موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (17-19)

ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ

غريب الكلمات:


سِقَايَةَ الْحَاجِّ: أي: سَقْيَ الحَجيجِ، و(سقاية) مصدرٌ مِن (سقى)، وأصلُ (سقي): إشرابُ الشيءِ الماءَ، وما أشبهَه [240] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/85)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 135)، ((تفسير القرطبي)) (8/91)، ((تفسير الشربيني)) (1/679). .
وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ: أي: القِيامَ بِمَصالِحِه ومُعاهَدتَه. والعِمارةُ: نَقيضُ الخَرابِ، و(عمارة) مصدرُ (عمَر)، وأصلُ (عمر): يدلُّ على بقاءٍ، وامتدادِ زمانٍ [241] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/377)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/140)، ((المفردات)) للراغب (ص: 586)، ((تفسير القرطبي)) (8/91). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ تعالى أنَّه لا ينبغي للمُشرِكينَ أن يَعمُرُوا مساجِدَ الله ببنائِها أو التعبُّدِ فيها، والحالُ أنَّهم شاهِدونَ على أنفُسِهم بالكُفرِ، أولئك بطَلَت أعمالُهم، وهم في نارِ جهنَّمَ، ماكثونَ فيها على الدَّوامِ.
وأخبَرَ تعالى أنَّ مساجِدَ اللهِ يعمُرُها مَن آمَنَ باللهِ وبالبَعثِ والقيامةِ، وأقام الصَّلاةَ المكتوبةَ بِحُدودِها، وأدَّى الزَّكاةَ المَفروضةَ إلى مُستحِقِّيها، ولم يخَفْ إلَّا اللهَ تعالى، فعسَى أولئك أن يكونُوا من المُهتَدينَ.
ثم يقولُ تعالى: أجعَلْتُم- أيُّها النَّاسُ- أصحابَ سِقايةِ الحجيجِ وعِمارةِ المَسجِدِ الحرامِ، كمَن آمَنَ باللهِ وباليومِ الآخِرِ، وجاهدَ في سبيلِ الله، بل لا يَستوونَ عندَ اللهِ، واللهُ لا يهدي القَومَ الظَّالِمينَ.

تفسير الآيات:


مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه تعالى بدأ السُّورةَ بذِكرِ البراءةِ من الكُفَّارِ، وبالَغَ في إيجابِ ذلك، وذكرَ مِن أنواعِ فضائِحِهم وقبائِحِهم ما يُوجِبُ تلك البراءةَ، ثمَّ إنَّه تعالى حكى عنهم شُبَهًا احتجُّوا بها في أنَّ هذه البراءةَ غيرُ جائزةٍ، وأنَّه يجِبُ أن تكونَ المُخالَطةُ والمُناصَرةُ حاصلةً؛ فأوَّلُها ما ذكَرَه في هذه الآيةِ، وذلك أنَّهم موصوفونَ بصِفاتٍ حَميدةٍ وخِصالٍ مَرضِيَّةٍ، وهي تُوجِبُ مُخالَطتَهم ومُعاوَنتَهم ومُناصَرتَهم، ومن جملةِ تلك الصِّفاتِ كَونُهم عامرينَ للمَسجِدِ الحَرامِ [242] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/8)، ((تفسير أبي حيان)) (5/385). .
وأيضًا لَمَّا حَذَّرَهم اللهُ تعالى منِ اتِّخاذِ وليجةٍ مِن دُونِه، شرَعَ يُبَيِّنُ أنَّ الوليجةَ التي يتَّخِذُها بعضُهم لا تصلُحُ للعاطفةِ بما اتَّصَفَت به من محاسِنِ الأعمالِ، ما لم تُوضَعْ تلك المحاسِنُ على الأساسِ الذي هو الإيمانُ الـمُبَينُ بدَلائِلِه، فقال سائقًا له مَساقَ جَوابِ قائلٍ قال: إنَّ فيهم مِن أفعالِ الخَيرِ ما يدعو إلى الكَفِّ عنهم؛ من عمارةِ المسجِدِ الحرامِ وخِدمَتِه وتَعظيمِه [243] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/400). .
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.
