موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات (177-180)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ

غريب الكلمات:


نُمْلِي: أَيْ: نُطيلُ لهم المدَّة، وأَمْلَى مأخوذٌ مِن أملَلَ، وأصل الإملاء: الزَّمنُ الطويل، وامتدادٌ في شيءٍ؛ زمانٍ أو غيرِه [5532] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 116)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 472)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/346، 352)، ((المفردات)) للراغب (ص: 777)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 133). .
يَجْتَبِي: يختارُ، وأصلُ الاجتباءِ: جمْعُ الشَّيءِ والتجمُّع؛ يُقال: جبيتُ الماءَ في الحوضِ: جمعتُه [5533] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/503)، ((المفردات)) للراغب (ص: 186)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 55)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 133). .
سَيُطَوَّقُونَ: أَيْ: يَلزمُ أعناقَهم إثمُه، أو يُستلزمون وبالَ ما بَخِلوا، وأصلُ الطوق: ما يُجعل في العُنقِ، وكلُّ ما استدارَ بشيءٍ فهو طوقٌ [5534] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 116)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/433)، ((المفردات)) للراغب (ص: 532)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .

مشكل الإعراب:


1- قوله: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ:
وَلَا يَحْسَبَنَّ: (يَحسَب) فِعلٌ مضارعٌ يتعدَّى لمفعولَينِ، مبنيٌّ على الفتْح لاتِّصالِه بنونِ التوكيدِ الثَّقيلةِ، وهو في مَحلِّ جزمٍ بـ(لا) الناهية. وقدْ قُرِئ بياءِ الغَيبة، وبتاءِ الخِطاب؛ فعَلَى قِراءة الياء يكون الَّذِينَ: في محلِّ رفْعِ فاعِل (يحسبن). وأَنَّمَا نُمْلِي: (ما) في أَنَّمَا موصولةً بمعنى الذي، وهي في محلِّ نصب، اسم (أنَّ)، ويجوز أنْ تكون (ما) مصدريَّة، والمصدرُ المؤوَّل (ما نملي)- أي: (إملاءنا)- هو اسم أنَّ. و(أنَّ) ومَا اتصلتْ به في محلِّ نصب، سادٌّ مَسدَّ مَفعولَيْ (يحسب)، أو سادٌّ مسدَّ أحدهما، والمفعول الآخَر محذوف، تقديرُه: نافعًا. وعلى قِراءة (وَلَا تَحَسَبَنَّ) بالتاء؛ فالفاعلُ ضميرٌ مستترٌ وجوبًا تقديرُه (أنت)، عائدٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والَّذِينَ: مفعولٌ أوَّل لـ(تحسبن)، وأَنَّمَا نُمْلِي: في مَحلِّ نصْبِ مفعولٍ ثانٍ، على تَقديرِ حذْفِ مضافٍ، أي: (ولا تحسبن شأنَ الذين كَفروا...)، وفي الآية توجيهاتٌ أخرى [5535] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/179- 180)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/312- 313)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/496)، إعراب القرآن الكريم ـ دعاس (1/174). .
2- قوله: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ:
وَلَا يَحْسَبَنَّ: قُرِئ بياءِ الغَيبة، وبتاءِ الخِطاب؛ فعَلى قِراءة الياء يكون الَّذِينَ: في مَحلِّ رفْعِ فاعِل (يحسبن)، ويَبْخَلُونَ صِلة له. ويكون خَيْرًا: مفعولًا ثانيًا، والمفعول الأوَّل محذوفًا تقديرُه: البُخلَ؛ لدلالةِ ما قبله عليه يَبْخَلُونَ، والتقدير: ولا يَحسبنَّ الذين يَبخلون بما آتاهم اللهُ مِن فَضلِه البُخْلَ خيرًا لهم. وقوله: هُوَ ضميرُ فصلٍ، لا محلَّ له مِن الإعراب. وأمَّا على قِراءة (تَحسبَنَّ) بالتاء؛ فالفاعلُ هو المخاطَب، وهو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والَّذِينَ: مفعولٌ أوَّلُ على تَقديرِ حذْفِ مضافٍ، وإقامةِ الَّذين مقامَه؛ ليصدقَ الخبرُ على المبتدأ، وخَيْرًا: مَفعولٌ ثانٍ، والتقدير: ولا تَحسبنَّ- يا محمَّدُ- بُخْلَ الذين يَبخلون خَيْرًا لهم. وفي الآيةِ تخريجاتٌ أخرى [5536] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/180- 181)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/314)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (3/510). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يُخبِر تعالى عن الَّذين استبْدَلوا الكُفرَ بالإيمانِ أنَّهم لن يَضرُّوا بذلك اللهَ شيئًا، ولهم عذابٌ أليمٌ.
