موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (20 - 24)

ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ

غريب الكلمات:


افْتَرَى: أي: اختَلق وكذَب، والافتراءُ الاختلاقُ، ومنه قِيل: افتَرَى فلانٌ على فلانٍ، إذا قذَفَه بما ليسَ فيه، وأصلُ (فري) قَطْعُ الشَّيءِ؛ فالفَرْيُ: قطعُه لإصلاحِه، والإفراءُ: قطعُه للإفسادِ، والافتِراءُ فيهما، وفي الإفسادِ أكثرُ [327] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 31)، ((المفردات)) للراغب (ص: 635). .
نَحْشُرُهُمْ: أي: نَسوقُهم ونَجمَعُهم، والحشرُ: الجمعُ مع سَوْقٍ، وكلُّ جمْعٍ حشرٌ، ويُطلَقُ أيضًا على البعثِ والانبعاثِ، أو الجَمْعِ بكثرةٍ [328] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 188)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/66)، ((المفردات)) للراغب (ص: 237)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 161). .
تَزْعُمُونَ: أي: تَكذِبون، والزَّعم غالبًا هو حِكايةُ قولٍ ما، يكونُ مَظِنَّةً للكذبِ، أو اعتقادُ الباطِل بتقوُّلٍ، وقدْ يكونُ الزَّعم حَقًّا، وأصلُ (زعم): القولُ مِن غيرِ صِحَّةٍ ولا يقينٍ [329] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/10)، ((المفردات)) للراغب (ص: 380)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزآبادي (3/129)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 488). .
فِتْنَتُهُمْ: أي: مَقالتُهم وحُجَّتُهم، أو بَليَّتُهم التي أَلزمتْهم الحُجَّةَ، وزادتْهم لائمةً، والفتنةُ تُطلَق على: الشِّركِ والكُفرِ، والشرِّ والعذابِ، وهي في الأصل: الاختبارُ والابتلاءُ والامتحانُ، مأخوذةٌ من الفَتْن: وهو إدخالُ الذهبِ النَّارَ؛ لتظهرَ جَودتُه مِن رداءتِه [330] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 76، 101، 152)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/472- 473)، ((المفردات)) للراغب (ص: 624)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 29،94، 139، 140)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 701). .
وَضَلَّ: أي: وذَهَب، والضَّلالُ: العُدولُ عن الطريقِ المستقيمِ، وضياعُ الشيءِ، وذَهابُه في غيرِ حقِّه [331] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 152)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/356)، ((المفردات)) للراغب (ص: 509)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 94)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 576). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا
لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قُرئ (تكن) و (يكن) بالتَّاءِ وبالياءِ، وقُرِئت فِتْنَتُهُمْ بالرَّفْع والنَّصب في كلٍّ مِنهما؛ فهذه أربعةُ أوجهٍ في الإعرابِ؛ فـفِتْنَتُهُمْ على الرَّفعِ هي اسمُ كان، والخبر قوله: أَنْ قَالُوا الذي هو مصدرٌ مُؤوَّل بمعنى (قولهم)، وعلى نصْب فِتْنَتَهُمْ فهي خبرُ كان مُقدَّم، وأَنْ قَالُوا اسمُ كانَ مُؤخَّر. وعلى قِراءة تَكُنْ بالتاءِ ورفْع الفتنةِ يكونُ تأنيثُ الفِعلِ مُراعاةً لتأنيثِ لفظِ الفِتنة، وعلى قِراءة يَكُنْ بالياءِ مع رفْع فِتْنَتُهُمْ فيكونُ تذْكِير الفِعل؛ لأنَّ تأنيثَ الفتنةِ غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ الفتنةَ هنا بمعنى القَول؛ فحَمَلَه على المعنى فذَكَّره.
وعلى قِراءة تَكُنْ بالتَّاءِ ونصْب فِتْنَتَهُمْ يكونُ تأنيثُ الفِعلِ مُراعاةً لمعنى أَنْ قَالُوا؛ لأنَّه بمعنى المقالةِ والفِتنةِ، وعلى قِراءة يَكُنْ بالياءِ مع نصْب فِتْنَتَهُمْ، فيكونُ تذكيرُ الفِعل؛ لإِسنادِه إلى مُذكَّرٍ؛ لأنَّ أَنْ قَالُوا بمعنى القَولِ، أي: قَولُهم.
وقِراءة يَكُنْ بالياءِ، وفِتْنَتَهُمْ بالنَّصبِ، هي أوضحُ هذه القِراءاتِ؛ لإجرائِها على القواعِد مِن غيرِ تأويلٍ؛ لأنَّ الأحسنَ جَعْلُ الأعرفِ اسمًا مُحَدَّثًا عنه، وجَعْلُ الأقلِّ تعريفًا خبرًا حديثًا عنه، والأعرفُ هنا أَنْ قَالُوا لأنَّه في منزلةِ الضَّميرِ، والضَّميرُ أَعْرَفُ المعارفِ بَعْدَ اسْمِ اللهِ تعالى، والفِتنةُ دونه في التَّعريفِ؛ لأنَّها تعرَّفتْ بإضافتِها إلى المُضمَرِ؛ فهي دونَ تعريفِ أَنْ قَالُوا بكثيرٍ، ولأنَّ يَكُنْ بالتذكير على الأصلِ؛ لأنَّها عائدةٌ إلى مُذَّكرٍ، وهو أَنْ قَالُوا، أي: قَولُهم [332] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/248)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/487)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/572- 573). .
2- قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
 يَوْمَ منصوبٌ على أنه مفعول به لفِعلٍ مُضمَرٍ، أي: واذْكُرْ- يا محمَّدُ- يومَ نَحشُرهم، وقيل: انتصَب بـ (نقول) مُضمرَةً [333] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/270)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/487). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ الَّذين أُوتوا التوراةَ والإنجيلَ مِن اليهودِ والنَّصارى يَعرِفونَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما يَعرِفُ الواحدُ منهم ابنَه، والذين خَسِروا أنفُسَهم كلَّ الخَسارةِ هُم الَّذينَ كَفروا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفاتَهم الإيمانُ به وبرسالتِه.
ثمَّ بَيَّن تعالى أنَّه لا أَحدَ أشدُّ ظُلمًا ممَّن افتَرَى على اللهِ تعالى كذِبًا، أو مَن كذَّبَ بحُجَجِه وبَراهينِه، إنَّه لا يُفلحُ الظَّالِمون أبدًا.
ويَومَ يَحشُرُهم اللهُ جميعًا ثمَّ يَسألُ المشركينَ: أينَ شُركاؤُهم الذين كانوا يَزعُمون أنَّهم آلهةٌ مع اللهِ تعالى؟! ثمَّ بعدَ هذا السؤالِ لم يَكُن جوابُهم حِينَ اختُبِروا وامتُحِنوا به إلَّا أنَّهم حَلَفوا بربِّهم ما كانوا مُشرِكين.
ثمَّ أمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يتأمَّل كيف كذَبَ هؤلاءِ المشرِكون على أَنفُسِهم يومَ القِيامةِ، وغابَ عنهم شُركاؤُهم الذين زَعَموهم مع اللهِ تعالى، فلمْ يَنفعوهم بشَيءٍ.

تفسير الآيات:


الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20) .
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ.
أي: الذين أُوتوا التوراةَ والإنجيلَ مِن اليَهودِ والنَّصارَى يَعرِفونَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما يَعرِفُ أحدُهم ابنَه، دون أدْنَى شَكٍّ [334] وهذا اختيارُ الواحديِّ في ((التفسير الوسيط)) (2/259)، والقرطبيِّ في ((تفسيره)) (6/400)، وابنِ كثيرٍ في ((تفسيره)) (3/245)، وابنِ عثيمينَ في ((تفسير سورة الأنعام)) (ص: 114). وممَّن قال مِن السَّلف بهذا القولِ: قتادةُ في روايةٍ عنه، والسُّدِّي. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/187)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1272)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/15). واختار ابنُ جرير، والسعديُّ أنَّ المرادَ يعرفون أنَّه لا إله حقٌّ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253). وممَّن قال بهذا مِن السَّلف: قتادةُ في رواية أُخرى عنه. ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/187)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1273). ورجَّح ابنُ عاشور أنَّ المرادَ: يَعرِفونَ أنَّ القرآنَ حقٌّ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/171). .
كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: 157].
الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ.
أي: الَّذين أَهْلَكوا أنفُسَهم، وألْقَوْها في نارِ جَهنَّمَ؛ بإنكارِهم أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ تعالى، وهم بحَقيقةِ ذلك عارِفون، قد خَسِروا كلَّ الخَسارةِ؛ إذ لَمَّا أَعْرَضوا عن ذلِك فاتَهُم الإيمانُ الحقيقيُّ، الذي هو سببُ الفوزِ في الدُّنيا والآخِرة [335] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/153-154)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 116). .
كما قال الله عزَّ وجلَّ: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: 15].
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) .
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بَيَّنَ خُسرانَ المُنكِرينَ في الآيةِ الأُولى؛ بَيَّن في هذِه الآيةِ الكريمةِ سَببَ ذلك الخُسرانِ، وهو أمران؛ أحدُهما: الافتراءُ على اللهِ كَذِبًا، الأمْرُ الثَّاني من أسبابِ خَسارتِهم: تَكذيبُهم بآياتِ اللهِ تعالى، وقَدْحُهم في مُعجزاتِ محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وإنكارُهم كونَ القرآنِ العظيمِ مُعجزةً قاهرةً منه [336] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/70). ، فقال تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ.
أي: لا أحدَ أشدُّ ظُلمًا ممَّن تقوَّلَ على اللهِ تعالى، كمَن زعَمَ أنَّ له شَريكًا، أو كذَّبَ بحُجَجِه وأعلامِه، ومِن ذلك ما أعطاهُ لرُسلِه من الأدلَّةِ على صِدْقِهم [337] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/188)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) ص: 116-118). .
