موسوعة التفسير

سورةُ الفُرقانِ
الآيات (72-77)

ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ

غريب الكلمات:


الْغُرْفَةَ: أي: الدَّرَجةَ الرَّفيعةَ في الجنَّةِ، والغرفةُ: كلُّ بناءٍ عالٍ مرتفعٍ، وأصلُ (غرف): يدُلُّ على رَفعِ الشَّيءِ [1087] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/534)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/418)، ((الوسيط)) للواحدي (3/349)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 266)، ((تفسير القرطبي)) (13/83)، ((المفردات)) للراغب (ص: 605). .
قُرَّةَ أَعْيُنٍ: أي: ما تَقَرُّ به أعْيُنُنا، قيل: أصلُه مِن القُرِّ، أي: البَردِ، فَقَرَّتْ عينُه، قيل: معناه بَرَدَتْ فصَحَّتْ، وقيل: هو مِن القَرارِ، والمعنى: أعطاه اللهُ ما تَسكُنُ به عينُه، فلا يطمَحُ إلى غيرِه، وقيل: أقرَّ الله عينَه، أي: أنامَها [1088] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/7)، ((تفسير ابن جرير)) (17/529)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (5/1524)، ((المفردات)) للراغب (ص: 663)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 733، 739). .
 وَيُلَقَّوْنَ: أي: يُستقبَلونَ، وتَتَلَقَّاهُم الملائِكةُ، يُقال: تَلَقَّاهُ كذا، أي: لَقِيَه، ولَقِيتُه بكذا: إذا استَقْبلتَه به، وأصلُ (لقي) هنا يدُلُّ على المُلاقاةِ، وتوافِي شيئيْنِ متقابلَيْنِ [1089] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/534)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/260)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 745)، ((تفسير العليمي)) (5/45). .
يَعْبَأُ: أي: يُبالي، وأصلُ (عبأ): يدُلُّ على اجتِماعٍ في ثِقلٍ [1090] ((تفسير ابن جرير)) (17/536) (ص: 266)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 518)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/215). .
لِزَامًا: أي: مُلازِمًا، وقيل: جَزاءً، وقيل: هلاكًا، وأصلُ (لزم): يدُلُّ على مُصاحبةِ الشَّيءِ للشَّيءِ دائِمًا [1091] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 283)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 407)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/245)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 266)، ((تفسير القرطبي)) (13/86)، ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 249). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ومِن صِفةِ عِبادِ الرَّحمنِ أيضًا أنَّهم لا يَحضُرونَ مواضِعَ الباطِلِ، وإذا مرُّوا باللَّغْوِ -مِن غيرِ قَصدٍ منهم- أعرَضوا عنه؛ وهم الذين إذا ذُكِّروا بآياتِ رَبِّهم لم يُعرِضوا عنها صامِّينَ آذانَهم وعامِينَ عنها، والذين يَدْعونَ رَبَّهم: ربَّنا هَبْ لنا مِن أزواجِنا وذرِّيَّاتِنا ما تَقَرُّ به أعيُنُنا برؤيتِهم على طاعتِك في الدُّنيا، وبدُخولِ جَنَّتِك في الآخرةِ، واجعَلْنا قُدوةً في الخَيرِ للمُتَّقينَ مِن عبادِك؛ فهؤلاء المتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ يَجزيهم اللهُ الغُرَفَ العاليةَ في الجِنانِ بسَبَبِ صَبرِهم في الدُّنيا، ويُستقبَلون بالتحيَّةِ والسَّلامِ، ماكثينَ في تلك الغُرَفِ أبدًا، حَسُنَت لهم قرارًا ومُقامًا.
قُلْ -يا محمَّدُ: لولا دعاؤُكم اللهَ تعالى لَما اكتَرَث بكم، فقد كذَّبتُم -أيُّها المُشرِكون- بالحَقِّ، فسوف يكونُ العذابُ مُلازِمًا لكم في الدُّنيا والآخرةِ؛ جزاءَ تكذيبِكم.

تفسير الآيات:


وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
 عَقَّبَ سُبحانه ترْكَهم الزِّنا بالإعراضِ أصلًا عن اللَّغوِ الذي هو أعظَمُ مقَدِّماتِ الزِّنا [1092] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/431). .
وأيضًا لَمَّا وَصَفَهم سُبحانه بالصِّفاتِ المتقَدِّمةِ الدالَّةِ كلِّها على كَمالِ أخلاقِهم، واستقامةِ أعمالِهم في ظواهرِهم وبواطنِهم بانبِنائِها على قوَّةِ إِيمانِهم، وصحَّةِ عِلْمِهم؛ فكانوا أهلَ الحقِّ المتَّصِفين به في عِلْمِهم وعَمَلِهم، القائمينَ عليه في جميعِ أحوالهمِ- وَصَفَهم هنا ببُعدِهم عن الباطلِ ومَشاهِدِه، ومجانبتِهم لأهلِه [1093] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 229). .
وأيضًا لَمَّا وَصَفَ سُبحانَه وتعالى عبادَه بأنهم تَحَلَّوا بأصولِ الفضائلِ، وتَخَلَّوا عن أمَّهاتِ الرَّذائلِ، ورَغَّبَ في التَّوبةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لِعَجزِه لا يَنفَكُّ عن النَّقصِ- مَدَحَهم بصفةٍ أخرى، وهي الصفةُ المذكورةُ في قَولِه تعالى [1094] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/676). :
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ.
أي: والذين لا يَحضُرون شَيئًا مِن الباطِلِ، ويجتنبونَ جميعَ المجالِسِ المشتمِلةِ على أقوالٍ أو أفعالٍ محرَّمةٍ [1095] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/523)، ((تفسير القرطبي)) (13/79)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/479 - 483)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (3/1244، 1245)، ((تفسير ابن كثير)) (6/130، 131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 587). قال ابن عاشور: (فِعلُ «شَهِد» يُستعملُ بمعنى «حضَر»، وهو أصلُ إطلاقِه؛ كقولِه تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185]، ويُستعملُ بمعنَى: أخبَر عن شَيءٍ شَهِدَه وعَلِمَه؛ كقولِه تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا [يوسف: 26]. والزُّورُ: الباطلُ مِن قَولٍ أو فعلٍ، وقد غلَب على الكذبِ... فيَجوزُ أن يكونَ معنَى الآيةِ: أنَّهم لا يَحضُرونَ مَحاضرَ الباطلِ الَّتي كان يَحضُرُها المشركون، وهي مَجالسُ اللَّهوِ والغِناءِ والغِيبةِ ونَحوِها، وكذلك أعيادُ المشركين وألعابُهم؛ فيكونَ الزُّورُ مفعولًا به لـ يَشْهَدُونَ. وهذا ثَناءٌ على المؤمنينَ بمُقاطَعةِ المشركينَ وتجنُّبِهم... ويجوزُ أن يكونَ فِعلُ يَشْهَدُونَ بمعنَى الإخبارِ عمَّا عَلِموه، ويكونَ الزُّورُ منصوبًا على نزعِ الخافضِ، أي: لا يَشهَدون بالزُّورِ، أو مفعولًا مُطلقًا لبيانِ نوعِ الشَّهادةِ، أي: لا يَشهدون شهادةً هي زُورٌ لا حقٌّ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/78، 79). وقال ابن الفَرَس: (الزُّورُ: كلُّ الباطلِ، فأعظَمُه: الشِّركُ، وبه فسَّرَ الضحَّاكُ وابنُ زَيدٍ. ومنه: الغِناءُ، وبه فسَّر مجاهِدٌ. ومنه: الكذِبُ، وبه فسَّر ابنُ جُرَيجٍ. ويَشْهَدُونَ على القولينِ الأوَّلينِ مِنَ المُشاهَدةِ، وعلى القولِ الثالثِ مِنَ الشَّهادةِ لا مِن المشاهَدةِ، فالمُرادُ: الشَّهادةُ بالزُّورِ، وهو قولُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وغيرِه). ((أحكام القرآن)) (3/400). ويُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 198). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالزُّورِ: الشِّركُ: مقاتلُ بنُ سليمان، وابنُ أبي زمنين، والسمعانيُّ، والخازنُ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/242)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/268)، ((تفسير السمعاني)) (4/35)، ((تفسير الخازن)) (3/319). ونسَبَ الواحديُّ هذا القولَ إلى أكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((البسيط)) (16/601). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بالزُّورِ: الكذِبُ: أي: لا يَشهدون بالزُّورِ أو شهادةَ الزُّورِ: ابنُ جُزي، وأبو حيان. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/87)، ((تفسير أبي حيان)) (8/132). قال ابن تيميَّةَ: (قال قومٌ: إنَّ المُرادَ: شَهادةُ الزُّورِ الَّتي هي الكذبُ، وهذا فيه نظَرٌ؛ فإنَّه تعالى قال: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، ولم يقُلْ: لا يَشهدون بالزُّورِ. والعربُ تقولُ: شهِدتُ كذا: إذا حضَرْتَه... وأمَّا: شَهِدتُ بكذا، فمعناه: أخبرتُ به). ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/482). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: لا يَشهدون شَيئًا مِن الباطلِ؛ لا شِركًا، ولا غِناءً، ولا كَذِبًا ولا غيرَه مِن الباطلِ: ابنُ جرير، وابنُ عطية، والقرطبيُّ، والثعالبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/523)، ((تفسير ابن عطية)) (4/222)، ((تفسير القرطبي)) (13/79)، ((تفسير الثعالبي)) (4/220). قال السعدي: (أي: لا يحضُرون الزُّورَ، أي: القولَ والفِعلَ المحَرَّمَ، فيجتنبون جميعَ المَجالسِ المشتَمِلةِ على الأقوالِ المحرَّمةِ أو الأفعالِ المحرَّمةِ... وإذا كانوا لا يَشهَدون الزُّورَ فمِن بابِ أَولى وأَحرى ألَّا يقولوه ويفعلوه، وشهادةُ الزُّورِ داخلةٌ في قَولِ الزورِ، تدخُلُ في هذه الآيةِ بالأولويَّةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 587). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/295)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/78، 79). وقال ابن عثيمين: (فالزُّورُ: كُلُّ مَيلٍ قوليٍّ أو فعليٍّ؛ إن كان قولًا وُصِف بالكَذِب، وإن كان فِعلًا وُصِف بالباطِلِ. فكلُّ قولٍ أو فعلٍ مائلٍ عن الطريقِ فإنَّه زورٌ؛ فالكَذِبُ زورٌ، والشَّتمُ واللَّعنُ والغِيبةُ زورٌ أيضًا، والغَصبُ والسَّرِقةُ والزِّنا وغيرُ ذلك: زورٌ أيضًا، لكن قد نُسَمِّيه باطلًا إذا كان فِعلًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 315). وقال السيوطي: (قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ هو شامِلٌ لكُلِّ باطلٍ؛ فمِنه الشِّركُ، وبه فسَّره الضحَّاكُ، واللَّهوُ والغناءُ، وبه فسَّر ابنُ الحنفيَّةِ، والكَذِبُ، وبه فسَّر قَتادةُ، والنِّياحةُ، وبه فسَّر الحسَنُ). ((الإكليل)) (ص: 198). .
كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 68].
وعن أبي بَكْرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: ((كنَّا عندَ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ألَا أُنَبِّئُكم بأكبَرِ الكبائِر -ثلاثًا-؟ الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَينِ، وشَهادةُ الزُّورِ أو قَولُ الزُّورِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مُتَّكِئًا فجلَسَ، فما زال يُكَرِّرها حتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَت )) [1096] رواه البخاري (6919)، ومسلم (87) واللفظ له. .
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا نفَى عنهم سبحانَه -فيما تَقَدَّمَ- حضورَ مَشاهِدِ الزُّورِ؛ أخبرَ هنا أنَّهم لا يَقِفون عندَ اللَّغوِ عندَما يَمُرُّون عليه؛ تَرَقِّيًا في وصْفِهم بالبُعدِ عن الباطلِ والإثمِ والعبثِ، ومجانبةِ أهلِه [1097] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 232). .