ثمَّ يَنهى اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويَنهى الكفَّارَ عن الظَّنِّ أَنَّ عدمِ مُعاجَلة الله لأهل الكفرِ بالعقوبةِ وترْكهم يتمتَّعون في الدُّنيا-هو كرامة لهُم وخيْر، بلْ إِنَّ ذلك مِنْ أجْلِ أَنْ يَتحمَّلوا مَزيدًا من الإثمِ ولهُم عذابٌ مُهين.
ثمَّ يُخاطِب اللهُ المسلمين مُخبِرًا إيَّاهم أنَّه ليس من حِكمتِه أن يُبقِيَهم على الحالِ التي هم عليها مِن اختلاطِ المؤمنين بالمنافقين دون أنْ يَتمايزَا، بلْ لا بدَّ من الابتلاءات التي تُمحِّص وتُميِّز كُلًّا منهما عن الآخر.
كما أنَّه ليس من حِكمتِه أَنْ يُطلِعَ أحدًا منهم على ضَمائرِ قلوبِ العِباد؛ كيْ يُظهِرَ له المؤمنَ من المنافقِ، وإنَّما يُهيِّئُ اللهُ تعالى مِن المِحَن والابتلاءات ما مِن خِلالِه يتمايَز العِباد، ولكِنَّ اللهَ يختارُ بعضًا مِن رُسُله عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ لِيُطلعَهم على بعض الغَيْبيَّات بحِكمتِه وإذْنه، ثمَّ أمرَهم أن يُحقِّقوا الإيمانَ بِه تعالى وبجميع رُسُله، ووعدَهم بأنَّهم إِنْ قاموا بذلك واتَّقَوْا فلهُم أجْرٌ عظيم.
ثُمَّ يُخاطِب اللهُ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَنْ لا يظنَّ أَنَّ الذين يَبخلون بأموالهم التي رزَقَهم اللهُ تعالى إيَّاها؛ فضْلًا مِنه- أَنَّ بُخلَهم خَيْرٌ لهم من العَطاء، كما أَنَّ الخِطابَ مُوجَّهٌ أيْضًا لهؤلاء الذين يَبخلون بالأموال: أَنْ لا يَظنُّوا أَنَّ بُخْلَهم خيْرٌ لهم من العطاء، بل هو شَرٌّ لهم؛ فإنَّ اللهَ تعالى توعَّدَ الباخِلين: أَنَّه سَيجعل المال الذي بخِلوا بإخراجِ حقِّ الله تعالى فيه طَوْقًا يُحيطُ بأعناقِهم ويُعذَّبون به يومَ القيامة، وللهِ تعالى ميراثُ السَّموات والأرض؛ فتُردُّ إليه كلُّ أملاك الخَلْق بعد فنائِهم، واللهُ مُطَّلِعٌ على جميعِ أعمال الخَلْق.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)
أَيْ: إِنَّ هؤلاءِ الذين استبدَلوا الإيمانَ بالكفرِ لا يُصيبون اللهَ تعالى بأيِّ ضرَرٍ كان، وإنَّما يَضرُّون في الحقيقةِ أنفُسَهم؛ فبذلك يَستحِقُّون عُقوبةَ اللهِ تعالى المؤلِمةَ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/258-259)، ((تفسير ابن كثير)) (2/173)، ((تفسير السَّعدِيّ)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/464-466). .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ قِراءتان:
1- تَحْسَبَنَّ على معنى أنَّ الخِطاب للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قرأ بها حمزةُ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 200). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 117)، ((حُجَّة القراءات)) لابن زنجلة (ص:182). .