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  .
أي: إنَّ كلَّ ظالمٍ لا يُفلحُ أبدًا، ومنهم القائِلون على اللهِ تعالى الباطِلَ، والمكذِّبون بآياتِه عزَّ وجلَّ [338] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/188)، ((تفسير ابن كثير)) (3/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 118). .
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان معنى قولِه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أنَّهم أكذبُ الناسِ، دلَّ عليه بكَذِبِهم يومَ الحشرِ بعدَ انكشافِ الغطاءِ [339] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/80). ، فقال:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا.
أي: ويومَ يَجمعُ اللهُ تعالى جميعَ المشرِكين، والمفترِين على اللهِ كَذِبًا، والمكذِّبين بآياتِه [340] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/246)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 126). اختار بعضُ المفسِّرين أنَّ (يوم) متعلقةٌ بما قبلَها على معنى: إنَّه لا يُفلح الظالمون في الدُّنيا ولا يوم نحشرُهم. وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/188). واختار بعضُهم أنَّ (يوم) متعلقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: واذكرْ يومَ نحشرُهم. على معنى أنَّ قولَه سبحانه: لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ كلامٌ تامٌّ معناه، و يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جملةٌ استئنافيةٌ، وهذا اختيارُ الواحديِّ، وابنِ عثيمينَ. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) (2/260)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 126). قال ابنُ عثيمينَ: (أي: اذكرْ لهم، ويجوزُ أن نقولَ: اذكرْ في نفسِك حتى تتسلَّى بهذه الذِّكرَى، ويهونَ عليك أمرُهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 126). .
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ.
أي: ثمَّ نقولُ للمُشرِكين- تَوبيخًا وتقريعًا لهم- إذا جمعْناهم: أينَ شُركاؤُكم الذين كنتُم تدَّعون أنَّهم آلهةٌ مع اللهِ سبحانه [341] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 126-127). ؟
كما قال تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: 62].
ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23).
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
في قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ قِراءتان:
1- قِراءة وَاللَّهِ رَبَّنَا بنَصْبِ رَبَّنَا على النِّداءِ، بمعنى: واللهِ يا ربَّنا، وفيه معنى الخُضوعِ والتضرُّعِ للهِ تعالى [342] قرأ بها حمزة والكسائي وخلف. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 230). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (9/191)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 137)، ((الكشف)) لمكي (1/427). .
2- قِراءة وَاللَّهِ رَبِّنَا بجرِّ رَبِّنَا على النَّعْتِ للهِ عزَّ وجلَّ، والثناءِ [343] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 230). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 244). .
ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23).
أي: ثمَّ بَعدَ هذا السؤالِ لم يَكُنْ جوابُهم عليه حِين اختُبِروا وامتُحِنوا بِه، إلَّا إنكارَهم لشِركِهم، وحَلِفَهم أنَّهم ما كانوا مُشرِكين [344] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/189-192)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/176). .
كما قال تعالى عن المنافِقين: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: 18].
وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: قال رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ: إنِّي أَجِدُ في القرآنِ أشياءَ تَختلِفُ عليَّ؟ قال: ... وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: 42]، وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]، فقدْ كتَموا في هذه الآيةَ؟... فقال ابنُ عبَّاس: وأمَّا قوله: مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23]، وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: 42]، فإنَّ اللهَ يغفرُ لأهلِ الإخلاصِ ذُنوبَهم، وقال المشرِكون: تَعالَوْا نقولُ: لم نكُنْ مُشرِكين، فخُتِمَ على أفواهِهم، فتَنطِقُ أيدِيهم، فعندَ ذلك عُرِفَ أنَّ اللهَ لا يُكتَمُ حديثًا، وعندَه: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا... الآيةَ [345] أخرجه عبدُ الرزَّاق في ((التفسير)) (588)، والطبري في ((تفسير ابن جرير)) (7/42)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (7180)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (10/245). (10594)، والحاكم في ((المستدرك)) (3198)، وأخرجه البخاريُّ (6/127) معلَّقًا بصيغةِ الجزم. صحَّح إسنادَه الحاكمُ (3198)، وأحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/509)، وقال ابنُ حجرٍ في ((تغليق التعليق)) (4/301): له متابعةٌ بنحوه. [البقرة: 105].
انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24).
انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ.
أي: انظُرْ بقلبِك- يا محمَّدُ- وتأمَّلْ كيفَ كذَب هؤلاءِ المشرِكون في الآخِرةِ على أنفسِهم بنَفيِهم الشِّركَ عنها، فكَذَبوا كذِبًا يعودُ بالخُسرانِ والضَّررِ عليها [346] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/193)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/260)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253). .
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ.
أي: وغابَ عنهم الشُّركاءُ الذين زَعموهم مع اللهِ سبحانه وتعالى، وبَطلَتْ دعواهم فيهم؛ فلم يُغنوا عنهم شيئًا [347] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/193)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/260-261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 253)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/178)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 127-128). .
