موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (44- 46)

ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ

غريبُ الكَلِمات:


وَلِيًّا: الوليُّ هو الذي يَلي أُمورَ أوليائِه بالحياطةِ لهم والحراسة، وأصْل (وَلِيَ) يدلُّ على القُرْب، سواء مِن حيث: المكانُ، أو النِّسبةُ، أو الدِّين، أو الصَّداقة، أو النُّصرة، أو الاعتقاد، وكلُّ مَن وَلِي أمرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/101)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89). .
غَيْرَ مُسْمَعٍ: أي: لا سمعتَ، أو مَدعوًّا عليك بصمَمٍ أو موت، أو غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه أو كلامٍ ترْضاه يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 128)، ((المفردات)) للراغب (ص: 425)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 65)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 883). .
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ: تحريفًا بالكذب، واستهزاءً ومحاكاة؛ يقال: لَوَى لسانَه بكذا: كناية عن الكذب وتخرُّصِ الحديث، وأصلُه: إمالةٌ للشَّيء يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/218)، ((المفردات)) للراغب (ص: 752)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 139)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 801). .
وَأَقْوَمَ: أي: أخلصَ، وأَسَدَّ، وأصل (قوم): مُراعاةُ الشيء وحِفظُه، وكذلك الانتصاب والعَزَم يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 690)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 423)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 160). .

مشكل الإعراب:


قوله: وَكفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا:
كَفَى: فِعلٌ ماض، والبَاء في بِاللهِ صِلة، ولفظْ الجلالة (الله) مجرورٌ لفظًا وهو فاعلٌ مرفوع محلًّا بـ(كفَى) والتقديرُ: وكفَى اللهُ...، وإِنَّما زِيدت الباءُ مع الفاعِل؛ ليؤدِّيَ الكلامُ معنى الأمر؛ إذ التقدير: اكتَفُوا بِاللَّهِ؛ فدلَّت الباءُ على هذا المعنى، وقيل غير ذلك. ووَلِيًّا: مَنْصُوبٌ على التَّمْيِيزِ. وقيل: على الحَال. ومِثلُه في الإعرابِ قولُه تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/198)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/332)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/586). .

المَعْنى الإجماليُّ:


يخاطِبُ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم قائلًا له: ألم تعلَمْ- يا محمَّدُ- بأنَّ الَّذين آتاهم اللهُ حظًّا من الكتاب من اليهود والنَّصارى يختارون الضَّلالةَ عِوضًا عن الهدى، ويُريدون مع ضلالتِهم أن تضلُّوا أنتم معهم فتتركوا سبيلَ الهدايةِ.
واللهُ تعالى- أيُّها المؤمنون- أعلمُ مِنكم بأعدائِكم، وهو حسبُكم سبحانه، يتولَّاكم بحِفظِه ورعايتِه، كفى به نصيرًا يدافعُ عنكم، وينصُرُكم على عدوِّكم.
ثمَّ يُخبِرُ تعالى أنَّ مِن اليهود مَن يُبدِّلُ ما في التَّوراةِ لفظًا أو معنًى، أو يُبدِّلهما معًا، ويقولون لمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: سمِعْنا قولَك، وعصَيْنا أوامرَك، ويُسيئون أدبَهم مع النَّبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولون له: اسمَعْ منَّا، لا سمِعْتَ؛ استهتارًا منهم واستهزاءً، ويقولون له: راعِنَا، يُظهرون أنَّهم يريدون: أرْعِنا سمعَك، وإنَّما يَعنُون بذلك حقيقةً الدُّعاءَ على رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يصابَ بالرُّعونةِ؛ وذلك تحريفًا منهم وطعنًا في الدِّين بالقَدْحِ في النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ يخبر تعالى أنَّ هؤلاء اليهودَ لو كانوا قالوا: سمِعْنا وأطَعْنا، واسمَعْ منا قولَنا، وانتظِرْنا لنفهمَ عنك قولَك، لكان قولُهم ذلك خيرًا لهم وأصوبَ، ولكنْ أخزاهم اللهُ وطرَدَهم من رحمتِه، فلا يُؤمِنون إلَّا إيمانًا قليلًا لا يُفيدُهم.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر مِن أوَّلِ هذه السُّورة إلى هذا الموضعِ أنواعًا كثيرةً من التَّكاليفِ والأحكامِ الشَّرعيَّةِ، انتقَل إلى ذِكْر أحوال أعداءِ الدِّين، وأقاصيص المتقدِّمين؛ فالانتقالُ من نوعٍ من العلوم إلى نوع آخر، يُنشِّطُ الخاطرَ، ويدفَع ما يُكدِّره، ويقوِّي القريحةَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/91). .