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
أي: وإذا صادَف أنْ مَرُّوا باللَّغوِ [1098] قال السعدي: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ وهو الكلامُ الذي لا خيرَ فيه، ولا فيه فائِدةٌ دينيَّةٌ ولا دنيويَّةٌ؛ ككلامِ السفهاءِ ونحوِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 587). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/79)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/79). وقال ابن جُزي: (اللَّغوُ: هو الكلامُ القبيحُ على اختِلافِ أنواعِه). ((تفسير ابن جزي)) (2/87). وقال ابن عثيمين: (قولُه: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ اللَّغوُ الصوابُ أنَّه ليس الكلامَ القبيحَ؛ لأنَّ الكلامَ القبيحَ داخِلٌ في الزُّورِ، لكنِ المُرادُ باللَّغوِ: ما لا فائدةَ فيه، فكلُّ ما لا فائدةَ فيه فهو لَغْوٌ؛ وذلك لأنَّه لا يُقصَدُ، وما لا يُقصدُ فهو لَغْوٌ، لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: 89]، فاللَّغوُ ما لا فائدةَ فيه؛ سواءٌ كان قولًا أو فعلًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 316). وقيل في معنى اللَّغوِ أيضًا: هو ما كان المشركونَ يَقولونَه للمؤمنينَ، ويُكَلِّمونَهم به مِن الْأَذَى، وقيل: اللَّغوُ هو ما كان المشركونَ فيه مِن الباطِلِ، وقيل: هو المعاصي كُلُّها... إلى غيرِ ذلك. قال ابنُ جريرٍ بعْدَ أن ذكَر الخلافَ في معنَى اللَّغوِ: (وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ عندي أن يُقالَ: إنَّ اللهَ أخبَرَ عن هؤلاءِ المؤمنينَ الَّذينَ مَدَحهم بأنَّهم إذا مَرُّوا باللَّغْوِ مَرُّوا كرامًا، واللَّغوُ في كلامِ العربِ هو كُلُّ كلامٍ أو فِعلٍ باطلٍ لا حقيقةَ له ولا أصلَ، أو ما يُستقبَحُ... فلا وجْهَ إذْ كان كلُّ ذلك يَلْزَمُه اسمُ اللَّغْوِ أن يُقالَ: عُنيَ به بعضُ ذلك دونَ بعضٍ، إذ لم يَكُنْ لخصوصِ ذلك دَلالةٌ مِن خبرٍ أو عقلٍ). ((تفسير ابن جرير)) (17/523- 525). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ اللَّغوَ: كلُّ ما يَنبغي أن يُلغى ويُطَّرَحَ، وكلُّ سَقَطٍ مِن قولٍ أو فعلٍ: الزجَّاجُ، والزمخشريُّ، وابنُ عطية، وابنُ الفَرَس، والرازيُّ، والقرطبيُّ، والبيضاويُّ، والنسفيُّ، والخازنُ، والشوكانيُّ، والقاسميُّ. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/77)، ((تفسير الزمخشري)) (3/295)، ((تفسير ابن عطية)) (4/222)، ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/400)، ((تفسير الرازي)) (24/486)، ((تفسير القرطبي)) (13/80)، ((تفسير البيضاوي)) (4/131)، ((تفسير النسفي)) (2/551)، ((تفسير الخازن)) (3/320)، ((تفسير الشوكاني)) (4/103)، ((تفسير القاسمي)) (7/444). فسَمِعوه أو رَأَوْهُ -مِن غَيرِ قَصدٍ منهم-، أعرَضوا عنه، وأكرَموا أنفُسَهم عن الخَوضِ والمشاركةِ فيه [1099] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/525)، ((تفسير القرطبي)) (13/80، 81)، ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) لابن القيم (1/241)، ((تفسير ابن كثير)) (6/131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 587)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/79)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/79). قال الرسعني: (مَرُّوا كِرَامًا أي: مرُّوا مرَّ الكرماءِ، مُعرضينَ عنهم، مُكرمينَ أنفسَهم عن التوقُّفِ عليهم، والخوضِ معهم؛ كقوله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55]). ((تفسير الرسعني)) (5/358). وقال البقاعي: (مَرُّوا كِرَامًا أي: آمِرينَ بالمعروفِ، ناهينَ عن المنكَرِ -إن تعلَّقَ بهم أمرٌ أو نهيٌ- بإشارةٍ أو عبارةٍ، على حسَبِ ما يَرَونَه نافعًا، أو مُعرِضينَ إن كان لا يصلُحُ شَيءٌ من ذلك؛ لإثارةِ مَفسدةٍ أعظَمَ مِن ذلك أو نحوِه؛ رحمةً لأنفُسِهم وغيرِهم). ((نظم الدرر)) (13/433). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/525)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 316، 317). وقال ابن جرير: (فتأويلُ الكلامِ: وإذا مَرُّوا بالباطِلِ فسَمِعوه أو رَأَوْه، مَرُّوا كِرامًا؛ مُرورُهم كِرامًا في بعضِ ذلك بأنْ لا يَسْمَعوه، وذلك كالغناءِ. وفي بعضِ ذلك بأنْ يُعْرِضوا عنه ويصفحُوا، وذلك إذا أُوذُوا بإسماعِ القبيحِ مِن القولِ. وفي بعضِه بأنْ يَنْهَوْا عن ذلك، وذلك بأنْ يَرَوْا مِن المُنكَرِ ما يُغَيَّرُ بالقولِ فَيُغَيِّرُوه بالقولِ، وفي بعضِه بأنْ يُضارِبوا عليه بالسُّيوفِ، وذلك بأنْ يَرَوْا قومًا يَقْطَعونَ الطَّريقَ على قومٍ، فيَستَصْرِخُهم المُرادُ ذلك منهم، فيُصْرِخونَهم، وكلُّ ذلك مُرورُهم كِرامًا). ((تفسير ابن جرير)) (17/525). .
كما قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: 55].
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وَصَفَهم سبحانَه -فيما تَقَدَّمَ- بإعراضِهم عن الباطلِ، ومجانبتِهم لأهلِه، وبُعْدِهم عنه؛ وَصَفَهم هنا بإقبالِهم على الحقِّ، وإكبابِهم عليه، متفهِّمِينَ مُستبصِرِينَ [1100] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 233). .
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا.
أي: والذين إذا ذكَّرَهم مُذَكِّرٌ بآياتِ رَبِّهم [1101] قيل: المرادُ بقولِه: بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ: القرآنُ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والسمرقنديُّ، وابنُ أبي زمنين، وابنُ عطية، والقرطبيُّ، والنسفيُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/242)، ((تفسير السمرقندي)) (2/547)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/268)، ((تفسير ابن عطية)) (4/222)، ((تفسير القرطبي)) (13/81)، ((تفسير النسفي)) (2/551). وقيل: المرادُ بها: عمومُ الآياتِ، شَرعيَّةً كانت أو كونيَّةً. وممَّن قال بذلك: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 322). وقال الشوكاني: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ أي: بالقرآنِ، أو بما فيه موعظةٌ وعِبرةٌ). ((تفسير الشوكاني)) (4/104).  ، لم يُقابِلوها بالإعراضِ عنها، والصَّمَمِ عن سَماعِها، وصَرفِ النَّظَرِ والقلوبِ عنها، كالكُفَّارِ الذين إن ذُكِّروا بها أنكَروا وكَذَّبوا، وأقاموا على كُفرِهم، كأنَّهم لا يَسمَعونَ ولا يُبصِرونَ [1102] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/527، 528)، ((تفسير القرطبي)) (13/81)، ((تفسير ابن كثير)) (6/131، 132)، ((تفسير السعدي)) (ص: 587)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/80، 81). قال الزمخشري: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ليس بنَفيٍ للخُرورِ، وإنَّما هو إثباتٌ له، ونَفيٌ للصَّمَمِ والعَمَى، كما تقولُ: لا يَلقاني زيدٌ مُسَلِّمًا، هو نَفيٌ للسَّلامِ لا للِّقاءِ. والمعنى: أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بها أكَبُّوا عليها حِرصًا على استِماعِها، وأقبَلوا على المُذَكِّرِ بها، وهُم في إكبابِهم عليها سامِعون بآذانٍ واعيةٍ، مُبصِرونَ بعُيونٍ راعيةٍ، لا كالذين يُذَكَّرونَ بها فتراهم مُكِبِّينَ عليها مُقبِلينَ على مَن يُذَكِّرُ بها، مُظهِرينَ الحِرصَ الشَّديدَ على استِماعِها، وهم كالصُّمِّ العُميانِ؛ حيث لا يَعُونَها، ولا يَتبَصَّرونَ ما فيها، كالمُنافِقينَ وأشباهِهم). ((تفسير الزمخشري)) (3/295). وقال ابن عطية: (قولُه: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا يحتَمِلُ تأويلينِ: أحدُهما: أن يكونَ المعنى: لم يكُنْ خرورُهم بهذه الصِّفةِ، بل يكون سُجَّدًا وبُكِيًّا، وهذا كما تقولُ: لم يخرجْ زيدٌ للحربِ جَزِعًا، أي: إنما خرَج جريئًا مُقْدِمًا. وكأنَّ الذي يَخِرُّ أصَمَّ وأعمى هو المنافِقُ أو الشاكُّ. والتأويلُ الثاني ذهب إليه الطبريُّ، وهو: أنَّ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا هي صِفةٌ للكافِرِ، وهي عبارةٌ عن إعراضِهم وجهدِهم في ذلك، وقَرَنَ ذلك بقَولِه: قعَد فلان يشتُمُني، وقام فلانٌ يبكي، وأنت لم تَقصدِ الإخبارَ بقعودٍ ولا قيامٍ، وإنما هي توطئاتٌ في الكلامِ والعبارةِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/222). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/528). وقال ابن عاشور: (يجوزُ أن يكونَ الخرورُ واقِعًا منهم أو مِن بَعضِهم حقيقةً؛ لأنَّهم يكونون جلوسًا في مجتمعاتِهم ونَواديهم، فإذا دعاهم الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الإسلامِ طأطؤوا رؤوسَهم وقَرَّبوها مِن الأرض؛ لأنَّ ذلك للقاعد يقومُ مقامَ الفرارِ، أو سَترِ الوجهِ... وقريبٌ مِن هذا المعنى قولُه تعالى حكايةً في سورة نوح: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: 7]). ((تفسير ابن عاشور)) (19/80، 81). .
كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة: 15].
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وَصَفَهم سبحانه في الآياتِ المتقدِّمةِ بما دلَّ على أنَّهم أهلُ خَيرٍ وكمالٍ في أنفُسِهم؛ وَصَفَهم في هذه بما دلَّ على محبَّتِهم الخَيرَ والكمالَ لغَيرِهم مِن قرابتِهم: أزواجِهم، وذُرِّيَّتِهم، ومَن سِواهم [1103] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 235). .
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ.
أي: والذين يَدْعُونَ اللهَ قائلينَ: ربَّنا أصلِحْ أزواجَنا وأولادَنا وأحفادَنا، فنُسَرَّ في الدُّنيا برُؤيتِهم على طاعتِك، وفي الآخرةِ بدُخولِ جَنَّتِك [1104] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/529)، ((تفسير السمرقندي)) (2/547)، ((تفسير البيضاوي)) (4/131)، ((تفسير ابن كثير)) (6/132). قال ابن العربي: (معناه: أنَّ النفوسَ تتمنَّى، والعيونَ تمتدُّ إلى ما ترى مِن الأزواجِ والذُّرِّيَّةِ، حتى إذا كانت عندَه زوجةٌ اجتمعت له فيها أمانيه مِن جمالٍ وعِفَّةٍ ونظَرٍ وحَوطةٍ، أو كانت عندَه ذريَّتُه محافِظينَ على الطاعة، معاوِنينَ له على وظائفِ الدِّينِ والدُّنيا؛ لم يلتَفِتْ إلى زوجِ أحدٍ، ولا إلى ولَدِه؛ فتسكُنُ عينُه عن الملاحظةِ، وتزولُ نفْسُه عن التعلُّقِ بغيرِها؛ فذلك حينَ قُرَّةِ العَينِ، وسُكونِ النَّفسِ). ((أحكام القرآن)) (3/455، 456). ويُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/36)، ((تفسير القرطبي)) (13/82). لكن قال الرازي: (لا شُبْهَةَ أنَّ المرادَ أنْ يكونَ قُرَّةَ أعينٍ لهم في الدِّينِ لا في الأمورِ الدُّنيويَّةِ مِن المالِ والجمالِ). ((تفسير الرازي)) (24/486). وقال الزمخشري: (مِنْ في قولِه: مِنْ أَزْوَاجِنَا ... يحتمِلُ أن تكونَ بيانيَّةً... وأن تكونَ ابتدائيَّةً). ((تفسير الزمخشري)) (3/296). وقال أبو حيان: (قُرَّةُ العينِ فيمَنْ ذكروا رُؤْيَتُهم مُطيعينَ لِلَّهِ). ((تفسير أبي حيان)) (8/133). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/222). وقال الرازي: (فيه وجهان؛ أحدُهما: أنَّهم سألوا أزواجًا وذرِّيَّةً في الدُّنيا يُشارِكونهم، فأحَبُّوا أن يكونوا معهم في التمسُّكِ بطاعةِ الله، فيَقْوى طمَعُهم في أن يَحصُلوا معهم في الجنَّةِ؛ فيَتكامَلَ سرورُهم في الدُّنيا بهذا الطمعِ، وفي الآخرةِ عندَ حصولِ الثَّوابِ. والثَّاني: أنَّهم سألوا أن يُلحِقَ اللهُ أزواجَهم وذريَّتَهم بهم في الجنَّةِ؛ لِيَتِمَّ سرورُهم بهم). ((تفسير الرازي)) (24/486، 487). .