كما قال سبحانه وتعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ [غافر: 73-74].

الفوائد التربوية:


1- قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فيه التَّحذيرُ مِن أن يَفتريَ الإنسانُ على اللهِ تعالى الكذبَ؛ لأنَّه بيَّنَ أنَّه في المرتبةِ العُليا من الظُّلم؛ ومِن الافتراءِ على الله كذِبًا: أنْ يجعلَ العبدُ لله تعالى صاحبةً أو ولدًا، أو يتَّخِذَ مَعَهُ شريكًا، ومن الافتراء: أنْ يكْذِبَ الإنسانُ على ربِّه عزَّ وجلَّ في مدلولِ آياتِه، فيقول: أراد اللهُ بكذا، كذا وكذا. هذا كذبٌ على اللهِ، ومِن ذلك: أنْ يفتريَ على الله كذِبًا في أحكامِه فيقول: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ. كما قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [348] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 120). [النحل: 116].
2- في قولِه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ وجوبُ التَّصديقِ بكلِّ آياتِ الله الكونيَّةِ والشرعيَّة؛ وجه ذلك: أنَّ (آيات) مضافةٌ، والجمع إذا أُضيفَ يُفيدُ العمومَ، ويتفرَّع على هذا: أنَّ مَن آمَن ببعضٍ، وكفَر ببعضٍ، فقدْ كفَر بالجميع، فلا يُعَدُّ مؤمنًا؛ لأنَّه يوجدُ بعضُ الناسِ يُؤمِن ويُصدِّقُ بما يرَى عقلُه أنَّه حقٌّ، ويُكذِّب بما يرى أنَّه ليس بحقٍّ، أو يُؤمنُ بما يرَى أنَّه مناسبٌ، ويَكفُر بضدِّ ذلك، وهؤلاء بَيَّن الله حُكْمَهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا... [349] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 121). [النساء: 150- 151].
3- في قوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ بُشرَى للمظلومينَ مِن أنَّ الظالِمَ لا يُفلِحُ؛ فيُبشَّر المجاهِدون بالنَّصرِ، وبأنَّ مآلَ مَن جاهدَهم الخِذلانُ، ويُبشَّر مَن ظُلِمَ بأخْذِ مالِه أو جَحْدِ مالِه، وما أشبهَ ذلك بأنَّ هذا الظالمَ لن يُفلِحَ [350] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 123). .
4- التحذيرُ مِن الظُّلم، وأنَّ عاقبتَه الخَسارةُ والدَّمارُ؛ لقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [351] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 125). .
5- التحذيرُ من الشِّركِ؛ لأنَّ المشركينَ سوف يُوبَّخونَ ويُقرَّعونَ في يومٍ لا يَستطيعُونَ الخلاصَ فيه؛ حيث يُقال لهم في هذا المَجمعِ العَظيمِ: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ [352] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 128، 129). .

الفوائد العلمية واللطائف:  


1- أنَّ الحُجَّةَ قائمةٌ على اليهودِ والنصارى في صِحَّةِ بَعثةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [353] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 114). .
2- أنَّه يَنبغي أنْ يُضرَبَ المَثَلُ بأقربِ مُطابِقٍ للمُمثَّلِ؛ لقوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ؛ لأنَّ هذا أقربُ إلى التصوُّرِ وإلى الصِّدقِ [354] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 115). .
3- قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ فيه أنَّ الظُّلمَ يَختلِفُ؛ بعضُه أشدُّ من بعضٍ؛ لأنَّ المعاصيَ تختلِفُ؛ بعضُها أعظمُ من بعضٍ، فهناك كبائرُ، وهناك صغائرُ، والكبائرُ نفسُها تَختلِفُ، فهناك أكبرُ مِن الكبائرِ، وما دونها، والصَّغائرُ كذلك تختلِفُ، وكلُّ فِعلٍ مُحرَّمٍ، أو ترْك واجبٍ ظلمٌ، وإذا كان يتفاوتُ لزِمَ من ذلك تفاوتُ الأعمالِ [355] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 118). .
4- مع عِظَمِ ظُلمِ مَن كذَّب بآياتِ الله؛ لقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ، فإنَّه لا يُحكَمُ بظُلمِه، أو بكونِه في المرتبة العليا إلَّا إذا تبيَّنتْ له الآياتُ؛ لقوله: كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام: 157]، وقد قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ [التوبة: 115]، فإذا تَبيَّن لهم ما يتَّقون حَكَمَ بضلالِهم سبحانه وتعالى، وإلَّا فَهُم في عُذرٍ [356] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 121). .
