موسوعة التفسير

سورة الزمر
الآيات (67-70)

ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ

غريب الكلمات:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: أي: ومَا عظَّموا الله حقَّ عظمتِه، ولا وصَفوه بصِفَتِه الَّتي تَنْبَغي له تعالَى، ولا نزَّهوه عمَّا لا يليقُ به، وأصلُ (قدر): يدُلُّ على مَبْلَغِ الشَّيءِ وكُنْهِه ونِهايتِه [1250] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 156)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/62)، ((المفردات)) للراغب (ص 660)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 98)، ((تفسير ابن جزي)) (2/225)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 710). .
قَبْضَتُهُ: أي: مَقْبوضةٌ له، والقَبْضُ: تَناولُ الشَّيءِ بجَميعِ الكَفِّ، وأصلُ (قبض): يَدُلُّ على شَيءٍ مأْخوذٍ وتَجَمُّعٍ في شَيءٍ [1251] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/50)، ((المفردات)) للراغب (ص: 652)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 448). .
مَطْوِيَّاتٌ: مِن الطَّيِّ الذي هو ضِدُّ النَّشرِ، وأصل (طوي): يدُلُّ على إدراجِ شَيءٍ حتَّى يُدرَجَ بعْضُه في بعضٍ [1252] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/429)، ((المفردات)) للراغب (ص: 533)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 585). .
الصُّورِ: أي: القَرْنِ الذي يَنفُخُ فيه إسرافيلُ [1253] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 25، 26)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 308)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 97)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 193)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 566). .
فَصَعِقَ: أي: مات، وأصلُ (صعق): يدُلُّ على شَدَّةِ صَوتٍ [1254] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 384)، ((تفسير ابن جرير)) (20/254)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/285)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 332)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 561). .
وَأَشْرَقَتِ: أي: أضاءتْ، يُقالُ: شَرَقَت الشَّمسُ؛ إذا طَلَعت، وأشْرَقَت؛ إذا أضاءتْ، وأصلُ (شرق): يدُلُّ على إضاءةٍ وفتْحٍ [1255] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 384)، ((تفسير الطبري)) (20/261)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/264)، ((المفردات)) للراغب (ص: 451). .
وَوُفِّيَتْ: أي: جُوزِيَتْ مُكَمَّلًا، والتَّوفيةُ: إعطاءُ الشَّيءِ وقَضاؤُه وافيًا لا نَقْصَ فيه، وأصلُ (وفي): يدُلُّ على إكمالٍ وإتمامٍ [1256] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/129)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 878)، ((تفسير أبي حيان)) (9/223)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/68). .

المعنى الإجمالي:

يُبيِّنُ اللهُ تعالَى وَحْدانيَّتَه، وعظَمتَه، وكَمالَ قُدرتِه، وما عليه المشركونَ مِن جَهالةٍ، فيقولُ: وما عَظَّم المُشرِكونَ اللهَ سُبحانَه حَقَّ تَعظيمِه؛ حيثُ عَبَدوا معه غَيرَه، والحالُ أنَّ الأرضَ كُلَّها في قَبضتِه، يَقبِضُها سُبحانَه يومَ القِيامةِ، والسَّمَواتِ السَّبعَ كُلَّها يَطْويها اللهُ تعالَى بيَدِه اليُمنى، تَنزَّه اللهُ وعَلا عُلُوًّا عَظيمًا عن شِركِ أولئك المُشرِكينَ.
ثمَّ يُبيِّنُ اللهُ سُبحانَه بعضَ مَشاهدِ يومِ القِيامةِ، فيقولُ: ونُفِخَ في البُوقِ يومَ القِيامةِ نَفخةٌ، فصَعِقَ بها أهلُ السَّمَواتِ وأهلُ الأرضِ إلَّا مَن شاء اللهُ، ثمَّ نُفِخَ فيه نَفخةٌ ثانيةٌ فإذا الذين صَعِقوا قِيامٌ يَنظُرونَ، وأضاءتْ أرضُ المَحشَرِ بنُورِ رَبِّها إذا تَجلَّى لِفَصلِ القَضاءِ بيْنَ عِبادِه، ووُضِعَت كُتُبُ أعمالِ العبادِ لِمُحاسبتِهم ومُجازاتِهم، وجِيءَ بالنَّبيِّين وبالذين يَشهَدونَ على النَّاسِ بأعمالِهم، وحَكَم اللهُ بيْنَ العِبادِ يومَ القِيامةِ بالعَدلِ التَّامِّ، ولا يَظلِمُهم رَبُّهم شَيئًا، ووَفَّى اللهُ كُلَّ نَفسٍ جَزاءَ عَمَلِها مِن خيْرٍ أو شَرٍّ، واللهُ أعلَمُ بما يَفعَلُ عِبادُه في الدُّنيا.

تفسير الآيات:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا حكَى سُبحانَه عن المُشرِكينَ أنَّهم أمَروا الرَّسولَ بعِبادةِ الأصنامِ، ثمَّ إنَّه تعالَى أقام الدَّلائِلَ على فَسادِ قَولِهم، وأمَرَ الرَّسولَ بأنْ يَعبُدَ اللهَ ولا يَعبُدَ شَيئًا آخَرَ سِواه؛ بَيَّن أنَّهم لو عَرَفوا اللهَ حَقَّ مَعرفتِه لَما جَعَلوا هذه الأشياءَ الخَسيسةَ مُشارِكةً له المَعبوديَّةَ، فقال [1257] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/473). :
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
أي: وما عظَّم المُشرِكونَ اللهَ كما يَنْبغي له؛ حيثُ عَبَدوا معه غَيرَه، ولم يَصِفُوه بصِفَتِه الَّتي تَنْبَغي له تعالَى [1258] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/245)، ((تفسير القرطبي)) (15/277)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (4/1363، 1364)، ((تفسير ابن كثير)) (7/113)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/549)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 447). .
