موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (13-16)

ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ

غريب الكلمات:


يُخْزِهِمْ: أي: يُذِلَّهم، والخِزْيُ: الهوانُ، وأصلُه: يدلُّ على الإبعادِ [192] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/369)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 215)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/179)، ((المفردات)) للراغب (ص: 281). .
وَلِيجَةً: أي: بِطَانةً، دُخَلاءَ مِن المُشرِكينَ يُخالِطونَهم ويودُّونَهم. وكلُّ شَيءٍ أدخَلْتَه في شَيءٍ وليسَ منه، يُقالُ له: (وَليجةٌ)، وأصلُ (ولج): يدلُّ على دخولِ شَيءٍ [193] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 183)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 480)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/142)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 135)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 222). .

مشكل الإعراب:


قَوْله تعالى: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ: اسم الجلالةِ مُبتدأٌ، وفي الخَبرِ وجهانِ؛ أحدُهما: أنَّه أَحَقُّ وعلى هذا فَقَولُه: أَنْ تَخْشَوْهُ بدلُ اشتمالٍ مِن اسمِ الجلالةِ، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، أي: فخَشيةُ اللهِ أحقُّ مِن خَشيَتِهم. أو أَنْ تَخْشَوْهُ في محلِّ نصبٍ أو جَرٍّ على نزْعِ الخافِضِ، والتَّقديرُ: أحقُّ بأن تَخْشَوه. الثاني: أنَّ الخبَرَ جُملةُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ فـأَحَقُّ خبَرٌ مُقدَّمٌ. وأَنْ تَخْشَوْهُ مبتدأٌ ثانٍ مُؤخَّرٌ، والجُملة خبَرُ اسمِ الجلالةِ، أي: فاللهُ خَشْيَتُه أحقُّ [194] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/325)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/638)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/26). .
وجُملةُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ، وجوابُ إِنْ مَحذوفٌ دلَّ عليه ما قَبلَه، أي: إنْ كُنتُم مُؤمِنينَ فاخْشَوُا اللهَ. وقيل غيرُ ذلك [195] يُنظر: ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (10/294)، ((المجتبى من مشكل إعراب القرآن)) للخراط (2/387). .

المعنى الإجمالي:


يُخاطِبُ اللهُ عِبادَه المُؤمِنينَ قائلًا لهم: ألَا تُقاتِلونَ- أيُّها المؤمنونَ- المُشركينَ الذين نقَضُوا العَهدَ الذي بينكم وبَينَهم، وعَزَموا بقُلوبِهم على إخراجِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مكَّة، وهم بدَؤُوكم بنَقضِ العَهدِ الذي بينكم بقِتالِ حُلَفائِكم خُزاعةَ، أتخافونَهم؟! فاللهُ أحَقُّ أن تخافُوا منه إنْ كُنتم مُؤمِنينَ.
قاتِلُوهم- أيُّها المُؤمِنونَ- يُعَذِّبْهم اللهُ بأيديكم، ويُهِنْهم، ويَنصُرْكم عليهم، ويُداوِ اللهُ صُدورَ قَومٍ مُؤمنينَ، مما فيها من الألَمِ، ويُزِلِ الغَيظَ مِن قُلوبِهم، ويتوبُ سبحانه على مَن يَشاءُ مِن أولئك المُشرِكينَ، واللهُ عليمٌ حَكيمٌ.
أظَنَنتُم- أيُّها المُسلمونَ- أن يترُكَكم اللهُ دونَ أن يختبِرَكم بالجهادِ، فيعلَمَ الذين صَدَقوا في جهادِهم في سبيلِه، ولم يتَّخِذوا من دونِ اللهِ ولا رسولِه ولا المؤمنينَ بِطانةَ سُوءٍ مِن الكُفَّارِ، يُوالُونَهم ويُفشُونَ إليهم أسرارَ المُؤمِنينَ، واللهُ خَبيرٌ بما تَعملونَ.

تفسير الآيات:


أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا قال تعالى: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أتبَعَه بذِكرِ السَّبَبِ الذي يبعَثُهم على مُقاتَلَتِهم [196] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/535). ، فقال تعالى:
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ.