5- في قولِه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ... ما الجمعُ بَينَ هذه الآيةِ الكريمةِ وبينَ نُصوصٍ أخرى يَرِدُ فيها مِثلُ هذه العبارةِ في ذَنبٍ آخَرَ غيرِ هذا، وتدلُّ أيضًا على أنَّ هذا الفِعلَ أظلمُ شيءٍ؛ مثل قولِه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114]، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: 93]، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف: آية 57]، وقوله في هذِه الآية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ؛ فكيفَ نَجمعُ بين هذه النُّصوصِ؟
والجوابُ مِن أحدِ وجهينِ: الأول: أنَّ هذه الأشياءَ جميعَها اشتركَتْ في المرتبةِ العُليا من الظُّلمِ؛ فكلُّها في مقامِ الأظلميَّة، فأفعل التفضيل لا تمنع التساوي ولكنها تمنع الزيادة. وعلى ذلك فلا مُعارَضَةَ ألبتَّةَ بينَ الآياتِ، فهؤلاءِ المذكورونَ لا يُوجَدُ أحدٌ أظلَمُ منهم، وهم متساوونَ في مرتبةِ الظُّلْم. الوجه الثاني: أنَّ هذه المواضعَ تتخصصُ بصِلاتِها. ومعنَى (تتخصصُ بصِلاتِها): أَنَّ كُلَّ واحدٍ منها تُفَسِّرُه صلةُ موصُولِه، أي أنَّ كلَّ واحدةٍ تختصُّ ببابِها، فيكونُ المعنَى: لا أحدَ مِنَ المفْتَرِينَ أظلمُ مِمَّنِ افْتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا، ولا أحدَ مِنَ المانِعِينَ أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ اللَّهِ، ولاَ أحدَ مِنَ المعْرِضِينَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عنه... إلخ [357] ينظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/512-513)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 122- 123). والوجهُ الأوَّل مخرجٌ على قاعدةِ: (نفيُ التفضيلِ لا يستلزمُ نفيَ المساواةِ). ينظر: ((قواعد التفسير)) لخالد السبت (2/528). .
6- في قولِه تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ قد نفَى فلاحَهم، فعمَّ كلَّ فلاحٍ في الدُّنيا والآخِرة؛ فإنَّ الفلاحَ المعتدَّ به في نظرِ الدِّينِ في الدُّنيا هو الإيمانُ والعملُ، وهو سببُ فلاحِ الآخِرَة [358] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/172). .
7- ما الجَمعُ بَينَ قولِه تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ والواقعِ؛ لأنَّنا نرَى أنَّ الظالمَ قد يُفلحُ؟
الجواب: الجمعُ بينها وبينَ الواقِع: أنْ يُقال: الفلاحُ نوعان؛ فلاحٌ مُطلَقٌ، وهذا لا يُمكن للظالمِ أبدًا، ودليلُ هذا قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ لَيُملِي للظالمِ حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه، وتلا قولَه تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102])) [359] أخرجه البخاري (4686)، ومسلم (2583) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ، فلا بدَّ أنْ يخسرَ الظالم، ولا بدَّ، طالتِ الدُّنيا أم قَصُرتْ؛ فمَن كان ظالِمًا بمبدأٍ مِن المبادِئ؛ فلا بدَّ أنْ يَنخذِلَ هذا المبدأُ حتَّى بعدَ موتِه، وإذا كان خاصًّا، فإنَّه وإنْ لم يَحصُل له ذلِك في الدُّنيا حسَبَ ما نرَى فهو في الآخِرَةِ، وربَّما يكونُ في قَلبِ الظالمِ أشياءُ لا نَدري عنها يُبتلَى بها، مِن ضِيقِ الصَّدرِ، وكراهةِ الحقِّ، وما أشبهَ ذلك.
أمَّا الفلاحُ المقيَّدُ بمعنى أن يُفلِحَ في زمَنٍ معيَّنٍ، أو مكانٍ معيَّن، أو قضيَّةٍ معيَّنة، فهذا يُمكن أنْ يَقعَ، ولا يُخالِفُ الآيةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قدْ يُعطي الظالمَ فلاحًا؛ حتَّى يَغترَّ بهذا الفلاحِ فيتمادَى في طُغيانِه، ثمَّ يَقصِمُ اللهُ ظَهرَه [360] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 123، 124). .
8- قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا فيه تسليةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ حيثُ ذُكِرَ له مآلُ المكذِّبين له [361] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 128). .
9- قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا فيه أنَّ الحَشرَ عامٌّ شاملٌ لا يَشِذُّ عنه أحدٌ، لا مؤمِنٌ ولا كافرٌ، ولا بَرٌّ ولا فاجرٌ؛ حيثُ أكَّده اللهُ عزَّ وجلَّ بقولِه: جَمِيعًا [362] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 128). .
10- في قولِه عزَّ وجلَّ: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إثباتُ القولِ للهِ، وأنَّه بحروفٍ مسموعةٍ معقولةٍ، وبصوتٍ لا يُشبِهُ صوتَ المخلوقينَ؛ لأنَّ اللهَ يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [363] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 129). [الشورى: 11].
11- قوله تعالى: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يدلُّ على أنَّ الأصنامَ لا تَنفعُ عابدِيها؛ لأنَّها لا تَنصُرهم في هذا الموقِف، بل قدْ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [364] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 130). [الأنبياء: 98].