أي: ما ينبغي للمُشركينَ أن يَعمُروا مساجِدَ اللهِ ببِنائِها وتزيينِها، والعبادةِ فيها، والحالُ أنَّهم شاهِدونَ على أنفُسِهم بالكُفرِ [244] قال الرازي: (أقرُّوا على أنفُسِهم بعبادةِ الأوثانِ وتكذيبِ القُرآنِ، وإنكارِ نُبوَّةِ مُحمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكلُّ ذلك كُفرٌ، فمَن يَشهَدْ على نَفسِه بكُلِّ هذه الأشياءِ، فقد شَهِدَ على نَفسِه بما هو كُفرٌ في نفسِ الأمرِ، وليس المرادُ أنَّهم شَهِدُوا على أنفُسِهم بأنَّهم كافِرونَ). ((تفسير الرازي)) (16/9). وقال ابنُ كثير: (وهم شاهدونَ على أنفسِهم بالكفرِ، أي: بحالِهم وقالِهم، كما قال السُّديُّ: لو سألتَ النصرانيَّ: ما دينُك؟ لقال: نصرانيٌّ، واليهوديَّ: ما دينُك؟ لقال: يهوديٌّ، والصابئَ، لقال: صابئيٌّ، والمشركَ، لقال: مشركٌ). ((تفسير ابن كثير)) (4/119). وقال ابنُ عاشور: (وشَهادَتُهم على أنفُسِهم بالكُفرِ حاصِلةٌ في كثيرٍ مِن أقوالِهم وأعمالِهم؛ بحيث لا يستطيعونَ إنكارَ ذلك، مثل قَولِهم في التَّلبيةِ: «لبَّيكَ لا شريكَ لك، إلَّا شريكًا هو لك، تَملِكُه وما مَلَك»، ومثل سُجُودِهم للأصنامِ، وطوافِهم بها، ووضْعِهم إيَّاها في جَوفِ الكَعبةِ وحَولَها وعلى سَطْحِها). ((تفسير ابن عاشور)) (10/140). ؛ بما يأتُونَه من أقوالٍ وأفعالٍ كُفريَّةٍ، يُقِرُّونَ بها، ولا يُمكِنُهم إنكارُها [245] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/374)، ((البسيط)) للواحدي (10/328، 329)، ((تفسير ابن عطية)) (3/15)، ((تفسير الرازي)) (16/9)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/485)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/422)، ((تفسير ابن كثير)) (4/119)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/326، 327). وممَّن ذهب إلى أنَّ المرادَ بِعِمارةِ المساجِدِ هنا: العبادةُ: ابنُ جرير، وابنُ تيميَّة، والسعدي، وابنُ عاشورٍ. إلَّا أنَّ ابنَ عاشورٍ يرى أنَّ المرادَ بـمَسَاجِدَ اللهِ: مواضِعُ عبادتِه، والمعنيُّ بذلك: المسجِدُ الحرامُ وما يَتْبَعُه من المَسعَى وعَرَفةَ، والمشعَرِ الحرامِ والجَمَرات، والمَنْحَرِ من مِنًى. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/374)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/499)، ((تفسير السعدي)) (ص: 331)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/139-140). قال ابنُ رجبٍ: (عِمارةُ المساجِدِ تكونُ بِمَعنيينِ: أحدُهما: عِمارَتُها الحسيَّةُ؛ ببنائِها وإصلاحِها وترميمِها، وما أشبَهَ ذلك. والثاني: عِمارتُها المعنويَّةُ؛ بالصَّلاةِ فيها، وذِكرِ اللهِ وتلاوةِ كِتابِه، ونَشْرِ العِلمِ الذي أنزَلَه على رسولِه، ونحوِ ذلك. وقد فُسِّرَت الآيةُ بكُلِّ واحدٍ مِن المعنيَينِ، وفُسِّرَت بهما جميعًا، والمعنى الثَّاني أخصُّ بها... واتَّفقوا على مَنْعِ الكُفَّارِ مِن إظهارِ دِينِهم في مساجِدِ المسلمينَ، لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا. وهذا ممَّا يدُلُّ على اتِّفاقِ النَّاسِ على أنَّ العِمارةَ المَعنويَّةَ مُرادةٌ مِن الآيةِ). ((فتح الباري)) (2/481-483). وقال الواحديُّ: (أكثرُ المفسِّرين حملوا العمارةَ ههنا على دخولِ المسجدِ الحرامِ والقعودِ فيه). ((البسيط)) (10/32 8). وقال الرازي: (عمارةُ المساجدِ قسمان: إمَّا بلزومِها، وكثرةِ إتيانِها يُقال: فلانٌ يعمرُ مجلسَ فلانٍ، إذا كثُر غشيانُه إيَّاه، وإمَّا بالعمارةِ المعروفةِ في البناءِ). ((تفسير الرازي)) (16/9). وممن رجَّح أنَّ المرادَ بها: بناءُ المساجِدِ وتَرميمُها وتزيينُها: الشنقيطي. يُنظر: ((العذب النمير)) (5/327-328). .
أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ.
أي: أولئك المُشرِكونَ قد بَطَلَت أعمالُهم- ومنها عِمارةُ البَيتِ الحَرامِ- فلا يُؤجَرونَ عليها في الآخرةِ؛ بِسَبَبِ شِرْكِهم [246] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/375)، ((تفسير ابن كثير)) (4/119)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/328). .
كما قال سُبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15-16].
وقال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23].
وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ.
أي: وأولئك المُشرِكونَ في نارِ جهنَّمَ، ماكِثونَ فيها على الدَّوامِ [247] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/375)، ((تفسير السمعاني)) (2/294)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/329). .
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى عدَمَ استحقاقِ المُشرِكينَ لِعِمارةِ مَساجِدِ اللهِ، أثبَتَها للمُسلِمينَ الكامِلينَ، وجَعَلَها مقصورةً عليهم بالفِعلِ لا بمجَرَّدِ الشَّأنِ والاستحقاقِ [248] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/189). ، فقال تعالى:
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
أي: ما يَعمُرُ مَساجِدَ اللهِ حقًّا- بقَصْدِها وعبادةِ اللهِ تعالى وذِكْرِه فيها، وببنائِها وتَرميمِها والعنايةِ بها [249] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/254). قال ابنُ كثيرٍ: (ليس المرادُ مِن عِمارَتِها زَخْرَفتَها وإقامةَ صُورَتِها فقط، إنَّما عِمارَتُها بذِكرِ اللهِ فيها، وإقامةِ شَرْعِه فيها، ورَفْعِها عن الدَّنَسِ والشِّركِ). ((تفسير ابن كثير)) (1/388). - إلَّا المُؤمِنُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وبالبَعْثِ والقيامةِ [250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/376)، ((البسيط)) للواحدي (10/333)، ((تفسير ابن عطية)) (3/15)، ((تفسير القرطبي)) (8/90)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (26/262)، ((تفسير ابن كثير)) (4/119)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/331). .
