موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (28-29)

ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ

غريب الكلمات:


عَيْلَةً: أي: فَقرًا وفاقةً؛ من: عال يَعيِلُ عَيلةً: إذا احتاجَ [396] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 184)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 333)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/198)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 136)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 223)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 659). .
يَدِينُونَ: أي: يُسلِمُونَ، ويُطيعونَ؛ يقالُ: دان له يَدِينُ دِينًا: إذا انقادَ وطاعَ، وأصلُ (دين): يدلُّ على جنسٍ مِن الانقيادِ [397] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/406)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/319)، ((المفردات)) للراغب (ص: 323). .
الْجِزْيَةَ: أي: الخراجَ المجعولَ على رأسِ الذِّميِّ، وتسميتُها بذلك للاجتزاءِ بها عن حَقْنِ دَمِهم، وأصلُ (جزي): يدلُّ على قيامِ الشَّيءِ مَقامَ غَيرِه ومُكافأتِه إيَّاه [398] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 182)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/455)، ((المفردات)) للراغب (ص: 195)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 180). .
صَاغِرُونَ: أي: أذِلَّاءُ مَقهورونَ، وأصلُ (صغر): يدلُّ على قِلَّةٍ وحَقارةٍ [399] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/407)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/290)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 91). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: يا أيُّها المُؤمنونَ، إنَّما المُشرِكونَ بَواطِنُهم نَجِسةٌ وخَبيثةٌ، فلا تُمَكِّنوهم مِن دُخولِ الحَرَمِ بعد هذا العامِ التَّاسِعِ للهِجرةِ، الذي نبَذْتُم فيه لِجَميعِ المُشرِكينَ عُهودَهم، وإن خِفْتُم فَقرًا بسببِ مَنْعِكم المشركينَ من دُخولِه، فسوفَ يُغنيكم اللهُ من فَضلِه إنْ شاءَ؛ إنَّ اللهَ عليمٌ حكيمٌ.
قاتِلوا الذين لا يُؤمِنون باللهِ، ولا باليومِ الآخرِ، ولا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَه اللهُ ورسولُه، ولا يَدِينونَ بالإسلامِ، مِن اليَهودِ والنَّصارى، حتى يدفَعُوا الجزيةَ بأَيْدِيهم وهم أذلَّةٌ مَقهورونَ.

تفسير الآيتين:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها رُجوعٌ إلى غَرَضِ إقصاءِ المُشرِكينَ عن المَسجِدِ الحرامِ، المُفادِ بِقَولِه: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ جِيءَ به لتأكيدِ الأمرِ بإبعادِهم عن المسجِدِ الحَرامِ مع تَعليلِه بِعِلَّةٍ أخرى تقتضي إبعادَهم عنه: وهي أنَّهم نَجَسٌ، فقد علَّلَ فيما مضى بأنَّهم شاهِدونَ على أنفسِهم بالكُفرِ، فلَيسُوا أهلًا لِتَعميرِ المسجِدِ المبنيِّ للتَّوحيدِ، وعلَّلَ هنا بأنَّهم نَجَسٌ، فلا يَعْمُروا المسجِدَ لِطَهارَتِه [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/159). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، المُطَهَّرةُ بواطِنُهم بالإيمانِ، ما المُشرِكونَ بِجَميعِ مِلَلِهم وأديانِهم [401] قال ابنُ القَيِّم: (للنَّاسِ قولانِ في دخولِ أهلِ الكتابِ في لفظ المُشرِكين: فابنُ عمر وغيرُه كانوا يقولون: هم من المُشركين. قال عبد الله بنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما: لا أعلَمُ شِركًا أعظَمَ مِن أن يقولَ: المسيحُ ابنُ اللهِ، وعُزَيرٌ ابنُ اللهِ. وقد قال تعالى فيهم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبَحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31]. والثاني: لا يدخُلونَ في لَفظِ «المُشركينَ»؛ لأنَّ الله سبحانَه جعَلَهم غيرَهم في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج: 17]. قال شَيخُنا: والتَّحقيقُ: أنَّ أصلَ دِينِهم دينُ التَّوحيدِ، فَلَيسُوا مِن المُشرِكينَ في الأصلِ، والشِّركُ طارِئٌ عليهم؛ فهم منهم باعتبارِ ما عَرَضَ لهم، لا باعتبارِ أصلِ الدِّينِ، فلو قُدِّرَ أنَّهم لم يدخُلوا في لفظِ الآيةِ دَخَلوا في عُمُومِها المعنويِّ؛ وهو كَونُهم نَجَسًا، والحُكمُ يَعُمُّ بِعُمومِ عِلَّتِه). ((أحكام أهل