وأيضًا هو استئنافُ كلامٍ راجعٌ إلى الآياتِ الَّتي سبقت من قوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36] فإنَّه بعد نِذارةِ المشركين وجَّه الإنذارَ لأهلِ الكتاب، ووقعَتْ آياتُ تحريمِ الخمر وقتَ الصَّلاة، وآياتُ مشروعيَّةِ الطَّهارة لها فيما بينهما، وفيه مناسبةٌ للأمرِ بتركِ الخمر في أوقات الصَّلواتِ، والأمر بالطَّهارة؛ لأنَّ ذلك من الهُدى الَّذي لم يسبِقْ لليهود نظيرُه؛ فهم يحسُدون المسلِمين عليه؛ لأنَّهم حُرِموا مِن مِثلِه، وفرَّطوا في هدًى عظيمٍ، وأرادوا إضلالَ المسلمين عداءً منهم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/71) وذكر البقاعيُّ مناسبةً أخرى في ((نظم الدرر)) (5/288). ، قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ
أي: ألَمْ تعلَمْ- يا محمَّدُ- بأنَّ الَّذين أُعطوا حظًّا من التَّوراةِ من اليهود يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/98)، ((الوجيز)) للواحدي (1/266)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 180)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/72). ومن المفسرين من ذهب إلى أن المرادَ من قوله: الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ اليهود والنصارى. ينظر:  ((تفسير ابن عطية)) (2/61)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النساء)) (1 /360). .
يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ
أي: إنَّهم يَختارون الضَّلالةَ عِوَضًا عن الهُدَى، بالإقامةِ على تكذيبِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم وتركِهم الإيمان؛ ليَشتروا بذلك ثمنًا قليلًا من حُطام الدُّنيا الفاني يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/99-100)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 180)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/361). .
وهذا باعتبارِ ما يَختارونه لأنفسِهم، ولكنَّ شرَّهم ليس قاصرًا؛ ولذلك قال يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/361). :
وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
أي: وهم يودُّون أيضًا- أيُّها المؤمنون- أنْ تَنحرِفوا معهم عن طَريقِ الإيمان، واتِّباعِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فتَكفروا كما كَفروا، وتَتركوا ما أنتُم عليه من الهُدى والعِلم النَّافعِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/100)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 180)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/361-362). .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ
 أي: إنَّ اللهَ تعالى أعلمُ بعَداوةِ أولئك منكم، وما هم مُنطَوون عليه من الغِشِّ والكيدِ والحسَدِ لكم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/100)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). .
وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا
أي: حَسْبُكم اللهُ تعالى؛ يتولَّاكم بالحفظِ والرِّعاية، ويُيسِّر لكم ما فيه الفلاحُ والسَّعادةُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/101)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 180)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). .
وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا
أي: وحَسْبُكم اللهُ تعالى نصيرًا؛ يُدافِعُ عنكم، وينصُرُكم على أعدائِكم، ويُبيِّن لكم ما ينبغي أنْ تحذَروه منهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/101)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 180)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). .