12- أنَّ أولئك العابِدينَ لهذه الأصنامِ ليس عِندَهم حُجَّةٌ ولا بُرهان، وإنَّما هي مُجرَّدُ دعوى لقولِه: تَزْعُمُونَ، والزعمُ في الغالِبِ يكونُ في قولٍ لا دليلَ عليه [365] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 130). .
13- في قولِه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أنَّ المشركين يُكذِّبون يومَ القيامةِ حِين يَطَّلعونَ على حقائقِ الأمورِ، بالرَّغمِ مِن كونِ الكذبِ والجحودِ لا وَجْهَ لمنفعتِه؛ لأنَّ المُمتحَنَ يَنطِقُ بما يَنفعُه وبما لا يَنفعُه، من غيرِ تمييزٍ بينهما؛ حيرةً ودهشةً، وكذِبُ الكفَّارِ في الآخِرة ثابتٌ بمِثل قولِه تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [366] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/415)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/289). [سورة المجادلة: 18].

بلاغة الآيات:


1- قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ فيه تشبيهُ المعرفةِ بالمعرفةِ، ووجهُ الشَّبهِ هو التَّحققُ والجزمُ بأنَّه هو الكتابُ الموعودُ به- على أحَدِ أوجُهِ التَّأويلِ-، وإنَّما جُعِلتِ المعرفةُ المشبَّهُ بها هي معرفةَ أبنائِهم؛ لأنَّ المرءَ لا يَضِلُّ عن معرفةِ شخصِ ابنِه وذاتِه إذا لقِيَه، وأنَّه هو ابنُه المعروفُ؛ وذلك لكثرةِ مُلازمةِ الأبناءِ آباءَهم عُرفًا [367] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/171).
2- قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ... استئنافٌ لزيادةِ إيضاحِ تَصلُّبِ المشرِكين وإصرارِهم، وهذا مِن التَّكريرِ للتسجيلِ، وإقامةِ الحُجَّةِ، وقطْعِ المعذرةِ، وأنهم مصرُّون على الكفر، حتَّى ولو شَهِدَ بصِدقِ الرسول أهلُ الكتاب [368] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/171). وهذا الوجهُ المذكورُ هو على القول بأنَّ المرادَ بـالَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ هم المشرِكون. .
- وفي هذه الآيةِ مُناسبةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ بدأَ الآيةَ هنا بالواو وَمَنْ أَظْلَمُ، وبدَأَها في يونسَ بالفاءِ فَمَنْ أَظْلَمُ؛ لأنَّ المتقدِّمَ على هذِه الآيةِ في سورة الأنعامِ مَعطوفٌ بالواو، بخِلافِ ما في سُورةِ يونس، فإنَّ المتقدِّمَ قبلَها سَببٌ لها، ومعطوفٌ بالفاءِ؛ فناسَب فيها ما ذُكِر؛ فما تَقدَّم آيةَ سورةِ الأنعامِ مِن قولِه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً.. إلى قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ.. جُمَلٌ عُطِف صدورُ بعضِها على بعضٍ بالواو، ولم تَتعلَّق الثانيةُ بالأولى تعلُّقَ ما هو مِن سببِها، فأجْرَى قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مَجراها، وعَطَف بالواوِ عليها. وأمَّا الآيةُ في سورة يونس فإنَّ ما قَبلَها عُطِف بعضُها على بعضٍ بالفاءِ، كقوله تعالى: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [يونس: 16]، فتَعلَّق كلُّ ما بعدَ الفاءِ بما قَبْلَه تَعلُّقَ المسبَّبِ بسَببِه، فهذا موضعُ الفاء؛ وكلُّ موضِعٍ في القرآنِ يكونُ بعدَ هاتينِ الآيتينِ بالواو أو بالفاءِ فيُعتَبَرُ بما ذُكِرَ هنا؛ فناسَب العطف بالواو في سورة الأنعامِ، وبالفاءِ في سورة يونس.
- وأيضًا مِن المناسبةِ الحَسنةِ أنْ ختَم آيةَ الأنعامَ بقوله: الظَّالِمُونَ وختَم آية يونس بقولِه: الْمُجْرِمُونَ؛ لأنَّه في الآيةِ الأولى في الأنعامِ لَمَّا قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.. وكان المعنى: أنَّه لا أحَدَ أظلَمُ لنفْسِه ممَّن وصَفَ اللهَ تعالى بخِلافِ وصْفِه، فأَوْرَدَها العذابَ الدَّائِمَ، كان قولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ عائدًا إلى مَن فَعَل هذا الفعلَ- أي: لا يَظفَر برحمةِ اللهِ، ولا يفوزُ بنجاةِ نفْسِه مَن كان ما ذُكِر مِنْ فِعلِه-؛ فبناءُ الآخِرِ على الأوَّلِ اقتَضَى أنْ يكون: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وأمَّا الآيةُ الثانية في سُورةِ يونس فخَتَمَها بقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ؛ لأنَّها تَقدَّمَتْها الآيةُ التي تَضمَّنتْ وصْفَ هؤلاءِ القومِ بما عاقبَهم به؛ حيث قال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس: 13]، فوصَفَهم بأنَّهم مُجرِمون عندَ تعليقِ الجزاءِ بهم، وقال بعده: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ... إلى الموضِعِ الذي أَبطلَ فيه حُجَّتَهم ودفَعَ سؤالَهم، وهو ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: 14- 15]، فقال تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ؛ ليُعلمَ أنَّ هؤلاءِ سبيلُهم في الضَّلالِ سبيلُ القومِ الذين أَخْبَر عن هَلاكِهم، وقال: كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس: 13]؛ ليُوقِعَ التَّسْويةَ بينهم في الوَصفِ كما أوْقعَ التسويةَ بينهم في الوعيدِ.