الذمة)) (1/399-400). إلَّا نَجِسةٌ وخَبيثةٌ بواطِنُهم؛ بالشِّركِ والكُفرِ بالرَّحمنِ [402] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/397)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/248)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (3/119)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/59)، ((تفسير القاسمي)) (5/374)، ((تفسير السعدي)) (ص: 333). وقال الشوكاني: (استَدَلَّ بالآيةِ من قال: بأنَّ المُشرِكَ نَجِسُ الذَّاتِ، كما ذهب إليه بعضُ الظَّاهريَّة والزيدية. ورُوِيَ عن الحسن البصري، وهو محكيٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ. وذهب الجُمهورُ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ- ومنهم أهلُ المذاهِبِ الأربعةِ- إلى أنَّ الكافِرَ ليس بنَجِسِ الذَّاتِ؛ لأنَّ اللهَ سُبحانه أحلَّ طَعامَهم، وثبت عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك مِن فِعْلِه وقَوْلِه ما يُفيدُ عَدمَ نَجاسةِ ذَواتِهم؛ فأكَلَ في آنِيَتِهم، وشَرِبَ منها، وتوضَّأَ فيها، وأنزَلَهم في مَسجِدِه). ((تفسير الشوكاني)) (2/399)، ويُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/506). وقال محمد رشيد رضا: (وقيل: المرادُ بنَجاسَتِهم تلبُّسُهم بها دائمًا؛ لِعَدَمِ تعبُّدِهم بالطَّهارةِ كالمُسلمين، وقولُ الجُمهورِ بأنَّ المرادَ النَّجاسةُ المَعنويَّةُ، أظهَرُ، والجَمعُ بين القولينِ أَوْلى؛ لأنَّه أعَمُّ). ((تفسير المنار)) (10/243). ويُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (1/233)، ((تفسير ابن كثير)) (4/131). .
فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا.
أي: لِأنَّ المُشرِكينَ نَجَسٌ، فلا تُمَكِّنُوهم مِن دُخُولِ جميعِ الحَرَمِ، بعد هذا العامِ التَّاسِعِ للهِجرةِ، الذي نبَذْتُم فيه لِجَميعِ المُشرِكينَ عُهودَهم [403] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/398، 399)، ((تفسير الرازي)) (16/22)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/207)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (1/401)، ((تفسير أبي السعود)) (4/57)، ((تفسير الشوكاني)) (2/399)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 333)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/405- 413). قال الشِّنقيطي: (وعلى كُلِّ حالٍ، فالمشركونَ، كعَبَدةِ الأوثانِ؛ أَجْمَعَ جميعُ العلماءِ على مَنْعِهم مِن دُخولِ المسجدِ، واختلفوا في الكتابيِّ وفي غيرِ المسجدِ من سائرِ الحَرَمِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ الصَّوابَ- إن شاء الله- مَنْعُهم مِن ذلك كُلِّه). ((العذب النمير)) (5/409). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((بَعَثَني أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ في الحَجَّةِ التي أمَّرَه عليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبل حَجَّةِ الوَداعِ، في رَهطٍ يُؤَذِّنونَ في النَّاسِ يومَ النَّحرِ: لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبَيتِ عُرْيانٌ ) [404] رواه البخاري (369)، ومسلم (1347) واللفظ له. .
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء.
أي: وإنْ خِفْتُم- أيُّها المُؤمِنونَ- فَقرًا بسبَبِ مَنْعِكم المُشرِكينَ مِن دُخولِ الحَرَمِ، وانقطاعِ التِّجارةِ التي بينكم وبينهم؛ فسوف يُغنِيكم اللهُ مِن رِزقِه [405] قال الشنقيطي: (قال بعضُ العلماءِ: أَغْناهم مِن فَضلِه بما فَتَحَ من بابِ الجِزْيةِ. قالوا: والدَّليلُ عليه أنَّ الآيةَ التي بعدَها آيةُ الجِزيةِ، فأخَذَ المُسلمونَ الجزيةَ من الكفَّارِ، واستغنَى بها المسلمونَ. وقال بعضُ العلماءِ: أغْناهم بإنزالِ المطَرِ، وأخصَبَتِ الأرضُ، فأخصَبَتْ بلادُ اليَمَنِ، وأخصبَتَ تَبَالةُ وجُرَشُ، وجَلَبوا لهم مِن الطَّعامِ والوَدَكِ، وأسلَمَ قبائِلُ العَرَبِ في اليمَنِ، وفي نجدٍ وفي غيره، فكانوا يحجُّونَ كُلَّ سَنةٍ ويأتونَهم بمثْلِ ما كانوا يأتونَهم به من الطَّعامِ والأموالِ، فأغناهم اللهُ بذلك). ((العذب النمير)) (5/415-416). إن شاءَ [406] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/399، 400)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/441)، ((البسيط)) للواحدي (10/356)، ((تفسير السعدي)) (ص: 333). .
إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: إنَّ الله عليمٌ بكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما تُخفِيه صُدورُكم مِن خَوفِ العَيْلةِ، وعليمٌ بما يَصلُحُ لِعِبادِه، فيَعلَمُ مَن يليقُ به الغِنى، ومَن لا يَليقُ به، حكيمٌ في شَرْعِه وفي تَدبيرِ شُؤونِ خَلْقِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به [407] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/405)، ((تفسير ابن كثير)) (4/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 333). .
قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى حُكمَ المُشرِكينَ في إظهارِ البَراءةِ عن عَهدِهم، وفي إظهارِ البَراءةِ عنهم في أنفُسِهم، وفي وُجوبِ مُقاتَلتِهم، وفي تَبعيدِهم عن المسجِدِ الحرامِ، وأورَدَ الإشكالاتِ التي ذكَرُوها، وأجاب عنها بالجَواباتِ الصَّحيحةِ- ذكَرَ بعده حُكمَ أهلِ الكِتابِ [408] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/23). .
وأيضًا لَمَّا كان قَولُه تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مَوضِعَ تَعَجُّبٍ، يكونُ سببًا لِأنْ يُقالَ: من أين يكونُ ذلك الغِنى؟ أجابَ بقوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ ففي ذلك غِنًى لا يُشْبِهُ ما كُنتُم فيه مِن قِتالِ بَعضِكم لِبَعضٍ؛ لِتَغنَمَ ما في يَدِه مِن ذلك المالِ الحَقيرِ، ولا ما كُنتُم تُعِدُّونَه غِنًى مِن المتاجِرِ التي لا يبلُغُ أكبَرُها وأصغَرُها ما أرشدناكم إليه، مع ما في ذلك مِنَ العِزِّ المُمَكِّنِ مِن الإصلاحِ والطَّاعةِ [409] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/434-435). .
قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ.
أي: قاتِلُوا- أيُّها المُؤمِنونَ- الكُفَّارَ الذين لا يُؤمِنونَ بالله إيمانًا صحيحًا، ولا يُؤمِنونَ بالبَعثِ يومَ القيامةِ، والجَنَّةِ والنَّارِ [410] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/406)، ((تفسير الرازي)) (16/25)، ((تفسير ابن كثير)) (4/132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 334). قال ابنُ كثير: (هذه الآيةُ الكريمةُ نزَلَت أوَّلَ الأمرِ بقتالِ أهلِ الكِتابِ، بعد ما تمهَّدَتْ أمورُ المُشرِكين، ودخل النَّاسُ في دين الله أفواجًا، فلما استقامَت جزيرةُ العَرَبِ، أمر الله رسولَه بقتالِ أهلِ الكِتابَينِ: اليَهودِ والنصارى، وكان ذلك في سنةِ تِسعٍ؛ ولهذا تجهَّزَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِقِتالِ الرُّومِ، ودعا النَّاسَ إلى ذلك، وأظهَرَه لهم، وبعَثَ إلى أحياءِ العَرَبِ حولَ المدينةِ فنَدَبَهم، فأوعَبُوا معه، واجتمَعَ من المُقاتِلةِ نحوٌ مِن ثلاثينَ ألفًا، وتخلَّف بعضُ النَّاسِ مِن أهل المدينة ومَن حَولَها مِن المُنافِقينَ، وغَيرِهم، وكان ذلك في عام جَدْبٍ، ووقْتِ قَيظٍ وحَرٍّ، وخرج عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يريدُ الشَّامَ لِقتالِ الرُّومِ، فبلَغَ تَبوكَ، فنزَلَ بها، وأقام على مائِها قريبًا مِن عِشرينَ يومًا، ثم استخار اللهَ في الرُّجوعِ، فرجَعَ عامَه ذلك؛ لِضِيقِ الحالِ، وضَعْفِ النَّاسِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/132). .
وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ.
أي: ولا يحرِّمون ما حرَّم اللهُ، وما حرَّم رسولُه، فلا يتَّبِعونَ شَريعَتَه [411] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/25)، ((تفسير أبي السعود)) (4/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 334)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/419). قال الرازي: (قوله تعالى: وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وفيه وجهان؛ الأول: أنَّهم لا يُحَرِّمونَ ما حُرِّمَ في القرآنِ وسُنَّةِ الرَّسولِ. والثاني: قال أبو روق: لا يعملونَ بما في التَّوراة والإنجيل، بل حَرَّفوهما، وأتَوْا بأحكامٍ كثيرةٍ مِن قِبَلِ أنفُسِهم). ((تفسير الرازي)) (16/25). وقال أبو السعود: (وقيل: المرادُ برسولِه: الرَّسولُ الذي يزعُمونَ اتِّباعَه، أي: يُخالِفونَ أصْلَ دِينِهم المنسوخِ اعتقادًا وعملًا). ((تفسير أبي السعود)) (4/58). .
وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ.
أي: والكُفَّارُ الذين أمَرْناكم بقِتالِهم- أيُّها المُؤمِنونَ- مِن اليَهودِ والنَّصارى، الذين آتَيْناهم التَّوراةَ والإنجيلَ، لا يدينونَ بالإسلامِ [412] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/335)، ((تفسير أبي السعود)) (4/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 334)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/419). قال ابن تيمية: (دخَلَ في الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ جميعُ أهلِ الكِتابِ الذين بلَغَتْهم دعوتُه، ولم يُؤمِنوا به). ((الجواب الصحيح)) (3/64). قال الشنقيطي: (وفي قولِه: دِينَ الْحَقِّ وجهانِ من التفسيرِ: أحدُهما: أن (الحقَّ) هو ضِدُّ الباطلِ، وأنَّ دينَ الحقِّ من إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه. أي: الدينُ الذي هو الحقُّ الذي هو دينُ الإسلامِ. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85]. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران: 19]. الوجهُ الثانِي: أن الحقَّ هو اللَّهُ، فالحقُّ من أسماءِ اللَّهِ. وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي: دين الله الذي شَرَعَهُ على لسانِ نَبِيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم). ((العذب النمير)) (5/420). وقال ابنُ جريرٍ: (ولا يُطيعون الله طاعةَ الحقِّ. يعني أنَّهم لا يُطيعون طاعةَ أهلِ الإسلامِ). ((تفسير ابن جرير)) (11/406). .
حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
أي: قاتِلوهم إلى أن يَقْبَلوا دفْعَ أموالِ الجِزْيةِ- التي تُؤخَذُ جزاءَ تركِ المسلمينَ قتالَهم، وإقامتِهم آمنينَ بينَ أظهرِ المسلمينَ، وذلك في حالِ كونِهم لم يُسلِموا- فيَبْذُلوها لكم بأيديهم، وهُم أذلَّاءُ مَقهورونَ [413] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/406، 407)، ((تفسير ابن كثير)) (4/133)، ((تفسير أبي السعود)) (4/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 334). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه تعالى: عَنْ يَدٍ هو أن يدفعوها بأيديهم، ولا يُقبل منهم إرسالهُا: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/406-407)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 460)، ((تفسير السعدي)) (ص: 334). وممن اختار أنَّ المعنى: عن قهرٍ لهم وغلبةٍ: ابنُ كثيرٍ، والسمينُ الحلبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/133)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/37). وممن اختار أنَّ المعنى: عن قدرةٍ وسعةٍ، فلا