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
أي: واجعَلْنا قُدوةً للذين يمتَثِلونَ أوامِرَك، ويجتَنِبونَ نواهيَك، فيَقتَدون بنا في الخَيرِ [1105] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/533)، ((تفسير القرطبي)) (13/83)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/81)، ((تفسير ابن كثير)) (6/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 587). ممَّن اختار أنَّ معنى قولِه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أي: يَقتدون بنا في الدِّينِ، ويأتمون بنا في الخَيرِ: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، وابن أبي زمنين، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، والخازن، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/242)، ((تفسير ابن جرير)) (17/533)، ((تفسير السمرقندي)) (2/547)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/269)، ((تفسير الثعلبي)) (7/152)، ((تفسير البغوي)) (3/459)، ((تفسير القرطبي)) (13/83)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير النسفي)) (2/552)، ((تفسير ابن جزي)) (2/87)، ((تفسير الخازن)) (3/320)، ((تفسير الشوكاني)) (4/104). قال ابن كثير: (وقولُه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا قال ابنُ عبَّاسٍ، والحسَنُ، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ، والربيعُ بنُ أنسٍ: أئمَّةً يُقتدى بنا في الخيرِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/133). قال السعدي: (من المعلومِ أنَّ الدُّعاءَ بحُصولِ شَيءٍ: دُعاءٌ به وبما لا يَتِمُّ إلَّا به، وهذه الدَّرَجةُ دَرَجةُ الإمامةِ في الدِّينِ التي لا تَتِمُّ إلَّا بالصَّبرِ واليَقينِ، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24]، فهذا الدُّعاءُ يَستلزِمُ مِن حُصولِ الأعمالِ الصَّالحةِ، والصَّبرِ على طاعةِ الله، وعن معصيتِه، وعلى أقدارِه المؤلِمةِ، ومن العِلمِ النَّافِعِ التامِّ الرَّاسخِ الذي يُوصِلُ صاحِبَه إلى درجةِ اليَقينِ- خَيرًا كثيرًا، وعَطاءً جزيلًا). ((تيسير اللطيف المنان)) (ص: 67). وقيل: معنى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا: نأتَمُّ بهم، ويأتَمُّ بنا مَن بَعْدَنا. وممَّن قال به مِن السلَفِ: مجاهدٌ، والحسَنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/532)، ((تفسير السمعاني)) (4/36). وعن مجاهدٍ -في روايةٍ أخرى-، قال: (اجعَلْنا مؤتَمِّينَ بهم، مُقتَدينَ بهم). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/532). قال ابنُ القيِّمِ عن تفسير مجاهدٍ المذكورِ: (أَشكَلَ هذا التفسيرُ على مَن لم يَعرِفْ قَدْرَ فَهمِ السلَفِ وعُمقَ عِلمِهم، وقال: يجبُ أن تكونَ الآيةُ على هذا القولِ مِن بابِ المقلوبِ، على تقديرِ: واجعَلِ المتَّقينَ لنا أئمَّةً، ومَعاذَ اللهِ أن يكونَ شَيءٌ مقلوبًا على وَجهِه! وهذا مِن تمامِ فَهمِ مجاهدٍ رحمه الله؛ فإنَّه لا يكونُ الرجُلُ إمامًا للمتَّقينَ حتى يأتمَّ بالمتَّقينَ، فنَبَّهَ مجاهدٌ على هذا الوجهِ الَّذي يَنالون به هذا المطلوبَ، وهو اقتِداؤُهم بالسلَفِ المتَّقينَ مِن قَبْلِهم، فيَجعَلُهم الله أئمَّةً للمتَّقينَ مِن بَعدِهم. وهذا مِن أحسَنِ الفَهمِ في القرآنِ وألطَفِه، ليس مِن باب القلبِ في شَيءٍ، فمَنِ ائتَمَّ بأهلِ السنَّةِ قبْلَه، ائتَمَّ به مَن بعْدَه ومَن معه). ((رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه)) (ص: 12، 13). .
 كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24].
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
 لَمَّا عَدَّدَ سُبحانَه صِفاتِ المتَّقينَ المخلِصِينَ؛ بَيَّنَ بعْدَ ذلك أنواعَ إحسانِه إليهم، وهي مجموعةٌ في أمْرينِ: المنافعِ، والتَّعظيمِ؛ فالمنافِعُ في قَولِه تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا، والتعظيمُ في قَولِه تعالى: وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [1106] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/487). .
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا.
أي: عِبادُ الرَّحمنِ المتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ يُثيبُهم اللهُ الغُرَفَ العاليةَ في الجنَّةِ [1107] قيل: الغرفةُ: المنزلةُ الرَّفيعةُ، والدرجةُ العاليةُ في الجنَّةِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والثعلبيُّ، والبغويُّ، والخازنُ، وجلال الدين المحليُّ، والشوكانيُّ، والقاسميُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/534)، ((تفسير الثعلبي)) (7/153)، ((تفسير البغوي)) (3/460)، ((تفسير الخازن)) (3/320)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 479)، ((تفسير الشوكاني)) (4/105)، ((تفسير القاسمي)) (7/446). وقال الزمخشري: (المرادُ: يُجْزَونَ الغُرُفاتِ، وهي العَلاليُّ في الجنَّةِ، فوَحَّدَ اقتِصارًا على الواحدِ الدالِّ على الجنسِ، والدَّليلُ على ذلك قولُه: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ [سبأ: 37]). ((تفسير الزمخشري)) (3/296). ويُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير النسفي)) (2/552). وقال الشنقيطي: (الظاهرُ أنَّ المرادَ بالغُرفةِ في هذه الآية الكريمةِ جِنسُها الصادِقُ بغُرَفٍ كثيرةٍ). ((أضواء البيان)) (6/81). وقيل: هي الجنَّةُ. وممَّن قال بذلك: ابنُ كثيرٍ، وقال: (قال أبو جَعفرٍ الباقِرُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والضَّحَّاكُ، والسُّدِّيُّ: سُمِّيَتْ بذلك؛ لارتِفاعِها). ((تفسير ابن كثير)) (6/133). قال الماوَرْديُّ: (قولُه تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ فيها وجهانِ؛ أحدُهما: أنَّ الغُرفةَ الجنَّةُ، قاله الضحَّاكُ. الثَّاني: أنَّها أعلى مَنازِلِ الجنَّةِ وأفضَلُها، كما أنَّ الغُرفةَ أعلى مَنازلِ الدُّنيا). ((تفسير الماوردي)) (4/161). ؛ بسبَبِ صَبرِهم في الدُّنيا [1108] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/534)، ((تفسير القرطبي)) (13/83)، ((تفسير ابن كثير)) (6/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 588)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/81). قال القرطبي: (أُولَئِكَ خبرُ «عِبَادُ الرَّحْمَنِ»... وما تخلَّل بيْن المبتدأِ وخبَرِه أوصافُهم مِن التحلِّي والتخلِّي، وهي إحدى عَشْرةَ: التواضُعُ، والحِلمُ، والتهجُّدُ، والخوفُ، وتركُ الإسرافِ والإقتارِ، والنزاهةُ عن الشِّركِ والزِّنا والقتلِ، والتوبةُ، وتجنُّبُ الكَذِب، والعفوُ عن المسيءِ، وقَبولُ المواعظ، والابتهالُ إلى الله). ((تفسير القرطبي)) (13/83). .
كما قال تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الزمر: 20].
وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
 لَمَّا كان المَنزِلُ لا يَطيبُ إلَّا بالكرامةِ والسَّلامةِ؛ قال تعالى [1109] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/677). :
وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا.
أي: ويُستقبَلُ عِبادُ الرَّحمنِ في الغُرَفِ بالتحيَّةِ والسَّلامِ عليهم [1110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/534)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير ابن كثير)) (6/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 588). قال البغوي: (وقوله: تَحِيَّةً، أي: مُلْكًا. وقيل: بقاءً دائمًا، وَسَلَامًا أي: يُسلِّمُ بعضُهم على بعضٍ. وقال الكَلْبيُّ: يُحيِّي بعضُهم بعضًا بالسلامِ، ويُرسِلُ الرَّبُّ إليهم بالسَّلامِ. وقيل: سلامًا: أي سلامةً مِنَ الآفاتِ). ((تفسير البغوي)) (3/460). وقال البقاعي: (فِيهَا تَحِيَّةً أي: دُعاءً بالحياةِ مِن بعضِهم لبعضٍ، ومِن الملائكةِ الذين لا يُرَدُّ دعاؤُهم، ولا يُمترَى في إخبارِهم؛ لأنَّهم عن الله يَنطِقون، وذلك على وجهِ الإكرامِ والإعظامِ مكانَ ما أهانهم عبادُ الشيطان. وَسَلَامًا أي: مِن الله، ومِن الملائكة وغيرِهم، وسلامةً مِن كلِّ آفةٍ مكانَ ما أصابوهم بالمصائبِ). ((نظم الدرر)) (13/437). وقال السعدي: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا مِن رَبِّهم، ومِن ملائكتِه الكرامِ، ومِن بعضٍ على بعضٍ، ويَسلَمونَ مِن جميعِ المنَغِّصاتِ والمكَدِّراتِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 588). وقال ابنُ عثيمين: (قولُه: تَحِيَّةً وَسَلَامًا هل هما مُترادِفان أو مُتغايران؟ التحيَّةُ أعمُّ؛ فكُلُّ سَلامٍ تحيَّةٌ، ثم أيضًا التحيَّةُ كما تكونُ بالقَولِ تكونُ بالفعلِ؛ ولهذا يُقالُ: حيَّاه بالتُّحَفِ وبطِيبِ المنزلِ، وما أشبَهَ ذلك. قولُه: تَحِيَّةً وَسَلَامًا يعني: أنَّهم يُلَقَّونَ بالتحيَّةِ قولًا، وبالسلامةِ بقاءً، يعني: يبقَونَ سالمينَ، وهذه المعاني ثابتةٌ بالنِّسبةِ لأهلِ الجنةِ؛ فإنَّهم يُحَيَّون بأنواعِ التحياتِ المَرْضيَّةِ المُفرِحةِ المسِرَّةِ، وكذلك أيضًا يَسلَمونَ من كلِّ الآفاتِ... يُحيِّي بعضُهم بعضًا، ويحَيِّيهم الله سبحانه وتعالى، وكذلك الملائكةُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 340). .
كما قال عزَّ وجلَّ: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب: 44].
وقال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 23، 24].
وقال سُبحانَه: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [إبراهيم: 23].
وقال تبارك وتعالى: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58].
وقال جلَّ جلالُه: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعة: 25، 26].
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وَعَدَ سُبحانَه بالمنافِعِ أولًا، وبالتَّعظيمِ ثانيًا؛ بيَّنَ أنَّ مِن صفتِهما الدَّوامَ [1111] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/488). .
وأيضًا لَمَّا كان ما سبَقَ ناطِقًا بدوامِ حياتِهم، سالِمِين بصَريحِه، وبعَظيمِ شَرَفِهم بلازِمِه؛ دلَّ على أنَّهم لا يَبرَحون عنه، بقَولِه [1112] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/437). :
خَالِدِينَ فِيهَا.
أي: ماكِثينَ في الغُرَفِ، لا يموتونَ، ولا يُخرَجونَ منها [1113] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/535)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير ابن كثير)) (6/133). .
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا .
أي: حَسُنَت تلك الغُرَفُ قرارًا لأهلِها، ومكانَ إقامةٍ لهم [1114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/535)، ((تفسير الماتريدي)) (8/47)، ((تفسير ابن كثير)) (6/133)، ((تفسير القاسمي)) (7/446). قال أبو منصور: (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا): تأويلُه -واللهُ أعلم- أي: حَسُنت لهم الجنَّةُ مُستقَرًّا ومُقامًا؛ حتى لا يَمَلُّوا فيها ولا يَسْأموا، ولا تأخُذَهم الوحشةُ والكآبةُ؛ كنَعيمِ الدُّنيا يُمَلُّ ويُسأَمُ عندَ الكثرةِ وطُولِ المُقامِ). ((تفسير الماتريدي)) (8/47). وقال ابن كثير: (قوله: حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا أي: حسُنت منظرًا، وطابت مَقِيلًا ومَنزِلًا). ((تفسير ابن كثير)) (6/133). وقال القاسمي: (خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا؛ لسَلامةِ أهلِها عن الآفاتِ، وخلودِهم أبَدَ الآبادِ). ((تفسير القاسمي)) (7/446). وقال ابن عثيمين: (المستَقَرُّ باعتِبارِ المكانِ، والمُقامُ باعتبارِ ما يحصُلُ لهم مِن النعيمِ والسرورِ والتحيَّةِ وغيرِ ذلك، تقولُ: مُقامي فيكم سرورٌ، أو مُقامي في هذا المكان حُزنٌ، أو ما أشبَهَ ذلك. ويمكنُ أيضًا أن يُقالَ: المقامُ بالنِّسبةِ للزمنِ، يعني: أنَّ الله أثنى عليها مكانًا وزمنًا، وكَوْنُنا نُحاوِلُ أن يكونَ بينَ اللفظينِ تغايرٌ أَولى مِن الترادُفِ؛ لأنَّنا إذا قُلْنا بالترادُفِ في هذا وغيرِه صار في المسألةِ تَكرارٌ، والأصلُ عدمُ التَّكرارِ؛ فحاوِلْ ما استطعْتَ أن تجعلَ اللَّفظينِ متغايرينِ إذا أمكَنَ في كلِّ آيةٍ في آياتِ القرآنِ، وغيرِ القرآنِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 341، 342). .
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا استَوعبتِ السورةُ أغراضَ التَّنويهِ بالرِّسالةِ والقرآنِ، وما تضمَّنَتْه مِن توحيدِ اللهِ، ومِن صفةِ كبرياءِ المعانِدِين وتعلُّلَاتِهم، وأحوالِ المؤمنين، وأُقيمتِ الحُجَجُ الدامغةُ للمعرِضِينَ؛ خُتِمَتْ بأمرِ اللهِ رسولَه عليه الصلاةُ والسلامُ أنْ يُخاطِبَ المشركينَ بكلمةٍ جامعةٍ يُزالُ بها غرورُهم وإعجابُهم بأنفُسِهم؛ فبَيَّنَ لهم حقارتَهم عندَ اللهِ تعالى، وأنَّه ما بَعَثَ إليهم رسولَه وخاطبَهم بكتابه إلَّا رحمةً منه بهم لإصلاحِ حالِهم، وقطعًا لعُذْرِهم، فإذا كذَّبوا فسوف يَحُلُّ بهم العذابُ [1115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/85). .
وأيضًا لَمَّا كان اللهُ تعالى قد أضاف هؤلاءِ العِبادَ إلى رحمتِه، واختَصَّهم بعبوديَّتِه لِشرَفِهم وفَضلِهم؛ رُبَّما توهَّمَ مُتوهِّمٌ أنَّه: وأيضًا غيرُهم لِمَ لا يدخُلُ في العبوديَّةِ؟! فأخبَر تعالى أنَّه لا يُبالي ولا يَعبَأُ بغيرِ هؤلاء، وأنَّه لولا دعاؤُكم إيَّاه دُعاءَ العبادةِ ودُعاءَ المسألةِ، ما عبأَ بكم ولا أحَبَّكم، فقال [1116] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 588). :
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ.
أي: قُلْ -يا محمَّدُ- لِمَن أُرسِلتَ إليهم: لولا دُعاؤُكم إيَّاه لَمَا بالى، ولا اكتَرَث بكم [1117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/535، 536)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/238) و (27/433)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/3)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/83)، ((تفسير ابن كثير)) (6/134)، ((تفسير أبي السعود)) (6/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 588). قال الشنقيطي: (العُلماءُ اختلَفوا في المصدَرِ في قَولِه: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ: هل هو مُضافٌ إلى فاعِلِه، أو إلى مَفعولِه، وعلى أنَّه مُضافٌ إلى فاعِلِه فالمخاطَبونَ بالآيةِ داعُونَ لا مَدْعُوُّونَ، أي: ما يَعبَأُ بكم ربِّي لولا دعاؤُكم، أي: عبادتُكم له. وأمَّا على أنَّ المصدرَ مُضافٌ إلى مَفعولِه فالمُخاطَبونَ بالآيةِ مَدْعُوُّونَ لا داعُونَ، أي: ما يَعبَأُ بكم لولا دعاؤُه إيَّاكم إلى توحيدِه وعبادتِه على ألْسِنَةِ رُسُلِه عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ). ((أضواء البيان)) (6/81). وممَّن اختار أنَّ المصدرَ مُضافٌ إلى فاعِلِه، أي: لولا أنَّكم تَدْعونَه: ابنُ جرير، وابنُ تيميَّةَ، وابنُ القيِّم، وابنُ كثير، وأبو السعود، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/535، 536)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/238) و (27/433)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/3)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/83)، ((تفسير ابن كثير)) (6/134)، ((تفسير أبي السعود)) (6/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 588). قال الشنقيطي: (أشهَرُ الأقوالِ وأكثَرُها قائِلًا، وهو أنَّ المعنى: لولا دعاؤُكم، أي: عبادتُكم له وحْدَه... واعلَمْ أنَّ قَولَ مَن قال: لولا دعاؤُكم، أي: دعاؤُكم إيَّاي لأغفِرَ لكم، وأُعطيَكم ما سألتُم: راجِعٌ إلى القَولِ الأوَّلِ؛ لأنَّ دُعاءَ المسألةِ داخِلٌ في العبادةِ، كما هو معلومٌ). ((أضواء البيان)) (6/83). وقال ابنُ القيم في قولِه تعالى: دُعَاؤُكُمْ: (المرادُ به نوعَا الدُّعاءِ، وهو في دُعاءِ العبادَةِ أظهرُ، أي: ما يَعْبَأُ بكم لولا أنَّكم تَعبدونه، وعِبادَتُه تَستلْزِمُ مسألَتَه؛ فالنَّوعانِ داخِلانِ فيه). ((بدائع الفوائد)) (3/3). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/12). وقال السعدي: (لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إيَّاه دعاءَ العبادةِ، ودعاءَ المسألةِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 588). وقال الشنقيطي: (وعلى هذا القولِ فالخِطابُ عامٌّ للكافرينَ والمؤمنينَ، ثُمَّ أفرَد الكافرينَ دونَ المؤمِنِينَ بقولِه: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ... الآيةَ). ((أضواء البيان)) (6/82). وذكَر الشنقيطي قولينِ آخَرينِ مبنيَّينِ أيضًا على كونِ المصدرِ مُضافًا إلى فاعلِه: الأول: أنَّ المعنَى: لولا دُعاؤُكم أيُّها الكفَّارُ له وحْدَه عندَ الشَّدائدِ والكروبِ، أي: ولو كنتُم تَرجِعونَ إلى شِرْكِكم، إذا كَشَف الضُّرَّ عنكم. وممَّن اختار هذا المعنى، وهو أنَّ الخطابَ للمشركينَ، وأنَّ المرادَ دعاؤُهم عندَ الشدائدِ: جلال الدين المحليُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 479)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 345). الثاني: أنَّ معنَى مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي، أي: ما يصنَعُ بعذابِكم، لولا دُعاؤُكم معه آلِهةً أُخرى. وقال عن هذا القولِ الأخيرِ: (ولا يخفَى بُعْدُ هذا القولِ، وأنَّ فيه تقديرَ ما لا دلِيلَ عليه، ولا حاجةَ إليه). ((أضواء البيان)) (6/82). وقيل: إنَّ المصدرَ في قولِه: دُعَاؤُكُمْ مُضافٌ إلى مفعولِه، فالمخاطَبونَ بالآيةِ مَدعُوُّونَ، فالمعنى: ما يصنَعُ بكم ربِّي لولا دعاؤُه إيَّاكم إلى الإيمانِ به وتوحيدِه وعبادتِه. وممَّن قال بذلك: الفرَّاءُ، وابنُ العربي، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/275)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/430)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/81 - 85). وقال البقاعي: (أي: أيُّها الكافِرون... لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ أي: نداؤُكم له في وقتِ شدائدِكم الذي أنتم تبادِرونَ إليه فيه؛ خضوعًا له به ليُنجيَكم، فإذا فعلتُم ذلك أنقَذكم مما أنتم فيه؛ معاملةً لكم معاملةَ مَن يبالي بالإنسانِ، ويعتدُّ به ويُراعيه، ولولا دعاؤُه إيَّاكم لتَعبُدوه؛ رحمةً لكم؛ لِتَزْكُوا أنفسُكم، وتَصْفوا أعمالُكم، ولا تكونوا حطبًا للنارِ). ((نظم الدرر)) (13/438). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 344، 345). .
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
أي: فقد كذَّبتُم -أيُّها المُشرِكونَ- بالحَقِّ، فسوف يكونُ العذابُ مُلازِمًا لكم في الدُّنيا والآخرةِ؛ جزاءَ تكذيبِكم [1118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/537)، ((تفسير القرطبي)) (13/85، 86)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/238)، ((تفسير ابن كثير)) (6/134)، ((تفسير السعدي)) (ص: 588)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/86)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/84). قال ابن جُزي: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أي: سوف يكونُ العذابُ لِزامًا ثابتًا، وأضمَرَ العَذابَ، وهو اسمُ كان؛ لأنَّه جزاءُ التَّكذيبِ المتقَدِّمِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/87). وقال البيضاوي: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا يكونُ جزاءُ التَّكذيبِ لازِمًا يَحيقُ بكم لا محالةَ، أو أثَرُه لازِمًا بكم حتى يَكُبَّكم في النَّارِ). ((تفسير البيضاوي)) (4/132). وقال ابنُ جرير: (يكونُ تَكذيبُكم رَسولَ رَبِّكم، وخِلافُكم أمرَ بارِئِكم: عَذابًا لكم مُلازِمًا). ((تفسير ابن جرير)) (17/537). وقال القرطبي: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أي: يكونُ تكذيبُكم مُلازِمًا لكم. والمعنى: فسوف يكونُ جزاءُ التَّكذيبِ... وحَسُنَ إضمارُ التكذيبِ؛ لتقَدُّمِ ذِكرِ فِعلِه؛ لأنَّك إذا ذكَرْتَ الفِعلَ دَلَّ بلَفظِه على مَصْدَرِه). ((تفسير القرطبي)) (13/85). وقال ابنُ جُزي: (واختُلِفَ: هل يُرادُ بالعَذابِ هنا القَتلُ يَومَ بَدرٍ، أو عذابُ الآخرةِ؟). ((تفسير ابن جزي)) (2/87). وقال القرطبي: (جمهورُ المفَسِّرينَ على أنَّ المرادَ باللِّزامِ هنا: ما نَزَل بهم يومَ بَدرٍ، وهو قَولُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وأبي مالِكٍ، ومجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، وغَيرِهم). ((تفسير القرطبي)) (13/85). وقال ابنُ كثير: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا أي: فسوف يكونُ تكذيبُكم لِزامًا لكم، يعني: مُقتَضِيًا لهلاكِكم وعَذابِكم ودَمارِكم في الدُّنيا والآخِرةِ، ويَدخُلُ في ذلك يومُ بَدرٍ، كما فَسَّره بذلك عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ، وأُبَيُّ بنُ كَعبٍ، ومحمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظيُّ، ومجاهدٌ، والضَّحَّاكُ، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ، وغيرُهم. وقال الحَسَنُ البَصريُّ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا يعني: يومَ القيامةِ. ولا مُنافاةَ بَينَهما). ((تفسير ابن كثير)) (6/134). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: (خمسٌ قد مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطشةُ، واللِّزامُ [1119] الدُّخانُ: المشارُ إليه في قَولِه تعالى: يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [الدخان: 10]. والقَمَرُ: المشارُ إليه في قَولِه تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1]. والرُّومُ: المشارُ إليه في قَولِه تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: 1، 2]. والبَطْشةُ: المشارُ إليها في قَولِه جَلَّ وعَلَا: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى [الدخان: 16]، وهو القَتلُ يومَ بَدرٍ. واللِّزامُ: المشارُ إليه في قَولِه تعالى: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا). قيل: يَدخُلُ في ذلك يومُ بَدرٍ. وقيل: يعني: يَومَ القيامةِ؛ لأنَّه لتحقُّقِ وقوعِه عُدَّ ماضيًا. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/277). فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) [1120] رواه البخاري (4767) واللفظ له، ومسلم (2798). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ولم يَقُلْ: بالزُّورِ؛ لأنَّ يَشْهَدُونَ بمعنى: «يَحضُرونَ»، فمدَحَهم على تَركِ حُضورِ مجالسِ الزُّورِ، فكيف بالتكَلُّم به وفِعلِه [1121] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/242). ؟!