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا حَكَى اللهُ تعالى عنهم أنَّهم يَشترون الضَّلالة، شرَح كيفيَّةَ تلك الضَّلالةِ، فقال يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/92). :
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ
أي: إنَّ مِن اليهود مَن يُبدِّلُ ما جاء في التَّوراةِ؛ إمَّا بتغيير اللَّفظِ، أو المعنى، أو هما جميعًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/101-103)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/365-369). .
وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
أي: ويقولُ أولئك القومُ: سمِعْنا- يا محمَّد- قولَك، وعصَيْنا أمرَك، فتولَّوْا عن كتابِ اللهِ تعالى بعدما عقَلوه، وهذا أبلغُ في كُفرِهم وعِنادِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/104)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير السعدي)) (ص: 181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/369). .
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
أي: ويقولون لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: اسمَعْ منَّا ما نقولُ، أصمَّك اللهُ فلا سمِعْتَ، يُسيئون الأدبَ مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ استهزاءً منهم واستهتارًا به يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/104-105)، ((تفسير ابن كثير)) (2/323)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/369-370). .
وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ
أي: إنَّهم يُوهِمون أنَّهم بقولهم للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "راعنا": يعنُون: أرْعِنا سمعَك، وإنَّما قصدُهم الدُّعاءُ عليه صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يُصابَ بالرُّعونةِ؛ وذلك تحريفٌ منهم لهذه اللَّفظةِ عن معناها، أرادوا بذلك الطَّعنَ في الدِّينِ بعيبِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والقدحِ فيه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/106-107)، ((تفسير ابن كثير)) (2/324)، ((تفسير السعدي)) (ص: 181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/370-371). .
وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ
أي: ولو أنَّ هؤلاءِ اليهودَ قالوا لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: سمِعْنا قولَك، وأطَعْنا أمرَك، واسمَعْ منَّا ما نقول، وانتظِرْنا لنفهمَ عنك ما تقولُ، لو أنَّهم قالوا ذلك، لكان أصوبَ وأعدَلَ في القولِ، وفي غيرِه من أمورِ دِينِهم ودنياهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/108)، ((تفسير السعدي)) (ص: 181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/371-372). .
وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
أي: ولكنَّ اللهَ تعالى قد أخْزَى أولئك اليَهودَ، فأقصاهم وأبعَدَهم وطرَدَهم من رحمتِه؛ وذلك بسبب كُفرِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/108)، ((تفسير ابن كثير)) (2/324)، ((تفسير السعدي)) (ص: 181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/372). .
فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
أي: فلا يُؤمنون إلَّا إيمانًا قليلًا لا ينفَعُهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/110)، ((تفسير ابن كثير)) (2/324)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/372-373). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا... الآية: أنَّ مِن النَّاس مَن يؤتى الكتابَ ويُرزَقُ العِلمَ، ولكنَّه لا ينتفعُ به، مِثل هؤلاء الَّذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك لم ينتفعوا به، واشتَرَوُا الضَّلالةَ بالهدى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/362). .
2- أنَّ مَن لم ينتفِعْ بعِلمِه فهو شَبيهٌ بهؤلاء المذكورين في قولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا... الآية، فمن آتاه اللهُ عِلمًا ولم ينتفِعْ به فهو شبيهٌ بهؤلاء؛ ولهذا قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ رحمه الله: من فسَد من علمائِنا ففيه شَبَهٌ مِن اليهودِ، ومَن فسَد مِن عُبَّادِنا ففيه شَبَهٌ من النَّصارى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/362). .
3- الحذَرُ من هؤلاء الَّذين ذُكِروا في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا... الآية؛ فإنَّهم لا يُريدون لنا الخيرَ إطلاقًا؛ لقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/363). .
4- الثَّناء على المسلمين بكونِهم على السَّبيل؛ لقوله: أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، ولولا أنَّهم على السَّبيلِ ما حاوَلوا أن يُضلُّوهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/363). .
