موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (104-113)

ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ

غريب الكلمات:


رَاعِنَا: من رعيتُ الرجل: إذا تأمَّلته، وتعرَّفْت أحواله. وكانت اليهود تقوله للنبي صلَّى الله عليه وسلم، على سبيل التَّهكُّم والسبِّ، يقصدون به رميه بِالرُّعُونَة من رعن، وأصلها هوج واضطراب [915] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 60)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/407)، ((المفردات)) للراغب (ص: 358). .
نَنْسَخْ: ننقل ونزيل ونُبطل، وأصل النَّسخ: رفْع شيءٍ وإثباتُ غيرِه مكانَه، أو تحويلُ شيءٍ إلى شيء [916] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 459)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/424)، ((المفردات)) للراغب (ص: 801)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 892). .
وَاصْفَحُوا: الصَّفح: ترْك التثريب واللومِ، والإِعراضُ عن الذَّنب؛ لأنَّه إذا أعرض عنه فكأنَّه قد ولَّاه صَفْحتَه، أي: عُرْضَه، وأصل الصفح: عرض الشَّيء وجانبُه، فصفحة العنق جانبها [917] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/293)، ((المفردات)) للراغب (ص: 486)، ((تاج العروس)) للزبيدي (6/539). .
بُرْهَانَكُمْ: حُجَّتكم ودَلالتكم، وأصله: وضوح الشَّيء [918] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/254)، ((المفردات)) للراغب (ص: 121)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 248). .

المعنى الإجمالي:


نهى اللهُ المؤمنين أن يقولوا لنبيهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ كلمة (رَاعِنَا)، التي كانت اليهود تقولها، تقصِد بها السُّخريةَ من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ونسبته إلى الرعونة، وإنْ لم يكُن مرادُ المؤمنين كمراد اليهود، وأبدلَهم لفظةَ (انْظُرْنَا) التي لا تحتمل ما تحتمله كلمة (رَاعِنَا) من معنى سيِّئ، وأمَرَهم أن يستجيبوا لِمَا يأمرهم به، وأعْلَمهم أنَّ للكافرين عذابًا مُوجِعًا.
ثم يُخبر سبحانَه عبادَه المؤمنين أنَّ الكافرين عمومًا سواء من الكتابيِّين أو المشركين، لا يُحبُّون أن يُنزِّل الله على عباده المؤمنين خيرًا، ومن ذلك القرآنُ الكريم، لكنَّ الله سبحانه يختصُّ برحمته- والتي منها النبوَّة والرِّسالة- مَنْ أراد مِن عبادِه، كما منَحَها نبيَّنَا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ.
ثم أخبر الله عزَّ وجلَّ أنَّ ما يرفعه من حكم آيةٍ، أو ما يزيله من الآيات فيُمْحى من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، أو ما يؤخِّر نزوله منها، أنَّه في جميع هذه الحالات يأتِـي سبحانه ببديلٍ عنها يكون أفضلَ لعباده، أو مثلَه، وذلك من تمام قُدرته سبحانه، ومُلكِه النافذ على جميعِ خَلْقه؛ فهو يَحكُم في عبادِه بما يشاء، وليس لهم مَن يَجلِب لهم خيرًا، أو يَدفَع عنهم شرًّا أو ينصرهم دون الله.
ثم حذَّر سبحانه جميعَ الناس؛ مؤمنهم وكافِرهم من سؤال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ تعنُّتًا،كطلبهم رؤيةَ بعض الآيات، كما فعَل اليهودُ مع موسى عليه السَّلام؛ فإنَّ مَن يختار الكفرَ فقد انحرَفَ عن الطريق القويم.
ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ كثيرًا من اليهود والنَّصارى يتمنَّوْن أن يترُك المسلمون دِينهم؛ وذلك لحسدِهم المؤمنين على ما مَنَّ اللهُ به عليهم من الهِداية التي جاء بها محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وذلك بعد أن اتَّضح لأهل الكِتاب يقينًا أنَّ ما جاء به هو الحقُّ.
ثمَّ أمرَ اللهُ المؤمنين أن يُعرِضوا عنهم، ويَعْفوا ويَصفحوا حتى يأتيَ الله بحُكمه فيهم، وقد جاء أمرُ الله لاحقًا، بأنْ أمرَ المؤمنين بقِتالهم، إنْ لم يدفعوا الجزيةَ.
ثم حثَّ اللهُ المؤمنين على عِبادته، فأمَرهم أن يؤدُّوا الصَّلاة تامَّة بأركانها وواجباتها، ويؤتوا الزكاة المشروعة، ووعَدهم سبحانه بأنَّ كلَّ ما يفعلونه من خير سيجدونه عند الله، فهو سبحانه لا يَخفَى عليه شيءٌ، فهو مطَّلع على جميعِ أفعالهم.
ثم أخبرَ سبحانه أنَّ اليهود يدَّعُون أنَّ الجنة لن يَدخُلَها إلَّا من كان يهوديًّا، وأنَّ النصارى يدَّعون أيضًا أنَّ الجنة لن يَدخُلَها إلَّا مَن كان نصرانيًّا، وأخْبَر جلَّ وعلا أنَّ تلك الادعاءاتِ إنَّما هي مجرَّد أمانيَّ كاذبةٍ، وأمَر الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يَطلُب منهم الحُجَّة على ما يَدَّعون إنْ كانوا مُحقِّين.