أي: ألَا تُقاتِلونَ- أيُّها المؤمنونَ- المُشرِكينَ الذين نقَضُوا العهدَ الذي بينَكم وبينهم [197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/367)، ((تفسير ابن كثير)) (4/117)، ((تفسير السعدي)) (ص: 330)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/308). قال الرازي: (نَكْثُهم العَهدَ: كُلُّ المُفَسِّرينَ حَمَلَه على نَقْضِ العَهدِ). ((تفسير الرازي)) (15/535). ؟!
وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ.
أي: وعَزَموا بقُلوبِهم على إخراجِ رَسولِ اللهِ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن مكَّةَ [198] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/367)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 455)، ((تفسير الزمخشري)) (2/252)، ((تفسير ابن كثير)) (4/117)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/308، 309). وممَّن اختار أنَّهم همُّوا بإخراجِه مِن مكَّةَ قبل الهجرةِ: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والزمخشري، وابنُ كثيرٍ، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. .
كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30].
وقال سبحانه: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 76].
وقال عزَّ وجلَّ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد: 13].
وقال جلَّ جلالُه: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة: 1].
وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
أي: وهَؤلاءِ المُشرِكونَ بَدَؤُوكم- أيُّها المُؤمِنونَ- بنَقضِ العَهدِ الذي بينكم، بقِتالِ حُلَفائِكم خُزاعةَ [199] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 455)، ((تفسير القرطبي)) (8/86)، ((تفسير السعدي)) (ص: 330)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/134)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/310، 311). وممَّن اختار أنَّ المَقصودَ بذلك نقضُ المُشرِكينَ للعَهدِ بقتالِ خُزاعةَ حُلفاءِ المُسلمين: الواحدي، والقرطبي، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف مجاهدٌ، وعكرمةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (6/1762)، ((تفسير ابن جرير)) (11/368). واختار ابنُ جريرٍ أنَّ المراد: بدؤوكم بالقتالِ يومَ بَدرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/367). .
أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ .
أي: أتَخافُونَ- أيُّها المُؤمِنونَ- على أنفُسِكم مِن هؤلاءِ المُشرِكينَ، فتَترُكوا قتالَهم؛ لِئلَّا ينالَكم منهم مَكروهٌ؟ فاللهُ أَوْلى أن تخافُوا مِن عُقوبَتِه بتَركِكم جهادَ أولئكَ المُشرِكين، إن كُنتُم مُؤمِنينَ حقًّا [200] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/367، 368)، ((تفسير ابن عطية)) (3/13)، ((تفسير القرطبي)) (8/86)، ((تفسير ابن كثير)) (4/117)، ((تفسير السعدي)) (ص: 330)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/134)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/312). قال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كما تقولُ: افعَلْ كذا إن كنتَ رجلًا، أي: رجُلًا كاملًا، فهذا معناه: إن كنتُم مُؤمِنينَ كامِلِي الإيمانِ؛ لأنَّ إيمانَهم قد كان استقَرَّ). ((تفسير ابن عطية)) (3/13). وقال الشنقيطي: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤُمِنِينَ (إنْ) في قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤُمِنِينَ تُشكِلُ دائمًا على المتعلِّمينَ، وبعضِ العُلَماءِ، و (إنْ) هذه هي التي اختلَفَ فيها البصريُّونَ والكوفيُّونَ، وهي كثيرةٌ في القرآن، فالبصريونَ يقولون: إنَّ (إنْ) هذه صيغةُ شَرطٍ جِيءَ بها مُرادًا بها التَّهييجُ، وقُوَّةُ الحَملِ على الامتثالِ، وهو أسلوبٌ عربيٌّ مَعروفٌ؛ أنَّ العَرَبَ تنطِقُ بأداة الشَّرطِ، ولا تُريدُ به حقيقةَ تَعليقِ جزاءٍ على شرطٍ، وإنَّما تريدُ به التَّهييجَ والدَّعوةَ الصَّارمةَ إلى الامتثالِ... أمَّا الكوفيونَ فإنَّهم يقولون: إنَّ (إنْ) هذه بمعنى (إذْ) وأنَّها تعليليَّةٌ، ويقولون: «فَاللهُ أحَقُّ أن تخشَوْه إذْ كُنتُم مُؤمِنينَ» أي: لأجلِ كَونِكم كنتم مُؤمِنينَ؛ فذلك يستوجِبُ منكم الخَشية). ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/312-313). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 175].