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا بَيَّن تعالَى أنَّهم ما عَظَّموه تَعظيمًا لائِقًا به، أردَفَه بما يدُلُّ على كَمالِ عَظَمتِه، ونِهايةِ جَلالتِه [1259] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/473). .
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: ما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِه، والحالُ أنَّ الأرضَ كُلَّها في قَبضتِه، يَقبِضُها بيَدِه يومَ القِيامةِ [1260] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/245)، ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (3/786، 787)، ((مختصر الصواعق المرسلة)) للموصلي (ص: 405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). قال ابنُ كَثيرٍ: (وقد وَرَدتْ أحاديثُ كثيرةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بهذه الآيةِ الكريمةِ، والطَّريقُ فيها وفي أمثالِها مَذهبُ السَّلَفِ، وهو إمْرارُها كما جاءَتْ مِن غيرِ تَكييفٍ ولا تَحْريفٍ). ((تفسير ابن كثير)) (7/113). وقال ابنُ عُثَيْمين ردًّا على مَن فسَّر القبضَ بالملكِ والتَّصرُّفِ، قال: (وفي هذا نظرٌ ظاهرٌ، بل هذا تحريفٌ؛ لأنَّ الملكَ والتَّصرُّفَ... يومَ القيامةِ وقبْلَ يومِ القيامةِ، لكنَّ القبضةَ بمعنى المقبوضةِ التي تكونُ في اليدِ تُحيطُ بها اليدُ، فالصَّوابُ المُتعيِّنُ أن يُقالَ: المرادُ بالقبضةِ أنَّها في قبضةِ يدِه عزَّ وجلَّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 448). .
عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ يَقبِضُ يومَ القِيامةِ الأرضَ، وتكونُ السَّمَواتُ بيَمينِه، ثمَّ يقولُ: أنا المَلِكُ !)) [1261] رواه البخاري (7412) واللفظ له، ومسلم (2788). .
وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
أي: والسَّمَواتُ السَّبعُ كُلُّها يَطويها اللهُ بيَدِه اليُمنى [1262] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/685)، ((تفسير ابن جرير)) (20/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 450-452). قال ابنُ تَيميَّةَ: (لم يَكُنِ العَرشُ داخلًا فيما يُقبَضُ ويُطوَى ويُبدَّلُ ويُغيَّرُ، كما قال في الآيةِ: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 14 - 17]). ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/469). .
كما قال تعالَى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: 104].
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَقبِضُ اللهُ الأرضَ، ويَطوي السَّمَواتِ بيَمينِه، ثمَّ يَقولُ: أنا المَلِكُ، أين مُلوكُ الأرضِ؟!)) [1263] رواه البخاري (4812) واللفظ له، ومسلم (2787). .
وعن مُجاهِدٍ قال: قال ابنُ عبَّاسٍ: ((أتْدري ما سَعةُ جَهنَّمَ؟ قُلتُ: لا، قال: أجَلْ، واللهِ ما تَدري! حدَّثَتْني عائِشةُ أنَّها سَألَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن قَولِه: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، قالت: قُلتُ: فأين النَّاسُ يَومَئذٍ يا رَسولِ اللهِ؟ قال: على جِسرِ جَهنَّمَ)) [1264] أخرجه الترمذي (3241) واللفظ له، والنَّسائي في ((السنن الكبرى)) (11453)، وأحمد (24856). قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه). وصحَّح إسنادَه الحاكمُ في ((المستدرك)) (3630)، وصحَّح الحديثَ ابنُ الملقِّن في ((شرح البخاري)) (19/178)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3241)، وصحَّح إسناده شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (24856). وأخرجه من طريقٍ آخَرَ وبلفظٍ مُقاربٍ: التِّرمذيُّ (3242) عن عائشةَ رَضِيَ الله عنها أنَّها قالت: ((يا رَسولَ اللهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، فأين المؤمِنونَ يومَئذٍ؟! قال: على الصِّراطِ يا عائِشةُ)). قال الترمذيُّ: (حسنٌ صحيحٌ). وصحَّحه ابنُ العربي في ((عارضة الأحوذي)) (6/314)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3242). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((جاء حَبْرٌ [1265] الحَبْر: العالِم، والمرادُ هنا حَبْرٌ مِن أحبارِ اليَهودِ آنذاكَ. يُنظر: ((إكمال المعلِم)) للقاضي عياض (8/315، 316)، ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (1/270). إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا محمَّدُ -أو يا أبا القاسِمِ- إنَّ اللهَ تعالى يُمسِكُ السَّمَواتِ يومَ القِيامةِ على إصْبَعٍ، والأَرَضينَ على إصْبَعٍ، والجِبالَ والشَّجَرَ على إصْبَعٍ، والماءَ والثَّرَى على إصْبَعٍ، وسائِرَ الخَلقِ على إصْبَعٍ، ثمَّ يَهُزُّهنَّ، فيَقولُ: أنا المَلِكُ، أنا المَلِكُ! فضَحِكَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَعجُّبًا ممَّا قال الحَبرُ؛ تصديقًا له، ثمَّ قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [1266] رواه البخاري (4811)، ومسلم (2786) واللفظ له. .
