موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (142-150)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ

مشكل الإعراب:


قوله: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً:
إنْ: هي المخفَّفة من الثقيلة، واسمها (ضمير الشأن) محذوف.
لكبيرةً: اللَّام للفَرْق بين إن المخفَّفة من الثقيلة وإن النافية. وكبيرةً: خبر كان منصوب، واسم كان ضميرٌ مستترٌ تقديره (هي)، دلَّ عليه ما قبله من الكلام، والتقدير: وإنْ كانت التوليةُ، أو الصلاةُ، أو القِبلةُ [1259] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/113)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/124)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/156). .

المعنى الإجمالي:


أخبَر اللهُ تعالى أنَّ الجاهلين من النَّاس من يهودٍ ومشركين ومنافقين- ممَّن لا يَعرِفون مصالح أنفسهم، بل يُضيعونها- سيتساءلون اعتراضًا- والرِّيبة تملأ قلوبَهم- عن السَّبب الذي صرَف المسلمين عن استقبال بيت المقدِس، فأمَر اللهُ نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُجيبهم بأنَّ مُلك المشرق والمغرب وما بينهما هو لله سبحانه وتعالى وحْدَه؛ فله أن يأمُرَ باستقبال أيِّ جِهة أراد؛ فإنَّه يُوفِّق مَن يشاء إلى سلوك الطَّريق القويم في امتثال الأمر بالتوجُّه للكعبة وفي كلِّ ما يأمر به سبحانه.
ومِثلُ هذا التوفيق الذي وفَّقه الله تعالى أمَّةَ محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى أفضل قِبلة، اختيارُ الله سبحانه وتعالى لهم ليكونوا أعدلَ الأُمم وخيرَها؛ ليشهدوا على بقيَّة الأمم التي تقدَّمتهم أنَّ أنبياءهم ورسلَهم أدَّوْا إليهم رسالة ربِّهم جلَّ وعلا، ويكون الرسولُ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ شهيدًا على صِدق هذه الأمَّة فيما أخبَرت به من ذلك.
ثم خاطَب الله عزَّ وجلَّ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه إنَّما شرَع له استقبال بيت المقدس أولًا، ثمَّ نسخَه بالتوجُّه إلى الكعبة؛ امتحانًا؛ لكي يَعلمَ مَن يُطيع الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ممَّن يرتدُّ عن دِينه، وإنْ كان أمر تحويل القِبلة شاقًّا على النفوس وعظيمًا، إلَّا على مَن وفَّقه الله لطريق الهداية، ثم طمْأنَ الله سبحانه المؤمنين بأنَّه لا ينبغي له جلَّ وعلا أن يُضيع ثوابَ صلاتهم إلى بيت المقدِس، قبل تحويل القِبلة، بل هو محفوظٌ عنده عزَّ وجلَّ؛ فهو سبحانه عظيم الرحمة بالنَّاس.
ثم قال الله سبحانه لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه رأى تلفُّتَه الكثيرَ ناحيةَ السَّماء وهو يقلِّبُ وجهَه في جِهاتها، يترقَّب وحيًا يُعلِمه بتحويل القِبلة، ثم أخبره تعالى أنَّه سيوجِّهه إلى قِبلةٍ يُحبها صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأمرَهُ أن يتوجَّه في صلاته إلى جهة الكعبة، وفي أيِّ موضع كانوا، فعليهم أن يَستقبلوا الكعبةَ عند إرادة الصَّلاة، وقد علِم اليهود والنَّصارى مِن خلال كتُبهم أنَّ استقبال الكعبة مِن قِبل النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين حقٌّ مفروض من الله تعالى، والله سبحانه لا يَخفَى عليه أمرُ هؤلاء الذين يَعلمون الحقَّ ويُنكرونه ولا يَتَّبعونه.
ثم بيَّن الله سبحانه لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ مدى تعنُّتِ اليهود والنَّصارى وتمسُّكهم بالباطل؛ فلئن جاءهم بكلِّ برهان، وأقام عليهم الحُجج على أنَّ الحقَّ هو ما جاء به من تحوُّل القِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فإنَّهم لن يتَّبعوه فيما جاء به، ولا هو صلَّى الله عليه وسلَّمَ بمُتابِعِهم على قِبلتهم؛ لتمسُّكه بشَرْع الله، ولا أحدَ منهم يهوديًّا كان أو نصرانيًّا بتابعٍ قِبلةَ الآخَر، ثم حذَّر اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّته تبَع له- مِن اتِّباع أهواء أهل الكتاب بعد أن اتَّضح لهم الحقُّ، فإنَّه إنْ فعَل سيكون معدودًا مع الذين ظَلموا أنفسهم.
ثم أخبَر تعالى أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى يَعرِفون النبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّه مُرسَلٌ من ربِّه، وأنَّ ما جاء به حقٌّ، ومنه التوجُّه إلى الكعبة، وذلك من خلال كتُبهم- معرفةً يقينيَّة كما يَعرِفون أبناءَهم؛ فلا يشتبهون عليهم بغَيرِهم، ومع ذلك فإنَّ طائفةً منهم يُخفون الحقَّ عمدًا، والحالُ أنَّهم يُوقِنون بصحَّته!
ثمَّ أعْلمَ الله سبحانه نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأن يَعلم أنَّ الحقَّ هو ما جاءَه من ربِّه، ونهاه أن يَتسرَّب إلى قلبِه شكٌّ فيه.
ثم أخبَر تعالى أنَّ لكل أهل مِلَّةٍ قِبلةً يتوجَّهون إليها في صلواتهم، سواء كانت هذه القِبلة ممَّا شرَعه الله لهم، أو كانت ممَّا ابتدعوه من تِلقاء أنفسهم.
وأمَر سبحانه المؤمنين أن يُبادروا ويُسارعوا إلى الطَّاعات، ومن ذلك استقبال القِبلة التي أمرَهم الله بالتوجُّه إليها، ولتَحْفيزِهم على المسارعةِ إلى الطاعات، وأخبَرهم سبحانه بأنَّه أينما كان موتُهم فإنَّ الله عزَّ وجلَّ سيجمعهم يوم القِيامة،  فهو سبحانه لا يُعجِزه شيء؛ لأنه القادر على كلِّ شيء.
ثم أمَر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يَجعل الكعبة قِبلتَه أينما كان؛ فإنَّ ذلك هو الحقُّ الذي ليس فيه أدْنى شكٍّ، والله سبحانه ليس بساهٍ عن عمل أيِّ أحد، بل مطَّلعٌ على أعمال الجَميع، وسيُجازي أصحابَها بحسَبها.
ثم أعاد سبحانه الأمرَ لنبيِّه عليه الصَّلاة والسلام بأن تكون وِجهتُه في صلاته هي الكعبةَ أينما كان، وكذلك المؤمنون مأمورون بأن يَستقبلوا الكعبةَ في أيِّ موضع كانوا، وذلك التحويل قد وقَع؛ كيلا يحتجَّ اليهودُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين بأنَّه ليس لهم عَيبُ دِينهم أو انتقاصُه، ما داموا قد وافقوهم في صلاتِهم نحو بيت المقدِس؛ فبهذا التحويلِ للقِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تُدحَضُ تلك الحُجَّة، ولكن تبقى حُجَّةٌ باطلةٌ لمشرِكي قريش بأنَّ المؤمنين ما داموا قد عادُوا إلى قِبلتهم، فلا بدَّ أن يتَّبعوا أيضًا دِينهم.
فنهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أن تُساورَهم خشيةٌ من هؤلاء الظَّلمة، أو مِن حُجَجهم الداحضة، وأمرهم بأن يُفردوه جلَّ وعلا وحْدَه بالخشية، فإنَّه لا يستحقُّها أحدٌ سواه.
ثمَّ أخبَر سبحانه أنَّ مِن أسباب تحويل القبلة، إتمامَ شرائع الدِّين للمؤمنين، ورجاءَ أن يمتثلوا أوامرَ الله، ويسلِّموا بها؛ فينالوا هدايتَه سبحانه.

تفسير الآيات:


سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا تكرَّر في الآيات السابقةِ التنويهُ بإبراهيم عليه السلام وملَّته، والكعبةِ، وأنَّ مَن يرغب عنها قد سفِه نفْسه، فكانت مثارًا لأنْ يقول المشركون: ما ولَّى محمدًا وأتْباعَه عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكَّةَ- أي: استقبال الكعبة- مع أنه يقول: إنَّه على مِلَّة إبراهيم، ويأبى اتِّباع اليهوديَّة والنصرانيَّة؛ فكَيف ترك قِبلةَ إبراهيم واستقبلَ بيت المقدس؟! وقد علم اللهُ تعالى ذلك منهم فأنبأَ رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم بقولهم [1260] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/5). قال ابن عاشور: (وأَتى فيه بهذا الموقع العجيب وهو أنْ جعَلَه بعد الآيات المثيرة له وقَبل الآيات التي أُنزلت إليه في نَسْخ استقبال بيت المقدس والأمْر بالتوجُّه في الصلاة إلى جِهة الكعبة؛ لئلَّا يكونَ القرآن الذي فيه الأمرُ باستقبال الكعبة نازلًا بعد مقالة المشركين، فيَشمَخوا بأُنوفهم؛ يقولون: غيَّر محمَّدٌ قِبلتَه من أجْل اعتراضنا عليه، فكان لموضع هذه الآية هنا أفضلُ تمكُّن، وأوثقُ ربْط، وبهذا يَظهر وجهُ نزولها قبل آية النَّسْخ، وهي قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء [البقرة: 144] الآيات؛ لأنَّ مقالة المشركين أو توقعها حاصلٌ قبل نَسْخ استقبال بيت المقدس، وناشئٌ عن التنويه بمِلَّة إبراهيم والكعبة). .
سبب النُّزول:
عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ صلَّى نحوَ بيت المقدِس سِتَّةَ عَشرَ، أو سبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يحبُّ أن يُوَجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فتوجَّه نحو الكعبة، وقال السفهاء من النَّاس- وهم اليهود -: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فصلَّى مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ رجلٌ، ثمَّ خرَج بعدما صلَّى، فمرَّ على قومٍ من الأنصار في صلاة العصر نحوَ بيت المقدس، فقال: هو يَشهدُ أنَّه صلَّى مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأنَّه توجَّه نحوَ الكعبة، فتَحرَّف القومُ حتى توجَّهوا نحوَ الكعبة )) [1261] رواه البخاري (399) واللفظ له، ومسلم (525). .
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا.
أي: سيتساءل الجُهَّال وخِفاف العقول من النَّاس- وهم اليهود، وأهل النِّفاق، والمشركون- سيتساءلون عن المسلمين مُعترِضين، بحيرةٍ وارتياب: أيُّ شيء صرَفَهم عن التوجُّه إلى بيت المقدِس في صلاتهم؛ فحوَّلوا وجوههم عنه [1262] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/615-618)، ((تفسير ابن كثير)) (1/452)، ((تفسير السعدي)) (ص: 70)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/104-105). ؟!
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.
أي: قلْ يا محمَّدُ، لهؤلاء المتسائلين: لله تعالى وحْده دون غيرِه مُلكُ المشرق والمغرب وما بينهما، فكلُّ الجِهات مخلوقةٌ ومملوكة له؛ فله أن يأمُرَ بالتوجُّه إلى أيِّ جِهةٍ شاء سبحانه [1263] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/625)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/224)، ((تفسير ابن عطية)) (1/218)، ((تفسير ابن كثير)) (1/454)، ((تفسير السعدي)) (ص: 70). .
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أي: إنَّ الله تعالى يُرشد ويوفِّق بحِكمته مَن يشاء مِن خَلْقه إلى الطَّريق القويم، وقد هدى اللهُ تعالى المؤمنين إلى قِبلة إبراهيمَ عليه السَّلام التي ضلَّ عنها غيرُهم [1264] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/625-626)، ((تفسير ابن عطية)) (1/218)، ((تفسير ابن كثير)) (1/454)، ((تفسير السعدي)) (ص: 70). .
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ (143).
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا.
أي: مثل هذا الجَعْل الذي جعْلنا لكم، وهو هدايتُكم إلى أفضلِ قِبلة، جعلناكم أيضًا خيرَ الأمم وأعدلَها، وسطًا بيْن الإفراط والتفريط، وبين الغلوِّ والجَفاء [1265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/626-627)، ((تفسير ابن عطية)) (1/218-219)، ويُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيميَّة (2/136)، (5/79)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/14-15)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/109). .
كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110].
وعن معاويةَ بن حَيْدةَ القُشيريِّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أنتُم تُوفُون سَبعينَ أُمَّةً، أنتُم خيرُها وأكرمُها على الله )) [1266] أخرجه الترمذي (3001) بلفظ: ((تُتمُّون)) بدلًا من ((تُوفون))، وابن ماجه (4288) بلفظ: ((إنَّكم وفيتم)) بدلًا من ((أنت وفيتم))، وأحمد (4/447) (20029) واللفظ له. حسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (6/112)، وابن باز في ((مجموع فتاواه)) (5/59)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (1132)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3001). .
وعن أبي سَعيد الخُدريِّ رضي الله عنه، قال: قرأ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال: عدلًا)) [1267] رواه البخاري (7349). .
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((يجيء النبيُّ يومَ القيامة، ومعه الرَّجل، والنبيُّ ومعه الرَّجُلان، وأكثرُ مِن ذلك، فيُدعى قومُه، فيُقال لهم: هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا! فيُقال له: هل بلَّغتَ قومَك؟ فيقول: نعم، فيُقال له: مَن يَشهد لك؟ فيقول: محمَّد وأمَّتُه، فيُدْعَى وأُمَّته، فيُقال لهم: هل بلَّغ هذا قومَه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلمُكم؟ فيقولون: جاءَنا نبيُّنا، فأخبَرنا: أنَّ الرُّسل قد بلَّغوا، فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143] قال: يقول: عدلًا ، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143])) [1268] أخرجه ابنُ ماجه (4284)، وأحمد (3/58) (11575) واللفظ له، والنَّسائي في ((السنن الكبرى)) (11007). صحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4284)، وصحَّح إسنادَه على شرْط الشيخينِ شعيبٌ الأرناؤوط في تحقيق ((مسند أحمد)) (3/58). .
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.