بل إنَّ الأمر ليس كما يدَّعون ويتمنَّوْن، بل الحقيقة أنَّ مَن أخلصَ العمل لله تعالى وحده، سائرًا على نهجِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فله ثوابُه عند الله، ولا خوفٌ عليه ممَّا يستقبله من أمور الآخِرة، ولا يحزنُ على ما فاته في الدُّنيا.
ثم أخْبَر الله تعالى أنَّ اليهود والنَّصارى يدَّعي كلٌّ منهم أنَّ دِين الآخَر ليس فيه شيءٌ من الحقِّ، مع أنَّهم يتلون كُتُبهم، والتي تتضمَّن تكذيبهم فيما زعَموا، فالإنجيل يتضمَّن صِدق موسى وتقريرَ التوراة، والتوراةُ فيها التبشير بعيسى وصحَّة نبوَّته، وكذا قال بمِثل قولهم أُناسٌ من أهل الجَهل ليس لديهم عِلمُ مَن يتلون الكتاب.
ثم أخبر اللهُ تعالى أنَّه سيَقضي يوم القِيامة بين هؤلاء المختلِفين، والذين قال بعضُهم لبعض: لستُم على شيءٍ من الحقِّ، وسيَجزي اللهُ تعالى كلَّ مُبطِل على باطلِه.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا.
أي: نُهِي المسلمون عن قول هذه الكلِمة التي كانتِ اليهود تقولُها- وإنْ كانت من اليهودِ قبيحةً، ومِن المسلمين ليستْ كذلك- لما فيها من مُشابهةِ الكفَّار، ولكونها وسيلة إلى بلوغ غرَضهم، فالمسلمون يَعنُون بها طلبَ المراعاة، واليهود يعنون بها الرُّعونةَ؛ سخريةً من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [919] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/189)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تَيميَّة (1/175)، ((تفسير ابن كثير)) (1/373)، ((تفسير السعدي))، (ص: 61)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/76)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/338). .
وَقُولُوا انْظُرْنَا.
أي: أمَر الله تعالى عبادَه المؤمنين بلفظةٍ لا تحتمِل إلَّا معنًى حسنًا، بديلًا عن قولهم: راعِنا، للنبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهي: انظُرْنا، أي: انتظرنا وأمهِلْنا حتى نفهم عنك ونتعلم منك [920] ممَّن قال بهذا المعنى: ابن جرير في ((تفسيره)) (2/385)، والواحدي في ((التفسير الوسيط)) (1/187)، وابن عثيمين في ((تفسيرالفاتحة والبقرة)) (1/338). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 61). وقيل: انظرنا من النَّظر، بمعنى التدبُّر والنظر في حالهم؛ ليحصُلَ الرِّفقُ والتيسير. وممَّن قال بهذا المعنى: ابن عطية في ((تفسيره)) (1/189)، والقرطبي في ((تفسيره)) (2/60)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (1/651-652). .
وَاسْمَعُوا.
أي: أمَرَهم الله تعالى أن يَسمعوا لأوامره سَماعَ استجابةٍ وطاعةٍ [921] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/385)، ((تفسير ابن عطية)) (1/189)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/338-339). .
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: أخبَر سبحانه عمَّن جحَد آياتِ الله تعالى من اليهود ومِن غيرهم، أنَّ لهم في الآخرة عذابًا مؤلِمًا موجِعًا [922] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/385)، ((تفسير ابن عطية)) (1/189 - 190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61). .
قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 46].
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105).
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
أي: لا يحبُّ الكفَّارُ من أهل الكتاب، أو مِن المشركين أن يُنزِّل الله تعالى على المؤمنين أيَّ خيرٍ منه سبحانه، ومِن ذلك الوحيُ المنزَّل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: القرآن الكريم [923] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/386-387)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/187)، ((تفسير ابن عطية)) (1/190)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/340-341). .
وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
أي: إنْ كان الكفَّارُ لا يودُّون لأحدٍ من المؤمنين خيرًا ينزل عليه من الله تعالى، فاللهُ يُريد ذلك؛ فهو الذي يُؤثِر برحماته مَن شاء مِن عباده بعِلمه وحِكمته، ومن ذلك منْح النبوَّة والرِّسالة لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فهو رحمة له ولغيره، وهو سبحانه ذو العَطاء الواسِع الكثير [924] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/387)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/187)، ((تفسير ابن عطية)) (1/190)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/653-654)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/341). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ معنى بِرَحْمَتِهِ النبوَّة: مجاهد، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/199). .
كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113].
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106).
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
أ- في قوله تعالى: نَنْسَخْ قِراءتان
1- (نُنْسِخْ) من أنسختُ الكتاب إنساخًا، أي: وجدته منسوخًا [925]قرأ بها ابنُ عامرٍ من غير طريقِ الدَّاجونيِّ عن هِشامٍ. ((النشر)) لابن الجزري (2/219). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص:109)، ((الكشف)) لمكي (1/257). .
2- (نَنْسَخْ) من نَسَخَ، بمعنى أزال، وغيَّر [926] قرأ بها الباقون، وكذا رواه الدَّاجُونيُّ عن أصحابه، عن هِشامٍ. ((النشر)) لابن الجزري (2/219). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص:109)، ((الكشف)) لمكي (1/257). .