2- يَحْسَبَنَّ على أنَّها نهيٌ للذين كفروا قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 200). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 117)، ((حُجَّة القراءات)) لابن زنجلة (ص:182). .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
أَيْ: لا تظنَّ- يا مُحمَّدُ- ولا يظنَّ الكفَّارُ كذلك، أنَّ إطالتَنا لهم في أعمارهم، وترْكَهم يَتمتَّعون في دُنياهم، وعدَمَ مُعاجَلَتِهم بالعقوبة- أَنَّه خيْرٌ وكرامةٌ مِن الله تعالى لهم ودليلٌ على مَحبَّتِه لهم ورِضاهُ عنهم كما يبدو في الظَّاهر يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/259-260)، ((تفسير ابن عطية)) (1/546)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تَيمية (2/317)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158). .
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا
أَيْ: حقيقةُ الأمْرِ أنَّ ذلك شرٌّ عليهم، وإنَّما منحَهم الله تعالى إطالةَ العُمْرِ وسَعَةَ الرِّزْق وحُصولَ النَّصْر وغيْرَ ذلك؛ مِن أَجْل أن يكتسبوا المزيدَ مِن الآثام؛ فتَكثُرَ سيِّئاتُهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/261)، ((تفسير ابن عطية)) (1/546)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158). .
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
أَيْ: إِنَّ لهؤلاء الكفَّار المستكبِرين عُقوبَةً تُذِلُّهم وتُهينُهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/262)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/468). .
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى عُقوبةَ المنافقين الأُخْرَويَّةَ، أَتْبعَها بوعيدِه للمنافقين بالعقوبةِ الدُّنيويَّةِ التي هي الفضيحةُ والخِزْي بالتمييزِ بينهما؛ لِيُظهرَ المؤمِنَ من المنافِق [5543] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/118). .
وأَيْضًا لَمَّا أَخبرَ اللهُ تعالى عن الأحوالِ التي وقعتْ يومَ أُحُدٍ من القتْل والهزيمة، والتي أَظهرتِ المؤمِنَ مِن المنافِق؛ لأنَّ المنافقين خافوا ورجَعوا وشَمَتوا بكثرة القتْلى، ثمَّ ثبَّطوا وزهَّدوا المؤمنين عن العَوْد إلى الجِهاد- أعقبَ سبحانه وتعالى ذلك ببيانِ أنَّه لا يجوزُ في حِكمتِه أَنْ يَذَرَكم على ما أنتُم عليه من اختلاطِ المنافقين بكم وإظْهارِهم أنَّهم من أهْل الإيمان؛ فكان إلقاءُ هذه الحوادثِ والوقائع؛ حتَّى يَحصُلَ هذا الامتياز يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/441). ؛ فقال تعالى:
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
أَيْ: إنَّه من الممْتَنِع على حِكْمة اللهَ عزَّ وجلَّ أن يدَعَ عبادَه المؤمنين على ذات الحال التي هُم عليها من اختلاطِهم بالمنافِقين تحتَ مُسمَّى (الإسلام) الذي يَجمعهم، من دونِ أَنْ يُعرف هذا مِن هذا، بلْ لا بُدَّ أَنْ يَجعلَ كلَّ واحدٍ منهما مُتميِّزًا عن الآخر، مُنفصِلًا عنه بِلا لَبْسٍ بينهما؛ ولذا يَعقِد الله تعالى أَسبابًا مِن المِحَن يُظهِر فيها ولِيَّه، ويُفضَحُ فيها عدُوُّه، كما فعل بهم يوم أُحُدٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/262)، ((تفسير ابن كثير)) (2/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/601)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/470-471). .
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال: 36-37] .
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
أَيْ: مِن الممتَنِع على حِكمَة الله تعالى أيضًا أَنْ يُطلِعَكم على ضَمائرِ قلوبِ عِبادِه؛ كَيْ يُظهرَ لكم المؤمِنَ من المنافِق، ولكِنَّه يَعقِد الأسبابَ التي تَكشِف لكم هذا الأمْرَ، وتَظهرُ بها طَوايا النَّاس يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/265)، ((تفسير ابن كثير)) (2/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/386)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/471). .