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أي: تَنزَّه اللهُ وعَلا عن شِركِ المُشرِكينَ عُلُوًّا عَظيمًا [1267] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/253)، ((تفسير السمعاني)) (4/480)، ((تفسير ابن عطية)) (4/541)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا خَوَّفَهم تعالَى مِن عَظَمتِه؛ خَوَّفهم بأحوالِ يومِ القِيامةِ، ورَغَّبَهم ورَهَّبَهم [1268] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 729). .
وأيضًا لَمَّا قَدَّرَ كَمالَ عَظَمتِه بما سَبَق ذِكرُه؛ أردَفَه بذِكرِ طَريقةٍ أُخرَى تدُلُّ أيضًا على كَمالِ قُدرتِه وعَظَمتِه، وذلك بشَرحِ مُقَدِّماتِ يومِ القِيامةِ؛ لأنَّ نَفْخَ الصُّورِ يكونُ قبْل ذلك اليَومِ، فقال [1269] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/476). :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ.
أي: ويُنفَخُ في البُوقِ العَظيمِ يومَ القِيامةِ نَفخةٌ يَموتُ بها أهلُ السَّمَواتِ وأهلُ الأرضِ إلَّا مَن استَثناه اللهُ منهم [1270] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/254، 256)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/552)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). قيل: هذه النَّفخةُ: هي النَّفخةُ الأُولى. وممَّن ذهَب إلى هذا القولِ: ابنُ جَرير، والسعدي، وعِندَه أنَّهما نَفختانِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/254)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). قال السعديُّ: (هذه النَّفخةُ الأولى نَفخةُ الصَّعقِ، ونَفخةُ الفَزَعِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 729). وقيل: هي النَّفخةُ الثَّانيةُ مِن نَفَخاتٍ ثلاثٍ. وممَّن قال بذلك: ابنُ تَيميةَ، وابن كثير. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/260)، ((تفسير ابن كثير)) (7/116). قال ابنُ كَثيرٍ: (وهي التي يَموتُ بها الأحياءُ مِن أهلِ السَّمَواتِ والأرضِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/116). وقال أيضًا: (أوَّلُ ذلك نَفخةُ الفَزَعِ، ثمَّ يَعقُبُها نَفخةُ الصَّعقِ حينَ يَصعَقُ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ إلَّا مَن شاء الله، ثمَّ بَعدَها نَفخةُ القيامِ لرَبِّ العالَمينَ، والبَعثِ والنُّشورِ). ((تفسير ابن كثير)) (8/211). وقيل: هي النَّفخةُ الثَّالِثةُ مِن أربعِ نَفَخاتٍ، والأُولى مِن نفْخَتينِ خاصَّتينِ بيَومِ القِيامةِ بعْدَ وقوعِ البَعثِ. وممَّن ذهَب إلى هذا المعنى: البقاعيُّ. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/552-553). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالصَّعقِ هنا: الموتُ: ابنُ جَرير، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/254)، ((تفسير ابن كثير)) (7/116). وقيل: المرادُ بالصَّعقِ هنا: الغَشْيُ، أي: يَقَعُ الخَلقُ مَغشيًّا عليهم دونَ مَوتٍ. وممَّن ذهَب إلى هذا القولِ: البقاعيُّ. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/553). قال السَّعديُّ: (فَصَعِقَ أي: غُشِيَ أو ماتَ، على اختِلافِ القَولينِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 729). واختلَف المفسِّرون فيمَن استثنَى اللهُ تعالى من الصَّعقِ؛ فقال القاسميُّ: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أي: مِن خَواصِّ الملائكةِ، أو مِن الشُّهَداءِ، رُوِيَ ذلك عن بَعضِ التابعين. وقال قَتادةُ: قدِ استثنى اللهُ، واللهُ أعلمُ إلى ما صارتْ ثُنْيتُه. وهذا هو الوَجهُ؛ إذ لا يُصارُ إلى بَيانِ المُبهَماتِ إلَّا بقاطعٍ). ((تفسير القاسمي)) (8/296). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 460). .
عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه، قال: ((استَبَّ رَجُلانِ: رجُلٌ مِن المُسلِمينَ، ورجُلٌ مِن اليَهودِ؛ قال المُسلِمُ: والذي اصْطفَى محمَّدًا على العالَمينَ، فقال اليهوديُّ: والذي اصْطفَى موسَى على العالَمينَ، فرَفَع المُسلِمُ يَدَه عِندَ ذلك فلَطَم وَجْهَ اليَهوديِّ، فذهَبَ اليَهوديُّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرَه بما كان مِن أمْرِه وأمْرِ المُسلِمِ، فدعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُسلِمَ، فسَألَه عن ذلك، فأخبَرَه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُخَيِّروني على مُوسى؛ فإنَّ النَّاسَ يَصعَقونَ يومَ القِيامةِ فأَصعَقُ معهم، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفيقُ، فإذا مُوسى باطِشٌ [1271] باطشٌ: أي: آخِذٌ بقُوَّةٍ. يُنظر: ((إرشاد الساري)) للقسطلاني (10/424). جانِبَ العَرشِ! فلا أدْري أكان فيمَن صَعِقَ فأفاقَ قَبْلي، أو كان ممَّن استَثنى اللهُ !)) [1272] رواه البخاري (2411) واللفظ له، ومسلم (2373). .