ب- وفي قوله تعالى: نُنْسِهَا قِراءتان
1- (نَنْسَأْها) من التأخير؛ لأنَّ نَسَأَ أي أخَّر [927] قرأ بها ابنُ كَثير، وأبو عَمرو. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/220). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الكشف)) لمكي (1/258-259). وذهب ابنُ جرير إلى أنَّ قراءة نَنْسَأها أي نؤخِّرها، راجعةٌ إلى معنى قراءة نُنْسِها بمعنى التَّرْك عنده؛ لأنَّ كلَّ متروكٍ فهو مؤخَّرٌ، ما دام باقيًا على حال التَّرْك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/397). .
2- (نُنْسِهَا) من النِّسيان [928] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/220). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الكشف)) لمكي (1/258-259). .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
أي: ما نرفع من حكم آيةٍ فنبدِّله ونغيِّره [929]يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/388-389)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 123)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/656-660)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/445)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/346). .
أَوْ نُنْسِهَا
أي: أو ما نُزِلْه من الآيات؛ فنَمْحُه من قلبِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم [930] وهذا اختيار الواحدي في ((الوجيز)) (ص: 123)، وابن تيمية في ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/183-187)، والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 62)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (1/656-660)، وابن عثيمين في ((تفسيرالفاتحة والبقرة)) (1/346). وممَّن قال بنحو ذلك من السَّلف: ابن عباس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/200)، وقال بنحوه أيضًا: قتادة، والحسن، وعبيد بن عمير، والربيع. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/391، 393). وذهب ابن جرير إلى أن المراد بالنسيان هنا: الترك، فيكون المعنى: أو نترك نسخها. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/397). .
وعلى قراءة: أَوْ نَنْسأهَا يكون المعنى: أو ما نؤخِّر نزوله منها [931] وهذا اختيار الواحدي في ((التفسير الوسيط)) (1/189)، وابن تيمية في ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/186-190)، واعتبر ابن عطية، وابن عثيمين أن تفسير النسأ هنا بتأخير النزول، معنىً محتملًا في الآية. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/193)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/346). وممَّن قال من السلف أن النسأ بمعنى التأخير: عُمرُ بن الخطَّاب، وأبو العالية، وعَطاء، ومجاهد، وأبو نجيح، وعطيَّة، وعُبَيد بن عُمَير، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/395)، ((تفسر ابن أبي حاتم)) (1/201). .
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.
أي نأتِ بخيرٍ من الذي نسخناه أو محوناه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أو بمثله في خيريَّته ووجوه نفْعه [932] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/402-403)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/190)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/53-54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 61). .
وعلى قراءة ننسأها يكون المعنى: نأتِ بخيرٍ من الذي نسخناه أو أخَّرنا نزوله أو بمثله في خيريَّته ووجوه نفْعه [933] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/189-190)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (17/188-189). .
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: إنَّ الله تعالى يَنْسَخُ ما يشاء، ويُثبت ما يشاء، ويَحكُم بما يشاء، فهو القويُّ والقادِر على ذلك، ولا يُعجزه شيءٌ أبدًا، والخطاب للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأُمَّتُه تبعٌ له فيه [934] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/403)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/190)، ((تفسير ابن عطية)) (1/194)، ((تفسير ابن كثير)) (1/378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/347-348). .
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107).
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ما دام أنَّ الله تعالى مالكٌ لجميع خلْقه، ومتصرِّف فيهم بما يَشاء؛ إذ له الخَلْق والأمر، فكذلك يحكُم في عباده بما يَشاء، فيُحلُّ ما يشاء، ويُحرِّم ما يشاء، ويُبيح ما يشاء، ويحظُر ما يشاء، وهو الذي يحكُم ما يريد ولا مُعقِّب لحُكمه [935] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/407)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 124)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/352). .
وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
أي: ما لكم سوى الله عزَّ وجلَّ أيُّ أحدٍ يتولَّاكم، فيَجلِب لكم الخير، وليس لكم سوى الله تعالى أيُّ أحدٍ ينصرُكم، فيدفع عنكم الشرَّ [936] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/407-408)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 124)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/351). .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108).
سبب النُّزول:
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((قال رافعُ بن حُرَيمِلةَ ووهْبُ بن زيدٍ لرسولِ الله: يا محمَّد، ائتنا بكتاب تُنزله علينا من السَّماء نَقرؤه، أو فجِّر لنا أنهارًا، نَتَّبعْك ونُصدِّقك، فأنزل اللهُ في ذلك: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ إلى قوله: سَوَاءَ السَّبِيلِ)) [937] أخرجه ابن إسحاق في ((سيرة ابن هشام)) (1/547)، وابن جرير في ((تفسيره)) (2/490)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (1/202). جوَّد إسناده ابن حجر في ((العجاب)) (1/351). .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.
نَهى الله تعالى في هذه الآيةِ الناسَ، مؤمنهم وكافرهم، عن سؤال رسولِهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- الذي أُرسل للناس كافَّةً- أسئلةَ تعنُّتٍ أو اعتراض، أو اقتراحٍ للآيات، كما كان سلَف اليهود يَسألون موسى عليه السَّلام أسئلةً من هذا القَبيل [938] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/413-414)، ((تفسير ابن كثير)) (1/380-381)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/353-354). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة: 101- 102].