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ
أَيْ: لكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يختارُ بعضَ رُسُله عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ لِيُطلِعَهم على بعض الغيبِيَّات بحِكمتِه وإِذْنِه سُبحانَه، ومِن ذلك: إطْلاعُهُ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عددٍ من المنافِقين يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/265)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/472-473). .
قال سُبحانَه: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالم الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 25-27].
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
أَيْ: حَقِّقُوا إيمانَكم باللهِ تعالى وجميعِ رُسُله عليهم السَّلامُ بالتَّصديق التَّامِّ، والانقيادِ والاستسلامِ؛ فهذا هو المطلوبُ منكم يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/473-474). .
وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
أَيْ: إنَّكم إذا حقَّقْتم المطلوبَ منكم بالإيمانِ بالله تعالى ورُسُلِه، وامتثَلتُم ما أمرَكم الله تعالى ورسولُه به، واجتنَبتُم ما نهاكم اللهُ تعالى ورسولُه عنه، إِنْ قُمْتُم بذلك؛ فقد استحقَقْتُم نَيْلَ ثَوابٍ مِن الله تعالى كبيرٍ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/266)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/474-475). .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بالغتِ الآياتُ الماضيةُ في التحريضِ على بَذْل الأرواحِ في الجِهادِ في الآيات السَّابقة، أَردفتْه بالتحريضِ على بَذْلِ الأموالِ في الجِهادِ وغيرِه، وبيَّن اللهُ تعالى الوعيدَ الشديد لِمَن يَبخلُ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/442)، ((تفسير أبي حيَّان)) (3/451)، ((نظْم الدُّرَر)) للبقاعي (5/137). ، فقال:
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ قراءتان:
1- قراءة تَحْسَبَنَّ على الخِطاب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أَيْ: لا تحسَب- يا مُحمَّدُ قرأ بها حمزةُ. يُنظر: ((الكشف)) لمكِيّ (1/366-367)، ((النشر)) لابن الجزري (ص: 200). .
2- قراءة يَحْسَبَنَّ بإضافةِ الفِعل إلى ما بَعدَه، أَيْ: لا يَحسبنَّ الذين يبخلون قرأ بها الباقون. يُنظر: ((الكشف)) لمكِيّ (1/366-367)، ((النشر)) لابن الجزري (ص: 200). .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ
أَيْ: لا تظنَّنَّ- يا مُحمَّدُ- ولا يظنَّنَّ هؤلاء الذين يشِحُّون بأموالهم التي رزَقهم الله تعالى؛ كرَمًا منه عن أداء حقِّه فيها، أَنَّ بُخلَهم هذا خيْرٌ لهم من العطاء الذي يُنقص المال كما يبدو في الظاهر يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/268-270)، ((تفسير ابن كثير)) (2/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/480-481). وقِيل: يدخُل في الآية أيضًا من بَخِل بجاهِه، أو بعِلْمِه: كأهل الكتاب الذين بَخِلوا ببيان ما في أيْديهم من الكُتُب المُنزَّلة، ومن ذلك: صِفَةُ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158). .
بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
أَيْ: ليس الأمرُ كما يَظنُّون؛ فامتناعُهم عن أداءِ حَقِّ الله تعالى فيما رزَقَهم من أموالٍ بُخْلًا منهم، هو في حقيقةِ الأمْرِ شرٌّ من هذا النقْصِ الذي يَبدو لهم، ومضرَّةٌ عليهم في دِينهم ودُنياهم يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/174)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/482). .
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَيْ: سيَجعل اللهُ تعالى المالَ الذي بَخِل به مَن منَعَ حقَّ اللهِ تعالى فيه، سيجعلُه طَوْقًا يُحيطُ بعُنُقِ صاحبه، ويُعذَّب به يوم القيامة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/271، 276)، ((تفسير ابن كثير)) (2/174-175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/482-484). .