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
أي: ثمَّ يُنفَخُ في البُوقِ نَفخةٌ ثانيةٌ [1273] قيل: هي النَّفخةُ الثَّانيةُ، وهي نفْخةُ البَعثِ والنُّشورِ، وإحياءِ العِبادِ مِن القُبورِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جَرير، والماوَرْديُّ، وأبو السُّعود، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/254)، ((تفسير الماوردي)) (5/136)، ((تفسير أبي السعود)) (7/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: السُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/259). وقيل: هي نَفخةُ البَعثِ، ولكِنَّها الثَّالثةُ بعْدَ نَفختَيِ الفَزَعِ ثمَّ الصَّعقِ. وممَّن ذهَب إلى هذا: ابنُ كَثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/116) وَ(8/211). وقيل: هي النَّفخةُ الرَّابعةُ التي يُفيقُ بها العِبادُ مِن غَشْيَتِهم، وهي الثَّانيةُ مِن نفْختَينِ بعْد البَعثِ. وممَّن ذهَب إلى هذا القول: البقاعيُّ. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/553، 558- 561). ، فإذا الذين صَعِقوا قدْ قاموا يَنظُرونَ [1274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/259، 261)، ((تفسير القرطبي)) (15/279، 281)، ((تفسير ابن كثير)) (7/116)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/65، 66). واختلَف المفَسِّرون في معنى يَنْظُرُونَ؛ فقيل: يَقلِبون أبصارَهم في الجِهاتِ نظَرَ المبهوتِ إذا فاجأهُ خطْبٌ. وممَّن اختاره الزَّمخشريُّ، وابنُ عادلٍ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/145)، ((تفسير ابن عادل)) (16/549). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (27/477). وقيل: يَنظُرونَ إلى أهوالِ يومِ القِيامةِ. وممَّن ذهَب إلى هذا المعنى: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/116). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/281). وقيل: النَّظَرُ هنا بمعنى الإبصارِ؛ للدَّلالةِ على أنَّهم حَيُوا حَياةً كامِلةً لا غِشاوةَ معها على أبْصارِهم. وممَّن ذهَب إلى هذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/65). وقيل: هذا النَّظَرُ بمعنى الانتِظارِ، أي: يَنتَظِرون أمْرَ اللهِ فيهم. وممَّن اختاره: الواحديُّ، والبَغَويُّ، والخازن. يُنظر: ((الوجيز )) للواحدي (ص: 938)، ((تفسير البغوي)) (4/100)، ((تفسير الخازن)) (4/64). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (15/281). .
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69).
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.
أي: وأضاءت أرضُ المحشَرِ بنُورِ رَبِّها إذا تجلَّى لِفَصلِ القَضاءِ بيْنَ عِبادِه [1275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/261)، ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((تفسير الألوسي)) (12/284، 285)، ((تفسير السعدي)) (ص: 729). .
كما قال تعالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [البقرة: 210].
وقال سُبحانَه: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22].
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُحشَرُ النَّاسُ يومَ القِيامةِ على أرضٍ بَيضاءَ عَفراءَ [1276] عَفْراءَ، أي: غيرِ شَديدةِ البَياضِ، بلْ يَضرِبُ بياضُها إلى الحُمرةِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3510). ، كقُرصةِ النَّقِيِّ [1277] كقُرصَةِ النَّقِيِّ: القُرصةُ: الرَّغيفُ، والنَّقِيُّ: هو الدَّقيقُ المنخولُ المُنظَّفُ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3510). ، ليس فيها عَلَمٌ [1278] عَلَمٌ: أي: عَلامةٌ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3510). لأحَدٍ)) [1279] رواه البخاري (6521)، ومسلم (2790) واللفظ له. قال البخاري: (قالَ سهلٌ أوْ غيرُه: «ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ»). قال ابن حجر: (وقَع هذا الكلامُ الأخيرُ لمسلمٍ... مدرجًا بالحديثِ، ولفظُه: «ليس فيها علمٌ لأحدٍ»). ((فتح الباري)) (11/375). .
وعن أبي مُوسى الأشعريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ لا يَنامُ، ولا يَنْبغي له أن يَنامَ، يَخفِضُ القِسطَ ويَرفَعُه، يُرفَعُ إليه عَمَلُ اللَّيلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيلِ، حِجابُه النُّورُ، لو كشَفَه لَأحْرَقَت سُبُحاتُ [1280] سُبُحاتُ: جَمعُ سُبْحَةٍ: أيْ: أنوارُ وَجْهِه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (1/166). وَجْهِه ما انتهَى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه )) [1281] رواه مسلم (179). .
وعن عَبدِ اللهِ بنِ شَقيقٍ، قال: قُلتُ لأبي ذَرٍّ: لو رأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَسَألتُه. فقال: عن أيِّ شَيءٍ كُنتَ تَسألُه؟ قال: كنتُ أسألُه: هلْ رأيتَ رَبَّك؟ قال أبو ذَرٍّ: قدْ سألتُ، فقال: ((رأيتُ نُورًا)) [1282] رواه مسلم (178). ومعْنَى قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذَرٍّ: ((رَأَيْتُ نُورًا)): أنَّه رَأَى الحجابَ؛ ففي ((صحيح مسلم)) (179) أيضًا عن أبي مُوسَى الأشعريِّ رَضِي اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((حِجابُه النُّورُ، لوْ كَشَفه لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِه ما انتهَى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه))، وجاء في رِوايةٍ لحديثِ أبي ذَرٍّ عندَ مسلمٍ أيضًا (178): ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)): أي: النُّورُ الَّذي هو الحجابُ يَمنَعُ مِن رُؤيَتِه سُبحانَه؛ فأنَّى أَراهُ؟ أي: فكيْفَ أراهُ والنُّورُ حِجابٌ بيْني وبيْنَه يَمنَعُني مِن رُؤيتِه؟! وهذا صَريحٌ في نفْيِ رُؤيةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رَبَّه بعَيْني رأسِه في الدُّنيا. يُنظر: ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/48)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (1/224). .