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بكَّتَ اللهُ تعالى المُؤمِنينَ في التَّواني عن قتالِ المُشرِكين، وأقام الحُجَجَ البَيِّنةَ على وُجوبِ قِتالِهم، ودَحْضِ شُبهةِ المانِعِ منه- صَرَّحَ بالأمرِ القَطعيِّ به، مع الوعد بإظهارِ المُؤمِنينَ عليهم أكمَلَ الظُّهورِ وأتَمَّه، بما يُزيلُ خَشْيَتَهم منهم، بل يُوجِبُ إقدامَهم عليهم، ورغبَتَهم فيهم [201] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/396)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/177). ، فقال تعالى:
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ.
أي: قاتِلوا- أيُّها المُؤمِنونَ- هؤلاءِ المُشرِكينَ الذين نقَضُوا عهودَهم؛ فإنَّكم إن تُقاتِلوهم يَقتُلْهم اللهُ بأيديكم [202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/369، 371)، ((تفسير القرطبي)) (8/86)، ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 19)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/314). قال الشنقيطي: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ هذا التَّعذيبُ الذي يُعَذِّبُهم اللهُ بأيديهم: هو القَتلُ بالضَّربِ الوَجيعِ، الذي يصِلُ به صاحِبُه إلى النَّارِ). ((العذب النمير)) (5/314). .
وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
أي: ويُذِلَّهم اللهُ ويُهِنْهُم بالأسرِ، ويَمنَحْكم النَّصرَ عليهم [203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/369)، ((تفسير ابن عطية)) (3/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/135)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/314). .
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ.
أي: ويُداوِ اللهُ صُدورَ قَومٍ مُؤمنينَ، ظَلَمَهم المُشرِكون وقَهَروهم، فتنشَرِحْ صُدورُهم بالانتصارِ عليهم وقَتْلِهم، وأَسْرِهم، ويَزُلْ ما حصَلَ في قُلوبِهم من الألَمِ [204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/369)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/94)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/136)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/314، 315). قال أبو حيان: (جاء التَّركيبُ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ لِيَشمَلَ المُخاطَبينَ وكُلَّ مُؤمِنٍ؛ لأنَّ ما يُصيبُ أهلَ الكُفرِ مِن العَذابِ والخِزي هو شِفاءٌ لِصَدرِ كُلِّ مُؤمِنٍ. وقيل: المرادُ قَومٌ مُعَيَّنونَ... قال مجاهِدٌ والسُّدِّي: هم خُزاعةُ. ووجهُ تَخصيصِهم أنَّهم هم الذين نُقِضَ فيهم العَهدُ ونالَتْهم الحَربُ، وكان يومَئذٍ في خُزاعةَ مؤمنونَ كَثيرٌ). ((تفسير أبي حيان)) (5/382، 383). وقال الشنقيطي: (قال جماهيرُ مِن أهلِ التَّفسير: إنَّ المُرادَ بالقَومِ المؤمنينَ أنَّهم خُزاعةُ؛ حيث تمالأَ عليهم البَكْريُّونَ وقُريشٌ، وقَتَلوهم في الحَرَمِ، واستنجَدُوا بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). ((العذب النمير)) (5/315). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/369)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118). .
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الشِّفاءُ في قَولِه تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قد لا يُرادُ به الكَمالُ؛ أتبَعَه تحقيقًا لِكَمالِه بقَولِه [205] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/397). :
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ.
أي: ويُزِلِ اللهُ الغَيظَ الكامِنَ في قُلوبِ المُؤمِنينَ بِسبَبِ ظُلمِ الكُفَّارِ وقَهْرِهم لهم [206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/136). .
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.