عَن أبي هُرَيرَةَ رَضِي الله عنه: أَنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((مَن آتاه الله مالًا فَلم يُؤدِّ زَكاتَه، مُثِّلَ له مالُه شُجاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ الزَّبِيبَتَانِ: مثنَّى زبِيبَة، قيل: هي نُكْتةٌ سوداءُ فوقَ عَيْنِ الحَّية، وقيل: هُما نُقْطَتان بجانبي فمِها، وقيل: هُما الزَّبَدَتان اللَّتان في جانبي شِدْقي الحيَّة من السُّم. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/292)، ((فتح الباري)) لابن حجر (1/126). يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ- يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ )) ثمَّ تلا هذه الآية: وَلَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... إلى آخِرِ الآية رواه البخاريُّ (4565). .
وقال الله عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 34-35] .
وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
أَيْ: إِنَّ كلَّ أملاكِ الخَلْقِ مرَدُّها بعدَ فنائِهم إلى اللهِ تعالى وحْدَه؛ فهو المالكُ ذو المَلَكوت، والحيُّ الباقي الَّذي لا يموتُ؛ فأنفِقوا في حياتِكم مِمَّا جعلَكم اللهُ عزَّ وجلَّ مُستَخلَفين فيه، وقدِّموا فيها من أموالِكم ما يَنفعُكُم يومَ تأتون إلى الله سُبحانَه، وليس معكم شيءٌ مِمَّا كنتُم تملكون؛ فلا مَعنى للبُخْل بشيءٍ زائلٍ عنكم، ومُنتقِلٍ إلى غيرْكِم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/277)، ((تفسير ابن كثير)) (2/175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 158-159)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/484-485). .
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: تَعْمَلُونَ قِراءتان:
1- يَعْمَلُونَ على الغَيْبة؛ جرْيًا على يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/245). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهرِيّ (1/285)، ((تفسير أبي حيان)) (3/453). .
2- تَعْمَلُونَ على الالْتفاتِ للمُخاطَب؛ فيكون ذلك خِطابًا للباخِلين قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/245). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهرِيّ (1/285)، ((تفسير أبي حيان)) (3/453). .
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
أَيْ: إِنَّ الله عزَّ وجلَّ مُطَّلِعٌ على خفايا أعمال الخلْق ومُطَّلِعٌ على نيَّاتهم وضمائرهم، وسيجازيهم على أعمالهم ونيَّاتهم بحسْبها، ومن ذلك: هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله تعالى من فَضْلِه؛ فإنَّ الله سبحانَه مُطَّلِعٌ على ما يُخفونَ ويَكنِزون، ويعلمُ إنْ كانوا قد أدَّوا حقَّ الله تعالى فيه أمْ لا، وإِنْ خَفِيَ ذلك على غيرِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/277)، ((تفسير ابن كثير)) (2/175)، ((تفسير السعدي)) (ص: 159)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/485). .

الفوائد التربوية:


1- نِعَمُ الدُّنيا ليستْ دليلًا على رِضا الله تعالى؛ فتِلك النِّعَم قد تكون نِقَمًا وآفاتٍ في الحقيقةِ؛ قال الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ فهذا البقاءُ وهذا الإمهالُ صار وسيلةً إلى الخِزْيِ في الدُّنيا والعقابِ الدائمِ يومَ القيامة؛ فلم يكُنْ نعمةً حقيقة يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/441)، ((تفسير أبي حيان)) (3/445). .
2- في قوله: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا أَنَّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يَعتبِر في عُمْره؛ هل أمضاه في طاعةِ الله تعالى، أو أمضاهُ في معصيتِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/469). .
3- التمايُزُ لا يكون إلَّا بالشَّدائد؛ أمَّا الرَّخاء واليُسْر، وتكليف ما لا مشقَّةَ فيه، فيَقدِر عليه المنافِقون ويَشتركون فيه مع المُخلِصين الصادقين؛ قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (4/208). .
4- البُخل بشيءٍ من الخيراتِ والمنافعِ مذمومٌ؛ لقوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/443). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف :


1- في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ بيانُ شِدَّة رغبةِ الكفَّار في الكُفر؛ لأنَّهم اشتَرُوا الكفرَ اشتراءً، والمشترِي طالِبٌ للسِّلعة؛ فهم يأخذون الكفرَ عن رغبةٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/466). .
2- في قوله تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، إشارةٌ إلى أنَّ الإنسان قد يَغترُّ بظاهر الحالِ، ويقول: إنَّ الله لم يُنعمْ عليَّ نعمةً إلَّا لأنَّني أهلٌ لها، كما قال قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/469). .