أي: جعَل الله تعالى هذه الأمَّةَ المحمديَّةَ خيرَ الأُمم وأعدَلَها؛ ليشهدوا على الأُمم الأخرى بأنَّ رُسلَهم وأنبياءَهم عليهم الصَّلاة والسلام قد بلَّغوهم رِسالة ربِّهم عزَّ وجلَّ [1269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/629)، ((تفسير ابن كثير)) (1/454)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 135)، ((تفسير القرطبي)) (2/154)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/303)، ((تفسير ابن عثيمين-الفاتحة-البقرة)) (2/109). .
كما قال تعالى: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: 78].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((يُدعَى نوحٌ يومَ القِيامة، فيقول: لبَّيْك وسَعديك يا ربِّ، فيقول: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعمْ، فيُقال لأمَّته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: مَن يشهد لك؟ فيقول: مُحمَّدٌ وأمَّتُه، فيَشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرَّسولُ عليكم شهيدًا؛ فذلك قولُه جلَّ ذِكرُه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، والوسط: العدْل )) [1270] رواه البخاري (4487). قال ابن حجر: (قوله: «والوَسَط العَدْل» هو مرفوعٌ من نفْس الخبر، وليس بمُدرَج من قول بعض الرُّواة، كما وهِم فيه بعضُهم) ((فتح الباري)) (8/172). .
وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: ((مَرُّوا بجَنازةٍ فأثنَوْا عليها خيرًا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَجَبَتْ، ثم مَرُّوا بأخرَى فأثنَوا عليها شرًّا، فقال: وَجَبَتْ، فقال عُمَرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: ما وَجَبَتْ؟ قال: هذا أثنَيتُم عليه خيرًا، فوَجَبَتْ له الجنةُ، وهذا أثنَيتُم عليه شرًّا، فوَجَبَتْ له النارُ؛ أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ )) [1271] رواه البخاري (1367) واللفظ له، ورواه مسلم (949). .
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
قيل: أي: يَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على صِدق الأمَّة فيما أخبَرت به عن تبليغ رُسُل الله تعالى رِسالتَه إلى أُممهم، وقيل: يَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه بلَّغ أمَّته رسالةَ ربِّه، وقيل: يشهد بأنَّهم آمنوا به وبما جاء به من عند الله عزَّ وجلَّ [1272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/636)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 135)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/21-22)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/303)، ((تفسير السعدي)) (ص: 70-71)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/110). قال ابنُ أبي حاتم: (عن ابن جُرَيج، قلتُ لعطاء: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا؟ قال: يَشهد أنَّهم قد آمنوا بالحقِّ إذ جاءهم، وقبِلوه وصدَّقوا به. ورُوي عن أبي العالية، وعِكرمة، وقَتادة، والرَّبيع بن أنس نحوُ ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/250). .
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.
أي: إنَّما شرَعْنا لك يا محمَّد التوجُّه أولًا إلى بيت المقدِس، ثمَّ صرَفْنا هذه القِبلة عنك إلى الكَعبة؛ امتحانًا؛ لنعلم-عِلمًا تقوم به الحجة على العبد، ويترتَّب عليه الثوابُ والعِقاب- من سيطيعك فيستقبل معك حيثما توجَّهت، ممن يَرتدُّ عن دِينه [1273] يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيميَّة (ص: 466-467)، ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (7/278-279)، ((تفسير ابن كثير)) (1/457)، ((تفسير السعدي)) (1/71)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/46)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/110-112). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ المقصود بقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ بيتُ المقدس: عطاء، وعطيَّة، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/638)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/250). .
وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ.
أي: وإن كان الشَّأْن أنَّ واقعة صرْفِنا لك يا محمَّد عن التوجه إلى بيت المقدس، وتوليتنا إيَّاك للكعبة، أمرٌ عظيمٌ، شاقٌّ، وثقيلٌ على النُّفوس، عدَا مَن أرشده الله تعالى للحقِّ، ووفَّقه للعمل به، فصَدَّق الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتأسَّى به في التحوُّل إلى الكعبة [1274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/649-650)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/226)، ((تفسير ابن كثير)) (1/457)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/24)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/112-113). .
عن عبد الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما، قال: ((بَيْنا النَّاسُ بقُباءٍ في صلاةِ الصُّبحِ، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أُنزِلَ عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يَستقبِلَ الكعبةَ، فاستقبِلوها، وكانتْ وجوهُهم إلى الشَّأمِ، فاستَداروا إلى الكَعبةِ )) [1275] رواه البخاري (7251). .
وعن أنسٍ رضي الله عنه: ((أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان يُصلِّي نحو بيت المقدِس، فنزلت: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: 144]، فمرَّ رجلٌ من بني سَلِمة وهم ركوعٌ في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعةً، فنادى: ألَا إنَّ القِبلة قد حُوِّلت، فمالوا كما هم نحوَ القِبلة )) [1276] رواه مسلم (527). .
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.
سبب النُّزول:
عن البَراء رضي الله عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم صلَّى إلى بيت المقدِس ستَةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان يُعجبه أن تكونَ قِبلتُه قِبلَ البيت، وأنَّه صلَّى أوَّلَ صَلاةٍ صلَّاها صَلاةَ العَصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرج رجلٌ ممَّن كان صلَّى معه فمرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهدُ بالله لقدْ صليتُ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ قِبَل مكةَ، فدارُوا كما هم قِبلَ البيت... وفيه: أنَّه ماتَ على القِبْلة قَبلَ أنْ تُحوَّلَ، رِجالٌ قُتِلوا، فلمْ نَدرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ )) [1277] رواه البخاري (4486) واللفظ له، ومسلم (525). .
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.
أي: إنَّ الله تعالى يقول عن نفسه بأنَّه لا ينبغي له أن يُضيع ثوابَ صلاتكم إلى بيت المقدس قَبل ذلك، بل هو محفوظٌ عنده سبحانه وتعالى [1278] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيميَّة)) (35/37)، ((تفسير ابن كثير)) (1/458)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/160)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/283). وممَّن قال من السَّلف بأنَّ معنى (إيمانكم) صلاتكم: ابن عبَّاس، والبَراء، وقَتادة، والسُّدِّي، والرَّبيع، وداود بن أبي عاصم، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/650). .
إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ الله تعالى عظيم الرَّحمة بالنَّاس؛ ولذا لا يُمكن أن يُضيع أجرَ طاعة عمِلها عبادُه المؤمنون [1279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/654-655)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71). .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144).
سبب النُّزول:
عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ صلَّى نحوَ بيت المَقدِس سِتَّة عشرَ أو سَبعةَ عشرَ شهرًا، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فتوجَّه نحو الكعبة، وقال السُّفهاء من النَّاس- وهم اليهود -: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فصلَّى مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ رجلٌ، ثم خرَج بعدما صلَّى، فمرَّ على قومٍ من الأنصار في صلاة العصر نحوَ بيت المقدس، فقال: هو يَشهدُ أنَّه صلَّى مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّه توجَّه نحوَ الكعبة، فتحرَّف القوم حتى توجَّهوا نحوَ الكعبة )) [1280] رواه البخاري (399) واللفظ له، ومسلم (525). .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.
أي: يُؤكِّد الله تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ رُؤيتَه له وهو يتلفَّت محوِّلًا وجهَه في جِهات السماء؛ متلهِّفًا لنزول الوحي بخبَر تحويل القِبلة إلى الكعبة [1281] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/656)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 136)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/123). .
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا.