وَوُضِعَ الْكِتَابُ.
أي: وأُحضِرَت كُتُبُ أعْمالِ العِبادِ يومَ القِيامةِ، ووُضِعَتْ لِمُحاسبتِهم ومُجازاتِهم بما فيها مِن خَيرٍ أو شَرٍّ [1283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/262)، ((تفسير القرطبي)) (15/282)، ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 730)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 465-467). وقيل: يَجوزُ أنْ يَكونَ المُرادُ بالكِتابِ: كُتُبَ الشَّرائعِ الَّتي شَرَعها اللهُ للعِبادِ على ألْسِنةِ الرُّسلِ، ويَكونَ إحضارُها شاهِدةً على الأُمَمِ بتَفاصيلِ ما بَلَّغَه الرُّسلُ إليهم؛ لئلَّا يَزعُموا أنَّهم لم تَبلُغْهمُ الأحكامُ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/67). .
كما قال تعالَى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13، 14].
وقال سُبحانَه: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49].
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ.
أي: وجِيءَ بالنَّبِيِّينَ لِيَسألَهم رَبُّهم عمَّا أجابتَهْم به أُمَمُهم، وجِيءَ بالَّذين يَشهَدونَ على النَّاسِ بأعْمالِهم [1284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/262، 263)، ((تفسير القرطبي)) (15/282، 283)، ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((تفسير السعدي)) (ص: 730)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67). اختلَف المفَسِّرون في المرادِ بالشُّهداءِ هنا؛ فقيل: همْ أُمَّةُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَشهَدونَ للرُّسُلِ في تَبليغِهم رِسالةَ اللهِ إلى أُمَمِهم. وممَّن ذهَب إلى هذا القول: ابنُ جَرير، ومَكِّي، والقُرْطبيُّ، وابنُ عُثَيْمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/262-263)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6387)، ((تفسير القرطبي)) (15/282- 283)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 468). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاس. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/594). وقيل: الشُّهَداءُ هم الملائكةُ الحَفَظةُ الذين يُحصُونَ أعمالَ العِبادِ مِن خيرٍ وشَرٍّ. وممَّن ذهَب إلى هذا القول: ابنُ كَثير، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67). وممَّن قال بهذا القولِ من السَّلفِ: عَطاءٌ. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/594). وقيل: الشُّهَداءُ من الملائكة والمؤمنين، وممَّن اختاره: البيضاوي، وأبو السُّعود. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/49)، ((تفسير أبي السعود)) (7/263). وقيل: هم الملائكةُ، وأعضاءُ الإنسان، والأرضُ. وممَّن ذهَب إلى هذا القول: السعديُّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 730). وقيل: هم الرُّسُلُ مِن البَشَرِ الذين أُرسِلوا إلى الأُمَمِ؛ لأنَّه لا يُقضَى بيْنَ الأُمَّةِ حتى يأتيَ رَسولُها، كما قال تعالَى في سُورةِ (يونس): وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [يونس: 47]، وممَّن ذهَب إلى هذا القول: الشِّنقيطيُّ. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/368). قال الشِّنقيطيُّ: (قدْ بيَّن تعالى أنَّ الشَّهيدَ على كُلِّ أمَّةٍ مِن أنفُسِ الأمَّةِ؛ فدَلَّ على أنَّه ليس مِن الملائكةِ، وذلك في قَولِه تعالَى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [النحل: 89]، والرُّسُلُ مِن أنفُسِ الأُمَمِ، كما قال تعالَى في نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128]، وقال تعالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: 164]). ((أضواء البيان)) (6/368). وقيل: هم الذين قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/262)، ((تفسير القرطبي)) (15/283). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/263)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/262). .
كما قال تعالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143].
وقال سُبحانَه: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: 41].
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُجاءُ بنُوحٍ يومَ القِيامةِ، فيُقالُ له: هل بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعَمْ يا رَبِّ، فتُسألُ أمَّتُه: هلْ بلَّغَكم؟ فيقولونَ: ما جاءَنا مِن نَذيرٍ! فيقولُ: مَن شُهودُك؟ فيقولُ: محمَّدٌ وأمَّتُه، فيُجاءُ بكم، فتَشهَدونَ. ثمَّ قرأَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال: عَدْلًا، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143])) [1285] رواه البخاري (7349). .
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
أي: ويَحكُمُ اللهُ بيْنَ العِبادِ يومَ القِيامةِ بالعَدلِ التَّامِّ، ولا يَظلِمُهم شَيئًا؛ فلا يُعاقِبُ أحَدًا بما لم يَعمَلْه، أو يُحَمِّلُه ذَنْبَ غَيرِه، أو يَنقُصُه مِن أجْرِه، أو يَزيدُ في سَيِّئاتِه [1286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/263)، ((تفسير القرطبي)) (15/283)، ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 730)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67، 68)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 468-469). .
كما قال تعالَى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47].
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70).
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ.
