ وذلك لقولِه: قُلْ لَا أَشْهَدُ وقولِه: وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [294] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 112). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- تمامُ سلطانِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّه سبحانه وتعالى هو المتصرِّفُ كما يَشاءُ بعبادِه؛ لقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ... ... وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ [295] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 84). .
2- قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ فيه تقويةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الدَّعوةِ إلى اللهِ، وأنَّه مهما حاولَ هؤلاءِ أنْ يُصيبوه بضررٍ فإنَّهم لا يَملِكون ذلك، إذا لم يَكُنِ اللهُ أرادَه [296] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 84). .
3- قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ للعاقلِ أنْ يتَّخذَ غيرَ اللهِ وليًّا؛ وذلك لأنَّ الضرَّ اسمٌ للألمِ والحُزنِ والخوفِ، وما يُفضي إليها أو إلى أحدِها، والنَّفع اسمٌ للَّذَّة والسُّرورِ وما يُفضي إليهما أو إلى أَحدِهما، والخير اسمٌ للقَدْرِ المشترَكِ بين دفْع الضرِّ وبين حُصولِ النَّفع؛ فإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثبَت الحصرُ في أنَّ الإنسان إمَّا أنْ يكونَ في الضرِّ أو في الخير؛ لأنَّ زوالَ الضرِّ خيرٌ، سواءٌ حصَل فيه اللَّذةُ أو لم تَحصُل، وإذا ثبَت هذا الحصرُ، فقد بيَّن اللهُ تعالى أنَّ المَضارَّ- قليلَها وكثيرَها- لا تندفِعُ إلَّا بالله، والخيراتِ لا يحصُل قليلُها وكثيرُها إلَّا باللهِ تعالى [297] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/494). .
4- مِن أدلَّةِ توحيدِه عزَّ وجلَّ: أنَّه تعالى المنفردُ بكَشفِ الضَّرَّاء، وجَلْب الخيرِ والسَّرَّاء؛ ولهذا قال: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ مِن فقرٍ أو مرضٍ، أو عُسرٍ، أو غمٍّ أو هَمٍّ أو نحوه، فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فإذا كان هو وحْدَه النافعَ الضارَّ، فهو الذي يَستحقُّ أنْ يُفرَدَ بالعُبوديَّة والإلهيَّة [298] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 252). .
5- إثباتُ الفَوقيَّةِ للهِ عزَّ وجلَّ؛ لقولِه: فَوْقَ عِبَادِهِ، وهي فوقيَّةُ ذاتٍ وقدْرٍ وقهْرٍ [299] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 93- 94). .
6- إثباتُ العبوديَّةِ لجميعِ الخَلقِ؛ لقوله: فَوْقَ عِبَادِهِ وهذه هي العبوديَّةُ الكونيَّة؛ فكلُّ الخَلقِ عِبادُ الله عزَّ وجلَّ، يَفعل فيهم ما يَشاءُ، ولا يُمكن لأيِّ أحدٍ: برًّا أو فاجرًا، مؤمنًا أو كافرًا، أن يَستعصيَ على ربِّه عزَّ وجلَّ مِن هذه الناحيةِ [300] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 96). .
7- ممَّا يُستفادُ مِن مجيءِ قوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ بعدَ قوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ أنَّه لَمَّا كان في القَهرِ ما يكونُ مذمومًا، نفاهُ بقوله: وَهُوَ، أي: وحْدَه الْحَكِيمُ؛ فلا يُوصلُ أثرَ القهرِ بإيقاعِ المكروهِ إلَّا لمستحِقٍّ، وأتمَّ المعنى بقولِه: الْخَبِيرُ، أي: بما يستحقُّ كلُّ شَيءٍ، فتمَّتِ الأدلَّةُ على عظيمِ سُلطانِه [301] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/39). .
8- قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فقرَنَ اللهُ تعالى هنا بين الحكيمِ والخبيرِ؛ ليعلمَ الناسُ أنَّ حِكمةَ اللهِ عزَّ وجلَّ عن خِبرةٍ وعِلمٍ ببواطنِ الأمورِ؛ وعلى هذا فقدْ تكون الحكمةُ خفيَّةً على كثيرٍ مِن النَّاس؛ لأنَّه لا يُدرِكُ الحِكمةَ إلَّا مَن كان خبيرًا، ففي قرْنِ هذينِ الاسمينِ فائدةٌ، وهي أنَّ الحكمةَ قد تكونُ خَفيَّةً لا يَعلمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ [302] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 91). .
9- إطلاقُ اسمِ (الشَّيء) على اللهِ تعالى؛ لقوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ؛ لأنَّ اسمَ الاستفهامِ إذا أُضيفَ إلى كَلمةٍ، صارتْ هذه الكلمةُ صادقةً على جوابِ الاستفهامِ، وهنا جوابُ الاستفهامُ اللهُ، فيكونُ اللهُ تعالى شَيئًا، فيُخبَرُ بكلمةِ (شيء) عن اللهِ، ولكن لا يُسمَّى به؛ فالله تعالى له الأسماءُ الحُسْنى، وكَلمةُ (شيء) لا تدلُّ على هذا المعنى [303] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 104). .