3- في قوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ بيانُ مِنَّةِ الله على عبادِه؛ حيثُ جعَل إثابتَهم على العملِ بمنزلةِ الأَجْر المتقرَّر لهم: كالذي استأجَرَ أُجراءَ، وأعطاهم أجْرَهم فَرضًا، إلَّا أنَّه تعالى هو الذي فرَضَ ذلك على نفْسِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/480). .
4- الإشارةُ إلى اسم اللهِ (الآخِر)، فإنَّ اللهَ هو الأوَّل والآخِر، وذلك مِن قوله: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، فإذا ثبَتَ إرْثُه لهما لزِم مِنْه أنْ يكون هو الآخِر عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/487). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ:
- قوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا: تكريرٌ لجملة: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا قُصِد به- مع التأكيد- إفادةُ هذا الخبرِ استقلالًا؛ للاهتمامِ به بعدَ أنْ ذُكِرَ على وجهِ التعليل؛ لتسليةِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم [5570] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/50)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/174). .
- وفيه: تعريضٌ ظاهرٌ باقتصارِ الضَّررِ عليهم، كأنَّه قيل: وإنَّما يَضُرُّون أنفسَهم [5571] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/116). .
- وقوله: وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ: جملةٌ مُبتدَأةٌ مُبيِّنة لكمالِ فظاعةِ عذابهم بذِكر غايةِ إيلامِه بعدَ ذِكْر نهايةِ عِظَمِه [5572] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/117). .
- والتعبيرُ بصِيغة (فَعِيل) في قوله: أَلِيمٌ؛ للمُبالَغة في وصْف العَذاب [5573] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 588). ، مع ما في التنكيرِ من التَّهويل.
- وفي الآية: الفَصلُ-أي: عدَم العطف- بين جملةِ: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسابقتِها: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا...؛ لوقوعِ هذه بيانًا للسابِقة، بينما وصَل-أي: عطَفَ- بين جملة: وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وسابقتِها؛ لوقوعِ هذه ابتدائيَّة مبيِّنة لفظاعةِ عذابِ الكفَّار [5574] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 587). .
2- قوله الله تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ:
- قوله: أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ: استئنافٌ واقِعٌ مَوقِعَ التَعْليل؛ للنهْي عن حُسبان الإملاءِ خيرًا، أَيْ: ليس هو بخير؛ لأنَّهم يَزدادون في تلك المدَّة إثْمًا [5575] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/118). ، ومُبيِّنٌ كذلك لحِكمة الإملاءِ [5576] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/118). .
- وفيه حَصْرٌ، أَيْ: ما نُملي لهم إلَّا لِيزدادوا إِثْمًا، أَيْ: فيكونَ أخْذُهم به أشدَّ؛ فهو قصْرُ قلْبٍ [5577] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/176). .
- وقوله خَيْرٌ وإنْ كانَ بصِيغة المُبالغةِ والتَّفضيلِ إلَّا أنَّه لنفْي الخيريَّة لا لنفْي كونِه خيرًا مِن شيءٍ آخَرَ؛ لأنَّ بناءَ المبالغةِ لا يَجوز ذِكْرُه إلَّا عندَ ذِكْر الرَّاجح والمرجوح، فلمَّا لم يَذكُرِ اللهُ هاهنا إلَّا أحدَ الأمرين، دلَّ على أنَّه لنفْي الخيريَّة لا لنفْي كونِه خيرًا مِن شيءٍ آخَرَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/440). .
3- قوله تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ:
- قولُ الله تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ اللَّام في لِيَذَرَ إمَّا متعلِّقةٌ بالخبرِ المقدَّر لـكَانَ، وانتصابُ الفِعل بعدَها بـ(أن) المقدَّرة، أي ما كان الله مُريدًا أو متصدِّيًا لأنْ يَذَرَ المؤمنين...إلخ؛ فِفي توجيهِ النَّفيِ إلى إرادةِ الفِعل تأكيدٌ ومبالغةٌ ليستْ في توجيهِ النَّفي إلى المفعولِ نفْسِه، فاللام مُقَوِّيَةٌ لطَلَبِ ذلكَ المَحذُوفِ لِمَا بَعدَها. وإمَّا: مَزيدةٌ ناصِبةٌ للفِعل بنفْسِها [5579]  وهذا مذهب الكوفيِّين. ؛ فجاءتْ لتأكيدِ النَّفي [5580] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/445)، ((تفسير أبي حيان)) (3/ 448)، ((تفسير أبي السعود)) (2/118- 119). .