أي: ويتوبُ اللهُ على مَن يَشاءُ أن يتوبَ عليهم من أولئك المُشركِينَ، بأن يُوفِّقَهم للدُّخولِ في الإسلامِ، ويَقبَلَ منهم التَّوبةَ مِن الكُفرِ والآثامِ [207] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/371)، ((تفسير القرطبي)) (8/87)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/138). قال القُرطبي: (قَولُه تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ على مَنْ يَشَاءُ القراءةُ بالرَّفعِ على الاستئنافِ؛ لأنَّه ليس من جنسِ الأوَّلِ؛ ولهذا لم يقُلْ (وَيَتُبْ) بالجَزمِ؛ لأنَّ القِتالَ غَيرُ موجِبٍ لهم التَّوبةَ من اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو مُوجِبٌ لهم العَذابَ والخِزيَ، وشِفاءَ صُدورِ المؤمنينَ، وذَهابَ غَيظِ قُلوبِهم. ونظيرُه: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى: 24] تَمَّ الكَلامُ. ثمَّ قال: وَيَمْحُ اللهُ البَاطِلَ). ((تفسير القرطبي)) (8/87). .
وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما يُصلِحُ عِبادَه، وعِلمُه بمن يستحِقُّ منهم التَّوفيقَ للتَّوبةِ، ومَن يستحِقُّ منهم الخِذلانَ عنها، حكيمٌ في أفعالِه وأقوالِه وشَرْعِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به، ومن ذلك حِكمَتُه في تَصريفِ عِبادِه مِن حالٍ إلى حالٍ [208] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/371، 372)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/138). .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16).
مَناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الآياتِ المُتقَدِّمةَ كانت مُرغِّبةً في الجهادِ، والمقصودُ مِن هذه الآيةِ مَزيدُ بَيانٍ في التَّرغيبِ [209] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/7). .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ.
أي: أظَنَنْتُم- أيُّها المُسلِمونَ [210] قال ابنُ عاشور: (الخِطابُ للمُسلِمينَ، على تفاوُتِ مَراتِبِهم في مُدَّةِ إسلامِهم، فشَمِلَ المُنافِقينَ؛ لأنَّهم أظهَروا الإسلامَ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/137). - أن يترُكَكم اللهُ دون أن يَخْتَبِرَكم بالجِهادِ، فيعلَمَ الصَّادِقينَ منكم الذين يُجاهِدونَ في سبيلِه، مِن الكاذِبينَ المُضَيِّعينَ ما أمَرَ به من جهادِ الكافرينَ؛ عِلمًا ظاهِرًا مَشهودًا يترتَّبُ عليه الثَّوابُ والعِقابُ [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/372)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/137، 138)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/319، 320). قال الزجَّاج: (اللهُ جَلَّ وعَزَّ قد عَلِمَ قبلَ أمْرِهم بالقِتالِ مَن يُقاتِلُ ممَّن لا يُقاتِلُ، ولكِنَّه كان يعلَمُ ذلك غيبًا، فأراد العِلمَ الذي يُجازِي عليه؛ لأنَّه جَلَّ وعَزَّ إنَّما يُجازي على ما عَمِلوا). ((معاني القرآن)) (2/437). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/242)، ((تفسير ابن كثير)) (4/119)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331). وقال الشنقيطي: (قال البغوي رحمه الله في تفسيرِ هذه الآية الكريمة: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ يعني: أحَسِبْتُم أن يترُكَكم اللهُ ولم يَرَ اللهُ عَمَلَكم حتى يتبيَّنَ للنَّاسِ المُخلِصَ مِن غَيرِه. وعلى هذا التَّفسيرِ الذي فَسَّرَها به، فالمعنى يُشبِهُ قَولَه: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: آية 105]). ((العذب النمير)) (5/320). ؟
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142].
وقال سُبحانه: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: 179].
وقال عزَّ وجَلَّ: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 - 3].
وقال جلَّ جلاله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31].
وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً.