وأيضًا لَمَّا كان قولُ فُصحاءِ العربِ العالِمِين بمقاطِعِ الكلامِ، وجليلِ النَّظْمِ وعَلِيِّ البلاغةِ: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ مع عِلمِهم بعَليِّ فصاحتِه، واعترافِهم بالعجزِ عنه- لَمَّا كان قولُهم هذا فيه الجَمْعُ بين إنكارِ ما عَلِموا صِدقَه، ممَّن عرَفوا على حالِهِ وجليلِ مَنصبِه، وبَينَ قولِهم في إنكارهم: أَوْ بَدِّلْهُ؛ فلا أَظلمَ مِن هؤلاءِ، ثم في إنكارِهم وقولهم: أَوْ بَدِّلْهُ أعظمُ إقدامٍ، وأوضحُ إجرامٍ؛ لأنَّه كُفرٌ على عِلمٍ؛ فلهذا أُعْقِبتِ الآيةُ هنا بقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ولم يَقَعْ قبل التي في سورةِ الأنعام مِثلُ هذا الإقدامِ على مِثلِ هذه الجريمةِ في القَولِ، وإنَّما تَقدَّم عَداوتُهم وظُلمُهم أنفسَهم في مُرتَكَباتِهم وتَعامِيهم، فناسَبَه قولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وقيل غيرُ ذلِك في هذه المناسَبة [370] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/498- 502)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/150)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 161-162). .
- والجَمْعُ بين الأمرَينِ: الافتراءِ على اللهِ الكذبَ، أو التكذيبِ بآياتِ اللهِ في قوله: افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ؛ للتنبيهِ على أنَّ كُلًّا منهما وحْدَه بالغٌ غايةَ الإفراطِ في الظُّلم على النفس [371] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/157). .
- وقوله: كَذِبًا مصدرٌ مُؤكِّدٌ للافتراءِ، وهو أعمُّ منه [372] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/172). .
- قوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الجملةُ تذييلٌ [373] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/172). ، والضميرُ في إِنَّه ضميرُ الشأنِ، ومدارُ وضْعِه موضعَه ادِّعاءُ شُهرتِه المغْنِيةِ عن ذِكرِه؛ وفائدةُ تصديرِ الجملةِ به: الإيذانُ بفخامةِ مَضمونِها، مع ما فيه مِن زيادةِ تَقريرِه في الذِّهن [374] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/119). .
4- قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَيَوْمَ منصوبٌ على المفعوليَّةِ بفِعلٍ مُضمَرٍ مُقدَّمٍ تقديرُه: اذْكُرْ أو انظُر [375] وقيل: الأظهرُ أنْ يُقدَّرَ العاملُ المحذوفُ ممَّا تدلُّ عليه المعطوفاتُ، وهي: نقولُ، أو قالوا، أو كذبوا، أو ضلَّ، وكلُّها صالحةٌ للدَّلالةِ على تَقديرِ المحذوفِ، وليستْ تلك الأفعالُ متعلِّقًا بها الظَّرفُ، بل هي دَلالةٌ على المتعلِّقِ المحذوفِ؛ لأنَّ المقصودَ تهويلُ ما يَحصُلُ لهم يومَ الحَشرِ مِن الفِتنةِ والاضطرابِ الناشئَينِ عن قولِ الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ، وتصويرُ تِلك الحالةِ المهولةِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/173). ؛ تهويلًا للأمْرِ وللتَّخويفِ والتَّحذيرِ، أو منصوبٌ لمحذوفٍ متأخِّر، تقديرُه: ويومَ نَحشرُهم كانَ كيتَ وكيتَ؛ فتُرِكَ ليبقَى على الإبهامِ الذي هو أَدْخلُ في التَّخويفِ [376] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/12)، ((تفسير البيضاوي)) (2/157)، ((تفسير أبي حيان)) (4/463)، ((تفسير أبي السعود)) (3/119). ، وتقديرُ صِيغةِ الماضِي (كَانَ)؛ للدَلالةِ على التحقُّقِ، ولحُسنِ مَوْقِعِ عَطفِ قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ... عليه [377] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/119). .