وقال سبحانه: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء: 153].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 89 - 93].
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا كانت المسائلُ المنهيُّ عنها مذمومةً؛ فبعضها كفر، وبعضها قد تصِل بصاحبها إلى الكُفر، حذَّر الله تعالى من ذلك فقال [939] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/667). :
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
أي: مَن أخذ الكفر عِوضًا عن الإيمان، فقد حادَ عن وسَط الطريق، وانحرَف إلى جوانبه التي تُفضِي به إلى طُرق الهلاك [940] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/414-418)، ((تفسير ابن كثير)) (1/381-382)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/354). .
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109).
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا.
أي: إنَّ كثيرًا من اليهود والنَّصارى يتمنَّون بكلِّ قلوبهم أن يرتدَّ المؤمنون عن دِينهم، فيَكفروا [941] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/418-419)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/669-670)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/357). .
وقد سعَوا في ذلك، وأعمَلوا المكايد، كما قال تعالى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72].
وقال سبحانه عن المنافقين: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: 89].
حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
أي: إنَّ تلك الأمنيةَ الصادرة عن كثيرٍ من أهل الكتاب؛ سببُها الحسدُ المتمكِّن والمتأصِّل في نفوسهم، للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ تعالى من فَضلِه، بالهداية إلى دِينه القويمِ، وهذا الحسَد إنَّما صدَر منهم بعدَ أن تبيَّن لهم الحقُّ المبِين [942] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/420-423)، ((تفسير ابن كثير)) (1/382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/670). .
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا.
أي: اتركوا عِقابَ أهلِ الكِتاب على مساوئ كلامِهم، وغلِّ قلوبهم، ومكْر أعمالهم؛ واترْكُوا لَومَهم ومعاتبتهم، وأَعْرِضوا عن ذلك كلِّه، وكأنَّ شيئًا لم يكُن [943] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/196)، ((تفسير القرطبي)) (2/71)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/670-671)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
قال تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186] [944] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (15/170). .
حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.
أي: حتى يُحدِث اللهُ تعالى لكم من أمْره فيكم ما يشاء، ويَقضي فيهم ما يُريد، بما يَشفِي غليلَكم، ويُذهِب غيظَ قلوبِكم [945] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/423)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/671)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
وقد أتَى هذا الأمرُ لاحقًا، بقتال الكفَّار مِن أهل الكِتاب، أو أخْذ الجِزيةِ منهم؛ ونُسِخ الأمرُ بالعفو والصَّفح بقوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29] [946] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2 /423-424) ((الناسخ والمنسوخ)) لابن حزم (ص:21)، ((الصارم المسلول)) لابن تَيميَّة (ص: 217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
عن أُسامةَ بنِ زيد رضي الله عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ركِب على حِمارٍ، عليه قَطيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ [947] فَدَكِيَّة: نِسبة إلى فَدَك، وهي قرية قريبة من المدينة. يُنظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (1/290)، ((الأنساب)) للسمعاني (10/150). ، وأسامةُ وَراءَه، يعودُ سعدَ بنَ عُبادَةَ في بني حارثِ ابنِ الخَزرَجِ، قبلَ وَقعةِ بدرٍ، فسارَا حتى مرَّا بمجلسٍ فيه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، وذلك قبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ، فإذا المجلسُ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ؛ عبَدَةِ الأوثانِ، واليهودِ، وفي المسلمينَ عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المجلسَ عَجاجَةُ الدابَّةِ، خمَّر ابنُ أُبَيٍّ أنفَه برِدائِه وقال: لا تُغَبِّروا [948] عَجاجة الدَّابَّة: هي الْغُبَار. وقَوْله: (لا تُغبِّروا عَلينا)، أَي: لا تثيروا الْغُبَار. يُنظر: ((عُمدة القاري)) للعيني (22/217). علينا، فسلَّم رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ عليهم، ثم وقَف، فنزَل فدَعاهم إلى اللهِ، وقرَأ عليهمُ القرآنَ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: أيُّها المرءُ، لا أحسَنَ ممَّا تقولُ إنْ كان حقًّا، فلا تؤذِنا به في مجالسِنا، فمَن جاءك فاقصُصْ عليه. قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ: بَلى يا رسولَ اللهِ، فاغشَنا في مجالسِنا؛ فإنَّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشرِكونَ واليهودُ حتى كادوا يتَثاوَرونَ، فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُخَفِّضُهم حتى سكَتوا، ثم ركِب رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ دابَّتَه، فسار حتى دخَل على سعدِ بنِ عُبادَةَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((أيْ سعدُ، ألم تَسمَعْ ما قال أبو حُبابٍ- يريدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ- قال كذا وكذا)). فقال سعدُ بنُ عُبادَةَ: أيْ رسولَ اللهِ، بأبي أنت، اعفُ عنه واصفَحْ، فوالذي أنزَل عليك الكتابَ، لقد جاء اللهُ بالحقِّ الذي أَنزَل عليك، ولقدِ اصطَلَح أهلُ هذه البَحرَةِ على أن يُتَوِّجوه ويُعَصِّبوه بالعِصابَةِ، فلمَّا رَدَّ اللهُ ذلك بالحقِّ الذي أعطاك شرِق بذلك، فذلك فعَل به ما رأيتَ. فعَفا عنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه يَعفُونَ عنِ المشركينَ وأهلِ الكتابِ كما أمَرهمُ اللهُ، ويَصبِرونَ على الأَذى؛ قال اللهُ تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الآية. وقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يتَأَوَّلُ في العفوِ عنهم ما أمَره اللهُ به، حتى أذِن له فيهم، فلمَّا غَزا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بدرًا، فقتَل اللهُ بها مَن قتَل من صَناديدِ الكفَّارِ وسادَةِ قريشٍ، فقفَل رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه منصورينَ غانِمينَ، معَهم أُسارى من صَناديدِ الكفارِ، وسادَةِ قريشٍ، قال ابنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ ومَن معَه منَ المشركينَ عَبَدَةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قد تَوَجَّهَ، فبايَعوا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على الإسلامِ، فأسلَموا )) [949] رواه البخاري (6207). .
إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: إنَّ الله تعالى يَفعَل ما يشاء، فهو القويُّ والقادِر على ذلك، ولا يُعجِزه شيءٌ أبدًا [950] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/425)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110).
أي: حثَّ الله تعالى عِباده المؤمنين على الاشتغال بما ينفعُهم أكثرَ، وهو أداءُ الصَّلاة بحدودها وفروضها تامَّةً كما أمَر الله عزَّ وجلَّ، وإيتاء الزَّكاة كما شُرعت، ووعدهم بأنَّهم مهما فعَلوا من خير، فلن يَضيعَ، بل هو محفوظٌ ومدَّخَرٌ لهم عند البصير العليم، الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ من أعمالهم الظاهِرة والباطِنة [951] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/425-427)، ((تفسير ابن كثير)) (1/383-384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62). .
كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء: 77].
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111).
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.
أي: وقالت اليهودُ: لن يَدخُلَ الجنَّةَ إلَّا مَن كان يهوديًّا، وقالت النَّصارى: لن يَدخُل الجَنَّةَ إلَّا مَن كان نصرانيًّا [952] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/428-429)، ((تفسير ابن كثير)) (1/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62). .
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ.
أي: إنَّ تلك الدَّعاوى التي يُطلقها اليهودُ والنَّصارى، إنَّما هي مجرَّدُ أباطيل وأمانيِّ نفوسٍ كاذبة، يتمنَّونها على الله تعالى بغير حقٍّ [953] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/429)، ((تفسير ابن كثير)) (1/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 62). .
كما قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: 123].
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
أي: هذا أمرٌ من الله تعالى لرسوله محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بدعاء أصحاب تلك الدَّعوى من اليهود والنَّصارى، إلى إحضار الحُجَّة على دَعواهم تلك، إنْ كانوا محقِّين فيما يزعمون [954] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/429-431)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/192)، ((تفسير ابن عطية)) (1/198)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/366-367). .
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112).
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ.
أي: ليس الأمرُ كما قال الزَّاعمون بأمانيِّهم: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، ولكن مَن أخلص العملَ لله تعالى وحْدَه لا شريكَ له، وهو مع إخلاصه فيه مُتَّبِع لشريعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [955] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/431-433)، ((الاستقامة)) لابن تَيميَّة (2/305-307)، ((تفسير ابن كثير)) (1/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 63). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ معنى أَسْلَمَ وَجْهَهُ، أي: أخلص لله: أبو العالية، والرَّبيع، وسعيد ابن جُبَير. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/208). .
فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أي: إنَّ للمسلمِ وجهَه لله تعالى مُحسِنًا، ثوابَه على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ، فهم أهل الجَنَّة وحْدهم، آمِنون؛ فلا خوفَ عليهم ممَّا يستقبلونه من أمور الآخِرة، وهم في سُرور دائم؛ فلا يَحزنون على ما فاتهم من أمور الدُّنيا، فحصَل لهم المرغوب، ونجَوْا من المرهوب [956] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/433-434)، ((تفسير ابن عطية)) (1/198)، ((تفسير ابن كثير)) (1/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 63)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/369-370). .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113).
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ.
أي: ضلَّل وكفَّر بعضُهم بعضًا، فادَّعى أهلُ كلِّ دِينٍ منهم، أنَّ دِين الآخَر باطل، ليس فيه شيءٌ من الحقِّ مطلقًا [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/435-436)، ((تفسير ابن عطية)) (1/198)، ((الجواب الصحيح)) لابن تَيميَّة (1/115)، ((تفسير ابن كثير)) (1/386)، ((تفسير السعدي)) (ص: 63). .
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ.
أي: والحال أنَّ هؤلاء المدَّعين من اليهود والنصارى، يَقرؤون كتُبَهم ويعلمون ما فيها من الحقِّ، فيقرأ اليهود التوراة، ويقرأ النَّصارى الإنجيل، وكِلا الكِتابينِ شاهدانِ عليهما؛ فهما يقولان بخِلاف ما يقولون؛ فالإنجيل يَتضمَّن صِدقَ موسى وتقريرَ التوراة، والتَّوراة تتضمَّن التبشيرَ بعيسى وصِحَّة نبوَّته، وكِلاهما يتضمَّنان صِدقَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فكيف يدَّعي كلٌّ منهما أنه ليس في دِين الآخر شيءٌ من الحقِّ مطلقًا [958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/437)، ((تفسير ابن عطية)) (1/198)، ((تفسير ابن كثير)) (1/386)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/372). ؟!