أي: فلنوجهنَّك يا محمَّد، إلى قِبلةٍ عظيمةٍ تطمئنُّ إليها، وتحبُّها، وتقبلها [1282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/659)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 136)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/123). قال ابن عاشور: (عبَّر بـ تَرْضَاهَا؛ للدَّلالة على أنَّ مَيلَه إلى الكعبة ميلٌ لقصْد الخير بناءً على أنَّ الكعبة أجدرُ بيوت الله بأنْ يدلَّ على التوحيد- كما تقدَّم- فهو أجدرُ بالاستقبال من بيت المقدس، ولأنَّ في استقبالها إيماءً إلى استقلال هذا الدِّين عن دِين أهل الكتاب. ولما كان الرِّضا مشعرًا بالمحبَّة الناشئة عن تعقُّل، اختير في هذا المقام دون (تحبُّها) أو (تهواها) أو نحوهما؛ فإنَّ مقام النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم يربو عن أن يتعلَّقَ مَيلُه بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء المصلحة العارضة لمشروعيَّة استقبال بيت المقدس، ألَا ترى أنه لما جاء في جانب قِبلتهم بعد أن نُسخت جاء بقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الآية؟) ((تفسير ابن عاشور)) (2/27-28). .
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
أي: أقبِلْ ببدنِكَ، واصْرِفْ وجهَكَ لأجْل الصَّلاة، إلى جهةِ الكعبة من المسجد الحرام [1283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/659)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 136)، ((تفسير القرطبي)) (2/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/28-29)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/123). .
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
أي: وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أن تستقبلوا الكعبةَ وتتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة [1284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/665)، ((تفسير ابن كثير)) (1/460-461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71). .
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
أي: إنَّ اليهود والنَّصارى يَعلمون مِن كتُبهم أنَّ استقبال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين الكَعبةَ، أمرٌ حقٌّ، قد فرَضه الله سبحانه وتعالى [1285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/665-666)، ((تفسير ابن عطية)) (1/222)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71-72)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/34)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/124-125). .
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: يَعْمَلُونَ قراءتان:
1- تَعْمَلُونَ بالخطاب [1286] قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/223) وينظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 116-117)، ((الكشف)) لمكي (1/268). .
2- يَعْمَلُونَ بالغيبة [1287] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/223) وينظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 116-117)، ((الكشف)) لمكي (1/268). .
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
أي: إنَّ الله تعالى ليس بساهٍ عمَّا يعمل هؤلاء الذين يَعلمون الحقَّ، ويُنكرونه ولا يَتَّبعونه؛ فما يَعملونه من سوءٍ محفوظٌ عند الله تعالى؛ ليعاقبَهم عليه، وبالضدِّ؛ يَحفَظ للمؤمنين امتثالَهم لأوامره، فيُجازيهم بذلك [1288] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/666)، ((تفسير ابن عطية)) (1/222)، ((تفسير ابن كثير)) (1/461)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/34-35)، ((تفسير السعدي)) (ص: 71). .
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145).
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ.
أي: والله لئن جِئتَ يا محمَّدُ، اليهودَ والنَّصارى بكلِّ برهان، وأقمتَ عليهم كلَّ حُجَّةٍ تُثبت أنَّ الحقَّ هو ما جِئتَهم به، من وجوب التحوُّل من قِبلة بيت المقدِس في الصَّلاة إلى التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام، فلن يَتركوا أهواءَهم، ويتَّبعوك في ذلك [1289] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/666-667)، ((تفسير ابن كثير)) (1/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72). .
وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ.
يُنزِّه الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن متابعة قِبلة اليهود أو النَّصارى، ويُخبر عن شدَّة متابعتِه لِمَا أمره الله تعالى به؛ فكما أنَّهم مستمسِكون بأهوائهم، فلا اليهوديُّ يتَّبع قِبلة النصرانيِّ، ولا النصرانيُّ يتَّبع قِبلة اليهوديِّ، فهو أيضًا مستمسِكٌ بأمر الله واتِّباع مرضاته، ولا يتَّبع أهواءهم في جميع أحواله، كما أنَّه لا يُمكنه إرضاؤهم بحالٍ؛ لأنَّ الاختلاف فيما بينهم، واقع؛ ولذا فليس بغريبٍ منهم أنْ لا يتَّبعوا كذلك قِبلةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ.
وفي هذا تَسليةٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين، وتثبيتٌ لهم على الحقِّ، وإنْ خالفهم مَن خالفَهم، وقطْعُ أطماع أهل الكتاب من متابعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين لقِبلتهم [1290] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/667-668)، ((تفسير ابن كثير)) (1/461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/36-37)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/134). .
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
حذَّر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّته تبعٌ له في ذلك- مِن اتِّباع أهواء اليهود والنَّصارى، بالتوجُّه نحوَ قِبلتهم من بعد مجيء الحقِّ بالتوجُّه قِبل الكعبة؛ فإنَّه إنْ فعَل ذلك فهو معدودٌ مع الظَّالمين أنفسَهم بتَرْك الحقِّ، واتِّباع الباطل [1291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/669)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/135-136). .
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146).
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.
أي: إنَّ اليهود والنَّصارى يَعرِفون من توراتهم وإنجيلهم أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم حقٌّ، وأنَّ ما جاء به- مِثل صِحَّة التوجُّه نحوَ الكعبة في الصَّلاة- حقٌّ؛ يعرفون ذلك عن يقين تامٍّ، يُماثل يقينَهم بأبنائهم؛ إذ لا يَشتبهون عليهم بغيرِهم [1292] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/39)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/140-141). قال ابن أبي حاتم: (عن السُّدِّي: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ يعرِفون الكعبةَ أنَّها هي قِبلة الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. ورُوي عن قَتادة، والرَّبيع بن أنس، والضحَّاك نحوُ ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/255). .
وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
أي: ومع وضوح الحقِّ، وتيقُّن معرفتِه، إلَّا أنَّ طائفةً منهم يَكتُمون النَّاس عن عمْد، ما في كتُبهم من صِفة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به من التوجُّه نحو الكعبة وهو الحق [1293] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/231)، ((تفسير القرطبي)) (2/163)، ((تفسير ابن كثير)) (1/462)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72). .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147).
أي: اعلمْ يا محمَّد، أنَّ الحقَّ وحده هو الذي جاءك من ربِّك، لا ما يقوله اليهود أو النَّصارى، أو غيرهم؛ فلا يحصُل لك أدنى تردُّدٍ وريبةٍ فيه [1294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/673)، ((تفسير السعدي)) (ص: 72)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/143-144). .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148).
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في مُوَلِّيهَا قراءتان:
1- (مُوَلَّاهَا) بمعنى موجَّهٌ ومصروفٌ إليها [1295] قرأ بها ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 140). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحُجَّة)) لابن خالويه (ص:90). .
2- (مُوَلِّيهَا) بمعنى متوجِّهٌ إليها ومستقبلها [1296] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 140). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحُجَّة)) لابن خالويه (ص:90). .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.
أي: إنَّ لكلِّ أهل مِلَّةٍ قِبلةً يستقبلونها في صلاتهم، سواء كانت ممَّا ابتدعوه من تِلقاء أنفسهم، أو كانت ممَّا شرَع الله تعالى لهم [1297] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/674-679)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/42-43)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/146). .