أي: ولـمَّا يَعْلمِ الله الَّذين جاهدُوا مِنكم، والَّذين لم يتَّخِذوا مِن دُونِ اللهِ ولا رَسولِه ولا المُؤمِنينَ بِطانةَ سُوءٍ مِن الكُفَّارِ، يُوالُونَهم ويُفشُونَ إليهم أسرارَ المُؤمِنينَ [212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/372)، ((تفسير ابن كثير)) (4/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/322، 323). .   
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة: 51 - 53].
وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
أي: واللهُ عَليمٌ بِجَميعِ أعمالِكم الخَفِيَّةِ- أيُّها المُسلِمونَ- فيُجازيكم عليها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، ومن ذلك اتِّخاذُ بِطانةٍ مِن الكافِرينَ [213] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/373)، ((تفسير الشوكاني)) (2/390)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/324). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ المُؤمِنَ ينبغي أن يَخشى ربَّه، وألَّا يَخشَى أحدًا سِواه [214] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/536). .
2- في قَولِه تعالى: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ دليلٌ على أنَّ المُؤمِنَ حقَّ الإيمانِ يكونُ أشجَعَ النَّاسِ، وأعلاهم هِمَّةً؛ لأنَّه لا يخشى إلَّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ [215] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/177). .
3- قال اللهُ تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً المُجاهِدُ قد يُجاهِدُ، ولا يكونُ مُخلِصًا، بل يكونُ مُنافقًا، باطِنُه خلافُ ظاهِرِه، وهو الذي يتَّخِذُ الوليجةَ مِن دونِ الله ورسولِه والمُؤمنينِ، فبيَّنَ تعالى في هذه الآيةِ أنَّه لا يترُكُهم إلَّا إذا أتَوْا بالجهادِ مع الإخلاصِ؛ خاليًا عن النِّفاقِ والرِّياءِ، والتودُّدِ إلى الكُفَّارِ، وإبطالِ ما يُخالِفُ طريقةَ الدِّينِ، والمقصودُ بيانُ أنَّه ليس الغَرضُ مِن إيجابِ القتالِ نَفسَ القِتالِ فقط، بل الغَرَضُ أن يُؤتَى به انقيادًا لأمرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وِلِحُكمِه وتكليفِه؛ لِيَظهَرَ به بذلُ النَّفسِ والمالِ في طلَبِ رِضوانِ الله تعالى، فحينئذٍ يحصُلُ به الانتفاعُ، وأمَّا الإقدامُ على القتالِ لِسائِرِ الأغراضِ، فذاك ممَّا لا يُفيدُ أصلًا [216] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/8). .
4- شَرَع اللهُ الجِهادَ؛ لِيَحصُلَ به مقصودٌ أعظَمُ، وهو أن يتميَّزَ الصَّادِقونَ، الذين لا يتحَيَّزونَ إلَّا لِدينِ الله، من الكاذبينَ الذين يزعُمونَ الإيمانَ، وهم يتَّخِذونَ الولائِجَ والأولياءَ مِن دونِ الله ورَسولِه والمُؤمِنينَ؛ قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [217] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:331). ، كذلك جَرَت سنَّةُ اللهِ تعالى بالابتلاءِ؛ لينكشِفَ الخَبيءُ، وتتمَيَّزَ الصفوفُ، وتتمَحَّصَ القلوبُ، ولا يكون ذلك كما يكونُ بالشَّدائِدِ والتَّكاليفِ والمِحَن والابتلاءاتِ 
5- قال الله تعالى: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً، ولا وَليجةَ أعظَمُ ممَّن جعَلَ رَجُلًا بِعَينِه مُختارًا على كلامِ اللهِ، وكَلامِ رَسولِه، وكلامِ سائِرِ الأمَّةِ، يُقَدِّمُه على ذلك كُلِّه، ويَعْرِضُ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسولِه وإجماعَ الأمَّةِ على قَولِه، فما وافَقَه منها قَبِلَه؛ لِمُوافَقتِه لِقَولِه، وما خالَفَه منها تلطَّفَ في ردِّه، وتطَلَّبَ له وُجوهَ الحِيَلِ، فإن لم تكُنْ هذه وليجةً، فلا نَدرِي ما الوليجةُ [219] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (2/130). ؟!