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.
أي: أخبَر الله تعالى عن قوم نفَى عنهم العِلم بما كانت اليهودُ والنصارى به عالِمين، أنَّهم قالوا -بسبب جهلِهم- نظيرَ ما قاله اليهودُ والنَّصارى بعضُهم لبعض، من أنَّهم ليسوا على شيءٍ من الحقِّ، وهذا تعريضٌ من الله تعالى بهؤلاء اليهود والنَّصارى؛ زيادةً في التشنيع على ما قالوه لبعضهم، حيث اشتَركوا وهم أهلُ كتاب، مع أهلِ الجَهالة في المقالة نفْسها [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/439-440)، ((تفسير ابن كثير)) (1/386-387)، ((تفسير السعدي)) (ص: 63)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/373). .
فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
أي: إنَّ الحَكَم العدل سبحانه وتعالى، يتوعَّد هؤلاءِ المختلِفين- القائِلِ بعضُهم لبعض: لستُم على شيء من الحقِّ- بأن يقضيَ ويَفصِل بينهم يومَ تقومُ الساعة، ويقومُ الناس من قُبورهم، وأنَّه سيَجزي كلَّ مبطل على باطله؛ فإنَّه لا نجاةَ لِمَن لم يؤمِن بجميع الأنبياء والمرسَلين عليهم الصَّلاة والسَّلام [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/440)، ((تفسير ابن كثير)) (1/387)، ((تفسير السعدي)) (ص: 63)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/678). .

الفوائد التربويَّة:


1- أنَّ الإيمان مقتضٍ للأخلاق الفاضِلة؛ لأنَّ مراعاة الأدب في اللَّفظ من الأخلاق الفاضِلة، وقد أمَر الله تعالى بها، مخاطبًا بذلك أهلَ الإيمان، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا [961] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/339). .
2- من الأدَب الحِرصُ على اختيار الألفاظ الحسَنة، ومِن ذلك تجنُّب الألفاظ التي تُوهِم سبًّا، وشتمًا؛ لقوله تعالى: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [962] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/339). .
3- أنَّ خيرَ الله تعالى لا يَجلِبه ودُّ وادٍّ، ولا يردُّه كراهةُ كارهٍ؛ لقوله: وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [963] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/341). .
4- يجب على المسلم الحذرُ من كلِّ تصرُّف يصدُر عن اليهود والنصارى، والمشركين عمومًا، مع اتِّخاذهم أعداءً؛ ولذا يحرُم على المسلمين أن يُوَلُّوا الكفَّارَ أيَّ قيادة؛ لأنَّهم ما داموا لا يودُّون للمسلمين الخيرَ، فلن يقودوهم له، مهما كان الأمرُ، كما قال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 105] [964] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/342). .
5- مراعاةُ الأحوال، حيثُ قال تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ [965] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/361). .
6- في قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ بِشارةٌ للمؤمنين بأنَّ الله سبحانه وتعالى سيغيِّر حالَهم المقتضية للعفو والصَّفح، إلى قوَّةٍ يَستطيعون بها جهادَ العدوِّ [966] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/362). .
7- إقام الصلاة لا يعني مجرَّد أدائها، وإنما هو القيام بحقوقها الرُّوحيَّة في صورتها العَمليَّة، وذلك بالتوجُّه إلى الله سبحانه، ومناجاتِه، والانقطاعِ إليه عمَّا عداه، وإشعار القلْب بعظمته وكبريائه، فبهذا الشُّعور ينمو الإيمان، وتَقوى الثقةُ بالله تعالى، وتتنزَّه النَّفسُ عن أن تأتيَ الفواحش والمُنكَرات، وتستنير البصيرةُ؛ فتكون أقوى نفاذًا في الحق، وأشدَّ بُعدًا عن الأهواء، فنفوس المصلِّين جديرة بالنَّصر؛ لِمَا تُعطيها الصَّلاة من القوَّة المعنويَّة، ومن الثِّقة بقُدرة الله عزَّ وجلَّ [967] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (1/348). .
8- أنَّ إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة من أسباب النَّصر؛ لأنَّ الله ذكَرها بعد قوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: 109]؛ وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 40-41] [968] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/365). .
9- أنَّ مَن اغترَّ بالأماني، وطمِع في المنازل العالية بدون عملٍ لها، ففيه شَبَهٌ من اليهود، والنَّصارى، كما قال تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [969] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/368). .
10- في قوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ... التحذير من التعصب في الدين والترامي بالكفر، وتفريق كلمة المسلمين، والله تعالى قد أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وقد امتاز أهل الحق، من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعما مضى عليه المسلمون [970] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/226). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ أحكام الله سبحانه وتعالى تختلفُ في الخيريَّة من زمانٍ إلى زمان؛ فقد يكون الحُكم خيرًا للعباد في وقت، ويكون غيرُه خيرًا لهم في وقتٍ آخَرَ، كما قال سبحانه وتعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [971] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/349). .