أي: ويُوَفِّي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ جَزاءَ عَمَلِها مِن خَيرٍ أو شَرٍّ [1287] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/264)، ((تفسير القرطبي)) (15/283)، ((تفسير ابن كثير)) (7/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67، 68). .
وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ.
مناسبتها لما قبلها:
لَمَّا كان المرادُ بالشُّهَداءِ إقامةَ الحُقوقِ على ما يَتعارَفُه العِبادُ، وكان ذلك ربَّما أوهَمَ نَقْصًا في العِلمِ؛ قال [1288] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/564). :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ.
أي: واللهُ أعلَمُ مِنَ النَّبيِّينَ والشُّهَداءِ بما يَفعَلُ عِبادُه في الدُّنيا، وسيُجازيهم يومَ القِيامةِ بحَسَبِ أفعالِهم [1289] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/688)، ((تفسير ابن جرير)) (20/264)، ((تفسير السمرقندي)) (3/194)، ((تفسير القرطبي)) (15/283). قال السَّمرْقَنديُّ: (أخبَرَ أنَّه لم يَدْعُ الشُّهَداءَ لِيَشهَدوا بما يَعلَمون، بل هو أعلَمُ بما يَفعَلونَ، وإنَّما يَدْعو الشُّهَداءَ لِتأكيدِ الحُجَّةِ عليهم). ((تفسير السمرقندي)) (3/194). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/546). .

الفوائد التربوية:

1- في قَولِه تعالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أنَّه يَجِبُ أنْ يُعَظَّمَ اللهُ تعالَى حَقَّ تَعظيمِه بقَدْرِ المُستطاعِ؛ لقولِه تَبارَك وتعالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]، ولقولِه تعالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]، وإلَّا فمَن الذي يُحصي أنْ يُعظِّمَ اللهَ تعالىَ حَقَّ تَعظيمِه، على الوَجهِ الذي أرادَه اللهُ عزَّ وجلَّ [1290] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 454). ؟!
2- قولُه تعالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ رُوِي عن بعضِ السَّلفِ أنَّه قال: (مَن أراد أنْ يُشاهِدَ يوْمَ القيامةِ -يعني: بقَلْبِه- فلْيَقرَأْ آخِرَ سُورةِ الزُّمَرِ) [1291] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/480). .
3- في قَولِه تعالَى: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ أنَّه يَجِبُ على الإنسانِ الحذرُ مِن العَمَلِ بما لا يُرضي اللهَ تعالَى؛ لأنَّ اللهَ تعالَى يَعلَمُ ذلك، والإنسانُ الحَيُّ القَلبِ لا شَكَّ أنَّه سيَخجَلُ إذا عَلِمَ أنَّ اللهَ تعالَى يَعلَمُ عَمَلَه، فعَمِلَ ما لا يُرضِيه [1292] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 477). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، قولُه تعالَى: جَمِيعًا حالٌ، وهي دالةٌ على أنَّ المرادَ بالأرضِ الأرَضونَ السَّبعُ؛ فإنَّ هذا التَّأكيدَ لا يحسُنُ إدخالُه إلَّا على الجمْعِ، ويَشهَدُ لذلك قولُه الآتي: وَالسَّماوَاتُ، ولأنَّ الموضعَ مَوضعُ تَعظيمٍ، فهو مُقتضٍ للمبالَغةِ، والمعنى: الأرَضونَ جميعًا ذواتُ قبضتِه؛ يَقبِضُهنَّ قبْضةً واحدةً [1293] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/143، 144)، ((تفسير الرازي)) (27/15)، ((تفسير ابن عادل)) (16/543)، ((تفسير القنوجي)) (12/143). قال البِقاعيُّ: (لمَّا كان ما يُدْرِكون منها مِن السَّعةِ والكِبَرِ كافيًا في العظَمةِ، وإنْ لم يُدرِكوا أنَّها سَبعٌ؛ أكَّد بما يَصلُحُ لجميعِ طَبقاتِها؛ تَنبيهًا للبُصراءِ على أنَّها سَبعٌ مِن غيرِ تَصريحٍ به فقال: جَمِيعًا). ((نظم الدرر)) (16/549). .
2- قَولُه تعالَى: قَبْضَتُهُ، وقَولُه تعالَى: بِيَمِينِهِ فيه إثباتُ اليَدِ للهِ تعالَى [1294] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 454). .
3- قولُه تعالَى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فيه تَنبيهٌ على عَظَمتِه سُبحانَه، وحَقارةِ الأفعالِ العِظامِ الَّتي تَتحَيَّرُ فيها الأوهامُ بالإضافةِ إلى قُدرتِه، ودَلالةٌ على أنَّ تَخريبَ العالَمِ أهْوَنُ شَيءٍ عليه [1295] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/142، 143)، ((تفسير البيضاوي)) (5/48)، ((تفسير أبي حيان)) (9/220)، ((تفسير أبي السعود)) (7/262، 263). .
4- في قَولِه تعالَى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أنَّ الصَّعْقَ شاملٌ لكلِّ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ إلَّا مَن شاء اللهُ تعالَى، وهمْ أقلُّ ممَّن يَصْعَقُون؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ المُسْتَثْنَى يكونُ أقلَّ مِن المُسْتَثْنَى منه [1296] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 461). .
5- قال تعالَى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ في قَولِه تعالَى: فَإِذَا هُمْ دَلالةٌ على أنَّ قِيامَهم يَحصُلُ عقِبَ هذه النَّفخةِ الأخيرةِ في الحالِ، مِن غيْرِ تَراخٍ؛ لأنَّ الفاءَ تدُلُّ على التَّعقيبِ [1297] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/462). .