6- يجِبُ على الإنسانِ أن يُبالغَ في أمرِ النيَّةِ ورعايةِ القَلبِ؛ قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أي: عالِمٌ بنيَّاتِهم وأغراضِهم، مُطَّلِعٌ عليها لا يخفى عليه منها شيءٌ [220] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/8). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ يدُلُّ على أنَّ قِتالَ النَّاكثينَ أَوْلى مِن قِتالِ غَيرِهم من الكُفَّارِ؛ لِيكونَ ذلك زَجرًا لِغَيرِهم [221] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/535) .
2- مُؤاخَذتُهم على مُجَرَّدِ الهَمِّ بإخراجِ الرَّسولِ في قَولِ الله تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ تدُلُّ على أنَّهم لم يُخرِجوه، وإلَّا لكان الأجدَرُ أن يَنعَى عليهم الإخراجَ لا الهَمَّ به [222] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/133). ، وهذا على أحدِ أوجهِ التفسيرِ للآيةِ.
3- قَولُ الله تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  إنَّما قال: بَدَءُوكُمْ تنبيهًا على أنَّ البادِئَ أظلمُ [223] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/535). .
4- إن قيل: أليسَ قال اللهُ تعالى في سورةِ الأنفالِ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] فكيف قال تعالى هنا: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن قَولِه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ عذابُ الاستئصالِ، والمرادُ مِن قَولِه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ عذابُ القَتلِ والحَربِ. والفَرقُ بين البابَينِ أنَّ عَذابَ الاستئصالِ قد يتعَدَّى إلى غيرِ المُذنِبِ، وإن كان في حَقِّه سببًا لِمَزيدِ الثَّوابِ، أمَّا عذابُ القَتلِ فالظَّاهِرُ أنَّه يَبقَى مقصورًا على المُذنِبِ [224] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/5). .
5- في قوله تعالى: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ إثباتُ تأثيرِ الأسبابِ؛ حيث بيَّن اللهُ تعالى أنَّه هو المُعَذِّبُ؛ وأنَّ أيديَنا أسبابٌ وآلاتٌ وأوساطٌ وأدواتٌ في وصولِ العَذابِ إلى المُشرِكينَ هؤلاء [225] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/390). .
6- قَولُ الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ فيه دليلٌ على أنَّ شِفاءَ الصُّدورِ مِن ألَمِ النَّكثِ والطَّعنِ، وذَهابَ الغَيظِ الحاصِلِ في صدورِ المُؤمِنينَ مِن ذلك؛ أمرٌ مَقصودٌ للشَّارِعِ، مطلوبُ الحُصولِ، وأنَّ ذلك يحصُلُ إذا جاهَدُوا [226] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 19، 20) . ، فدلَّ على مَحبَّةِ اللهِ لعبادِه المُؤمِنينَ، واعتنائِه بأحوالِهم، حتى إنَّه جعَلَ مِن جُملةِ المقاصِدِ الشَّرعيَّةِ شِفاءَ ما في صُدورِهم، وذَهابَ غَيظِهم [227] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:331). .
7- قَولُ الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ دالٌّ على المُعجِزة؛ لأنَّه تعالى أخبَرَ عن حصولِ هذه الأحوالِ، وقد وقَعَت مُوافِقةً لهذه الأخبارِ، فيكونُ ذلك إخبارًا عن الغَيبِ، والإخبارُ عن الغَيبِ مُعجِزٌ [228] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/6). .
8- قَولُ الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يدلُّ على كَونِ الصَّحابةِ مُؤمِنينَ في عِلمِ الله تعالى إيمانًا حَقيقيًّا؛ لأنَّها تدُلُّ على أنَّ قُلوبَهم كانت مملوءةً من الغَضَبِ ومن الحمِيَّةِ؛ لأجلِ الدِّينِ، ومن الرَّغبةِ الشَّديدةِ في عُلُوِّ دِينِ الإسلامِ، وهذه الأحوالُ لا تحصُلُ إلَّا في قلوبِ المُؤمِنينَ [229] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/6). .