2- لا يجوزُ الاستِماعُ إلى الكلامِ الفاحشِ؛ لأنَّ اللهَ وصَفَ عِبادَ الرحمنِ، فقال: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، فكلُّ شيءٍ حرامٍ لا تستمِعْ إليه، ولا تقرَأْه [1122] يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (اللقاء رقْم: 168). .
3- بعْدَما ذكَرَ تعالى مِن صِفاتِ عِبادِ الرَّحمنِ ما ذكَرَ، ذكَرَ استماعَهم للتَّذكيرِ، فقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا؛ تنبيهًا على أنَّ التَّذكيرَ مُحتاجٌ إليه في كلِّ حالٍ، فإذا كان الموصوفونَ بتلك الصِّفاتِ يَحتاجون إليه فغيرُهم أَولى؛ وذلك لأنَّ الغفلةَ مِن طَبْعِ الإنسانِ، ودوامُ الغفلةِ صدَأُ القلوبِ، وصِقالُها هو التَّذكيرُ [1123] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 234). .
4- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا كما تُقْبَلُ كلمةُ الحقِّ مِن كلِّ قائلٍ، كذلك يُقْبَلُ التذكيرُ مِن كلِّ مُذَكِّرٍ، ولو كان المذكَّرُ مِن أكملِ العِبادِ، والمذكِّرُ مِن أوساطِهم أو أدناهم، وفي عِبادِ الرحمنِ المذكورِينَ؛ في استِماعِهم إذا ذُكِّروا مِن أيِّ مُذَكِّرٍ: القدوةُ الحسنةُ [1124] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 234). .
5- قَولُه تعالى: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا فيه تقبيحٌ لعدَمِ التفهُّمِ والتدبُّرِ للآياتِ، وتحذيرٌ منه، وتنبيهٌ على أنَّ الانتِفاعَ بالقرآنِ الذي تتفتَّحُ به البصائرُ، وتتَّسِعُ به المدارِكُ، وتتهذَّبُ به الأخلاقُ، وتتزَّكى به النفوسُ، وتتقوَّمُ به الأعمالُ، وتستقيمُ به الأحوالُ: إنَّما يكونُ بتفهُّمِه وتدَبُّرِه، دونَ مجردِ الانكبابِ عليه بلا تَفَهُّمٍ ولا تدبُّرٍ [1125] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 235). !
6- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ سؤالُ العبدِ مِن ربِّه أن يَهَبَ له مِن الزَّوجِ والذرِّيَّةِ ما تَقَرُّ به عَيْنُه، وهذا يقتضي سَعْيَه بقَدْرِ استِطاعتِه لتحصيلِ ذلك فيهما؛ لِيَقومَ بالسَّببينِ المشروعينِ مِن السعيِ والدعاءِ؛ فعليه أنْ يختارَ ويجتهِدَ عندما يريدُ التزوُّجَ، وأنْ يَقصِدَ إلى ذاتِ الدِّينِ، وفي اختيارِه واجتهادِه في جانبِ الزوجةِ سَعْيٌ في اختيارِ الولدِ؛ فإنَّ الزوجةَ الصالحةَ شأنُها أن تُربِّيَ أولادَها على الخَيرِ والصَّلاحِ، ثمَّ عليه أنْ يقومَ بتعليمِ زوجِه وأولادِه، وتهذيبِهم وإرشادِهم، فيكونَ قد قام بما عليه في الابتِداءِ والاستِمرارِ، مع دوامِ التضرُّعِ إلى اللهِ تعالى والابتهالِ [1126] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 238). .
7- قال عكرمةُ في قولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ: (لم يُريدوا بذلك صباحةً ولا جمالًا، ولكنْ أرادوا أن يكونوا مُطيعينَ) [1127] أخرجه عبد بن حميد، كما في ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/284). .
وقال الحسنُ في هذه الآيةِ: (واللهِ ما شيءٌ أحبَّ إلى المرءِ المسلمِ مِن أنْ يرَى ولدًا أو والدًا أو حميمًا أو أخًا مُطيعًا للهِ عزَّ وجلَّ) [1128] أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (6/402) (8668)، ويُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/284). .
8- قال الله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا طَلَبُ الرُّتَبِ العُليا في الخَيرِ والكمالِ، والسَّبْقُ إليها، والتقدُّمُ فيها: هو ممَّا يَدْعونا إليه اللهُ، ويُرَغِّبُنا بمِثلِ هذه الآيةِ فيه، كما قال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: 148]؛ لأنَّ طَلَبَ الكمالِ كمالٌ، ولأنَّ مَن كانت غايتُه الرُّتَبَ العليا إنْ لم يَصِلْ إلى أعلاها لم يَنحَطَّ عن أدناها، وإنْ لم يُساوِ أهلَها لم يَبْعُدْ عنها، ومَن لم يَطْلُبِ الكمالَ بقِيَ في النقصِ، ومَن لم تكن له غايةٌ ساميةٌ قَصَّرَ في السَّعيِ، وتوانَى في العملِ؛ فالمؤمنُ يَطلُبُ أسمَى الغاياتِ، حتى إذا لم يَصِلْ لم يَبْعُدْ، وحتى يكونَ في مَظِنَّةِ الوصولِ بصحَّةِ القصدِ، وصِدْقِ النِّيَّةِ [1129] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 238). .
9- هذا الدعاءُ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا يتضمَّنُ ثلاثةَ أمورٍ: العِلمَ، والتَّقوى، والتأثيرَ؛ لأنَّ مَن لم يكُنْ عالِمًا لم يكُنْ قُدوةً، ومن لم يكُنْ مُتَّقيًا لم يكُنْ قدوةً، ومَن لم يكُنْ مؤثِّرًا لم يكُنْ قُدوةً أيضًا، والتأثيرُ بالقولِ والفعلِ له دَورٌ كبيرٌ، تَجِدُ مثَلًا رجُلينِ مُتقارِبينِ في العِلمِ، لكنْ أحدُهما يَصرِفُ اللهُ القلوبَ إليه فيَتَّخِذونه قُدوةً، والآخَرُ لا يحصُلُ له هذا الأمرُ؛ فلهذا نقولُ: نَزيدُ على العِلمِ والتَّقوى التأثيرَ، والتأثيرُ -كما هو معروفٌ- يكونُ سببُه قوَّةَ البيانِ والفصاحة، إذا كان التأثيرُ بالقولِ، ويكونُ سببُه أيضًا الاستِقامةَ وحُسْنَ السُّلوكِ إذا كان تأثيرًا بالفعلِ. وعلى كلِّ حالٍ فلا تتِمُّ الإمامةُ إلَّا بهذه الأمورِ الثَّلاثةِ: العِلمِ، والتَّقوى، والتَّأثيرِ بالقولِ أو بالفعل [1130] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 328). .
10- في قَولِه تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا دَلالةٌ على السَّببِ الذي أفضَى بهم إلى هذا الجزاءِ العظيمِ، وهو أعمالُهم، ودَلالةٌ على السببِ الذي تَمَكَّنوا به مِن القيامِ بهذه الأعمالِ، وهو الصَّبرُ، فلا يَنهَضُ بامتِثالِ المأموراتِ وترْكِ المنهيَّاتِ إلَّا مَن صَبَرَ، والصبرُ خُلُقٌ مِن الأخلاقِ التي تتربَّى وتنمو بالمِرانِ والدَّوامِ؛ فواجبٌ على المكلَّفِ أنْ يَجعَلَ تربيةَ نَفْسِه عليه وتعويدَها به مِن أكبرِ هَمِّه؛ إِذْ لا يقومُ بالتكاليفِ الشرعيةِ إلَّا به، بل ولا يستطيعُ الحياةَ في هذه الدارِ الدُّنيا الموضوعةِ على المحنةِ والابتلاءِ إلَّا إذا تمسَّك بسببِه [1131] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 242). .
11- قال تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا لَمَّا ذَكَرَ سبحانَه في الآياتِ المتقَدِّمةِ صفاتِهم وأعمالَهم؛ ذَكَر ما أَعَدَّ لهم مِن عظيمِ الجزاءِ على تلك الأعمالِ؛ تنبيهًا على ما وَضَعَه تعالى -بمشيئتِه وحكمتِه ورحمتِه- مِن الارتباطِ بيْن هذه الأعمالِ وهذا الجزاءِ، وإفضائِها إليه إفضاءَ السببِ لمسبَّبِه؛ لِيَسعَى الراجونَ لهذا الجزاءِ مِن طريقِ هذه الصفاتِ وهذه الأعمالِ، كما يُسعَى لسائرِ المسَبَّباتِ مِن طريقِ أسبابِها، وتُؤتَى جميعُ الأمورِ مِن أبوابِها، وفي هذا حَثٌّ لأهلِ هذه الأعمالِ على التمسُّكِ بما هم به عامِلون، وتنبيهٌ لأهلِ الغرورِ على بُطلانِ ما هم به مُغتَرُّون، والكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَه وعَمِلَ لِمَا بعْدَ الموتِ، والعاجزُ مَن أتبَعَ نَفْسَه هواها، وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ [1132] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 240). .
12- قد أفادت الآياتُ السَّابقةُ كَمالَ حالِ عِبادِ الرَّحمنِ في نفوسِهم وعُقولِهم، وأخلاقِهم وأعمالِهم، وأفادت عظيمَ مَنزلتِهم عندَ ربِّهم، ورفيعَ ما أعَدَّ لهم مِن درجاتِهم؛ جزاءً على صالحاتِهم وحَسَناتِهم، وجاءتْ هذه الآيةُ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا لِتُفيدَ أنَّ ذلك المقامَ العظيمَ -الذي كان عندَ ربِّهم- إنَّما هو بسبَبِ عبادتِهم، وتُعلِنَ للنَّاسِ أنَّ عبادتَهم هي الشَّيءُ الوحيدُ الذي يكونُ لهم به قدْرٌ وقيمةٌ عندَ ربِّهم، وبدونها لا يكونُ لهم وزنٌ عندَ خالقِهم، ولا يكونون شيئًا يُبالى به، وأنَّ مَن كَذَّبَ وخَلَعَ بتكذيبِه رِبقةَ العبادةِ، فقد حَقَّتْ عليه كلمةُ العذابِ، وهو واقعٌ به لا محالةَ [1133] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 243). .
13- قال الله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، قد بُيِّنَ لك الطريقُ الذي يُوصِلُك إلى مولاك، ويُرقيك في مراتبِ كمالِك وعُلاك، وما هو إلَّا عبادةُ ربِّك، فكُنْ عبدًا له في اختيارِك واضْطِرارِك، وفي جميعِ أحوالِك، واحذَرْ أنْ تعتمدَ على شَيءٍ غَيرِ عبادتِه، واحذَرْ أنْ تتوجَّهَ بشَيءٍ مِن عبادتِك لغيرِه، ومِن عبادتِك -بل هو أصلُ عبادتِك- دعاؤُك وسؤالُك واستِغاثتُك؛ فإيَّاك إيَّاك أنْ تتوجَّهَ منه بشَيءٍ لغيرِه، فكُنْ دائمًا عبدًا للهِ، وكُنْ دائمًا عبدًا له وحْدَه؛ فذلك حَقُّه عليك، وذلك هو السببُ الوحيدُ الذي يُنجيك ويُعليك [1134] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 246). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ فيه ثَناءٌ على المؤْمنينَ بمقاطَعةِ المشركينَ وتَجنُّبِهم [1135] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/78). .
2- في قَولِه تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا إشارةٌ إلى أنَّهم لا يَقصِدون حُضورَه ولا سماعَه، ولكنْ عندَ المصادَفةِ -التي مِن غيرِ قصدٍ- يُكرِمون أنفُسَهم عنه [1136] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 587). .