5- التَّحذيرُ مِن هؤلاء اليهود أو النَّصارى أو غيرهم؛ لأنَّه إذا حذَّرَنا اللهُ ممَّن أُوتوا نصيبًا من الكتاب، فتحذيرُنا ممَّن هم عُمْيٌ صُمٌّ بُكْمٌ، مِن باب أَولى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/363). .
6- في قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ تسليةُ المؤمنين، وتقويةُ عزائمهم؛ لكونِ اللهِ أعلمَ بأعدائنا، وأنَّه ناصرٌ لنا، ووليٌّ لنا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). ، وفيه إشارةٌ إلى التحذيرِ منهم، وتوبيخٌ على الركونِ إليهم، والمعنى: أنَّه تعالى قد أخبَر بعَداوتهم للمُؤمنين، فيجبُ حَذَرُهم؛ كما قال تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). .
7- أنَّ الإنسانَ يُحاسَبُ على ما أراد؛ لقوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، أي: على ما في قلوبِهم؛ قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/374). .
8- أنَّ المنكَرَ إذا أنكَره المُنكِرُ فإنَّ الأولى أن يُرشِدَ إلى البَدَل الذي لا محذورَ فيه؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا بدل وَعَصَيْنَا، وَاسْمَعْ دون غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَانْظُرْنَا بدل رَاعِنَا؛ كما قال تعالى في خطابِ المؤمنين بهذا: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: 104] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/375). .
9- في قوله تعالى: وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أنَّ مَن لُعِن وطُرِد عن رحمةِ الله فإنَّه ينقلِبُ عليه الحقُّ باطلًا والباطلُ حقًّا؛ ولهذا لم يَسلُكوا الأحسنَ والخيرَ فيما قالوا؛ لأنَّ اللهَ لعَنهم، ويتفرَّعُ على هذه القاعدةِ: أنَّ العاقلَ لا يتعرَّضُ لِما فيه لعنةُ اللهِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا تعرَّض لِما فيه لعنةُ اللهِ لُعِن وطُرِد وخُذِل يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/377). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- أنَّه لا بدَّ للمُسلِمين من عدوٍّ، بل مِن أعداءٍ، وكلُّ مَن كان غيرَ مُسلِمٍ، فإنَّه عدوٌّ للمسلمين، قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/254). .
2- أنَّ المحرِّفينَ للكلِمِ عن مواضعِه يُشبِهون اليهودَ في طريق استعمالِ الوحيِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/262). .
3- شدَّةُ عنادِ اليهودِ الَّذين يُحرِّفون الكلِمَ عن مواضعِه؛ لقوله: وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، فإنَّهم لو قالوا: لم نسمَعْ، أو قالوا: سمِعْنا ولم نفهَمْ، لربَّما قال قائلٌ: إنَّ هذا عُذرٌ، لكن قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، فلم يمنَعْهم شيءٌ عن الطَّاعةِ إلَّا مجرَّدُ عصيانٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/262). .
4- شدَّةُ حقدِ اليهودِ على رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيث كانوا يُجيبون بهذه الكلمةِ السَّيِّئة: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/263). .
5- قوله تعالى حكاية عن اليهود: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ فيه تَعالِي هؤلاء اليهودِ، حتَّى عند الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لقولهم: اسمَعْ؛ لأنَّ كلمةَ اسمَعْ إنَّما تكونُ في الغالبِ في المخاطَباتِ من الأعْلى إلى الأدْنى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/263). .
6- أنَّ الطَّعنَ في الدِّين يكونُ بالصَّريح، ويكون باللَّازم؛ فالصَّريحُ أن يقولَ: هذا الدِّينُ يوجِبُ لأهلِه التَّأخُّرَ والتَّقهقرَ والتَّزمُّتَ، وما أشبهَ ذلك؛ هذا صريحٌ. الثَّاني: ألَّا يكونَ صريحًا، لكن مِن لازم القول، فهنا إذا نظرتَ إلى كلامِهم في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ لم تشعُرْ بالطَّعنِ على وجهٍ صريحٍ، ولكن من لازمِ القولِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/263). .