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا كانت توليتُهم وجوهَهم نحوَ القِبلة إنما هو لأجْل تزكيةِ النفس وخلاصِها، وكان ذلك لا يحصُل إلَّا بفعل الخير واجتنابِ الشرِّ؛ قال تعالى [1298] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/229). :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.
أي: بادِروا وسارعوا باغتِنام الطاعات، ومن ذلك استقبال القِبلة التي أمَر الله تعالى بها [1299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/679)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 138)، ((تفسير القرطبي)) (2/165)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/43)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/146). .
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا أمَر الله تعالى بالمسابقةِ إلى الخيرات، وكان أقوى ما يَحثُّ النفوسَ على المسارعةِ إلى الخير، ويُنشِّطها: ما رتَّب الله عليها مِن الثوابِ؛ قال [1300] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 73). :
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.
أي: يحثُّ الله تعالى عبادَه على المسارعة إلى الأعمال الصَّالحات قبل الممات، بإعلامهم أنَّ مرجعهم جميعًا إليه، وسيُحشَرون إليه من أي جِهة ماتوا فيها؛ فهو سبحانه القادِر الذي لا يُعجِزه ذلك، ولا أيُّ شيءٍ سواه [1301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/680-681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/43-44). .
كما قال تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48].
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا عَظُم في شأن القِبلة انتشارُ أقوال أهل الكتاب في تنويعِ شغبِهم وجدالِهم، وكانوا أهلَ عِلم وكتاب، وقد مرَّت لهم دهورٌ وهم موسومون بأنَّهم على صواب، فاشرأبَّ لذلك النِّفاق، ودارت رَحَى الباطِل والشِّقاق، كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد لأمرها؛ تعظيمًا لشأنها، وتوهيةً لشُبه السُّفهاء فيها، فقال جلَّ وعلا [1302] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/232). :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة [1303] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/44)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/149-150). .
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.
أي: إنَّ توجُّهك نحو الكعبة يا محمَّد، حقٌّ ثابت لا شكَّ فيه [1304] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/681)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/44-46)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/149-150). .
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
أي: إنَّ الله تعالى ليس بساهٍ عن عمَل أحد، بل هو مطَّلعٌ على الأعمال جميعِها، وسيُجازي صاحب كلِّ عملٍ بحسب ما قدَّمه، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر [1305] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/682)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/45)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/150-151). .
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا تَقرَّر بما تكرَّر أنَّ تحويل القبلة فرضٌ في حقِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ حتمٌ لا فتورَ عنه، ولا رُخصة فيه؛ إلَّا ما استُثني، أدْخل معه أمَّته؛ ليَعُمَّهم الحُكم، ورَبَأ بالمؤمنين عن أن يكون لأحدٍ عليهم حُجَّة؛ فقال [1306] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (2/234). :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة، وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أيضًا أن تستقبلوا الكعبةَ وتتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة [1307] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/659، 665، 682)، ((تفسير السعدي)) (1/73)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/123-124). قال ابن القيِّم: (ذكر الأمْر بذلك [أي: استقبال القبلة] في كلِّ موطنٍ؛ لاقتضاء السِّياق له، فتأمَّله. والله أعلم) ((بدائع الفوائد)) (4/172-173). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/463)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/45)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/154). .
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.
أي: حوَّلنا قِبلتَكم إلى الكَعبة؛ كي لا يحتجَّ اليهودُ عليكم قائلين: إنكم ما دُمتم قد وافقتمونا في قِبلتنا نحو بيت المقدس، فلِمَ تَعيبون دِينَنا، ولِـمَ لا تتبعون ملَّتَنا؟ لكن ستبقى حُجَّة الظالمين- وهم مشركو قريش- الذين يحتجُّون عليكم بالباطل قائلين: إنكم ما دُمتم قد عُدتم إلى قِبلتنا، فلا بدَّ أن تتَّبعوا دِيننا [1308] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/682-685)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيميَّة (1/100-101)، ((تفسير ابن كثير)) (1/464)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/450). .
فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
أي: لا تخشَوا هؤلاء الظلمةَ المتعنتين، ولا حُجَجهم الباطلة، وأفرِدوا الخشية لي؛ فإنِّي وحْدي المستحقُّ لذلك [1309] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/690-691)، ((تفسير القرطبي)) (2/170)، ((تفسير ابن كثير)) (1/464)، ((تفسير السعدي)) (ص: 73)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/156). .
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ.
أي: شرَعت لكم استقبال الكعبة؛ لأُكمل لكم شرائعَ ملَّتكم الحَنيفيَّة [1310] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/691-692)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/233)، ((تفسير ابن كثير)) (1/464)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/156-157). .
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
أي: ومن أسباب تحويل القبلة إلى الكعبة أنْ ترجُوا بامتثال أوامر الله تعالى نيلَ هُداه، فتَعلموا الحق وتعملوا به؛ ابتغاءَ رِضاه [1311] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 74)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/47)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/157). .

الفوائد التربويَّة:


1- تسلية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأصحابه رضِي الله عنهم، حيث أخبر الله تعالى أنَّه لن يَعترِض عليه في أمر تحويل القبلة إلَّا سفيهٌ؛ لقوله سبحانه: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [1312] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/106) .
2- في قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاء...، الإخبار بقولهم قبل وقوعه، وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإنَّ مفاجأة المكروه على النفس أشقُّ وأشدُّ، فالمرء يخبر بما يُتوقَّع حدوثُه؛ ليستعدَّ له [1313] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/180)، ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/106). .
3- أنَّ الله سبحانه يمتحِن العبادَ بالأحكام الشرعيَّة، إيجابًا، أو تحريمًا، أو غير ذلك؛ لقوله عزَّ وجلَّ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ فليتنبَّه المرء لهذا [1314] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/117). .
3- أنَّ التقدُّمَ حقيقةً إنَّما يكون بتطبيق تعاليم الإسلام، وأنَّ الرجعيَّةَ حقيقةً إنَّما تكون بمخالفتها؛ لقوله تعالى: مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ فإنَّ هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأنَّ الذي ينقلب على عقبيه كالأعمى لا يُبصِر ما وراءه [1317] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/119). .
4- أنَّ امتثال بعض الأوامر الشرعيَّة، واجتناب بعض النواهي الشرعيَّة فيه مشقَّة على المكلَّفين، لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقَّة، وتكون سهلةً ويسيرة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ [1318] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/119). .
5- مراعاة الشَّريعة اجتماعَ المسلمين على وِجهةٍ واحدة؛ لقوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛ فالمسلمون في جميع أنحاء العالم يتَّجهون إلى قِبلة واحدة [1319] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/130). .
6- وجوب الانقياد للحقِّ إذا ظهرت آياته؛ لقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [1320] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/137). .
7- في قوله تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ إشارةٌ إلى أنَّ من عرف الله تعالى حقَّ معرفته، فمن المحال أن يرتدَّ، فإن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتدُّ. قيل: إن الذي يقدَّر أنه معرفة، هو ظنٌّ متصوَّرٌ بصورة العلم، فأمَّا أن يحصل له العلم الحقيقيُّ ثم يعقبه الارتداد- فبعيد [1321] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/303). .
8- أنَّ الظلم، والعدل، وغير ذلك مقْرُونٌ بالأعمال لا بالأشخاص؛ فليس بيْن الله تعالى وبين أحدٍ من الخلق شيءٌ يُحابيه، ويُراعيه به؛ فكلُّ مَن خالفه فهو ظالم؛ لقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [1322] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/139). .