2- أنَّ القادر على تغيير الأمور الحِسيَّة قادرٌ على تغيير الأمور المعنويَّة كذلك؛ فكما أنَّ الله تعالى قادرٌ على تغيير الأمور الكونيَّة، فهو كذلك قادرٌ على تغيير الأمور الشرعيَّة؛ لقوله تعالى بعد ذِكر النَّسخ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [972] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/349). .
3- ذِكر ما يَطمئنُّ به الإنسان حين يُخشى أن يُقلِق الأمرُ فِكرَه ويَشغل قلبَه؛ لقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا [973] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/350). .
4- تأكيد ذمِّ الأسئلة المتعنِّتة؛ لقوله تعالى: رَسُولَكُمْ؛ فكأنَّه يعني أنَّه لَمَّا كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم تُجاهَه عدمُ إعْناته بالأسئلة [974] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/355). .
5- عِلم اليهود والنصارى بأنَّ الإسلام مَنقبةٌ عظيمة لمتَّبعه؛ لقوله تعالى: حَسَدًا؛ لأنَّ الإنسان لا يُحسد إلَّا على شيء يكون خيرًا، ومنقبةً عظيمة، ويدلُّ على ذلك، قوله تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 105] [975] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/360). .
6- بيان خُبث طويَّة هؤلاء الذين يودُّون وقوعَ المسلمين في الكُفر؛ لقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، فليس هذا صادرًا من كتاب، ولا مِن إساءة المسلمين إليهم، ولكنَّه من عند أنفسهم؛ فهي أنفُسٌ خبيثة تودُّ الكفرَ للمسلمين حسدًا [976] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/360). .
7- عدلُ الله عزَّ وجلَّ في مخاطبة عِبادِه، حيث قال سبحانه: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ؛ لأنَّ هذا من باب مراعاة الخَصم، وأنَّه إنْ كان لكم بيِّنة فهاتوها؛ وهذا- لا شكَّ- من أبلغِ ما يكون من العدْل، وإلَّا فالحُكم لله العليِّ الكبير، وهؤلاء لا بُرهان لهم على ما ادَّعَوه بدليل أنَّهم لم يأتوا به [977] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/368). .
8- أنَّ أهلَ الجنة هم الذين جمَعوا بين وصفينِ؛ الأوَّل: الإخلاص لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ؛ والثاني: اتِّباع شرْعه؛ لقوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ [978] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/370). .
9- عِظم الثواب؛ لإضافته إلى الله الوهَّاب، في قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِ [979] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/371). .
10- انتفاء الخوفِ والحزن لِمَن عبَدَ اللهَ عزَّ وجلَّ بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة، كما قال تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [980] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/371). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: فيه الافتتاح بحسن النِّداء، وإثبات وصْف الإيمان لهم؛ للإعانة على الاستجابة للأمر بعد النِّداء [981] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/566-567)؛ فقد قال: (وقد تضمَّنت هذه الآيات الشريفة أشياء؛ منها: افتتاحها بحُسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأنْ نُهوا عن قول لفظ؛ لإيهام ما إلى لفظ أنصَّ في المقصود، وأصرحَ في المطلوب. ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذلُّه ويُهينه. ثم نبَّه على أنَّ هذا الذي أُمرتم به هو خير، وأنَّ الكفار لا يودُّون أن ينزل عليكم شيء من الخير. ثم ذكر أنَّ ذلك ليس راجعًا لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختصُّ به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع. ولَمَّا كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله. وأن من كان قادرا على كل شيء، فله التصرف بما يريد من نَسْخ وغيره. ونبَّه المخاطَب على عِلمه بقُدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائرِ المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانعٍ يمنعنا منه). .
2- في قوله: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا بُدِئ بالنهي؛ لأنَّه أسهل؛ لأنَّه من باب التروك، ثم أُتي بالأمر بعده الذي هو أشقُّ؛ لحصول الاستئناسِ قبلُ بالنَّهي [982] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/542). .
3- قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فيه: الإظهار في موضع الإضمار في قوله وَلِلْكَافِرِينَ؛ للدَّلالة على سبَب العذاب، وأنَّ سبَّ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم كُفرٌ، ولبيان أنَّ هذا العذاب يعمُّ كلَّ كافر [983] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 148). .
وفيه: تقديم الجار والمجرور وَلِلْكَافِرِينَ؛ للتَّخصيص أو التقوية [984] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 148). .
وفيه جاء تنكير (عذاب) للتهويل والتخويف، وجاء وصفه بصيغة فعيل أَلِيمٌ؛ للدَّلالة على شدَّته، والمبالغة في الوصف [985] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/36)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 30). .
4- قوله: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ
- فيه تقديم الجار والمجرور عَلَيْكُمْ؛ للاختصاص، وتقوية المعنى، ولإظهار كامل العناية بشأن المُنزَل والمُنزَل عليه [986] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 150). .
5- في قوله: وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فيه تأكيدُ الخبر بالجملة الاسميَّة (وَاللهُ يَخْتَصُّ - وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ) التي تدلُّ على الثُّبوت، والتعبير بالمضارع (يختصُّ) لتحقيقِ الوُقوع واستمراره أيضًا [987] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 150). .