7- قوله تعالى:وَطَعْنًا فِي الدِّينِ فيه أنَّ الطَّعنَ في الدِّين من خصالِ اليهودِ؛ فمَن طعَن في الدِّين فهو مُشبِهٌ لليهودِ، والعياذُ بالله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/264). .
8- أنَّ الكفرَ سببٌ للَّعنِ؛ لقوله: وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/266). .
10- الرَّدُّ على الجَبريَّةِ والقدَريَّةِ؛ فالجبريَّةُ يقولون: إنَّ الإنسانَ مجبَرٌ على عملِه، والقدَريَّةُ يقولون: الإنسانُ مستقِلٌّ بعمَلِه، وليس للهِ فيه تدبيرٌ، والآيةُ ترُدُّ عليهم جميعًا، أمَّا على الجهميَّةِ الَّذين هم الجَبريَّةُ، فلقوله: بِكُفْرِهِمْ، فأضاف العملَ إليهم، وهم يقولون: لا يُضافُ العملُ إلى العامل إلَّا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنَّه ليس فعلَه؛ لأنَّه ليس باختيارِه، أمَّا على القدَريَّةِ: فلإثبات الأسبابِ في قوله: بِكُفْرِهِمْ، وهم يقولون: إنَّ فعلَ الإنسان مستقلٌّ، ليس لله فيه تدخُّلٌ إطلاقًا، فأنت تفعَلُ وتترُكُ، وتقومُ وتقعدُ، وتذهَبُ وتجيءُ، وليس لله تعالى فيه أيُّ تعلُّقٍ، وأهلُ السُّنَّة والجماعة يقولون: عمَلُ الإنسان باختيارِه ولا شكَّ، ولكن الَّذي جعَله باختياره هو اللهُ، فيكون ناتجًا عن مشيئةِ الله وخَلْقِ الله، وخالقُ السَّببِ التَّامِّ خالقٌ للمسبَّبِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/267). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ: في قوله: أَلَمْ تَرَ استفهام المرادُ به التَّعجُّبُ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/665، 681)، ((تفسير أبي السعود)) (2/181)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/71). .
- والتَّعبيرُ بالاشتراء يَشْتَرُونَ- الَّذي هو عبارةٌ عن استبدالِ السِّلعة بالثَّمنِ، أي: أخْذِها بدلًا منه أخذًا ناشئًا عن الرَّغبةِ فيها، والإعراض عنه-؛ للإيذانِ بكمالِ رغبتِهم في الضَّلالة الَّتي حقُّها أن يُعرَضَ عنها كلَّ الإعراضِ، وإعراضُهم عن الهداية الَّتي يتنافَس فيها المتنافِسون يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/181). .
- وفيه من التَّسجيلِ على نهاية سَخافةِ عقولهم، وغاية رَكاكةِ آرائِهم ما لا يَخفَى؛ حيث صُوِّرت حالُهم بصورةِ ما لا يَكاد يتعاطاه أحدٌ ممَّن له أدْنى تمييزٍ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/181). .
- وعبَّر بصيغةِ المضارع في يَشْتَرُونَ، ووَيُرِيدُونَ؛ للدَّلالةِ على الاستمرار التَّجدُّديِّ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/182). .
2- قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ جملةٌ معترِضةٌ لتقريرِ إرادتِهم المذكورةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/182). .
- وفيها تَعريضٌ؛ فإنَّ إرادتَهم الضَّلالةَ للمؤمنينَ عن عَداوةٍ وحسَدٍ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/72). .
- وفيه تهديدٌ للمُشركين وتحذيرٌ لهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/364). ؛ إذ اللهُ يَعلمُهم ويعلمُ ما يَفعلون.
3- قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا: تذييلٌ؛ لتطمئنَّ نفوسُ المؤمنين بنصرِ الله؛ لأنَّ الإخبارَ عن اليهودِ بأنَّهم يُريدونَ ضلالَ المسلمين، وأنَّهم أعداءٌ للمسلمين، مِن شأنِه أن يُلقيَ الرَّوعَ في قلوب المسلمين؛ إذ كان اليهودُ المحاورون للمسلمين ذَوي عَدَدٍ وعُدَدٍ، وبيدِهم الأموالُ، فكان قولُه: وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا [النساء: 45] مناسبًا لقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [النساء: 44] ، أي: إذا كانوا مُضمِرين لكم السُّوءَ، فاللهُ وليُّكم؛ يَهديكم ويتولَّى أمورَكم، شأنُ الوليِّ مع مولاه، وكان قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا [النساء: 45] مناسبًا لقوله: بِأَعْدَائِكُمْ [النساء: 45] ، أي: فاللهُ ينصُرُكم يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/72). .
- وفعل (كَفَى) مُستعمَلٌ في تقويةِ اتِّصافِ فاعلِه بوصفٍ يدلُّ عليه التَّمييزُ المذكورُ بعده، أي: إنَّ فاعل (كَفَى) أجدرُ مَن يتَّصفُ بذلك الوصفِ، ولأجل الدَّلالة على هذا غلَب في الكلامِ إدخالُ باءٍ على فاعلِ فِعل كفى، وهي باءٌ زائدةٌ لتوكيدِ الكِفاية، بحيث يحصُلُ إبهامٌ يشوِّقُ السَّامعَ إلى معرفةِ تفصيله، فيأتون باسمٍ يميِّزُ نوعَ تلك النِّسبة؛ ليتمكَّنَ المعنى في ذهنِ السَّامع يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/73). ، ولتأكيد الاتِّصالِ الإسناديِّ بالاتِّصال الإضافيِّ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/182). .
- وتكرير الفِعل وَكَفَى في الجملتين، مع إظهارِ الجلالة (الله) في مقامِ الإضمار، لا سيَّما في الثَّاني؛ لتقويةِ استقلالها المناسبِ للاعتراض، وتأكيد كفايتِه عزَّ وجلَّ في كلٍّ من الولاية والنُّصرة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/665)، ((تفسير أبي السعود)) (2/182). .
4- قوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ: فيه الإبهام، أو الكلام الموجَّه، أو المحتمِل للضِّدَّيْنِ؛ فهو ذو وجهين: وجه يحتمل الذَّمَّ: أي استمِعْ منَّا مدعوًّا عليك بلا سمِعْتَ، أي: أصابَك اللهُ بالصَّمَمِ والموت، ولعلَّه هو المراد هنا؛ لِما انطوَوْا عليه من خِسَّةٍ، ووجه يحتمل المدحَ، أي: اسمَعْ غيرَ مُسمَعٍ مكروهًا يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/227). .
5- قوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ اللَّيُّ أصله الانعطافُ والانثِناءُ، وهو يَحتمِل الحقيقةَ في كلتا الكلمتين: اللَّيُّ، والألسنةُ، أي: إنَّهم يَثنون ألسنتَهم؛ ليكونَ الكلامُ مشبِهًا لُغتينِ؛ بأن يُشبِعوا حركاتٍ، أو يقصُروا مُشبَعاتٍ، أو يفخِّموا مرقَّقًا، أو يرقِّقوا مفخَّمًا، ليعطيَ اللَّفظُ في السَّمعِ صورةً تُشبِهُ صورةَ كلمةٍ أخرى، فإنَّه قد تخرُجُ كلمةٌ مِن زِنَةٍ إلى زِنَةٍ، ومن لُغةٍ إلى لُغةٍ بمثلِ هذا، ويُحتمَل أن يكون المرادُ: أنَّهم يأتون في كلامِهم بما هو غيرُ مُتمحِّضٍ لمعنى الخيرِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/76). .