يُظلمون ويرهقون: محمد رشيد رضا. يُنظر: ((تفسير المنار)) (10/255). وقال الشنقيطي: (قولُه في هذه الآية الكريمة: عَنْ يَدٍ فيه أوجهٌ مِن التفسيرِ معروفةٌ عند العُلماءِ لا يكذبُ بعضُها بعضًا؛ قال بعضُ العلماء: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ: أي: عن قهرٍ وتحت ذُلٍّ، وكلُّ ما أعطاه الإنسانُ مقهورًا ذليلًا تقول العربُ: أعطاه عن يدٍ. وقال بعض العلماء: يعطيه عن يدٍ، معناه: يسلِّمُه بيدِه ولا يرسِلُ به غيرَه، فالدافعُ واقِفٌ والآخِذُ جالِسٌ. وقال بعض العلماء: عَنْ يَدٍ أي: نقدًا مُتسَلَّمًا باليدِ لا نسيئةً. وقال بعض العلماء: عَنْ يَدٍ أي: عن اعترافِهم بنعمةِ المُسلمين عليهم؛ حيث قَبِلوا منهم العِوَضَ ولم يقتُلوهم) ((العذب النمير)) (5/ 421). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/250)، ((تفسير ابن عطية)) (3/23). وقد اتَّفق الفقهاءُ على أنَّ الجزيةَ تُقبلُ مِن أهلِ الكتابِ والمجوسِ، واختلفوا في المشركينَ وعبدةِ الأوثانِ، كما اختلفوا في أوصافِ أهلِ الكتابِ والمجوسِ الذين تُقبل منهم الجزيةُ. يُنظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (2/166)، ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (15/166). وقال ابن القيم: (الجزيةُ تؤخَذُ من كلِّ كافرٍ... ولا يُقالُ: إنَّ القُرآنَ يدُلُّ على اختصاصِها بأهلِ الكِتابِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانه أمَرَ بقِتالِ أهلِ الكتابِ، حتى يُعطُوا الجِزيةَ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يعطُوا الجزيةَ، فيُؤخَذُ مِن أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، ومِن عُمومِ الكُفَّارِ بالسُّنَّةِ، وقد أخَذَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من المجوسِ، وهم عُبَّادُ النَّارِ، لا فَرْقَ بينهم وبين عَبَدةِ الأوثانِ، ولا يَصِحُّ أنَّهم من أهلِ الكِتابِ، ولا كان لهم كِتابٌ). ((أحكام أهل الذمة)) (1/89). وقال أيضًا: (قولُه تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فلا يجوز الإمساكُ عن قتالِهم إلَّا إذا كانوا صاغرينَ حالَ إعطاءِ الجِزيةِ. والمرادُ بإعطاءِ الجِزيةِ من حينِ بَذْلِها أو التِزامِها إلى حينِ تَسلِيمها وإقباضِها، فإنَّهم إذا بَذَلوا الجزيةَ شَرَعوا في الإعطاءِ، ووجَبَ الكَفُّ عنهم إلى أن نقبِضَها منهم، فمتى لم يلتَزِموها، أو التَزَموها وامتَنَعوا من تسليمِها، لم يكونوا مُعطِينَ لها، فليس المرادُ أن يكونوا صاغرينَ حال تناوُلِ الجِزيةِ منهم فقط، ويفارِقُهم الصَّغارُ فيما عدا هذا الوقتَ، هذا باطِلٌ قطعًا). ((أحكام أهل الذمة)) (3/1377). .

الفوائد التربوية:


1- الرِّزقُ ليس مقصورًا على بابٍ واحدٍ، ومحلٍّ واحدٍ، بل لا ينغلِقُ بابٌ إلَّا فُتِحَ غَيره أبوابٌ كثيرةٌ؛ فإنَّ فَضلَ اللهِ واسِعٌ، وَجُودَه عَظيمٌ، خصوصًا لِمَن ترك شيئًا لِوَجهِه الكريمِ، فإنَّ اللهَ أكرمُ الأكرَمِينَ؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [414] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:333). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ فيه دليلٌ على أنَّ الرِّزقَ ليس بالاجتهادِ، وإنَّما هو مِن فَضلِ اللهِ، تولَّى قِسْمَتَه بين عبادِه، وذلك بيِّنٌ في قَولِه تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [415] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/109). [الزخرف: 32]، وهو أيضًا يفتحُ بابَ الرَّجاءِ مع التضرُّعِ إلى اللهِ في تَحقيقِ وعْدِه؛ لأنَّه يفعلُ ما يَشاءُ [416] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/161). .
3- قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا لكنَّ الموسمَ الاقتصاديَّ الذي ينتظرُه أهلُ مكةَ، والتجارةَ التي يعيشُ عليها معظمُ الظاهرين في الجزيرةِ، ورحلةَ الشتاءِ والصيفِ التي تكادُ تقومُ عليها الحياةُ، إنَّها كلَّها ستتعرضُ للضياعِ بمنعِ المشركينَ مِن الحجِّ، وبإعلانِ الجهادِ العامِّ على المشركينَ كافةً، نعم! ولكنَّها العقيدةُ، واللهُ يريدُ أن تخلصَ القلوبُ كلُّها للعقيدةِ! وبعدَ ذلك، فاللهُ هو المتكفلُ بأمرِ الرزقِ مِن وراءِ الأسبابِ المعهودةِ المألوفةِ: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ وحينَ يشاءُ الله يستبدلُ أسبابًا بأسبابٍ، وحين يشاءُ يُغلقُ بابًا، ويفتحُ الأبوابَ 

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا بيانُ أنَّه لا يجِبُ الحَجُّ- الوجوبَ المقتضيَ للفِعلِ وصِحَّتِه- إلَّا على مسلمٍ؛ حيث نهى اللهُ تعالى المشركينَ أنْ يَقرَبوا المسجِدَ الحرامَ، ومَنَعَهم منه، فاستحال أنْ يُؤمَروا بحَجِّ البَيتِ [418] يُنظر ((شرح العمدة – كتاب الحج)) لابن تيمية (1/113). !!
2- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فيه أنَّ الكافِرَ يُمنَعُ مِن دُخولِ الحَرَمِ؛ وأنَّه لا يُؤذَنُ له في دُخُولِه، لا لتِجارةٍ ولا لِغَيرِها، وإن كان لِمَصلحةٍ لنا [419] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:139). .
3- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا المرادُ مِن المسجِدِ الحرامِ جَميعُ الحَرَمِ، والدَّليلُ عليه قَولُه تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ؛ وذلك لأنَّ مَوضِعَ التِّجاراتِ ليس هو عينَ المَسجِدِ، فلو كان المقصودُ من هذه الآيةِ المنعَ مِن المسجِدِ خاصَّةً، لَمَا خافوا بسبَبِ هذا المنعِ مِن العَيلَةِ، وإنَّما يخافونَ العَيلةَ إذا مُنِعوا مِن حُضورِ الأسواقِ والمَواسِمِ [420] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/22)، ويُنظر أيضًا: ((النُّكتُ الدّالّة على البيان)) للقَصَّاب (1/517). ، وسمَّى الحَرَمَ كلَّه مسجدًا لمجاورتِه المسجدَ [421] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/517). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ قَولُه: إِنْ شَاءَ تعليقٌ للإغناءِ بالمشيئة؛ ولسائلٍ أن يسأَلَ فَيقولَ: الغَرَضُ بهذا الخبرِ إزالةُ الخَوفِ بالعَيلةِ، وهذا الشَّرطُ يمنَعُ من إفادةِ هذا المقصودِ، فالجوابُ مِن وُجوهٍ:
الأوَّل: عَلَّقَ الإغناءَ بالمشيئةِ؛ لأنَّ الغِنى في الدُّنيا ليس من لوازِمِ الإيمانِ، ولا يدلُّ على محبَّةِ اللهِ؛ فلهذا علَّقَه اللهُ بالمشيئةِ، فإنَّ اللهَ يُعطي الدُّنيا مَن يُحِبُّ ومن لا يحِبُّ، ولا يعطي الإيمانَ والدِّينَ إلَّا مَن يُحِبُّ.
الثاني: لأنَّ الإغناءَ يقَعُ في حقِّ بَعضٍ دُونَ بَعضٍ، فالله تعالى عَلِمَ أنَّ فيهم من لا يبلُغُ هذا الغِنى الموعودَ، وأيضا فالإغناءُ يقَعُ في وقتٍ دون وقتٍ.
الثالث: لإجراءِ الحُكمِ على الحِكمةِ، فإن اقتضَتِ الحِكمةُ والمصلحةُ إغناءَكم أغناكم.
الرابع: إعلامًا بأنَّ الرِّزقَ لا يأتي بحِيلةٍ ولا اجتهادٍ، وإنَّما هو فَضلُ اللهِ.
الخامس: لكي لا يحصُلَ الاعتمادُ على حصولِ هذا المطلوبِ، فيكونُ الإنسانُ أبدًا مُتضَرِّعًا إلى اللهِ تعالى في طلَبِ الخَيراتِ، ودَفْعِ الآفاتِ، ولتنقطِعَ الآمالُ إليه عَزَّ وجَلَّ.
السادس: أنَّ المقصودَ مِن ذِكرِ هذا الشَّرطِ تَعليمُ رِعايةِ الأدبِ، كما في قَولِه تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [422] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/357)، ((تفسير أبي حيان)) (5/399)، ((تفسير السعدي)) (ص:333). [الفتح: 27].