6- قَولُه تعالَى: بِنُورِ رَبِّهَا فيه إثباتُ النُّورِ صِفةً للهِ تعالَى [1298] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 470)، ويُنظر: ((صفات الله)) للسقَّاف (ص: 356). .
7- في قَولِه تعالَى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا أنَّ الأنوارَ الموجودةَ تَذهَبُ يومَ القِيامةِ وتَضمَحِلُّ -وهو كذلك-؛ فإنَّ اللهَ تعالَى أخبَرَ أنَّ الشَّمسَ تُكَوَّرُ، والقَمَرَ يُخسَفُ، والنُّجومَ تَندَثِرُ، ويكونُ النَّاسُ في ظُلمةٍ، فتُشرِقُ عندَ ذلك الأرضُ بنُورِ رَبِّها عندما يَتجَلَّى ويَجيءُ للفَصلِ بيْنهم، وذلك اليومَ يَجعَلُ اللهُ للخَلقِ قُوَّةً، ويُنشِئُهم نَشأةً يَقوَونَ على ألَّا يُحرِقَهم نُورُه سُبحانَه وتعالَى، ويَتمَكَّنونَ أيضًا مِن رُؤيتِه؛ وإلَّا فنُورُه تعالَى عَظيمٌ، لو كشَفَه لَأحرَقَت سُبُحاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُه مِن خَلْقِه [1299] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 729). .
8- قولُه تعالَى: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ فيه انتفاءُ الظُّلمِ في ذلك اليومِ، وانتفاءُ الظُّلمِ هنا ليس المرادُ به نفْيَ الظُّلمِ فقط، بلِ المرادُ به إثباتُ كَمالِ العدْلِ الذي ليس فيه ظُلمٌ بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ [1300] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 471). .
9- قولُه تعالَى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ فيه عَدْلُ اللهِ تعالَى في جَزائِه؛ لِقَولِه عزَّ وجَلَّ: مَا عَمِلَتْ لا زِيادةً ولا نَقصًا، ويُؤكِّدُ ذلك قولُه تعالَى: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ؛ فإذا كان أعلمَ بما يَفعَلونَ، وهو حَكَمٌ عَدْلٌ، عُلِمَ أنَّه لن يَنْقُصَ الإنسانَ مِن أجْرِه شَيئًا [1301] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 476). .
10- لمَّا بيَّن اللهُ تعالَى أنَّه يَحضُرُ في مَحفِلِ القيامةِ جميعُ ما يُحتاجُ إليه في فصْلِ الحكوماتِ وقطْعِ الخُصوماتِ؛ بيَّن تعالَى أنَّه يُوصَلُ إلى كلِّ أحدٍ حقُّه، وعبَّر تعالَى عن هذا المعنى بأربعِ عباراتٍ؛ أوَّلُها قولُه تعالَى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وثانيها قولُه: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وثالثُها قولُه: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ أي: وُفِّيَت كلُّ نفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَت، ورابعُها قولُه: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، يعني أنَّه تعالَى إذا لم يكُنْ عالمًا بكَيفيَّاتِ أحوالِهم، فلعلَّه لا يَقْضي بالحقِّ لأجْلِ عدَمِ العلمِ، أمَّا إذا كان عالمًا بمَقاديرِ أفعالِهِم وبكَيْفيَّاتِها امتَنَعَ دُخولُ الخطأِ في ذلك الحكمِ، فثَبَتَ أنَّه تعالَى عبَّر عن هذا المقصودِ بهذه العباراتِ المختلفةِ، والمقصودُ المبالغةُ في تَقْريرِ أنَّ كلَّ مُكلَّفٍ فإنَّه يَصِلُ إلى حقِّه [1302] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (27/18). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
- قوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يجوزُ أنْ يكونَ معطوفًا على جُملةِ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: 63]، ويَكونَ قولُه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ إلخ مُعتَرِضًا بيْن الجُملَتَينِ، اقتَضاها التَّناسُبُ مع جُملةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر: 63].
ويَجوزُ أنْ تَكونَ مَعطوفةً على جُملةِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62]؛ فتَكونَ جُملةُ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وجُملةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِلْتاهُما مَعطوفتَينِ على جُملةِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62]. والمعنى هو هو، إلَّا أنَّ الحالَ أوضَحُ إفصاحًا عنه.
ويَجوزُ أنْ تَكونَ جُملةُ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ عَطْفَ غَرَضٍ على غَرَضٍ انتُقِلَ به إلى وَصْفِ يَومِ القِيامةِ وأحوالِ الفَريقَينِ فيه، وجُملةُ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اعتِراضًا [1303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/60، 61). .
- وهذا الأسلوبُ مِن بابِ الكِنايةِ؛ لأنَّ تَعظيمَكَ الشَّيءَ، واحتِرامَكَ إيَّاهُ، وقِيامَك بواجِبِه؛ مُستلزِمٌ لتَقديرِك إيَّاهُ في نفْسِكَ حَقَّ تَقْديرِه، وهو مُستلزِمٌ لأنْ تَكونَ قدْ عَرَفْتَه حَقَّ مَعرفتِه [1304] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/142)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/430). .