كما قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: 36-37].
وقال عزَّ وجلَّ: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18].
وقال سُبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: 114].
وعن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ الله عنه، قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ((مَن بنى مَسجِدًا يبتغي به وَجهَ اللهِ، بنى اللهُ له مِثلَه في الجنَّةِ )) [251] رواه البخاري (450)، ومسلم (533). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه)) وذَكَرَ منهم: ((ورجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المسجِدِ )) [252] رواه البخاري (6806) واللفظ له، ومسلم (1031). .
وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ.
أي: وأقام الصَّلاةَ المَكتوبةَ بِحُدودِها، وأدَّى الزَّكاةَ الواجبةَ عليه في مالِه إلى مُستحِقِّيها، ولم يَخَفْ إلَّا اللهَ تعالى وَحْدَه، فلم يترُكْ أمرَ اللهِ ونَهْيَه؛ لِخَشيةِ غَيرِه [253] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/376)، ((تفسير البغوي)) (2/323)، ((تفسير ابن كثير)) (4/121). قال الواحدي: (قولُه تعالى: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ قال الزجَّاجُ: تأويلُه: لم يَخَفْ في بابِ الدِّينِ إلَّا اللهَ جَلَّ وعزَّ، وقال أهل المعاني: يعني: لا يترُكُ هذه العباداتِ لِخَشيةِ أحدٍ، ولكنْ يخشى اللهَ فيُقيمُ ذلك، والخَشيةُ مِن غَيرِ اللهِ المنهيُّ عنها: أن يترُكَ أمْرَ اللهِ لِخَشيةِ غَيرِه، فأمَّا أن يخشى النَّاسَ خَشيةً لا تؤدِّيه إلى تَرْكِ أمرِ اللهِ، فليس بمنهيٍّ عنه). ((البسيط)) (10/334). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/90). وقال أبو حيان: (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ قال ابنُ عطيةَ: يُريدُ خشيةَ التَّعظيمِ والعبادةِ والطَّاعةِ، ولا محالةَ أنَّ الإنسانَ يخشى غَيرَه، ويخشى المحاذيرَ الدُّنيويَّةَ، وينبغي أن يَخشَى في ذلك كلِّه قَضاءَ اللهِ وتَصريفَه. وقال الزَّمخشري: هي الخشيةُ والتقوى في أبوابِ الدِّينِ، وألَّا يختارَ على رِضا اللهِ رِضا غيرِه، وإذا اعتَرَضه أمرانِ أحدُهما حَقُّ الله تعالى، والآخَرُ حَقُّ نَفسِه؛ خاف اللهَ، وآثَرَ حَقَّ اللهِ على حقِّ نَفسِه. وقيل: كانوا يَخشَونَ الأصنامَ ويَرجُونَها، فأُريدَ نفيُ تلك الخشيةِ عنهم). ((تفسير أبي حيان)) (5/387). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/255)، ((تفسير ابن عطية)) (3/16). .
فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
أي: فعُمَّارُ المَساجِدِ المُؤمِنونَ بالله وباليومِ الآخِرِ، المقيمونَ الصَّلاةَ والمؤتونَ الزكاةَ، الذين يَخشَونَ اللهَ تعالى وَحدَه، هم مِن الذينَ هداهم اللهُ للتمَسُّك بالحَقِّ الـمُوصِلِ إلى الجنَّةِ [254] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/376)، ((البسيط)) للواحدي (10/335)، ((تفسير البغوي)) (2/324)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/332). جماهيرُ العُلَماءِ يقولون: «عسى» مِن اللهِ واجِبةٌ؛ لأنَّ اللهَ كريمٌ لا يُطمِعُ في شيءٍ إلَّا هو فاعِلُه؛ لِشِدَّةِ كَرَمِه- جَلَّ وعلا- وفَضْلِه. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/332). قال الواحدي: (وعسى مِن اللهِ واجبةٌ، ولكِنْ ذُكِرَ بِلَفظِ عسى؛ ليكونُوا على رجاءٍ وطَمَعٍ وحَذَرٍ). ((البسيط)) (10/335). وقيل: هي بمعنى خَليقٌ، أي: فخليقٌ أن يكونُوا من المُهتَدينَ، وقيل: إنَّ الرَّجاءَ راجِعٌ إلى العِبادِ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/393). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (2/255)، ((تفسير الرازي)) (16/11). .
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا وقَعَ الكلامُ على أنَّ المُؤمِنينَ هم الأحِقَّاءُ بعِمارةِ المَسجِدِ الحرامِ مِن المُشرِكينَ؛ دلَّ ذلك الكلامُ على أنَّ المَسجِدَ الحَرامَ لا يحِقُّ لِغَيرِ المُسلِمِ أن يُباشِرَ فيه عملًا مِن الأعمالِ الخاصَّةِ به، فكان ذلك مَثارَ ظَنٍّ بأنَّ القِيامَ بِشَعائِرِ المسجِدِ الحرامِ مُساوٍ للقيامِ بأفضَلِ أعمالِ الإسلامِ [255] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/143). .
  أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ .
أي: أجَعَلْتُم [256] قال الشِّنقيطي: (الظَّاهِرُ أنَّ (جَعَلَ) هنا هي التي بمعنى (اعتقَدَ)، وأنَّه أنكَرَ عليهم اعتِقادَهم تساوِيَ هذَينِ الأمرينِ، وهما بعيدٌ مِن المُساواة، بينهما بَونٌ عَظيمٌ، وبَونٌ شاسِعٌ. وكان بعضُهم يقولُ: لا يبعُدُ أن تكونَ هي التي بمعنى (صيَّر) أي: صيَّرتُم هذا كهذا، وادَّعَيتُم أنَّه مِثلُه). ((العذب النمير)) (5/337). - أيُّها النَّاسُ- أصحابَ [257] قال الشنقيطي: (كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ لا بُدَّ أن يُقَدَّرَ مُضافٌ في أحدِ الأمرَينِ. قال بَعضُ العُلماءِ: يُقَدَّرُ في الأوَّلِ، والمعنى: أجعَلْتُم أصحابَ سِقايةِ الحاجِّ، أو أهلَ سِقايةِ الحاجِّ وعِمارةِ المَسجِدِ الحرامِ كمَن آمَنَ، أي: كالذينَ آمنوا بالله؟ وقال بعضُ العُلَماءِ: يُقدَّرُ المضافُ في الثَّاني: أي: أجعلْتُم سقايةَ الحاجِّ وعِمارةَ المسجِدِ كعَمَلِ مَن آمَنَ باللهِ. والأمرانِ جائزانِ، وأظهَرُهما: تقديرُه في الأوَّلِ، والمعنى: أجعَلْتُم أهلَ سِقايةِ الحاجِّ وأصحابَ عِمارةِ المسجِدِ كالذين آمَنوا بالله، لا يَكونونَ مِثلَهم أبدًا). ((العذب النمير)) (5/341). سَقْيِ الحَجيجِ وعمارةِ المَسجِدِ الحرامِ [258] قال ابنُ عاشور: (السِّقايةُ: صِيغةٌ للصِّناعة، أي: صناعة السَّقيِ، وهي السَّقيُ مِن ماءِ زَمزم، ولذلك أُضيفَت السِّقايةُ إلى الحاجِّ. وكذلك العمارةُ صِناعةُ التَّعميرِ، أي: القيام على تعميرِ شَيءٍ بالإصلاحِ والحراسةِ ونحو ذلك... وأضيفَتْ إلى المسجِدِ الحرامِ؛ لأنَّها عمَلٌ في ذاتِ المَسجِدِ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/143). المُشركينَ، كالمؤمنينَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، والمجاهدينَ في سبيلِ اللهِ [259] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/381)، ((البسيط)) للواحدي (10/336، 337)، ((تفسير القرطبي)) (8/91)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/337، 341). قال ابن جرير: (هذا توبيخٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه لِقَومٍ افتخَروا بالسِّقايةِ وسِدانةِ البَيتِ، فأعلَمَهم جلَّ ثَناؤُه أنَّ الفَخرَ في الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ والجهادِ في سبيلِه، لا في الذي افتَخَروا به من السِّدانةِ والسِّقايةِ). ((تفسير ابن جرير)) (11/377). ؟!
عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((كنتُ عند مِنبَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رجلٌ: ما أُبالي ألَّا أعمَلَ عَمَلًا بعد الإسلامِ إلَّا أنْ أسقِيَ الحاجَّ، وقال آخَرُ: ما أُبالي ألَّا أعمَلَ عَمَلًا بعد الإسلامِ إلَّا أن أعمُرَ المَسجِدَ الحَرامَ، وقال آخَرُ: الجِهادُ في سبيلِ اللهِ أفضَلُ ممَّا قُلتُم، فزَجَرَهم عُمَرُ، وقال: لا تَرفَعوا أصواتَكم عند مِنبَرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَومُ الجُمُعةِ، ولكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعةَ دخَلْتُ فاستفتَيْتُه فيما اختلَفْتُم فيه، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية إلى آخِرِها )) [260] رواه مسلم (1879). قال القرطبي: (هذا المَساقُ يقتضي أنَّها إنَّما نزَلَت عند اختلافِ المُسلِمينَ في الأفضَلِ مِن هذه الأعمالِ. وحينئذٍ لا يَليقُ أن يُقالَ لهم في آخِرِ الآيةِ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فتعيَّنَ الإشكالُ. وإزالَتُه بأن يُقالَ: إنَّ بعضَ الرُّواةِ تَسامَحَ في قَولِه: (فأنزَلَ اللهُ الآيةَ). وإنَّما قرأ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الآيةَ على عُمَرَ حينَ سألَه، فظَنَّ الرَّاوي أنَّها نزَلَت حينئذٍ. واستدَلَّ بها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّ الجهادَ أفضَلُ ممَّا قال أولئك الذين سَمِعَهم عُمرُ، فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أُنزِلَ عليه، لا أنَّها نزَلَت في هؤلاءِ. والله أعلم). ((تفسير القرطبي)) (8/92)، ويُنظر: ((تفسير القاسمي)) (5/365). وقال الشنقيطي عن كلامِ القرطبيِّ: (وكلامُه فيه أجوَدُ ما وقفْتُ عليه في إزالةِ إشكالِه). ((العذب النمير)) (5/336-337). وقال القاسمي: (قولُ النعمانِ (فأنزل الله) بمعنى أنَّ مثلَ هذا التحاورِ نزَل فيه فيصلٌ متقدِّمٌ، وهو هذه الآيةُ، لا بمعنى أنَّه كان سببًا لنزولِها... وهذا الاستعمالُ شائعٌ بينَ السلفِ، ومن لم يتفطَّنْ له تتناقض عندَه الرواياتُ، ويحار في المخرجِ، فافهمْ ذلك وتفطَّنْ له) ((تفسير القاسمي)) (5/365). .
لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ.
أي: لا يجعَلُ اللهُ سُقاةَ الحاجِّ وعُمَّارَ المسجِدِ الحرامِ مِن الكُفَّارِ، في منزلةِ المُؤمِنينَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، والمُجاهِدينَ في سبيلِ الله [261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/381)، ((تفسير الشوكاني)) (2/393)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332). .
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21].
وقال سبحانه: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35-36].
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا نفى اللهُ عزَّ وجلَّ المُساواةَ بين الفَريقينِ، أوضَحَ مَن الراجِحُ مِنهما، ولَمَّا أثبَتَ الهِدايةَ للمُؤمِنينَ بِقَولِه: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، نفاها عن المُشرِكينَ فقال [262] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/388). :
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
أي: واللهُ لا يوفِّقُ للتَّوبةِ، ولِفِعلِ الأعمالِ الصَّالحةِ، الكُفَّارَ والمُشرِكينَ، ومنهم أهلُ سِقايةِ الحاجِّ وعِمارةِ المَسجِدِ الحرامِ، مِن المُشرِكينَ الذين ظَلَموا بمُساواةِ أعمالِهم هذه بالإيمانِ باللهِ وباليومِ الآخِرِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ، فوَضَعوا الأشياءَ في غيرِ مواضِعِها [263] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/381)، ((تفسير أبي حيان)) (5/388)، ((تفسير أبي السعود)) (4/52)، ((تفسير الشوكاني)) (2/394)، ((تفسير السعدي)) (ص: 332)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/342). .
كما قال تعالى: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: 27].
وقال سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ في ضِمنِ هذا الخبَرِ أمرُ المؤمنينَ بعِمارةِ المَساجِدِ، ويتناوَلُ عِمارَتُها رَمَّ ما تهدَّمَ منها، وتنظيفَها، وتنويرَها، وتعظيمَها، واعتيادَها للعِبادةِ والذِّكرِ- ومِن الذِّكرِ دَرسُ العِلمِ، بل هو أجَلُّه- وصَونَها عمَّا لم تُبْنَ له [264] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/387). .
2- عُمَّارُ المَساجِدِ على الحقيقةِ، وأهلُها الذينَ هم أهلُها؛ موصوفونَ بالإيمانِ النَّافِعِ، وبالقيامِ بالأعمالِ الصَّالحةِ التي أمُّها الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وبخشيةِ الله التي هي أصلُ كُلِّ خَيرٍ؛ يُبيِّنُ ذلك قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [265] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:331). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فيه أنَّ أولئك الجامعينَ لهذه الخَمسِ مِن أركانِ الإيمانِ والإسلامِ- التي يلزَمُها سائِرُ أركانِها- هم الذين يرجُونَ بحَقٍّ، أو يُرجَى لهم بحسَبِ سُنَنِ اللهِ في أعمالِ البشَرِ، وتأثيرِها في إصلاحِهم؛ أن يكونوا من جماعةِ المُهتَدينَ إلى ما يُحِبُّ اللهُ ويرضى مِن عمارةِ مَساجِدِه حِسًّا ومعنًى، واستحقاقِ الجَزاءِ عليها بالجنَّةِ خالدين فيها، دونَ غَيرِهم من المُشرِكينَ الجامِعينَ لأضدادِها [266] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/190). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (عسى) مِن اللهِ تعالى: واجِبةٌ حيثما وقعَتْ في القُرآنِ، وفي ذلك قَطعُ أطماعِ المُشرِكينَ أن يكونوا مُهتَدينَ؛ إذ مَن جمَعَ هذه الخِصالَ جُعِلَ حالُه حالَ مَن تُرجَى له الهدايةُ، فكيف بمن هو عارٍ منها، وفي ذلك ترجيحُ الخَشيةِ على الرَّجاءِ، ورَفْضُ الاغترارِ بالأعمالِ الصَّالحةِ، فربَّما دخَلَها بعضُ المُفسِداتِ وصاحِبُها لا يشعُرُ بها [267] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/387). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ الكافِرَ ممنوعٌ مِن عمارةِ مَسجِدٍ مِن مساجِدِ المُسلمينَ، ولو أوصى بها لم تُقبَلْ وصيَّتُه، ويُمنَعُ عن دخولِ المَساجِدِ [268] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/332). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ يدلُّ على أنَّ عَمَلَ الكافِرِ مُحبَطٌ لا ثوابَ فيه [269] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:139). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ احتُجَّ بهذه الآيةِ على أنَّ الفاسِقَ مِن أهلِ الصَّلاةِ لا يبقى مُخلَّدًا في النَّارِ مِن وَجهَينِ: أنَّ قَولَه: وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ يُفيدُ الحَصرَ، أي: هم فيها خالِدونَ لا غيرُهم، ولَمَّا كان هذا الكلامُ واردًا في حَقِّ الكُفَّارِ، ثبت أنَّ الخُلودَ لا يحصُلُ إلَّا للكافِرِ. والثاني: أنَّه تعالى جعَلَ الخُلودَ في النَّارِ جَزاءً للكُفَّارِ على كُفرِهم،  فلو كان هذا الحُكمُ جَزاءً لِغَيرِ الكافِرِ، لَمَا صَحَّ تهديدُ الكافِرِ به [270] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/10)، ((تفسير الشربيني)) (1/595). .