- قوله: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ الاستفهامُ مرادٌ به التوبيخُ والاحتجاجُ، والتبكيتُ والتأنيبُ، والتقريعُ عمَّا كان المشرِكون يَزعُمونه؛ مِن أنَّ شُركاءَهم تَشفعُ لهم عندَ الله، أو أنَّها تَنصُرُهم عندَ الحاجةِ [378] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/12)، ((تفسير الرازي)) (12/502)، ((تفسير البيضاوي)) (2/157)، ((تفسير أبي حيان)) (4/464)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/175)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/288). .
- وأضافَ الشُّركاءَ هنا في قوله: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ إليهم؛ وذلك على حسَبِ ما كانوا يُسمُّونَه ويَعتقِدونَه فيهم، أو لأنَّهم كانوا مِن جِنسِهم وجَوهرِهم، يَفْنَوْن كما يَفْنَوْن هم، وفي آياتٍ أُخرَى قال: أَيْنَ شُرَكَائِيَ [النحل: 27، القصص: 62-74، فصلت: 47]؛ فأضافَهم إلى نفْسِه حِكايةً لقَولِهم، واللهُ لا شَريكَ له، والمعنى: أينَ الذين في دَعواكم أنَّهم شُركائِي، فأضافَهم على حسَبِ ما كانوا يَقولونَه، ويَنسُبونَه [379] يُنظر: ((تفسير الماتريدي)) (4/44)، ((التفسير البسيط)) للواحدي (13/47). .
- وقد حُذِفَ المفعولُ الثَّاني لقوله: تَزْعُمُونَ [380] أمَّا المفعولُ الأوَّلُ فحُذِفَ على طريقة حَذْفِ عائد الصِّلَة المنصوبِ؛ إذ التقدير: تزعمونهم شركائي. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/175). ؛ ليعمَّ كلَّ ما كانوا يَزعُمونه لهم؛ مِن الإلهيَّةِ والنَّصرِ والشَّفاعةِ [381] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/175). .
5- قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
- عطفَ بـثُمَّ؛ لأنَّ القولَ متأخِّرٌ عن زمَنِ حشْرِهم بمهلةٍ؛ لأنَّ حِصَّةَ انتظارِ المجرمِ ما سيَحلُّ به أشدُّ عليه، ولأنَّ في إهمالِ الاشتغالِ بهم تَحقيرًا لهم [382] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/174). .
- قوله: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا... الفِتنةُ يحتملُ أنْ تكونَ هنا بمعنى اضطرابِ الرأيِ، والحَيرةِ في الأمْرِ؛ فيكون في الكلامِ إيجازٌ، والتَّقدير: فافتَتنوا في ماذا يُجيبون، فكان جوابُهم أنْ قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فعدَلَ عن المقدَّرِ إلى هذا التركيبِ؛ لأنَّه قد عُلِم أنَّ جوابَهم ذلك هو فِتنتُهم؛ لأنَّه أثَرُها ومَظْهرُها، ويَحتملُ أنْ تكونَ الفِتنةُ أُطلِقتْ على معناها الأصليِّ، وهو الاختبارُ، والمرادُ به السؤالُ، ويَتعيَّن حينئذٍ تقديرُ مضافٍ، أي: لم يكُن جوابَ فِتنَتِهم، أي: سؤالِهم عن حالِ إشراكِهم إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [383] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/176). .
- قوله: قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فيه استعمالُ الماضِي مَوضِعَ المستقبلِ؛ تحقيقًا لوقوعِه ولا بدَّ [384] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/467). .
- وذِكرُهم الربَّ بالإضافةِ إلى ضَميرهم وَاللَّهِ رَبِّنَا مبالغة منهم في التنصُّلِ مِن الشِّركِ، أي: لا ربَّ لنا غيرُه، وقد كذَبوا وحَلَفوا على الكَذبِ؛ جَريًا على سَنَنهم الذي كانوا عليه في الحياةِ [385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/177). .
6- قوله: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ عبَّر بالفِعلِ الماضِي كَذَبُوا وإنْ كانَ معناه مُستقبَلًا؛ لأنَّه في يومِ القِيامةِ؛ فهو لتحقُّقِ المعنى أَبْرَزَه في صُورةِ الماضي [386] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/77). ، فالأمْر وإنْ لم يكُن قدْ أتى بَعدُ؛ فإنَّ هذا على حِكايةِ الحالِ، واللهُ عزَّ وجلَّ دائمًا يَحكي الأشياءَ المستقبلةَ حتى يَتصوَّرَها الإنسانُ وكأنَّها واقعةٌ، وإنَّما يكون ذلك؛ لأنَّ الشيءَ المستقبَلَ المُحقَّق يكونُ كالواقِع تمامًا؛ ولهذا قال الله عزَّ وجلَّ: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1] مع أنَّه ما أتَى، بدليل قوله: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ؛ فيكونُ التعبير بالماضِي على حِكاية الحال حتى يتصوَّرَ الإنسانُ، وكأنَّ الشيءَ بينَ يديه [387] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأنعام)) (ص: 127). .