9- بيان أنَّ العلم حقيقةً هو علمُ الشريعة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ: فأتى بـــ(أل) المفيدة للكمال، ولا شكَّ أنَّ العلم الكامل الذي هو محلُّ الحمْد والثَّناء هو العِلم بالشَّريعة [1323] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/139). .
10- دلَّ قولُه تعالى: من بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ على أنَّ توجُّه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرِهم [1324] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/110). .
11- تحذير الأمَّة من اتِّباع أهواء غير المؤمنين؛ لقوله تعالى إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ فإذا كان الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُوصَف بالظلم لو اتَّبع أهواءَهم، فمَن دُونه مِن باب أَوْلى [1325] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/140). .
12- أنَّ كلَّ شيء خالَف ما جاء عن الله تعالى، فهو باطل؛ لقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [1326] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/144). .
13- تَكرار الأمر الهام؛ لتثبيته والثبات عليه، ودفْع المعارضة فيه، وبيان أهميَّته؛ لأنَّه كلَّما كُرِّر كان مقتضاه أنَّ الأمر ثابتٌ مُحكَم يجب الثبوت عليه؛ وذلك لأنَّ الله تعالى كرَّر الأمر باستقبال القِبلة في عِدَّة آيات [1327] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/151). .
14- دفْع ملامة اللائمين ما أمكَن؛ لقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [1328] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/158). .
15- أنَّ الظالم لا يَدفع ملامتَه شيء، بمعنى: أنَّه سيلوم وإنْ لم يكُن ثمَّة محلٌّ للوم؛ لقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [1329] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/158). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- في قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ إثبات عِلم الله تعالى بما سيكون، وتحقُّق وقوع ما أخبر به؛ لأنَّهم قالوا ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيقولونه [1330] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/106، 158). .
2- فضيلةُ هذه الأمَّة، حيث هداها اللهُ إلى استِقبال بيته الذي هو أوَّل بيت وُضِع للنَّاس [1331] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/114). .
3- فضْل هذه الأمَّة على جميع الأُمم؛ لقوله تعالى: وَسَطًا [1332] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/115). .
4- عَدالة هذه الأمَّة؛ لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ؛ والشهيد قولُه مقبولٌ [1333] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/115). .
5- أنَّ هذه الأمَّة تشهد على الأُمم يوم القيامة؛ لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [1334] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/115). .
6- في قوله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ دلالةٌ على أنَّ العمل من الإيمان، وهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة؛ لأنَّ الله تعالى سمَّى الصَّلاة إيمانًا [1335] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/121) ويُنظر: ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص: 323)، ((معارج القبول)) لحكمي (2/600). .
7- في قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، إثبات عُلوِّ الله تعالى؛ لأنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان يُقلِّب وجهَه في السَّماء؛ لأنَّ الوحي يأتيه من السَّماء [1336] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/126). .
8- أنَّ النَّظر إلى السَّماء ليس سوءَ أدَبٍ مع الله؛ لقوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، لكن لا يَنبغي للمصلِّي أن يرفع بصرَه إلى السَّماء؛ لورود الوعيد الشَّديد به [1337] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/125) .
9- أنَّ الإنسان لا يُؤاخذ بالمخالفة إلَّا بعد قِيام الحُجة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [1339] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/138). .
10- التلطُّف في الخِطاب للرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله تعالى: لَمِنَ الظَّالِمِينَ؛ فلو قُلت لرجل: أنت ظالم، لكان أشدَّ وقعًا من قولك له: أنت من الظالمين [1340] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/139). .
11- تقوية الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ على ما هو عليه من الحقِّ- وإنْ كتَمه أهل الكتاب-؛ لقوله تعالى: الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [1341] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/144). .
12- عِناية الله سبحانه وتعالى بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بذِكره بالربوبيَّة الخاصَّة؛ لقوله تعالى: مِنْ رَبِّكَ [1342] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/144). .
13- أنَّه قد يُنهَى عن الشيء مع استحالة وقوعه؛ لقوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ فإنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ لا يمكن أن يكونَ من الممترين [1343] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/144). .
14- عِناية الله سبحانه وتعالى بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالتثبيت؛ لأنَّ قوله تعالى له: الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يَقتضي ثباته عليه؛ وقوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ يَقتضي استمرارَه على هذا الثَّبات، ولا شكَّ أنَّ في هذا من تأييد الرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتثبيتِه ما هو ظاهِر [1344] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/145). .
15- في قوله تعالى: عَمَّا تَعْمَلُونَ ردٌّ على الجَبريَّة بإضافة العَمل إلى الإنسان [1345] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/152). .
16- أنَّ تنفيذ أوامر الله، وخشيته سببٌ للهداية بنوعيها: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق؛ لقوله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [1346] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/145). .
17- في قوله تعالى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إثبات حِكمة الله سبحانه وتعالى [1347] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/159). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ
- فيه الإخبارُ بالشَّيء قبل وقوعه، وفائدتُه: توطين النفس، وإعداد الجواب، وإظهار المعجزة؛ فإنَّ مفاجأة المكروه أشدُّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدَّمه من توطين النفس، وأنَّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأردُّ لشغبِه [1348] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/198)، ((تفسير البيضاوي)) (1/110). .
- وفي قوله: مِنَ النَّاسِ وصفَهم بهذا مع كونه معلومًا، وفائدتُه: التنبيه على بلوغهم الحدَّ الأقصى من السَّفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء؛ فإذا قُسم نوعُ الإنسان أصنافًا، كان هؤلاء صنفَ السُّفهاء، فيُفهم أنه لا سفيهَ غيرهم على وجهِ المبالغة [1349] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/7). .
2- قوله: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ استفهامٌ على جِهة الاستهزاء والتعجُّب، وهو مُستعمَل في التعريض بالتخطئة، واضطراب العقل [1350] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/80)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/8). .
3- في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
- جيء مع الشَّهادة بحَرْف الاستعلاء (على)، ولم يقل (لهم)؛ لأنَّ الشَّهيد كالرقيب والمهيمِن على المشهود له، وقيل: لتكونوا شهداءَ على النَّاس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار [1351] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/199-200). .
- وأُخِّرت صِلة الشَّهادة أولًا في قوله: شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وقُدِّمت آخرًا في قوله: عَلَيْكُمْ شَهِيدًا؛ لأنَّ الغرَض في الأوَّل إثباتُ شهادتهم على الأُمم، وفي الآخر اختصاصُهم بكون الرسول شهيدًا عليهم، فيكون من باب تقديم الأهمِّ؛ لأنَّ المنَّةَ عليهم في الجانبين: ففي الأوَّلِ بثبوت كونهم شهداءَ، وفي الثاني بثبوتِ كونهم مشهودًا لهم بالتزكية [1352] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/199-200)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/21). .
أو مِن باب الاتِّساع في الكلام للفَصاحة، وللاهتمام بتشريف أمْر هذه الأمَّة، حتى أنَّها تَشهَد على الأمم والرسل، وهي لا يَشهَد عليها إلَّا رسولُها، ولأنَّ شَهِيدًا أشبهُ بالفواصل والمقاطع من قوله: عَلَيْكُمْ، فكان قوله: شَهِيدًا، تمامَ الجملة، ومقطعها دون عليكم، وهذا من بدائع فصاحة القرآن [1353] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/13-14)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/21)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/203). .