3- قولُه: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ما أحسَنَ اقتِرانَ هذا الوصفِ مع قَولِه: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا! لا يَختلِطُ جِدُّهم بهَزْلٍ، وحقُّهم بباطِلٍ، فإذا اعتَراهُمُ الهَزْلُ تَنزَّهوا عنه كلَّ تَنزُّهٍ، وإذا اشتَغَلوا بالحقِّ لا يَحومُ الباطلُ حَوْلَه [1137] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/300). .
4- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ الدُّعاءُ بصَلاحِ الزَّوجاتِ والأولادِ والذريَّةِ [1138] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 198). .
5- قد فُطِرَ الإنسانُ على محبَّتِه لنفْسِه؛ لِتَحمِلَه هذه الفِطرةُ على المُحافظةِ عليها، والدِّفاعِ عنها، وتكميلِها بكلِّ وُجوهِ الكَمالِ، وكان مِن مُقْتضى هذه المحبَّةِ رغْبتُه في الوجودِ والبقاءِ، وممَّا هو قوَّةٌ في وُجودِه ومُظهِرٌ لبقائِه: أنْ يَرى النَّاسَ على فِكْرِه وصِفاتِه وأحوالِه؛ فيَرى نفْسَه مُمثَّلةً في غيرِه، وأفكارَه وصِفاتِه وأحوالَه باقيَّةً ببقاءِ النَّاسِ؛ فالخيرُ الكاملُ مِن طبْعِه، ومِن مُقْتضى فِطرتِه أنَّه يُحِبُّ انتشارَ الخيرِ والكمالِ في النَّاسِ. والشِّرِّيرُ النَّاقصُ مِن طبْعِه، ومِن مُقْتضى فِطرتِه أنَّه يُحِبُّ انتشارَ الشَّرِّ والنَّقصِ فيهم؛ فلذا كان لازمًا لتَتميمِ وصْفِ عِبادِ الرَّحمنِ ذِكْرُ محبَّتِهم الخيرَ والكمالَ لغَيرِهم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
وقد تخفَى عليك دخيلةُ نَفْسِ الإنسانِ، فيُمكِنُك أن تَعْرِفَها بما يجري به لسانُه؛ فإذا جَرَتْ كلماتُه بمحبَّةِ انتشارِ الخَيرِ والكمالِ فهو مِن أهلِهما، وإذا جَرَتْ بالضِّدِّ فهو على الضِّدِّ؛ فما يُحِبُّ الإنسانُ انتشارَه هو الدليلُ على صِفاتِ نَفْسِه، وهو ميزانٌ تَزِنُه به في الشَّرِّ والخَيرِ، والنَّقصِ والكمالِ [1139] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 236). .
6- قولُه تعالَى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ فيه جوازُ الدُّعاءِ بالولدِ [1140] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/82). .
7- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ أنَّ التزوُّجَ وطَلَبَ النَّسْلِ هو السُّنَّةُ؛ سُنَّةُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وسُنَّةُ أصحابِه عليهم الرِّضوانُ، وسُنَّةُ عِبادِ الرحمنِ، وليس مِن شريعتِه الحنيفيَّةِ السَّمْحةِ الرَّهبانيَّةُ والتَّبَتُّلُ، وقد رأى قومٌ مِن الزهَّادِ رُجحانَ الانقِطاعِ إلى العبادةِ على التزوُّجِ، والاشتغالِ بالسَّعيِ على الزوجِ والذريَّةِ، فردَّ عليهم أئمَّةُ الدِّينِ والفتوى بأنَّ في التزوُّجِ اتِّباعًا للسُّنَّةِ، وفي السَّعيِ على الأهل ما هو مِن أعظَمِ العبادةِ، وفي التزوُّجِ تكثيرَ سَوادِ الأمَّةِ والمدافعينَ عن المِلَّة والقائمينَ بمصالحِ الدِّينِ والدنيا، وفي هذا ما فيه مِن الأجرِ والمثوبةِ، وفي التبتُّلِ مخالفةَ السنَّةِ، وانقِطاعَ النسلِ، وضَعفَ الأمَّةِ، وتعطيلَ المصالحِ، وخرابَ العُمرانِ، وكفَى بهذا كلِّه شرًّا وفَسادًا [1141] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 237). !
8- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ما تقَرُّ به الأعينُ يحصُلُ به الفرَحُ والسرورُ؛ فالفرَحُ والسرورُ بما هو خيرٌ وطاعةٌ، مِن حيثُ إنَّه نعمةٌ مِن اللهِ وفَضلٌ: محمودٌ ومَشروعٌ [1142] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 238). .
9- في قَولِه تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا حُجَّةٌ على أنَّ فِعلَ العبدِ مخلوقٌ للهِ تعالى؛ لأنَّ الإمامةَ في الدِّينِ لا تكونُ إلَّا بالعلمِ والعمَلِ، فدلَّ على أنَّ العِلمَ والعمَلَ إنَّما يكونان بجَعلِ اللهِ تعالى وخَلقِه [1143] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/487). .
10- في قَولِه تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا دليلٌ على أنَّ حُبَّ المنزلةِ الرَّفيعةِ والإشارة به إلى مُحِبِّهِ في الدِّينِ، ليس بمُنكَرٍ إذا أحبَّه المُحِبُّ جلالةً للإسلامِ، وظُهورًا لنعمةِ اللهِ عليه فيه، بل هو طاعةٌ؛ إذْ قد أثنى اللهُ على طالِبيه فيما دَعَوه به، كما ترى [1144] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/518). .
11- في قَولِه تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا دَليلٌ على فضيلةِ الإمامةِ في الدِّينِ، ومنها إمامةُ المساجِدِ؛ فإنَّ الإمامَ في المسجدِ إمامٌ للمتَّقينَ؛ لأنَّ الذين يأتون للصَّلاةِ متَّقونَ إنْ شاء اللهُ، فهو إمامٌ لهم، فيدُلُّ ذلك على فَضيلةِ تولِّي الإمامةِ في المساجِدِ، وفَضلُ الإمامةِ في المساجِدِ مَعلومٌ، ولو لم يكُنْ منها إلَّا أنَّ الإنسانَ يكونُ قُدوةً، وأنَّ الإمامةَ تُعينُه على أداءِ الصَّلاةِ، فالإمامُ لا تفوتُه الصَّلاةُ كُلَّ يَومٍ، وغيرُه تفوتُه أو يفوتُه بعضُها، كذلك الإمامُ إذا تكَلَّم يُسمَعُ له أكثَرَ، وكم مِن إنسانٍ ما برَز وظهرَ إلَّا بسبَبِ إمامتِه، لا سيَّما إذا تولَّى الخَطابةَ [1145] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الفرقان)) (ص: 329). .
12- قال الله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا مِن الدِّينِ الاقتداءُ بأهلِ العلمِ والعمَلِ والاستقامةِ في الهَدْي والسَّمتِ [1146] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 238). .
13- قال الله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا لا يكونُ الإمامُ إلَّا تقيًّا فاق غيرَه في التقوى [1147] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 239). .
14- في قَولِه تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أنَّ اقتداءَ المتَّقين بأئمَّتِهم إنَّما هو في التقوى؛ لأنَّهم ما كانوا أئمةً إلَّا بها، فالآيةُ أفادتْ أنَّ المتَّقين يَقتدون بأئمَّتِهم، وأنَّ أئمَّتَهم متَّقون مِثْلَهم، وأكمَلُ منهم تَقوى، وأنَّ اقتداءَهم بهم في التقوى لا في غيرِها، فمَن حاد عنها فلا إمامةَ له [1148] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 239). .
15- في قَولِه تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي كمالُ قدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّه لا يَعبَأُ بأحَدٍ مِن خلقِه مهما كَثُروا عَددًا وعُدَّةً [1149] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الفرقان)) (ص: 346). .
16- في قَولِه تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ عِظَمُ فضيلةِ الدُّعاءِ [1150] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 198). .
17- في قَولِه تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ أنَّ الدُّعاءَ مانِعٌ مِن العُقوبةِ [1151] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الفرقان)) (ص: 346). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
18- الأمنُ مِن عذابِ اللهِ وحُصولُ السَّعادةِ إنَّما هو بطاعتِه تعالى؛ لِقَولِه: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ [النساء: 147]، وقال تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ أي: لو لم تَدْعُوه كما أمَرَ فتُطيعوه فتَعبُدوه وتُطيعوا رسُلَه؛ فإنَّه لا يَعبأُ بكم شَيئًا [1152] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/433). .
19- قَولُه تعالى: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فيه إثباتُ الأسبابِ، وفيه أيضًا إثباتُ الموانِعِ لِمَا انعقَدَ سبَبُه، وإثباتُ الأسبابِ لِمَا لم يوجَدْ حتَّى يكونَ [1153] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة الفرقان)) (ص: 349). .
20- قال الله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ لَمَّا كانت مقاديرُ العِبادِ عندَ ربِّهم بحسَبِ عبادتِهم، فالأنبياءُ عليهم السلامُ أعلى النَّاسِ منزلةً عندَ اللهِ؛ فهم أعظمُهم عبادةً للهِ، وهم أتقاهم له، وأشدُّهم خشيةً منه [1154] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 245). .
21- قال الله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا في قَولِه: لِزَامًا تنبيهٌ على ضَعفِهم وعَجزِهم، وذُلِّهم وقَهرِهم؛ لأنَّ الملزومَ لا يكونُ إلَّا كذلك، فأَسْرُهم يومَ بدرٍ مِن أفرادِ هذا التَّهديدِ؛ فقد انطبقَ آخِرُ السُّورةِ على أوَّلِها بالإنذارِ بالفُرقانِ لِمَن أنكَرَ حقيقةَ الرَّحمنِ [1155] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/439). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
- قولُه: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا إذا فُسِّر قَولُه: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ بأنَّهم يَنفِرون عن مَحاضرِ الكذَّابينَ والخَطَّائينَ، على أنَّ يَشْهَدُونَ بمعنى يَحضُرون؛ كانت كالتَّتميمِ له، وإذا فُسِّر بأنَّهم لا يَشهَدونَ شَهادةَ الزُّورِ كانت كالتَّكميلِ له، ويجوزُ أن يكونَ تَتميمًا على تفسيرِ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ: لم تُسفِّهْهُم المعاصي؛ لأنَّ مَن وقَفَ مواقفَ السُّفهاءِ سُفِّهَ، ويكونُ قدْحًا في عدالتِه [1156] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/299). ؛ فمِن بلاغةِ القرآنِ: أنْ تأتِيَ مِثلُ هذه الآياتِ بوُجوهٍ مِن الاحتمالاتِ مُتناسِباتٍ غيرَ مُتناقضاتٍ؛ فتكونَ الآيةُ الواحدةُ بتلك الاحتمالاتِ كأنَّها آياتٌ، فهذه الآيةُ باحتمالِها معنيينِ -الَّذين لا يَحضُرون مجالِسَ الزُّورِ، أو الَّذين لا يَشهَدُون شَهادةَ الزُّورِ ولا يُخبِرون إلَّا بالحقِّ الواقعِ- مُفيدةٌ تنزُّهَهم عن شُهودِ الباطلِ، وعن شَهادتِه [1157] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 229، 230). .
- قولُه: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا مَعنَى المُرورِ باللَّغوِ: المرورُ بأصحابِه اللَّاغينَ في حالِ لَغْوِهم؛ فجُعِل المرورُ بنَفْسِ اللَّغوِ؛ للإشارةِ إلى أنَّ أصحابَ اللَّغوِ مُتلبِّسونَ به وقتَ المُرورِ [1158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/79). ، وقدْ أخبَرَ هنا أنَّهم لا يَقِفون عندَ اللَّغوِ عندما يَمُرُّون عليه؛ تَرَقِّيًا في وصْفِهم بالبُعدِ عن الباطلِ والإثمِ والعبثِ، ومُجانبةِ أهْلِه [1159] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 232). . وتَخصيصُ المرورِ بالذِّكرِ؛ للإيذانِ بأنَّ ذلك دأبُهم وعادتُهم [1160] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/299). .
- وإعادةُ فِعلِ مَرُّوا؛ لبِناءِ الحالِ عليه، وذلك مِن مَحاسنِ الاستِعمالِ [1161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/79). .
2- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا
- قولُه: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا، أي: أكَبُّوا عليها سامِعينَ بآذانٍ واعيةٍ، مُبصِرينَ ناظِرينَ لها بعُيونٍ راعيةٍ؛ وإنما عَبَّر عن ذلك بنَفيِ الضِّدِّ تَعريضًا بما يَفعَلُه الكفرةُ والمُنافِقون [1162] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/300)، ((تفسير أبي السعود)) (6/231). .