4- قَولُه تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ دليلٌ على أنَّ الشَّهادةَ لعُمَّارِ المساجِدِ بالإيمانِ صحيحةٌ؛ لأنَّ اللهَ سُبحانه ربَطَه بها، وأخبَرَ عنه بمُلازَمتِها. وقد قال بعضُ السَّلَفِ: (إذا رأيتم الرَّجُلَ يعمُرُ المَسجِدَ، فحَسِّنُوا به الظَّنَّ) [271] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/90). .
5- قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ جرتِ العادةُ أنَّ اللَّهَ يذكرُ الإيمانَ باليومِ الآخِرِ مع الإيمانِ به؛ لأَنَّ الكُفرَ باليومِ الآخِرِ سببٌ لكلِّ البَلايا، وأنواعِ الكُفرِ والجحودِ؛ لأنَّ مَطامِعَ العُقلاءِ محصورةٌ في أمرينِ؛ هما: جلبُ النَّفعِ، ودفعُ الضرِّ، والذي لا يُصدِّقُ بيومِ القيامةِ لا يرغَبُ في خيرٍ في ذلك اليَومِ، ولا يخافُ من شَرٍّ في ذلك اليومِ، فلا يَنزَجِرُ عن شيءٍ، ولا يَرعَوي عن شيءٍ؛ ولذا كان التَّكذيبُ بالبعثِ من أشنعِ أنواعِ الكُفرِ باللهِ جلَّ وعلا [272] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/331). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ اعتبارُ إقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ في عِمارةِ المسجِدِ، كأنَّه يدلُّ على أنَّ المُرادَ مِن عِمارة المسجِدِ الحضورُ فيه؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ إذا كان مُقيمًا للصَّلاةِ، فإنَّه يحضُرُ في المسجِدِ، فتحصُلُ عِمارةُ المسجِدِ به، وإذا كان مُؤتيًا للزَّكاةِ، فإنَّه يحضُرُ في المسجِدِ طوائفُ الفُقَراءِ والمساكينِ لِطَلبِ أخْذِ الزَّكاةِ، فتحصُلُ عِمارةُ المسجِدِ به. وإذا حَمَلْنا العِمارةَ على مصالِحِ البِناءِ: فإيتاءُ الزَّكاةِ مُعتبَرٌ في هذا البابِ أيضًا؛ لأنَّ إيتاءَ الزَّكاةِ واجِبٌ، وبناءَ المسجِدِ نافلةٌ، والإنسانُ ما لم يَفرُغْ عن الواجِبِ لا يَشتغِل بالنَّافلةِ، والظَّاهِرُ أنَّ الإنسانَ ما لم يكُن مؤدِّيًا للزَّكاةِ لم يشتغِلْ ببناءِ المَساجدِ [273] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/11). .
7- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ناسبَ ذِكرُ إيتاءِ الزَّكاةِ مع عمارةِ المَساجِدِ؛ لأنَّها لَمَّا كانت مَجمَعًا للنَّاسِ بانَ فيها أمْرُ الغَنيِّ والفقيرِ، وعُرِفَت أحوالُ منَ يؤدِّي الزَّكاةِ، ومَن يستحِقُّها [274] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/387). .
8- قَولُ اللهِ تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ فيه أنَّ الجهادَ والإيمانَ باللهِ أفضَلُ مِن سقايةِ الحاجِّ وعمارةِ المسجِدِ الحرامِ بدرجاتٍ كثيرةٍ؛ لأنَّ الإيمانَ أصلُ الدِّينِ، وبه تُقبَلُ الأعمالُ، وتزكو الخِصالُ، وأمَّا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ فهو ذِروةُ سَنامِ الدِّينِ، الذي به يُحفَظُ الدِّينُ الإسلاميُّ ويتَّسِعُ، ويُنصَرُ الحقُّ، ويُخذَلُ الباطِلُ، وأمَّا عِمارةُ المسجِدِ الحرامِ وسِقايةُ الحاجِّ، فهي وإنْ كانت أعمالًا صالحةً، فهي مُتوقِّفةٌ على الإيمانِ، وليس فيها مِن المصالِحِ ما في الإيمانِ والجهادِ؛ فلذلك قال: لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [275] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:331). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ
- قولُه: أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ابتداءُ ذمٍّ لهم، وجِيءَ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ الذي فيه معنى البُعدِ؛ لأنَّهم قد تميَّزوا بوَصْفِ الشَّهادةِ على أَنْفُسِهم بالكُفْرِ [276] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/141). .
- قولُهُ: وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ فيه إيرادُ الجُملةِ الاسميَّةِ؛ للمُبالَغةِ في الدَّلالةِ على الخُلودِ، والظَّرفُ وَفِي النَّارِ مُتعلِّقٌ بالخَبَرِ خَالِدُونَ، وقُدِّم عليه؛ للاهْتِمام به، ولمُراعاةِ الفاصِلَةِ [277] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/50). ، وليحصُل منه تعجيلُ المَساءةِ للكُفَّارِ إذا سَمِعوه [278] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/141). .