5- قَولُ اللهِ تعالى: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضلِهِ إخبارٌ عن غيبٍ في المُستقبَلِ، وقد وقع الأمرُ مُطابِقًا لذلك الخبرِ، فكان معجزةً [423] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/23). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ أصلٌ في قَبوِل الجِزيةِ مِن أهلِ الكِتابِ [424] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:139). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ قَولُه: عَنْ يَدٍ استدَلَّ به مَن لم يُجِزْ توكيلَ مُسلمٍ في دَفْعِ الجزيةِ، ولا أن يَضمَنَها عنه، ولا يُحيلَ بها عليه [425] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 139). .
8- قَولُ الله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ قيل: المرادُ يدُ المؤَدِّي، وعلى هذا استدَلَّ به من قال: تسقُطُ الجِزيةُ بالموتِ والإسلامِ؛ لأنَّ الاستيفاءَ عن يَدِه [426] يُنظر: ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (1/582). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ استدَلَّ به من قال إنَّ الجِزيةَ تؤخَذُ بإهانةٍ [427] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:139-140). .
10- قولُ الله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ استدَلَّ به من قال إنَّ أهلَ الذِّمَّةِ يُترَكونَ في بلدِ الإسلامِ؛ لأنَّ مَفهومَها الكَفُّ عنهم عند أدائِها، ومن الكَفِّ ألَّا يُجْلَوْا [428] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:140). .
11- قَولُ اللهِ تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَاستدَلَّ به من قال: لا حَدَّ لأقَلِّ الجِزيةِ [429] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:140). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ استدَلَّ به من قال: إنَّ الجِزيةَ عِوَضُ حَقنِ الدَّمِ، لا أُجرةُ الدَّارِ [430] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:140). .
13- في قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قولِه سبحانه: وَهُمْ صَاغِرُونَ دلالةٌ على أنَّ نساءَهم وصبيانَهم لا جزيةَ عليهم؛ لأنَّهم لا يُقاتَلون، بل قد نُهِيَ عن قَتْلِهِم [431] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/518). .
14- وُصِفَتِ النَّصارى في قَولِه تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بأنَّهم لا يُؤمِنونَ باليومِ الآخِرِ، مع أنَّ النَّصارى يُقِرُّونَ بمَعادِ الأبدانِ! ووجهُ ذلك أنَّهم لا يُقِرُّون بما أخبَرَ اللهُ به من الأكلِ والشُّربِ واللِّباسِ والنِّكاحِ، والنَّعيم والعذابِ في الجنَّةِ والنَّارِ، بل غايةُ ما يُقِرُّونَ به من النَّعيمِ: السَّماعُ والشَّمُّ، ومنهم مُتفَلسِفةٌ يُنكِرونَ مَعادَ الأجسادِ [432] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/621)، ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 458). .
15- ليس المرادُ بالعطاءِ في قَولِه تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ العطاءَ الأوَّلَ وحْدَه، بل العطاءُ المستمِرُّ المتكرِّرُ كُلَّ عامٍ [433] يُنظر ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (1/148). .
16- دلَّ قولُه تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ على أنَّه لا يجوزُ الإمساكُ عن قتالِهم إلَّا إذا كانوا صاغِرينَ حالَ إعطائِهم الجزيةَ، ومِن المعلومِ أنَّ مَن أظهَرَ سَبَّ نبيِّنا في وجوهِنا، وشَتَمَ ربَّنا على رُؤوسِ الملإِ مِنَّا، وطعَنَ في دينِنا في مَجامِعِنا- فليس بصاغرٍ؛ لأنَّ الصاغِرَ: الذَّليلُ الحقيرُ، وهذا فِعلُ مُتعَزِّزٍ مُراغِمٍ، ففي هذه الحالِ يكونُ قتالُ هؤلاء مأمورًا به، ولا تنعقِدُ لهم ذمَّةٌ، ولو عُقِدَ لهم كان عقدًا فاسِدًا [434] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 11). .
17- ليس المرادُ بالصَّغَار في قَولِه تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ أنْ يكونوا صاغرينَ حالَ تناوُلِ الجزيةِ منهم فقط؛ ويفارقُهم الصَّغَارُ فيما عدا هذا الوقتَ، هذا باطِلٌ قطعًا، وإنَّما أنْ يلازِمَهم الصَّغَارُ والذُّلُّ في كامِلِ مدَّةِ أداءِ الجِزيةِ [435] يُنظر ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (3/1377). .