- قولُه: إِذَا ذُكِّرُوا عبَّر بـ (إذا)؛ لأنَّ التَّذكيرَ ممَّا هو واقعٌ مُحقَّقٌ كالَّذي يُسمَعُ مِن القرآنِ في الصَّلاةِ، ومِن الخُطَبِ في الجُمَعِ [1163] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 233). .
- قولُه: إِذَا ذُكِّرُوا بُنِيَ الفِعلُ للمُفعولِ، ولم يُبَيِّنِ المُذكِّرَ (الفاعِل)؛ إشارةً إلى أنَّهم يَقْبَلون الحقَّ لأنَّه حقٌّ، لا مِن أجْلِ مَن قال به، فهُم لا يَقبَلون التَّذكيرَ لأجْلِ شَخصِ المُذكِّرِ، أو يَرُدُّونه مِن أجْلِ شخصِ المُذكِّرِ، وإنَّما يَقبَلونه لأنَّه تَذكيرٌ؛ لأنَّ التذكيرَ بالآياتِ يَجِبُ قَبولُه مِن أيِّ مُذكِّرٍ كانَ، وهذه هي الفائدةُ في حَذْفِ الفاعلِ [1164] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 233)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 321). .
- قولُه: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا أُريدَ تمييزُ المؤْمنينَ بمُخالَفةِ حالةٍ هي مِن حالاتِ المشركينَ، وتلك هي حالةُ سماعِهم دَعوةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وما تَشتمِلُ عليه مِن آياتِ القُرآنِ، وطلَبِ النَّظرِ في دَلائلِ الوَحدانيَّةِ؛ فلذلك جيءَ بالصِّلةِ مَنفيَّةً لتحصيلِ الثَّناءِ عليهم، مع التَّعريضِ بتَفظيعِ حالِ المُشركينَ؛ فإنَّ المُشرِكينَ إذا ذُكِّروا بآياتِ اللهِ خَرُّوا صُمًّا وعُمْيانًا، كحالِ مَن لا يُحِبُّ أن يرَى شيئًا فيَجعَل وجْهَه على الأرضِ [1165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/80). .
- قولُه: صُمًّا وَعُمْيَانًا حالانِ مِن ضَميرِ يَخِرُّوا، مرادٌ بهما التَّشبيهُ بحذْفِ حرْفِ التَّشبيهِ، أي: يَخِرُّون كالصُّمِّ والعُميانِ في عدَمِ الانتِفاعِ بالمَسموعِ مِنَ الآياتِ، والمُبصَرِ منها، ممَّا يُذَكَّرونَ به؛ فالنَّفيُ -على هذا- مُنصَبٌّ إلى الفِعلِ وإلى قَيْدِه، وهو استِعمالٌ كثيرٌ في الكلام. وقيل غيرُ ذلك [1166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/81). .
- وفيها تَنديدٌ وتَقريعٌ للكافِرينَ؛ لأنَّهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛ لا يَتجاوَزُ آذانَهم ما يَسمَعون، ولا يَنتفِعونَ بما يَقرؤون، ولا يَعتَبِرون بما يُشاهِدون [1167] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/51). .
- وقَيَّده بهاتينِ الحاسَّتينِ؛ لأنَّهما الوسيلةُ إلى وُصولِ الشَّيءِ إلى القلبِ؛ إذ الأشياءُ إمَّا مرئيَّةٌ فوسيلتُها النظَرُ، وإمَّا مسموعةٌ فوسيلتُها السَّمعُ، فنفَى أن يكونوا صُمًّا، ونفَى أن يكونوا عُميانًا [1168] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 322). .
- قوله: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا صِفةٌ سلبيَّةٌ، ولم يَقُلْ: (إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم أَقبَلوا عليها مُبصِرينَ سامِعينَ)، معَ أنَّ الصِّفاتِ الثبوتيَّةَ أبلَغُ في الثَّناءِ؛ وذلك لأنَّ هذه السورةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في مُجادَلةِ المُنكِرينَ لِمَا جاء به الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهم إذا كانوا مُنكِرين فإنَّهم يَخِرُّون على الآياتِ صُمًّا وعُميانًا، فهذا -واللهُ أعلمُ- وجْهُ المناسبةِ في العُدولِ عن ذِكْرِ الصِّفةِ الثبوتيَّةِ إلى ذِكْرِ الصِّفةِ السَّلبيَّةِ [1169] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الفرقان)) (ص: 323). .
3- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
- إعادةُ المَوصولِ في المواقعِ السَّبعةِ: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ ... وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ ... وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا ... وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ... وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ... وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ  ... وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا ... مع كِفايةِ ذِكرِ الصِّلاتِ بطَريقِ العَطفِ على صِلَةِ المَوصولِ الأوَّلِ؛ للإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكِر في حَيِّزِ صِلَةِ المَوصولاتِ المذكورةِ وصْفٌ جليلٌ على حِيالِه، له شأنٌ خطيرٌ، حَقيقٌ بأنْ يُفرَدَ له مَوصوفٌ مُستقِلٌّ، ولا يُجعلَ شَيءٌ مِن ذلكَ تَتِمَّةً لغَيرِه. وتَوسيطُ العاطفِ بيْن المَوصولاتِ؛ لتَنزيلِ اختِلافِ الصِّفاتِ مَنزلةَ اختِلافِ الذَّواتِ [1170] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/231). ، وتَنبيهًا على أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تَستقِلُّ بالقَصدِ؛ لعِظَمِ خطَرِها، وكِبَرِ أثَرِها [1171] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/422). .
- قولُه: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، أي: هَبْ لنا أزواجًا وذُرِّيَّاتٍ مُطيعِينَ لك، ولَمَّا كانت طاعتُهم سببًا لسُرورِهم؛ وُضِع المُسبَّبُ مَوضَعَ السَّببِ للمُبالَغةِ، وأنَّ المطلوبَ الأوَّليَّ بالأولادِ طاعةُ اللهِ، وجُعِل هذا الدُّعاءُ مِن جُملةِ صِفاتِ الكَمَلةِ مِنَ المؤْمنينَ؛ للدَّلالةِ على عِظَمِ منزلةِ مَن يَطلُبُ النِّكاحَ لذلك، وهذا بالنِّسبةِ إلى الدَّاعي، فكيف بمَن يتَّصِفُ بذلك [1172] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/301). ؟
- و(مِنْ) في قَولِه: مِنْ أَزْوَاجِنَا يحتمِلُ أن تكونَ بَيانيَّةً، كأنَّه قيل: هَبْ لنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، ثمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بقَولِه: مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا. ومعناه: أنْ يَجعَلَهمُ اللهُ لهم قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وهو مِن قَولِهم: رأيتُ منك أَسَدًا، أي: أنتَ أسَدٌ. وأن تكونَ ابتِدائيَّةً، على معنَى: هَبْ لنا مِن جِهَتِهم ما تَقَرُّ به عُيونُنا مِن طاعةٍ وصلاحٍ [1173] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (6/296)، ((تفسير البيضاوي)) (4/131)، ((تفسير أبي حيان)) (8/133)، ((تفسير أبي السعود)) (6/231). .
- وقدَّمَ الأزواجَ على الذُّرِّيَّةِ؛ لأنَّهم ألْصَقُ، ولأنَّهم الأصلُ [1174] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 235). .
- وقولُه: قُرَّةَ أَعْيُنٍ تَركيبٌ كِنائيٌّ؛ فإذا كانتِ القُرَّةُ مِن (القُرِّ) فهي كِنايةٌ عن السُّرورِ؛ لأنَّ العَيْنَ في حالةِ السُّرورِ باردةٌ، وإذا سالَتْ منها دُموعٌ في حالةِ الفرحِ كانت باردةً؛ فقُرَّةُ أعينِهم على هذا كِنايةٌ عن سُرورِهم بأزواجِهم وذُرِّيَّتِهم، بما هم عليه مِن الخَيرِ والكمالِ، وإعانتِهم لهم عليهما. وإذا كانت القُرَّةُ مِن القُرورِ، فهي كِنايةٌ عن سُكونِ النَّفْسِ بحُصولِها على ما يُرْضِيها مِن الأزواجِ والذُّرِّيَّةِ [1175] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 237). .
- في قولِه تعالى: قُرَّةَ أَعْيُنٍ نُكتَتانِ؛ الأُولى: التَّنكيرُ، وإنَّما جُنِح إليه لأجْلِ تَنكيرِ القُرَّةِ، والمُضافُ لا يُمكِنُ تَنكيرُه إلَّا بتَنكيرِ المُضافِ إليه؛ لِيَكونَ السُّرورُ غَيرَ مُتَناهٍ ولا محدودٍ. وإنَّما قَلَّل الأعْيُنَ -أي: جُمِع جَمْعَ القِلَّةِ-؛ لأنَّ أَعْيُنَ المُتَّقينَ قِلَّةٌ بالإضافةِ إلى غَيرِهم، يدُلُّ على ذلك قَولُه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [1176] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/296)، ((تفسير البيضاوي)) (4/131)، ((تفسير أبي حيان)) (8/133)، ((تفسير أبي السعود)) (6/231)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/51). [سبأ: 13]. وهناك وجْهٌ آخَرُ لعلَّه أَبلَغُ ممَّا تَقدَّمَ، وهو أنَّ المَحكيَّ كلامُ كلِّ أحدٍ مِنَ المُتَّقينَ، فكأنَّه قال: يَقولُ كلُّ واحدٍ مِنَ المُتَّقينَ: اجعَلْ لنا مِن ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ؛ فإنَّ المتَّقينَ وإنْ كانوا بالإضافةِ إلى غَيرِهم قليلًا فإنَّهم في أنفُسِهم على كَثرةٍ مِنَ العددِ، والمُعتبَرُ في إطلاقِ جَمعِ القِلَّةِ أن يكونَ المجموعُ قليلًا في نفْسِه، لا بالنِّسبةِ والإضافةِ [1177] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/51). .
- قولُه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا كالتَّكميلِ للدُّعاءِ، أي: اجعَلْنا كامِلينَ في أنفُسِنا، ومُكمِّلينَ لغَيرِنا، وفي جَعلِ المُقتدينَ مُتَّقِينَ إشارةٌ إلى عُلُوِّ درجةِ الإمامِ [1178] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/301). .
- قولُه: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا الإمامُ هو المُتَّبَعُ المُقتْدَى به، وأُفرِدَ (إمامًا)؛ إمَّا اكتِفاءً بالواحدِ عنِ الجَمعِ، ويدُلُّ على الجنسِ ولا لَبْسَ، وإمَّا لأنَّه مَصدَرٌ في أصْلِه، وإمَّا لأنَّ المعنى: واجعَلْ كلَّ واحدٍ منَّا إمامًا، وإمَّا لاتِّحادِهم واتِّفاقِ كَلِمَتِهم قالوا: واجعَلْنا إمامًا واحدًا، وقيل غيرُ ذلك. وحَسَّنَ الإفرادَ مِن جِهةِ اللَّفظِ: وُقوعُه فاصلةً على وَزنِ ما قَبْلَها وما بَعْدَها. ومِن جِهةِ المعنى: أنَّ أئمَّةَ الهُدَى كنَفْسٍ واحدةٍ؛ لاتِّحادِ طَريقِهم بالسَّيرِ على الصِّراطِ المستقيمِ، واتِّحادِ وِجهتِهم بالقَصدِ إلى اللهِ تعالى وحْدَه [1179] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/296)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير أبي حيان)) (8/133، 134)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 406)، ((تفسير أبي السعود)) (6/231)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/83)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 236). .
- ومَدارُ الكُلِّ صُدورُ هذا الدُّعاءِ إمَّا عنِ الكُلِّ بطريقِ المَعيَّةِ وأنَّه محالٌ؛ لاستِحالةِ اجتِماعِهم في عصرٍ واحدٍ، فما ظَنُّك باجتِماعِهم في مجلسٍ واحدٍ، واتِّفاقِهم على كلمةٍ واحدةٍ؟! وإمَّا عنْ كلِّ واحدٍ منهُم بطريقِ تَشريكِ غَيرِه في استِدعاءِ الإمامةِ، وأنَّه ليس بثابتٍ جَزْمًا، بلِ الظَّاهرُ صُدورُه عنهم بطريقِ الانفِرادِ، وأنَّ عِبارةَ كلِّ واحدٍ منهم عِندَ الدُّعاءِ: (واجعَلْني للمتَّقينَ إمامًا)، خَلَا أنَّه حُكيَتْ عِباراتُ الكلِّ بصيغةِ المُتكلِّمِ مع الغَيرِ؛ للقَصدِ إلى الإيجازِ، على طريقةِ قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [1180] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/231). [المؤمنون: 51].