2- قَولُه تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
- وقولُه: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ... استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّ جُملةَ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ لَمَّا اقْتَضتْ إقْصاءَ المشركينَ عن العبادةِ في المساجِدِ، كانتْ بحيثُ تُثيرُ سؤالًا في نُفوسِ السَّامعينَ أن يَتطلَّبوا مَن هم الأحقَّاءُ بأنْ يَعْمُروا المساجدَ، فكانتْ هذه الجُمْلةُ مُفيدةً في جوابِ هذا السَّائلِ [279] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/141). .
- ومجيءُ صيغةِ القَصْرِ إِنَّمَا فيها مُؤذِنٌ بأنَّ المقصودَ إقصاءُ فِرَقٍ أُخْرى عن أنْ يَعْمُروا مَساجدَ اللهِ غيرِ المشركينَ الذين كان إقصاؤُهم بالصَّريحِ؛ فتعيَّن أنْ يكونَ المرادُ من الموصولِ وصِلتِه خُصوصَ المُسلمينَ؛ لأنَّ مجموعَ الصِّفاتِ المذكورةِ في الصِّلةِ لا يَثْبُتُ لغيرِهم [280] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/141).  .
- قولُه: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فيه قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، وذلك باعتبارِ تعارُضِ خَشْيَتين، فإذا ترَدَّدَ الحالُ بينَ خشْيَتِهم اللَّه وخشْيَتِهم غيرَه قَدَّموا خشيةَ اللَّه على خشيةِ غيرِه، كقولِه آنِفًا: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ [التَّوْبَة: 13] وليس المرادُ مِن القصرِ أنَّهم لا يخافونَ شيئًا غيرَ اللَّه، فإنَّهم قد يَخافونَ الأسدَ، ويخافونَ العدُوَّ [281] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/142).  .
- قولُه: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فيه تَبْعيدٌ للمُشركينَ عن مواقفِ الاهتداءِ، وحَسْمٌ لأطماعِهم من الانْتِفاعِ بأعمالِهم التي اسْتَعظموها، وافْتَخروا بها، وأمَّلوا عاقِبَتَها، بأنَّ الذين آمنوا وضَمُّوا إلى إيمانِهم العملَ بالشَّرائعِ مع اسْتِشعارِ الخشيةِ والتَّقوى؛ اهتداؤُهم دائرٌ بين (عسى) و(لعلَّ)؛ فما بالُ المشركينَ يَقْطَعون أنَّهم مُهتدونَ، ونائلونَ عند اللهِ الحُسْنى [282] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/255). ؟!
- والتعبيرُ عنهم باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ للتَّنبيهِ على أنَّهم اسْتَحقُّوا هذا الأملَ فيهم بسَببِ تلك الأعمالِ التي عُدَّتْ لهم [283] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/142 ). .
3- قَولُه تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
- الاسْتِفهامُ في أَجَعَلْتُمْ للإنكارِ؛ وهو إنكارُ أن يُشبَّه المشرِكونَ، وأعمالُهم المُحبَطةُ، بالمؤمنِينَ، وأعمالِهم المُثْبَتةِ، وجَعَلَ تَسويتَهم ظُلمًا، بعدَ ظُلْمِهم بالكُفْرِ [284] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/256)، ((تفسير البيضاوي)) (3/75)، ((تفسير أبي حيان)) (5/388)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/143). .
- والخِطابُ في هذه الآيةِ إمَّا للمُشركينَ على طريقةِ الالتِفاتِ، وهو المتبادِرُ من تخصيصِ ذكرِ الإيمانِ بجانبِ المشبَّهِ به، وإمَّا لبعض المؤمنِينَ المؤْثِرين للسِّقاية والعِمارةِ ونحوِهما على الهِجرَةِ والجِهادِ ونظائرِهما، وهو المناسِبُ للاكتفاءِ في الردِّ عليهم ببيانِ عَدمِ مساواتِهم عند اللهِ للفريق الثاني، وبيانِ أعظميةِ درجتِهم عند الله تعالى على وجه يُشعر بعدم حِرمانِ الأَوَّلين بالكُليَّةِ. أمَّا على الأوَّلِ فهو توبيخٌ للمشركين، ومدارُه على إنكار تشبيهِ أنفسِهم- مِن حيثُ اتصافُهم بوصفَيْهم المذكورينِ، مع قطعِ النظرِ عمَّا هُم عليهِ من الشركِ- بالمؤمنين، مِن حيث اتصافُهم بالإيمان والجهاد، أو على إنكارِ تشبيهِ وصفيهم المذكورين في حدِّ ذاتِهما، مع الإغماضِ عن مقارنتِهما للشِّرك بالإيمانِ والجهادِ، وأمَّا اعتبارُ مقارنتِهما له، كما قيل، فيأباه المقامُ، كيف لا وقد بيِّن آنفًا حبوطُ أعمالِهم بذلك الاعتبارِ بالمرة، وكونُها بمنزلة العدم، فتوبيخُهم بعد ذلك على تشبيهِهما بالإيمانِ والجهادِ، ثم رَدُّ ذلك بما يُشعر بعدم حِرمانِهم عن أصل الفضيلة بالكلية، كما أشير إليه، ممَّا لا يساعدُهُ النظمُ التنزيليُّ، ولو اعتُبر ذلك لما احتيج إلى تقريرِ إنكارِ التشبيهِ وتأكيدِه بشيء آخرَ؛ إذ لا شيءَ أظهرُ بطلانًا مِن تشبيهِ المعدومِ بالموجودِ [285] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/52). .