4- قوله: إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ
- فيه تذييلٌ، فائدته: التأكيدُ على عدَم إضاعة إيمانهم، وإظهار المِنَّة، والتعليم بأنَّ الحُكم المنسوخ إنما يُلغَى العملُ به في المستقبل لا في ما مضى [1354] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/25). .
وذِكر اسم الجلالة من باب الإظهار في مقامِ الإضمار؛ للتَّعظيم [1355] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/24). .
وتقديم بِالنَّاسِ على متعلِّقه وهو لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ؛ للتنبيه على عِنايته بهم إيقاظًا لهم ليشكروه، مع مراعاة الفواصل أيضًا [1356] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/111)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/25-26). .
5- قوله: قَدْ نَرَى جيء بالمضارع مع (قد)- التي تكون للتكثير غالبًا إذا دخلت على المضارع؛ للدَّلالة على التجدُّد [1357] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/27). ، والقاعدة: أن (قد) إذا دخلت على المضارع المسنَد إلى اللهِ تعالى فهي للتحقيقِ دائمًا [1358] يُنظر: ((قواعد التفسير)) لخالد السبت (1/395). .
6- في قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا...
الفاء للتعقيب؛ لتأكيد الوعد بالصَّراحة بعد التمهيدِ بالكِناية في قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [1359] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/27). .
وفيه إضمار قَسَم باللام الموطِّئة للقَسَم؛ للمبالغة في التأكيد على وقوعِه؛ لأنَّ القَسَم يُؤكِّد مضمون الجملة المُقسَم عليها [1360] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/23). .
ومجيء الوعد قبل الأمْر؛ لفرح النفس بالإجابة، ثم بإنجاز الوعْد؛ فيتوالى السرورُ مرَّتين، ولأنَّ بلوغ المطلوب بعد الوعدِ به آنسُ في التوصُّل من مفاجأة وقوع المطلوب [1361] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/23). .
ونُكِّرت القِبلة؛ لأنَّه لم يَجرِ قبلها ما يَقتضي أن تكون معهودةً، فتُعرَّف بالألف واللام [1362] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/23). .
7- قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ خبرٌ مؤكَّدٌ بمؤكِّدين (إنَّ، واللام)؛ لينفي ما يتبادر من ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبالَ الكعبة أنَّهم أنكروه لاعتقادهم بطلانَه، وأنَّ المسلمين يظنُّونهم معتقدين ذلك، وليظهر موقعُ قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ الذي هو تهديدٌ بالوعيد [1363] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/34). .
8- قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خبرٌ متضمِّنٌ الوعيد، وفيه التِفاتٌ من الغيبة في قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ إلى الخِطاب في قوله: تَعملون؛ ووجهه: أنَّ في خِطابهم بأنَّ الله لا يغفل عن أعمالهم تحريكًا لهم بأنْ يعملوا بما علِموا من الحقِّ؛ لأنَّ المواجهة بالشيءِ تقتضي شدَّةَ الإنكار، وعِظَمَ الشَّيءِ الذَّي يُنْكَر [1364] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/25-26). .
9- في قوله: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
أَفرد القِبلة في قوله: قِبْلَتَهُمْ، وإن كانت مثنَّاة؛ إذ لليهود قبلة، وللنَّصارى قبلة مغايرة لتلك القِبلة؛ لأنَّ كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحقِّ، فكانتَا بحُكم الاتَّحاد في البُطلان قبلةً واحدة [1365] وأيضًا لأنَّ (قبلة) هنا مفردٌ مضافٌ إلى الضمير (هم)، وذلك يفيد العموم. ، وحسَّن ذلك المقابلةُ في اللفظ؛ لأنَّ قبْلَه ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [1366] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/204)، ((تفسير أبي حيان)) (2/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/36-37). .
وفي هذه الجملة مبالغةٌ في النَّفي بعِدَّة مؤكِّدات، وهي: اسميَّة الجُملة، وتكرُّر الاسم فيها مرَّتين، وتأكيد النفي بالباء في قوله: بتابع [1367] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/28). .
10- قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ
فيه: لُطفٌ للسامعين، وزيادةُ تحذير، واستفظاعٌ لحال مَن يترك الدَّليل بعد إنارته ويتَّبع الهوى، وتهييجٌ وإلهابٌ للثَّباتِ على الحقِّ؛ إذ قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ كلامٌ وارد على سبيل الفَرْض والتقدير [1368] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/203)، ((تفسير القاسمي)) (1/428)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/37). .
وقيل: إنَّ ظاهر الخِطاب وإنْ كان مع الرسول إلا أنَّ المراد منه غيرُه، بغرضه ألَّا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحدٌ من الأمَّة، وإنما جاء الخطاب له على سبيل التعظيم لذلك الأمر، والتفخيم لشأنه، حتى يحصُل التباعد منه [1369] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (4/110)، ((تفسير أبي حيان)) (2/29). .
وقيل: تعليق وقوع الشيء على شرط لا يقتضي إمكان ذلك الشرط، ويفهم من ذلك الاستحالة؛ لأنَّ المعلَّق على المستحيل مستحيلٌ. والمعنى: لا تُعَدُّ ظالمًا، ولا تكونه؛ لأنك لا تتَّبع أهواءهم [1370] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/29). .
وفيه: تأكيدُ التهديد، والمبالغة في هذا التحذير أيضًا، باشتمال مجموع الشَّرط والجزاء على عِدَّة مؤكِّدات، وهي: القَسَم المدلول عليه باللام، واللام الموطِّئة للقَسَم؛ لأنَّها تزيد القسم تأكيدًا، وحرف التوكيد في جملة الجزاء (إنَّ)، ولام الابتداء في خبرها، واسميَّة الجملة، وتركيبه من جُملةٍ فِعليَّة وجُملةٍ اسميَّة، وجَعْل حرف الشَّرْط الحرفَ الدالَّ على الشَّك، وهو (إِنْ)، والإتيان بـ(إذن) الدالَّة على الجزائية؛ فإنَّها أكَّدْت ربْط الجزاء بالشرط، والإجمال ثم التفصيل في قوله: مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ؛ فإنَّه يدلُّ على الاهتمامِ، وجعْل ما نزل عليه هو نفْسُ العلم.
والتعريف في الظَّالِمِين للدَّلالة على أنَّ هذا الوصف لهم سجيَّة ثابتة، وصيغة الجمع في الظَّالِمِينَ، ولم يقل: إنَّك ظالم؛ لأنَّ في الاندراج معهم إيهامًا بحصول أنواع الظلم، والتقييد بمجيء العلم؛ تعظيمًا للحق المعلوم، وتحريصًا على اقتفائه، وتحذيرًا عن متابعة الهوى، واستفظاعًا لصدور الذَّنب عن الأنبياء [1371] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (1/112)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/37). .
11- قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ فيه إضمارُ ما لم يَسبق له ذِكر (الرَّسول) [1372] هذا على القول بأنَّ الضَّمير في يعرفونه عائدٌ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا على الأقوال الأُخرى من أنَّه للعِلم، أو القرآن، أو تحويل القِبلة؛ فليس فيه هذا الوجه. ؛ لأنَّ الكلام يدلُّ عليه ولا يلتبس على السَّامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيمٌ وإشعارٌ بأنَّه لشُهرته وكونِه عَلَمًا معلومًا بغير إعلام [1373] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/204)، ((تفسير أبي حيان)) (2/32-33). .