9- ذكَرَ الله تعالى ما تسبَّبَ عن النَّصرِ مِن شفاءِ صُدورِ المُؤمِنينَ، وإذهابِ غَيظِهم في قَولِه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ؛ تتميمًا للنِّعَم، فذكَرَ ما تسبَّبَ عن النَّصرِ بالنِّسبةِ للكُفَّارِ، وذكَرَ ما تسبَّبَ للمُسلمينَ مِن الفَرَحِ والسُّرورِ بإدراكِ الثَّأرِ، ولم يذكُرْ ما نالوه من المغانِمِ والمطاعِمِ؛ إذ العَرَبُ قَومٌ جُبِلوا على الحميَّةِ والأنَفةِ، فرَغْبَتُهم في إدراكِ الثَّأرِ وقَتلِ الأعداءِ هي اللَّائقةُ بِطِباعِهم [230] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/383). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
- قولُه: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ دخَلتِ الهَمزةُ على (لا تُقاتِلُونَ) تَقريرًا بانْتِفاءِ المُقاتَلةِ، ومعناه: الحَضُّ عليها على سَبيلِ المُبالَغةِ [231] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/252)، ((تفسير أبي حيان)) (5/381). وقال ابنُ عاشور: (ولفظُ (ألَا) يَحتمِل أنْ يكون مجموعَ حَرْفَينِ؛ هما: همزة الاستفهام، و(لا) النافية، ويَحتمِل أن يكون حرفًا واحدًا للتحضيضِ؛ فعلى الاحتمالِ الأوَّل يجوزُ أن يكون الاستفهامُ إنكاريًّا، على انتفاءِ مُقاتلة المشركين في المستقبل... فيكون دفعًا لأنْ يَتوهَّمَ المسلِمون حُرمةً لتلك العهود. ويجوز أن يكون الاستفهامُ تقريريًّا...؛ تقريرًا على النَّفي تنزيلًا لهم منزلةَ من ترَك القتال؛ فاستوجب طلبَ إقرارِه بتَرْكِه... وعلى الاحتمالِ الثاني أنْ يكون (ألَا) حرفًا واحدًا للتحضيض، فهو تحضيضٌ على القتال، وجَعَل في «المغني» هذه الآية مثالًا لهذا الاستعمالِ على طريقة المبالغةِ في التحذير). ((تفسير ابن عاشور)) (10/132) باختصار. .
- قولُهُ: أَتَخْشَوْنَهُمْ اسْتِفهامٌ على مَعْنى التَّقريرِ والتَّوبيخِ؛ فهو تَقريرٌ للخَشيةِ منهم، وتَوبيخٌ عليها [232] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/252)، ((تفسير ابن عطية)) (3/13)، ((تفسير أبي حيان)) (5/382). .
2- قَولُه تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
- قولُه: قَاتِلُوهُمْ تجريدٌ للأمرِ بالقِتالِ بعدَ التَّوبيخِ على ترْكِهِ، ووَعْدٌ بنَصْرِهم، وبتَعذيبِ أعدائِهم وإخزائهم، وتَشجيعٌ لهم [233] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/49). .
3- قولُه تعالى: وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
- قولُه: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ كلامٌ مُستأنَفٌ يُنبِئُ عمَّا سيكونُ من بعضِ أَهْلِ مَكَّةَ، من التَّوبةِ المقبولةِ بحسَبِ مَشيئتِه تعالى المَبنيَّةِ على الحِكَمِ البالِغةِ [234] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/49). .