- قولُه: كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لم يُذْكَرِ الإيمانُ بالرِّسولِ؛ لأنَّ الإيمانَ باليومِ الآخِرِ إنَّما هو مُتلقَّفٌ مِن أخبارِ الرَّسولِ، فيَتضمَّن الإيمانَ بالرَّسولِ، أو لم يُذْكَرْ؛ لِمَا عُلِمَ وشُهِرَ مِن أنَّ الإيمانَ بالله تعالى قَرِينتُه الإيمانُ بالرِّسولِ؛ لاشْتِمالِ كلمةِ الشَّهادةِ والأذانِ والإقامةِ وغيرِها عليهما، مُقتَرَنَيْنِ مُزْدَوجَيْنِ كأنَّهما شيءٌ واحدٌ، لا يَنْفَكُّ أَحدُهما عن صاحبِهِ؛ فانْطوى تحت ذِكْرِ الإيمانِ باللهِ تعالى الإيمانُ بالرِّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وقيل: دلَّ عليه بذِكْرِ إقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ إذ لا يُتلقَّى ذلك إلَّا مِنه [286] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/387). .
4- قولُه تعالى: ... وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
فيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال تعالى هنا في سُورةِ التَّوبة: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، بعد قوله: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، وورَد بعدَ هذا بآياتٍ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ بعدَ قولِه: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ... الآيَةَ [التوبة: 24]، وقال بعد ذلك في هذِه السُّورةِ أيضًا: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بعد قوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ... الآيةَ [التوبة: 37]، وفي ذِكْرِ المنافِقينَ مِن هذِه السُّورةِ قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 80]، فخُصِّصتْ بعضُ هذه الآياتِ بـ(الظَّالِمين) وبعضُها بـ(الفاسقين) وبعضُها بـ(الكافرين)؛ ووجْهُ هذِه المُناسَبةِ؛ أنَّ المراد بـ (الظَّالمين) في الآيةِ الأُوَلى مُشرِكو العربِ، الذين قاموا بسِقايةِ الحاجِّ، وأنفقوا على المسجد الحرامِ؛ فهُم لأنفُسِهم بالكُفرِ ظالِمون، وبعَمَلِهم- الذي يُؤمِّلون الانتفاعَ به مع مُضامَّةِ الكُفرِ- واضِعونَ الشَّيءَ في غيرِ موضعِه، فلمَّا فَعَل هؤلاءِ المشرِكون ذلك، وكان كلُّ مُشركٍ ظالِمًا، وكلُّ مَن وضَع شيئًا في غيرِ مَوضعِه يكونُ ظالِمًا؛ عبَّر عنهم بـ(الظَّالمين)؛ لانطِواءِ هذه الصِّفةِ على الكُفرِ، وعلى المعنَى الزَّائدِ بتَضييعِ المالِ في حالِ الشِّركِ.
وأمَّا الموضِع الثاني، وهو قولُه: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ فإنَّه تحذيرٌ لِمَن قال فيهم مِن المُسلِمين: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: 24]؛ فعَرَّفهم أنَّ مَن آثَرَ مُراعاةَ هذِه الأبوابِ التي عَدَّها على طاعةِ اللهِ تعالى؛ فإنَّه بفِعلِه ذلك مِن جُملةِ الفاسِقين، وأنَّ حُكمَه حُكمُهم؛ فكان ذِكرُ (الفاسقين) أليقَ بهذا المَكانِ.
وأمَّا الموضِعُ الثَّالِث، وهو قولُه تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ فإنَّه بعدَ قولِه تعالى في وصْفِ الكُفَّار: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ [التوبة: 37]، فأخْبَر الله تعالى أنَّ ذلك زيادةٌ في كُفرِهم، ثم عَقَّبَه بوصْفِهم بأنَّه لا يَهدِيهم، فكان أحقُّ الأوصافِ في هذا المكانِ لَفْظَةَ (الكافرين) التي اقتَضاهَا هذا المعنى والذِّكرُ المتقدِّمُ في مَكانَينِ من الآيةِ.
أمَّا الموضِعُ الرابع، وهو قولُ الله تعالى في ذِكرِ المنافقِينَ مِن هذِه السُّورةِ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ، فقدْ قال تعالى قَبْلَه: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ الآياتِ [التوبة: 75]، فوُصِفوا بالتَّظاهُرِ بالإسلامِ، ثم خَرَجوا عنه بشَنيعِ كُفرِهم، وقَبيحِ مُرتَكَباتِهم، ووصَفَهم تعالى بأنَّهم يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ إلى قولِه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثم قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ فلخُروجِهم ومُفارقتِهم ما قدْ كانوا تَظاهَروا به مِن الإسلامِ، وُصِفوا بالفِسقِ الذي هو الخُروجُ والمفارقةُ، كما يُقالُ: فَسَقتِ الرُّطبةُ، إذا خرَجتْ مِن قِشرِها [287] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي  (2/700-703)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/227-228). .