18- في قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ دليلٌ على توهينِ قولِ مَن قال: إنَّ مَن أسلم مِن رجالهم - وقد مضى بعضُ السَّنَةِ - فعليه مِن الجزيةِ بقَدْر ما مضَى منها. لأنَّ اللهَ جلَّ جلالُه جَعَلَ الجزيةَ صَغَارًا؛ والصَّغَارُ لاحقٌ بالدافع وقتَ الدفعِ؛ لقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ؛ وكيف يُلْزَمُ المسلمُ صَغَارَ الجزيةِ وقد أَعَزَّهُ اللهُ بالإسلام؛ والإسلامُ يَجُبُّ ما قبْلَه [436] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/519). ؟!

بلاغة الآيتين:


1- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ للرُّجوعِ إلى غَرَضِ إقصاءِ المُشركينَ عن المسجدِ الحرامِ، المُفادِ بقولِهِ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ؛ وجِيءَ به لتأكيدِ الأَمْرِ بإبعادِهم عن المسجدِ الحَرامِ، مع تَعليلِه بعِلَّةِ أُخْرى تَقتضي إبعادَهم عنه، وهي: أَنَّهم نَجَسٌ [437] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/159). .
- وقولُهُ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فيه حَصْرٌ، وصِيغةُ الحَصْرِ هذِه لإفادةِ نَفْي التَّردُّدِ في اعْتِبارِهم نَجَسًا؛ فهي للمُبالَغةِ في اتِّصافِهم بالنَّجاسةِ، حتَّى كأنَّهم لا وصْف لهم إلَّا النَّجَسيَّة [438] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/160). .
- ووُصِفوا بالمصْدَرِ نَجَسٌ مُبالَغةً أيضًا، كأنَّهم عينُ النَّجاسةِ، أو هم ذَوُو نَجَسٍ [439] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/57)، ((تفسير أبي حيان)) (5/398). .
- قولُه: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فيه النَّهيُ عن القُرْبِ؛ للمُبالَغَةِ، أو للمَنْعِ عن دُخولِ الحَرَمِ [440] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/57). .
- قولُ الله تعالى: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ جُعِلَ النَّهيُ على صورةِ نَهيِ المُشرِكينَ عن ذلك؛ مبالغةً في نهيِ المُؤمِنينَ حين جُعِلوا مُكَلَّفينَ بانكفافِ المُشرِكينَ عن الاقترابِ مِن المسجِدِ الحَرامِ [441] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/160-161). .
- قولُهُ: بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا فيه إضافةُ (العامِ) إلى ضَميرِ (هُم)؛ لمزيدِ اخْتِصاصِهم بحُكمٍ هائلٍ في ذلك العامِ، ووصْفُ (العامِ) باسمِ الإشارةِ هَذَا؛ لزِيادةِ تمييزِه وبيانِه [442] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/160). .
- وقولُه: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَعليلٌ لقولِه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، أي: إنَّ اللهَ يُغْنيكم؛ لأنَّه يَعْلَمُ ما لكم مِن المنافعِ من وِفادةِ القبائلِ، فلمَّا مَنَعَكم مِن تمكينِهم من الحجِّ لم يَكُنْ تاركًا مَنْفعتَكم؛ فقَدَّرَ غِناكُم عنهم بوسائلَ أُخْرى عَلِمها، وأحْكَم تَدبيرَها [443] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/161). .
2- قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
- قولُه: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ... هذه الجملةُ استئنافٌ ابتدائيٌّ، لا تَتفرَّعُ على التي قَبْلَها؛ فالكلامُ انْتِقالٌ من غَرَضِ نَبْذِ العَهْدِ مَع المشركينَ، وأحوالِ المُعامَلةِ بَينهم وبين المسلِمين، إلى غرَضِ المُعامَلةِ بين المسلمينَ وأَهْلِ الكِتابِ من اليهودِ والنَّصارى [444] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/162). .
- وقولُهُ: عَنْ يَدٍ تأكيدٌ لمعنى يُعْطُوا؛ للتَّنصيصِ على الإعطاءِ، و(عن) فيه للمُجاوَزةِ، أي: يَدْفُعوها بأيديهم، ولا يُقبَلُ منهم إرسالُها ولا الحوالةُ فيها، ومَحَلُّ المجرورِ الحالُ مِن الجِزيةِ، والمرادُ يَدُ المُعْطي، أي: يُعْطُوها غيرَ مُمتنِعينَ، ولا مُنازِعينَ في إعطائِها، وهذا كقولِ العَربِ: (أعْطَى بيدِه) إذا انْقادَ [445] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/262)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/166). .