4- قولُه تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا
- قولُه: أُولَئِكَ إشارةٌ إلى المتَّصفينَ بما فُصِّل في حينِ صِلَةِ المَوصولاتِ الثَّمانيةِ من حيثُ اتِّصافُهم به. وفيه دَلالةٌ على أنَّهم مُتميِّزونَ بذلك أكمَلَ تَميُّزٍ، مُنتَظِمونَ بسببِه في سِلكِ الأمورِ المُشاهَدةِ، وما فيه مِن معنَى البُعدِ؛ للإيذانِ ببُعدِ مَنزلتِهم في الفضلِ. والجملةُ مُستأنَفةٌ مُبيِّنةٌ لِما لهُم في الآخرةِ مِنَ السَّعادةِ الأبَديَّةِ، إثْرَ بَيانِ ما لهُم في الدُّنيا مِنَ الأعمالِ السَّنِيَّةِ [1181] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/231). .
- قولُه: أُولَئِكَ التَّصديرُ باسمِ الإشارةِ للتَّنبيهِ على أنَّ ما يَرِدُ بعْدَه كانوا أَحْرياءَ به؛ لأجْلِ ما ذُكِر قبلَ اسمِ الإشارةِ من صِفاتٍ [1182] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 241)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/84). .
- جُملةُ أُولَئِكَ ... مُستأنَفةٌ؛ فإنَّ تلك الصِّفاتِ والأعمالَ تُشوِّقُ السَّامعَ إلى معرفةِ مآلِهم، وثمرةِ أعمالِهم، فيَسأَلُ عنهما؛ فكانت الجُملةُ جوابًا لذلك السُّؤالِ المُقدَّرِ [1183] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 241). .
- قولُه تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا يدُلُّ على أنَّهم يُجْزَون غُرفةً واحدةً، وقد جاءتْ آياتٌ أُخَرُ تدُلُّ على خِلافِ ذلك؛ كقَولِه تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: 20]، وكقَولِه: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ [سبأ: 37].
والجوابُ: أنَّ الغُرفةَ هنا بمعنَى الغُرَفِ؛ اسمُ جِنسٍ أُريدَ به الجَمْعُ. وقيل: إنَّ المرادَ بالغُرفةِ الدَّرجةُ العُلْيا في الجنَّةِ؛ وعليه فلا إشكالَ. وقيل: الغُرفةُ الجنَّةُ؛ سُمِّيَتْ غُرفةً لارتِفاعِها [1184] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/296)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير أبي حيان)) (8/134)، ((تفسير أبي السعود)) (6/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/84)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 173). .
- قولُه: يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا لم يؤْتَ بمُتعَلِّقِ صَبَرُوا؛ لئلَّا يُقتصَرَ عليه، فيَتناوَلُ كلَّ مَصبورٍ عليه إلى أن يُحاطَ به [1185] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/297)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/304)، ((تفسير أبي حيان)) (8/134). ، ولِيَعُمَّ جميعَ أنواعِ المشاقِّ [1186] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (14/578). .
- فإنْ قيل: قد تَقرَّرَ أنَّ اسمَ الإشارةِ إذا عُقِّب به مَن أَجرى عليه الأوصافَ دَلَّ على أنَّ المَذكورَ قَبْلَه جَديرٌ بما بعْدَه لأجْلِ تلك الأوصافِ الجاريةِ عليه، فإذَنِ السَّببُ في أنَّهم يُجْزَونَ الغُرفةَ تلك الأوصافُ الَّتي أُجريَتْ على عِبادِ الرَّحمنِ، فكان مِن حقِّ الظَّاهرِ أنْ يُجاءَ بدَلَ بِمَا صَبَرُوا: بما فَعَلوا؛ كِنايةً عن تلك المَذكوراتِ بأسْرِها، فما فائدةُ العُدولِ؟
فالجوابُ: الإيذانُ بأنَّ مِلاكَ العِباداتِ الصَّبرُ، وأنَّ حَبْسَ النَّفْسِ على طاعةِ اللهِ هي الطَّلِبةُ، وقَطْعَها عن مُشتَهياتِها هي المَرامُ [1187] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/304). .
- قولُه: يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا فيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث جاءَ قَولُه: الْغُرْفَةَ مُفرَدًا، وجاء في سورةِ (سبأ) بالجَمعِ: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ [سبأ: 37]؛ وفائدةُ العُدولِ في هذا المَقامِ إلى المُفرَدِ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ فلاتِّحادِ تَرتُّبِ الحُكمِ على الأوصافِ المُشترَكةِ، بخِلافِه في (سبأ)؛ فإنَّه مُرتَّبٌ على الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ مُطْلقًا. ولا ارتيابَ في التَّفاوُتِ في الأعمالِ، فناسَبَ الجَمعُ؛ ليَتفاوَتَ الجزاءُ بحسَبِ العامِلينَ. وأمَّا على قراءةِ الإفرادِ في سورةِ (سبأ) [1188] قرأ بالإفرادِ حمزةُ، والباقون بالجمعِ. يُنظر: (( النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/351). فيُقالُ: إنَّ المرادَ مِنَ الإفرادِ الجِنسُ؛ ليتوافَقَ القِراءتانِ. ويُمكِنُ أن يُقالَ: القَرينةُ هي إثباتُ الغُرفةِ الواحدةِ للجَماعةِ [1189] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/304). .
- قولُه تعالى: وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا، جُمِع بيْن التَّحيَّةِ والسَّلامِ، مع أنَّهما بمعنًى؛ لقَولِه تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب: 44]؛ لأنَّ المُرادَ هنا بالتَّحيَّةِ: سَلامُ بعضِهم على بعضٍ، أو سلامُ الملائكةِ، وبالسَّلامِ: سلامُ اللهِ عليهم؛ لقَولِه تعالى: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]، أو المرادُ بالتَّحيَّةِ: إكرامُ اللهِ لهم بالهَدايا والتُّحَفِ، وبالسَّلامِ: سَلامُه عليهم بالقَولِ. ولو سُلِّمَ أنَّهما بمعنًى، فساغَ الجَمْعُ بيْنَهما؛ لاختِلافِهما لفظًا [1190] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 406). .
5- قولُه تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
- جُملةُ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا مُستأنَفةٌ بَيانيَّةٌ؛ لأنَّ مَن عرَفَ حالتَهم مِن الحياةِ والسَّلامةِ والبقاءِ يَتشَوَّفُ لمعرفةِ حالِ مكانِ هذه الحياةِ السَّالمةِ الباقيةِ، فيَسأَلُ عنه؛ فوقعَتْ جُملةُ حَسُنَتْ موقعَ الجوابِ عن هذا السُّؤالِ المُقدَّرِ. وهي إنشائيَّةٌ أفادتْ إنشاءَ مدْحِ الغُرفِ بالحُسنِ، وتَعظيمِ ذلك الحُسنِ [1191] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 241). .
- وقدَّمَ المُستقَرَّ؛ لأنَّ أوَّلَ الحُلولِ استِقرارٌ، والمُقامَ ببَقاءِ الاستِقرارِ واستِمرارِ المُكثِ [1192] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 241). .
6- قولُه تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا
- قولُه: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (ما) يَجوزُ أن تكونَ استفهاميَّةً فيها معنَى النَّفيِ، كأنَّه قيل: وأيُّ عبءٍ يَعبَأُ بكم لولا دُعاؤُكم؟! ويجوزُ أن تكونَ نافيةً [1193] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/297)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير أبي حيان)) (8/134). ، وتَركيبُ: ما يَعبَأُ به، يدُلُّ على التَّحقيرِ، وضِدُّه (عَبَأَ به) يُفيدُ الحَفاوةَ. فأصلُ مَا يَعْبَأُ: ما يَحمِلُ عِبْئًا؛ تمثيلًا بحالةِ المُتعَبِ مِنَ الشَّيءِ، فصار المقصودُ: ما يَهتَمُّ وما يَكتَرِثُ، وهو كِنايةٌ عن قِلَّةِ العنايةِ [1194] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/85). .
- وجَوابُ لَوْلَا مَحذوفٌ؛ لدَلالةِ ما تقدَّمَ، وتقديرُ الكلامِ: لولا دُعاؤُكم ما عبَأَ بكم. وجُملةُ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ واقعةٌ موقعَ التَّعليلِ لكلامٍ مُقدَّرٍ تَقديرُه -واللهُ أعلَمُ-: لا يَعبَأُ بكم فقد كذَّبْتم، أي: لأنَّكم قد كذَّبْتم، فالفاءُ تَعليليَّةٌ. وأمَّا جُملةُ فَسَوْفَ يَكُونُ فمُتَسبَّبةٌ عمَّا قبْلَها؛ فالفاءُ فيها سَببيَّةٌ. وضَميرُ يَكُونُ عائدٌ على العذابِ المفهومِ مِن المقامِ [1195] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 244). .
- وفائدةُ قولِه: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ الإيذانُ بأنَّ مَناطَ فَوزِ أحدِهما، وخُسرانِ الآخَرِ -مع الاتِّحادِ الجِنسيِّ المُصحِّحِ للاشتِراكِ في الفَوزِ- ليس إلَّا اختلافَهما في الأعمالِ [1196] يُنظر: (( تفسير أبي السعود)) (6/232) . وأيضًا فيه تهديدٌ للمُشركينَ [1197] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/86). .
- وحُذِفَ مُتعلِّقُ الدُّعاءِ؛ لظُهورِه مِن قَولِه: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ، أي: الدَّاعيَ، وهو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [1198] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/86). ، وذلك على أنَّ الدُّعاءَ المرادُ به: الدعوةُ إلى الإسلامِ.
- قولُه: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا تُرِكَ اسمُ كان غَيرَ مَنطوقٍ به بعْدَما عُلِم أنَّه ممَّا تُوعِّدَ به؛ للإيذانِ بغايةِ ظُهورِه، وتَهويلِ أمْرِه، وللتَّنبيهِ على أنَّه ممَّا لا يَكتنِهُه البيانُ، كما تَقولُ للجاني: قد فعلْتَ كذا فسوف تَتحمَّلُ ما فعلْتَ [1199] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/298)، ((تفسير البيضاوي)) (4/132)، ((تفسير أبي حيان)) (8/135)، ((تفسير أبي السعود)) (6/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/86). .
- واللِّزامُ: مَصدَرُ لازَمَ، وقد صِيغَ على زِنَةِ المُفاعَلةِ لإفادةِ اللُّزومِ، أي: عدَمِ المُفارَقةِ؛ فالإخبارُ باللِّزامِ مِن بابِ الإخبارِ بالمَصدرِ للمُبالَغةِ، وللتَّنبيهِ على أنَّ بيْنَ المُكذِّبينَ والعذابِ مُلازَمةً مِن الطَّرفينِ: فهُم بتَكذيبِهم قد ألْزَموا أنفُسَهم العذابَ، فلازَمَهم العذابُ. وقد اجتَمَع فيه مُبالَغتانِ: مُبالَغةٌ في صيغتِه تُفيدُ قوَّةَ لُزومِه، ومُبالَغةٌ في الإخبارِ به تُفيدُ تَحقيقَ ثُبوتِ الوَصفِ [1200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/86، 87)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 244). .
- وهذه الخاتمةُ ناظرةٌ إلى الفاتحةِ، أي: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، المعنى: قد أَنذَرَ وبالَغَ فيه، وبيَّن بالآياتِ الظَّاهرةِ، والبَراهينِ الباهِرةِ، تَصريحًا وتَعريضًا: أنَّ الحكمةَ في الإيجادِ مَعرفةُ الخالِقِ وعبادتُه؛ أمَّا تَصريحًا ففي قَولِه تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62]، وأمَّا تَعريضًا ففي عَدِّ فضائِلِ المؤْمنينَ، وإذا أَعلَمَكُم رَسولي أنَّ حُكْمي ذلك، وأنِّي لا أعتَدُّ بعِبادي إلَّا بعِبادتِهم، فقد خالَفْتُم أنتُم بتَكذيبِكم كِتابي ورَسولي حِكمتي في الإيجادِ، فسوف يَلزَمُكُم أثَرُ تَكذيبِكُم، وهو الاستِئصالُ يَومَ بَدْرٍ، والعذابُ السَّرْمَدُ في النَّارِ يَومَ القِيامةِ [1201] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/308). .