10- في قوله: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ اقتُصِرَ على جَعْلِ عِلَّة نُزولِ القرآنِ للنِّذارةِ، دون ذِكرِ البِشَارة؛ لأنَّ المخاطَبين في حالِ مُكابرتِهم التي هي مقامُ الكلامِ لا يُناسِبُهم إلَّا الإنذارُ؛ فغايةُ القرآنِ بالنسبةِ إلى حالِهم هي الإنذارُ [304] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/168). .
11- أنَّ مَن بلَغَه القُرآنُ فقد قامتْ عليه الحُجَّة؛ لقوله: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [305] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 108).
12- يُستفادُ مِن قولِه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ الدَّلالةُ على أنَّ أحكامَ القرآنِ تَعمُّ الموجودِينَ وقتَ نُزولِه ومَن بَعدَهم، وأنَّه لا يُؤاخَذُ بها مَن لم يَبلُغْه [307] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/414). .
13- يُستفادُ مِن قَولِه تعالى: وَمَنْ بَلَغَ أنَّه يجبُ على عُلماءِ المسلمينَ أنْ يُبلِّغوا القرآنَ كلَّ أحدٍ؛ لأنَّهم وَرَثةُ الأنبياءِ، ولكن مَن لم يَكُن لسانُه عربيًّا، فإنَّه يُبلَّغُ معنى القرآنِ بلِسانِه، ثم يُعطَى القُرآنَ، فيَقرؤه باللَّفظِ العربيِّ إذا أسْلَم [308] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 108). .
14- يُستفادُ مِن قولِه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ النصُّ على عُمومِ بَعثةِ خاتَمِ الرُّسلِ عليه أفضلُ الصَّلاةُ والسَّلام [309] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/285). .
15- يُستفادُ من قولِه تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى سَفَهُ أولئك المشرِكين الذين يَشهدون أنَّ معَ اللهِ آلهةً أخرى، ولو سُئِلوا عنها: أتَخلُقُ شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا مِن سَفهِهم؛ أنْ يَعبدوا مَن لا يَخلُقُ [310] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 112). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- في قولِه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ وقولِه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ نابَ الضرُّ مَنابَ الشرِّ- وإنْ كان الشرُّ أعمَّ منه- فقابَلَ الخيرَ [311] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/274)، ((تفسير أبي حيان)) (4/456)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/163). ، ونُكتةُ المقابلةِ أنَّ الضرَّ مِن اللهِ تعالى ليسَ شَرًّا في الحَقيقةِ، بل هو تَربيةٌ واختبارٌ للعَبدِ، يَستفيدُ به مَن هو أهلٌ للاستفادةِ أخلاقًا وآدابًا وعِلمًا وخبرةً [312] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/279). .
وقيل: قابَل قولَه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بقولِه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ مُقابلةً بالأعمِّ؛ لأنَّ الخيرَ يَشملُ النَّفْعَ- وهو الملائمُ- ويَشملُ السَّلامةَ من المنافِر؛ للإشارةِ إلى أنَّ المرادَ من الضرِّ ما هو أعمُّ، فكأنَّه قيل: إنْ يَمسَسْك بضُرٍّ وشرٍّ، وإنْ يَمسَسْك بنَفعٍ وخيرٍ؛ ففي الآيةِ احتباكٌ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/163). وينظر تعريف الاحتباك في تفسير سورة البقرة (1/264). .
وقيل: ناب هنا الضُّرُّ عن الشرِّ، وعدَل عن الشرِّ الذي يُقابِلُ الخيرَ؛ لأنَّ الشرَّ أَعمُّ مِن الضُّرِّ، فأُتِيَ بلفظِ الضرِّ الذي هو أَخصُّ، وبلفظِ الخيرِ الذي هو عامٌّ مُقابلٌ لعامٍّ؛ تَغليبًا لجهةِ الرَّحمة [314] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/455، 456). .
- وقُدِّمَ مَسُّ الضرِّ على مَسِّ الخيرِ في قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ؛ لمناسبةِ اتِّصالِ مَسِّ الضرِّ بما قَبْلَه مِن التَّرهيبِ المدلولِ عليه بقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وأيضًا بدَأَ بذِكرِ الضُّرِّ؛ لأنَّ كَشْفَه مُقدَّمٌ على نَيلِ مُقابِلِه، كما أنَّ صَرْفَ العذابِ في الآخرةِ مُقدَّمٌ على النَّعيمِ فيها [315] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/63)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/279). .
- وجاءَ جوابُ الشرطِ الأوَّلِ بالحَصرِ في قولِه: فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ؛ مبالغةً في الاستقلالِ بكشْفِه؛ إشارةً إلى استقلالِه بكَشْفِ الضُّرِّ دونَ غَيرِه، وجاءَ جواب الشَّرْطِ الثاني بقولِه تعالى: فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ إشارةً إلى قُدرتِه الباهِرةِ، فيَندرجُ فيها المسُّ بخَيرٍ وغيرِه [316] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/456- 457)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/566). .                       
2- قوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يُفيد الحَصرَ والقصرَ، ومعناه: أنَّه لا مَوصوفَ بكَمالِ القُدرةِ، وكَمالِ العِلمِ إلَّا الحقُّ سبحانه، مع عُلوِّه وفَوقيَّتِه؛ حيثُ أَبطلتْ هذه الآيةُ أنْ يكونَ غيرُ اللهِ قاهرًا على أحدٍ، أو خبيرًا أو عالِمًا بإعطاءِ كلِّ مخلوقٍ ما يُناسِبُه، ولا جرَمَ أنَّ الإلهَ تجبُ له القُدرةُ والعِلم، وهما جِماعُ صِفات الكمالِ، كما تجبُ له صفاتُ الأفعال مِن نفْعٍ وضرٍّ، وإحياءٍ وإماتةٍ [317] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/495)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/164). .
- وهذه الآيةُ تتنزَّلُ مِن التي قَبلَها مَنزِلةَ التَّعميمِ بعدَ التَّخصيص؛ لأنَّ التي قبلها ذَكرتْ كمالَ تصرُّفه في المخلوقاتِ، وجاءتْ به في قالَبِ تثبيتِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهذه الآيةُ أوْعَتْ قُدرتَه على كلِّ شيءٍ، وعِلمَه بكلِّ شيء، وذلك أصلُ جميعِ الفِعل والصُّنع، وقد أفاد تعريفُ الجزْأَين القصرَ، أي: لا قاهرَ إلَّا هو؛ لأنَّ قهرَ اللهِ تعالى هو القهرُ الحقيقيُّ الذي لا يجِد المقهورُ منه مَلاذًا؛ لأنَّه قهرٌ بأسبابٍ لا يستطيعُ أحدٌ خَلْقَ ما يُدافِعها، وممَّا يُشاهَد منها دومًا: النومُ وكذلك الموتُ؛ سبحان مَن قهرَ العبادَ بالموتِ [318] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/495)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/164). .
3- قوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ استئنافٌ ابتدائيٌّ، والاستِفهامُ فيه على جِهَةِ التَّقريرِ والتَّوقيفِ [319] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/459)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/166). .
- وتكريرُ كَلِمة (بَيْن)؛ لتحقيقِ المقابلةِ، وللتأكيدِ؛ حيث كرَّر اللهُ تعالى كلمة (بين) في قوله: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وكان الأصلُ أنْ يقول: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيننا) [320] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/65)، ((تفسير أبي السعود)) (3/118). .
4- قوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ في الآيةِ إيجازٌ بالحذفِ؛ حيث حُذِفَ فاعِلُ الوحيِ، وبُنِي فِعلُه وَأُوحِيَ للمفعولِ؛ للعلمِ بالفاعلِ الذي أوحاه إليه، وهو اللهُ تعالى [321] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/168). ، وفيه حَذْفٌ في قوله وَمَنْ بَلَغَ والتقدير: ومَنْ بلَغَه هذا القرآنُ [322] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/499). .
5- قوله: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
- في قوله: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى الاستفهامُ إنكاريٌّ؛ للتقريعِ لهم والتوبيخِ، وهو يُفيدُ إنكارينِ؛ أحدُهما صريحٌ بأداةِ الإنكار، والآخَرُ كِنائيٌّ بلازمِ تأكيدِ الإخبارِ؛ لغرابةِ هذا الزعمِ بحيثُ يَشكُّ السَّامعُ في صدورِه منهم [323] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/11)، ((تفسير الرازي)) (15/377)، ((تفسير أبي حيان)) (4/459- 61)، ((تفسير أبي السعود)) (3/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/169). .
- وقوله: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ فيه تأكيدُ الخَبر بـ(إنَّ) ولامِ الابتداءِ؛ ليُفيدَ أنَّ شهادتَهم هذه ممَّا لا يَكادُ يُصدِّقُ السَّامِعونَ أنَّهم يَشهَدونها؛ لاستبعادِ صُدورِها مِن عُقلاءَ؛ فاحتاجَ المخبِرُ عنهم بها إلى تأكيدِ خَبرِه بمُؤكِّدَينِ [324] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/169). .
- وقوله: قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فيه تأكيدٌ على إيجابِ التَّوحيدِ، والبَراءةِ عن الشِّركِ بـإِنَّمَا التي تُفيدُ الحصرَ، ولفظِ وَاحِدٌ الصريحِ في التوحيدِ، ونفْيِ الشُّركاءِ، وقولِه: إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الذي فيه تصريحٌ بالبراءةِ عن إثباتِ الشُّركاءِ؛ أو البراءةِ مِن إشراكِهم، وهو كالتوكيدِ لِمَا قبلَه؛ فثبَتتْ دَلالةُ هذه الآيةِ على إيجابِ التوحيدِ بأعظمِ طُرقِ البيانِ، وأبلغِ وجوهِ التَّأكيدِ [325] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/499)، ((تفسير أبي حيان)) (4/461)، ((تفسير ابن عادل)) (8/67)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/170). .
- وفي هذه الآيةِ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ... تَكريرٌ للأمْرِ بقوله: قُلْ أربعَ مرَّات؛ لتأكيدِ التبليغِ [326] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/170). .