- قال تعالى هنا: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وقال فيما بعد: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 27] فاستَوَتِ الآيتانِ في إعلامِه تعالى نبيَّه والمُؤمِنينَ أنَّه يتوبُ على من يشاءُ، وفى خَتْمِ الآيتينِ بِصِفَتينِ مِن صِفاتِه سُبحانه، ثم اختلفَتِ الصِّفَتانِ، فقيل في الأولى: عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وفى الثَّانية: غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ وذلك لِمُناسَبةٍ حَسَنةٍ: أنَّ الآيةَ الأُولى أُعقِبَ بها ما تقَدَّمَها مُتَّصِلًا بها مِن الآيِ في كُفَّارِ مَكَّةَ، وفِعْلِهم مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه؛ مِن التَّضييقِ والإخراجِ، وبَدْئِهم بالقتالِ يومَ بَدرٍ، ونَقضِهم العهدَ في قصَّةِ خُزاعةَ في صُلحِ الحُديبِيَةِ، فأمَرَ اللهُ تعالى بقِتالِهم وخِزْيِهم، والنَّصرِ عليهم، وشفاءِ صُدورِ مَن آمنَ مِن خُزاعةَ وغَيرِهم ممَّن آذَوْه، فقال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ثمَّ قال تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ثمَّ قال وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، أي: بما في القِتالِ، وفي طَيِّ ما جرى من ذلك كلِّه بِتَقديرِه السَّابِقِ أوَّلًا؛ إذ لا تتحَرَّكُ ذرَّةٌ إلَّا بإذنِه وتقَدُّمِ عِلْمِه أَوَّلًا، وما في ذلك من الحكمةِ، وخَتَم أفعالَهم السيِّئةَ بالأوبةِ والرُّجوعِ إليه سبحانَه بِسابِقِ سَعادةٍ لِمَن شاهَدَها له منهم؛ فهذا وَجهُ النَّظمِ، والتَّناسُبُ فيه واضِحٌ.
وأمَّا الآيةُ الثَّانيةُ فسَبَبُها- والله أعلَمُ- ما جرى يومَ حُنَينٍ مِن تولِّي النَّاسِ مُدبِرينَ، حين ابتُلُوا بإعجابِهم بكَثرتِهم، فلم تُغنِ عنهم شيئًا، ولم يثبُتْ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك اليومِ أحَدٌ؛ إذ لم يَبرَحْ عليه السَّلامُ مِن مكانِه، فلم يثبُتْ معه إلَّا القَليلُ مِن العَدَدِ القليلِ، فنادى العباسُ رضي الله عنه بآلِ الأنصارِ فاستجابَ ناسٌ، وأنزَلَ اللهُ سَكينتَه على رسولِه وعلى المُؤمِنينَ، ومكَّنَ نبيَّه والمُسلِمينَ من أعدائِهم، فخُتِمَت هذه الآيُ بِقَولِه تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ تأنيسًا لِمَن فَرَّ مِن المسلمينَ في ذلك اليومِ، وبِشارةً لهم بتوبةِ اللهِ عليهم، وأنَّ ما وقع منهم من الفِرارِ مَغفورٌ لهم؛ رحمةً مِن اللهِ سبحانه، فجاء كلُّ هذا على ما يناسِبُ، ولا يُلائِمُ خِلافُه [235] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/226-227).
- قولُه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذييلٌ؛ لإفادةِ أنَّ الله يُعامِلُ النَّاسَ بما يَعْلمُ مِن نيَّاتِهم، وأنَّه حَكيمٌ لا يأمُرُ إلَّا بما فيه تَحقيقُ الحِكْمةِ؛ فوَجَبَ على النَّاسِ امْتِثالُ أوامِرِه، وأنَّه يَقْبلُ تَوبةَ مَن تاب إليه؛ تَكثيرًا للصَّلاحِ [236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/137). .
4- قَولُه تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
- قولُه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (أَمْ) مُنْقَطِعةٌ؛ لإفادةِ الإضرابِ عن غَرضٍ من الكلامِ للانْتِقال إلى غَرَضٍ آخَرَ، والكلامُ بَعْدَ (أَمْ) المُنْقطِعةِ له حُكْمُ الاسْتِفهامِ دائمًا؛ فقولُه: حَسِبْتُمْ في قوَّةِ (أَحَسِبْتُمْ)، والاسْتِفهامُ المُقدَّرُ إنكاريٌّ [237] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/137). .
- وتَنكيرُ وَلِيجَةً في سِياقِ النَّفْيِ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً يَعُمُّ سائرَ أفرادِها [238] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/139). .
- وجملةُ: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ تَذييلٌ؛ لإنكارِ ذلك الحُسبانِ، أي: لا تَحسبوا ذلك مع عِلمِكم بأنَّ اللهَ خَبيرٌ بكلِّ ما تَعملونَه [239] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/139). .