-  وفيه إظهارُ المُؤْمِنِينَ في موضِعِ الإضمارِ، حيث قال لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: الثابتين في وصْفِ الإيمان، ولم يقُل: (ليذركم)؛ لإظهارِ شرَفِ الوصْفِ بالإيمانِ تعظيمًا لأهلِه يُنظر: ((نظْم الدُّرر)) (5/135). .
- وقوله: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فيه مبالغةٌ في النَّفي؛ حيثُ وقعت (حتَّى) بعدَ (مَا كَانَ)، وهو استعمالٌ خاصٌّ يُسمَّى: (نفْي الجحود)، وتُفيد (حتَّى) فيه تنهِيةَ الاستحالة؛ لأنَّ الجُحودَ أخصُّ من النفْي، فيكونُ حصولُه كالمستحيل؛ فإذا غيَّاه المتكلِّم بغايَةٍ، كانت تلك الغايةُ غايةً للاستحالة المستفادةِ من الجحود، وليست غايةً للنفي؛ حتَّى يكون مفهومها أنَّه بعدَ حصولِ الغاية يثْبُت ما كان منفيًّا [5582] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/178- 179). .
- قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ تمهيدٌ لبيانِ الميْزِ الموعود، على طريقِ تجريدِ الخِطابِ للمُخلِصين؛ تَشريفًا لهم [5583] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/119). .
- قوله: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ... وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي... فيه إظهارُ الاسمِ الجليل (الله) في الموضِعَينِ؛ لتربية المَهابَة [5584] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/119). .
4- قوله سبحانه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:
- قوله: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ فيه إيرادُ ما بخِلوا به بعنوانِ إيتاءِ الله تعالى إيَّاهم مِن فضلِه؛ للمُبالغةِ في بيانِ سُوءِ صَنيعِهم؛ فإنَّ ذلك حقُّه أنْ يكونَ من مُوجِباتِ بَذْلِه في سبيلِه كما في قوله تعالى: وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [5585] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/120). .
- قوله: بَلْ هُوَ شَرٌّ فيه تأكيدٌ لنفْيِ كونه خيرًا، وإفادةُ نفْيِ توهُّمِ الواسطةِ بين الخيرِ والشرِّ [5586] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/182). .
- قوله: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ تذْييلٌ لموعظةِ الباخِلين وغيرِهم، بأنَّ المالَ مالُ الله، وما مِن بخيلٍ إلَّا سيذهب ويترُك مالَه، والمتصرِّفُ في ذلك كلِّه هو الله؛ إذْ هو يرِث السَّمواتِ والأرضَ؛ فالآيةُ موعظةٌ، ووعيدٌ ووعْد؛ لأنَّ المقصودَ لازمٌ [5587] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (4/182- 183). .
- قوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيه إظهارُ الاسمِ الجليل (الله) في مَوضعِ الإضمار [5588] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/120). ؛ لتربيةِ المَهابة.
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنة؛ حيثُ ختَم بهذه الصِّفة، ومعناها التهديدُ والوعيدُ على قَبيحِ مُرتكَبِهم من البُخل [5589] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/453) .
- وفيه: التفاتٌ [5590] هذا على قِراءة تَعْمَلُونَ بتاءِ الخِطاب، وأمَّا على قِراءة (يعملون) بياء الغَيبة؛ جريًا على يَبْخَلُونَ وسَيُطَوَّقُونَ؛ فليس فيه التفاتٌ. ؛ حيثُ التفتَ من الغَيْبة إلى خِطابِ الباخِلين [5591] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/445)، ((تفسير البيضاوي)) (2/51)، ((تفسير أبي حيان)) (3/453)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/119). ، وهو أزجرُ في التهديدِ.