وفيه: وضْع الظاهر وَاللهُ ذُو موضِعَ الضمير (وهو ذو)؛ للتعظيم، ولتحصل خشيةُ الله تعالى، وتقَع هيبتُه في نفوس عباده [988] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 151). .
6- في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ...
الاستفهام في الآيتَينِ دخَل على النَّفي؛ لذا فهو للتقرير [989] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/552)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/665). .
والخِطاب في (تعلم) ظاهره للواحِد - وهو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - والمراد إمَّا خطاب لغير معيَّن، بتَشبيه مَن ليس حاضرًا للخطاب (الغائب) منزلةَ المخاطَب، بحيث يصير مخاطبًا؛ لشهرة هذا الأمر، وليعمَّ كلَّ مخاطَب صالح له، فيشمل هذا الخطاب ابتداءً اليهودَ والمشركين، ومَن عسى أن يشتبه عليه الأمر، وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، وإمَّا المراد به ظاهِره وهو الواحِد، فيكون المخاطَبُ هو النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لكنَّ المقصودَ منه المسلمون، فينتقل من خِطاب النبيِّ إلى مخاطبة أمَّته على طريق الانتقال الكِنائيِّ، والمقصد من تلك الكِناية التعريضُ باليهود، وهذا أبلغُ وأوجزُ في لفظ الضَّمير من أن يُؤتَى بضمير الجماعة المخاطبين [990] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/664-665). .
وفيه التفاتان: أحدُهما: خروجٌ من خِطاب جماعةٍ في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ إلى خطاب الواحد في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ، والثاني: خروجٌ من ضميرِ المتكلِّم المعظِّمِ نفسَه في قوله: مَا نَنْسَخْ... نُنْسِهَا نَأْتِ...: إلى الغَيْبَةِ بالاسمِ الظاهر في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ... فلم يقل: (ألم تعلموا أننا) [991] يُنظر: ((الدر المصون)) للسَّمين الحلبي (2/62). .
وفيه وضْع الاسمِ الجليلِ في قوله تعالى: (أنَّ الله) موضعَ الضَّميرِ في (أنَّه)؛ لتربية المهابة [992] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/143). .
7- قوله: إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبر فيه من الوعيد والتهديد ما لا يَخفى [993] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/231). . مع ما فيه من تأكيد الخبر بإنَّ، واسميَّةِ الجملة، وتقديمِ ما حقُّه التأخيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ [994] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 156). .
8- قوله: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى فيه لَفٌّ ونَشْر؛ إذ المعنى: وقالت اليهود: لن يَدخُل الجنة إلا مَن كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلَّا مَن كان نصارى، فلفَّ بين القولين [995] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/177)، ((تفسير البيضاوي)) (1/101)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/111)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/673). .
9- قوله: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ جمعَ الخبر (أمانيهم)، مع أن قولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أمنية واحدة؛ لأنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية، ومعاودتهم لها، وتأكدها في نفوسهم جُمِعت، ونظيره قولهم: معًا جياع، فجمَعوا الصفة ومؤدَّاها واحد؛ لأنَّ موصوفها واحد، وهذا من نفائس صناعة البيان [996] يُنظر: ((تفسير الزمخشري - حاشية ابن المنير)) (1/177)، ((تفسير القاسمي)) (1/375)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/169). . وقيل: لأنَّ (تلك) كناية عن المقالةِ، والمقالةُ في الأصلِ مصدرٌ، والمصدرُ يقع بلفظِ الإِفرادِ للمفردِ والمثنَّى والمجموعِ، فالمرادُ بـ(تلك) الجمعُ من حيث المعنى [997] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/70). .
10- قوله: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُه عِنْدَ رَبِّهِ في كلمة رَبِّهِ وضع اسم الربِّ مضافًا إلى ضمير (مَن أسلمَ) موضِعَ ضمير لفظ الجلالة (الله)؛ لإظهار مزيد اللطف، وتقرير مضمون الجملة [998] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 159). .
11- قوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه التأكيد باسميَّة الجملة، وبذكر ضَمير الفْصل هُمْ، وفيه اختصاصٌ وتقويةٌ للحُكم [999] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 159). .
12- قوله: فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ خبرٌ مرادٌ به التوبيخ والوعيد، وناسب المجيء بالفاء فَاللهُ؛ لأنَّ التوعُّد بالحكم بينهم يوم القيامة، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والحسد- متفرِّع عن هذه المقالات ومسبَّب عنها، والجملة تذييل [1000] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/678). والتذييل: هو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها؛ للتوكيد، أو بتعبير آخَر: هو أن يُؤتَى بعد تمام الكلام بكلامٍ مستقلٍّ في معنى الأوَّل؛ تحقيقًا لدلالة منطوق الأوَّل أو مفهومه؛ ليكون معه كالدليل؛ ليظهر المعنى عندَ مَن لا يفهم، ويَكمُل عند مَن فَهِمه، كقوله تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا  ثم قال عزَّ مِن قائل: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: 17]. يُنظر: ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (3/205)، ((البرهان)) للزركشي (3/68 - 69). .
وفيه: تقديم الظرف فِيهِ على متعلِّقه يَخْتَلِفُونَ؛ للاهتمام به، ولمراعاة فواصل الآيات [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/678). .