أو هو مِن من باب الالتِفات؛ لأنَّه قال تعالى: قدْ نرى تقلُّب وجهك... فَلَنُولِّينَّك... فولِّ وجْهَكَ، ثم قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ...، فهذه كلُّها ضمائرُ خِطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم التفَت عن ضمير الخِطاب إلى ضمير الغَيبة، وحِكمته والله أعلم: أنَّه سبحانه لَمَّا فرغ من الإقبال عليه بالخطاب، أقبل على الناس فقال: الذين آتيناهم الكتاب واخترناهم لتحمُّل العلم والوحي، يَعرِفون هذا الذي خاطبناه في الآي السَّابقة وأمرناه ونهيناه، لا يَشكُّون في معرفته...إلخ [1374] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/32-33)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/39). .
12- قوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ظاهر لفظ (الأبناء) الاختصاص بالذُّكور؛ فيكونُ ذَكَرهم هنا؛ لأنَّهم أشهرُ وأعرف، وهم لصُحبة الآباء- مباشرةً ومعاشرةً- ألزم، وبقلوبهم ألْصق، ويحتمل أن يُراد بالأبناء: الأولاد (الذُّكور والإناث)، فيكون ذِكرُهم هنا مَن باب التَّغليب [1375] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/204)، ((تفسير الرازي)) (4/111)، ((تفسير أبي حيان)) (2/34). .
13- قوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فيه مبالغةٌ وتأكيدٌ بالنَّهي عن كونه منهم؛ لأنَّه أبلغ من النهي عن نفْس الفِعل. لأنَّ (لا تمترِ) نهيٌ عن الالتباس بالامتراء. وقوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ نهيٌ عن الكون بهذه الصِّفة، والنَّهيُ عن الكون على صِفةٍ، أبلغُ من النَّهي عن تِلك الصِّفة [1376] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/35). .
14- قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ:وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ وَ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...
فيه تَكريرٌ؛ لتأكيد أمْر القِبلة وتشديده؛ وفائدته: أنَّ النَّسخَ من مظانِّ الفِتنة والشبهة وتسويل الشَّيطان، والحاجة إلى التَّفصِلة بينه وبين البَداء [1377] البَداء: ظُهور الشَّيْء بعد الخَفاء؛ تقول: بدا لي فِي الشيء، إذا ظهر لك فيه رأيٌ لم يكن ظاهرًا لك فتركته لأجْل ذلك. والفرق بين النسخ والبداء: أن النسخ تحويل العباد من شيء قد كان حلالًا فيُحرم، أو كان حرامًا فيُحلل، أو كان مطلقًا فيُحظر، أو كان محظورًا فيطلق، أو كان مباحًا فيُمنَع، أو ممنوعًا فيُباح؛ إرادةَ الصلاح للعباد، وقد عَلِم الله جلَّ وعزَّ العاقبة في ذلك، وعلم وقت الأمر به أنَّه سينسخه إلى ذلك الوقت... وكان الأول المنسوخ حِكمة وصوابًا، ثم نسخ وأُزيل بحكمة وصواب. وأمَّا البداء فهو تركُ ما عُزم عليه، كقولك: امضِ إلى فلان اليومَ، ثم تقول: لا تمضِ إليه، فيبدو لك عن القولِ الأوَّل، وهذا يلحق البشرَ؛ لنقصانهم. ولا يجوز البَداءُ على الله سبحانه وتعالى؛ فهو العليمُ بكلِّ شيء، وما يَنسخُه من الْأَحْكَام ويُثبته إِنَّمَا هُوَ على قدْر المصالح، لا أنَّه يبدو له من الأحوال ما لم يكُن باديًا. يُنظر: ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 62)، ((الفروق اللغوية)) للعسكري (ص: 60). ، فكرَّر عليهم؛ ليثبتوا ويعزموا ويجدُّوا، ولأنَّه نِيط بكلِّ واحد ما لم يُنَطْ بالآخر فاختلفت فوائدها. وأيضًا لَمَّا عظُم في شأن القبلة انتشارُ أقوال السفهاء وتنوُّع شَغَبِهم وجدالهم، كان الحال مقتضيًا لمزيدِ تأكيدٍ لأمرها؛ تعظيمًا لشأنها، وتوهيةً لشبههم، فحصل من تكرير معظم الكلمات تأكيدٌ للحُكم؛ ليترتَّب عليه قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. وأيضًا كرَّر هذا الحكم؛ لتعدُّد عِلله، فإنَّه تعالى ذكر للتحويل ثلاث عِلل: تعظيم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بابتغاء مرضاته، وجرْي العادة الإِلهية على أن يولي أهلَ كلِّ مِلَّة وصاحب دعوة وجهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفْع حُجج المخالفين، وقرَن بكلِّ علة معلولها، كما يَقرن المدلول بكلِّ واحد من دلائله تقريبًا وتقريرًا، مع أنَّ القبلة لها شأن، وقيل غير ذلك في فائدة التَّكرار، كما أنَّ بعض العلماء قد ذكر في هذه الآيات مخصصاتٍ تُخرجها بذلك عن التأكيد [1378] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/206)، ((تفسير الرازي)) (4/118)، ((تفسير البيضاوي)) (1/113)، ((تفسير أبي حيان)) (2/39-40، 59)، ((تفسير القاسمي)) (1/430)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/45). .

غريب الكلمات:

السُّفَهَاءُ: أي: الجُهَّال، والسَّفه: الجهل، وخِفَّة العقل، والضَّعْف والحُمق [1250] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 273)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 51). .
وَلَّاهُمْ: صَرَفهم وحوَّلهم، وأصل الفِعل (ولي)، وإذا عُدِّي بـ(عن) اقتَضى معنى الإعراضِ والتركِ، وإذا عُدِّي بنَفْسه اقتَضَى معنى الولاية [1251] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 886)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 951). .
وَسَطًا: عدلًا خيارًا [1252] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 479)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 869)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 23). .
عَقِبَيْهِ: مثنَّى العقب: وهو مؤخَّر الرِّجل، وجمْعه: أَعقاب؛ يقال: انقلَب على عَقِبيه، مثل: رجع على حافرته، وارتدَّ على أدباره [1253] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((المفردات)) للراغب (ص: 575)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 244). .
تَقَلُّبَ: التقلُّب: تحوُّل الشَّيءِ عن جِهته [1254] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 117)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (1/221). .
شَطْرَ: نحوَ، أو جِهَة [1255] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 65)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/187)، ((المفردات)) للراغب (ص: 453)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
الْمُمْتَرِينَ: المتردِّدين، من المِرية: وهي التردُّد في الأمْر، وهو أخصُّ من الشك [1256] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 434)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 97). .
مُوَلِّيهَا: مستقبِلُها [1257] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 65)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 488)، ((المفردات)) للراغب (ص: 856)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 97). .
فلا تَخْشَوْهُمْ: أي: فلا تخافوهم، والخَشْية: أكثر ما تكونُ عن عِلمٍ بما يُخشَى منه، وقيل: هي خوفٌ يشوبُه تعظيم [1258] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/184)، ((المفردات)) للراغب (ص: 283)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/508). .