- والإخبارُ عن الأرضِ بهذا المَصدرِ قَبْضَتُهُ الَّذي هو بمعنَى المَفعولِ، أي: مَقبوضةٌ، كالخَلْقِ بمعنَى المَخلوقِ؛ للمُبالَغةِ في الاتِّصافِ بالمعنَى المَصدريِّ؛ لأنَّ المَوضِعَ مَوضِعُ تَفخيمٍ، فهو مُقتَضٍ المُبالَغةَ، وإنَّما صِيغَ لها وَزنُ المَرَّةِ؛ تَحقيرًا لها في جانِبِ عَظَمةِ مُلكِ اللهِ تعالَى، والقَبضةُ تدُلُّ على تَمامِ التَّمكُّنِ مِنَ المَقبوضِ، وأنَّ المَقبوضَ لا تَصَرُّفَ له ولا تَحرُّكَ [1305] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/62). .
- وقَدَّمَ الأرضَ على السَّمواتِ؛ لمُباشَرتِهم بها، ومَعرفتِهم بحَقيقتِها [1306] يُنظر: ((تفسير القنوجي)) (12/143). .
2- قولُه تعالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ
- قولُه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... انتِقالٌ مِن إجْمالِ عَظَمةِ القُدرةِ يَومَ القِيامةِ إلى تَفصيلِها؛ فالجُملةُ مِن عَطفِ القِصَّةِ على القِصَّةِ، ومُناسَبةُ العَطفِ ظاهِرةٌ [1307] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/64). .
- قولُه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... عبَرَّ بالماضي في قولِه: وَنُفِخَ وقولِه: فَصَعِقَ؛ لأنَّه مُحقَّقُ الوُقوعِ. وابتُدِئَتِ الجُملةُ بحَديثِ النَّفخِ في الصُّورِ؛ إذْ هو مِيقاتُ يَومِ القِيامةِ وما يَتقدَّمُه مِن مَوتِ كلِّ حَيٍّ على وَجْهِ الأرضِ [1308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/64)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/446). .
- قولُه: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ لمَّا كان المقامُ للتَّهويلِ، وكان التَّصريحُ أهوَلَ، أعاد الفاعلَ بلفْظِه فقال: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [1309] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/552). .
- قولُه: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (ثُمَّ) حَرفُ عَطفٍ للتَّرتيبِ مع التَّراخي؛ لِبُعْدِ ما بيْن النَّفختَينِ. ويَجوزُ أنْ تُفيدَ مع ذلك المُهلةَ المُناسِبةَ لِما بيْن النَّفختَينِ [1310] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/65)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/446). .
- قولُه: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ إنَّما ذُكِرَتِ النَّفخةُ الأُخرَى في هذه الآيةِ، ولم تُذكَرْ في قولِه في سُورةِ (النَّمل): وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: 87]؛ لأنَّ تِلك في غَرَضِ المَوعظةِ بفَناءِ الدُّنيا، وهذه الآيةَ في غَرَضِ عَظَمةِ شَأنِ اللهِ في يَومِ القِيامةِ، وكذلك وَصْفُ النَّفخةِ بالواحِدةِ في سُورةِ (الحاقَّة): فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة: 13- 15]، وذُكِرَتْ هنا نَفختانِ [1311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/65). .
- قولُه: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ضَميرُ (هُمْ) عائدٌ على مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ فيما بَقيَ مِن مَفهومِه بعْدَ التَّخصيصِ بـ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر: 68]، و(إذَا) للمُفاجأةِ؛ للتَّنبيهِ على سُرعةِ حُلولِ الحَياةِ فيهم، وقِيامِهم إثْرَه [1312] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/65). .
- وجُملةُ يَنْظُرُونَ حالٌ، وفائدةُ هذه الحالِ الدَّلالةُ على أنَّهم حَيُوا حَياةً كاملةً لا غِشاوةَ معها على أبصارِهم، أي: لا دَهَشَ فيها [1313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/65، 66)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/447). ، وهذا على قولٍ في التَّفسيرِ.
3- قولُه تعالَى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
- قولُه: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا التَّعريفُ في الأرضِ تَعريفُ العَهدِ الذِّكريِّ الضِّمنيِّ؛ فقدْ تَضمَّنَ قولُه: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] أنَّهم قِيامٌ على قَرارٍ؛ فإنَّ القِيامَ يَستَدعي مَكانًا تَقومُ فيه تلك الخَلائقُ، وهو أرضُ الحَشرِ، وليس المرادُ الأرضَ الَّتي كانوا عليها في الدُّنيا؛ قال تعالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [1314] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/66). [إبراهيم: 48].
- قولُه: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا إضافةُ (رَبٍّ) إلى ضَميرِ الأرضِ لتَشريفِ المُضافِ إليه [1315] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/145)، ((تفسير البيضاوي)) (5/49)، ((تفسير أبي السعود)) (7/262)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/66، 67). ، وإضافةُ رُبوبيَّةِ اللهِ تعالَى إلى شَيءٍ مُعَيَّنٍ تَقتَضي تَعظيمَ هذا الشَّيءِ [1316] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 470). .
- وفي قَولِه: بِنُورِ رَبِّهَا عَدَل الكَلامَ عن الاسمِ الأعظَمِ (الله) إلى صِفةِ الإحسانِ رَبِّهَا؛ لغَلَبةِ الرَّحمةِ، لا سِيَّما في ذلك اليَومِ؛ فإنَّه لا يَدخُلُ أحَدٌ الجنَّةَ إلَّا بها [1317] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/561). .
- وتعريفُ الْكِتَابُ في قولِه: وَوُضِعَ الْكِتَابُ تَعريفُ الجِنسِ، أي: وُضِعَتِ الكُتُبُ، وهي صَحائفُ أعْمالِ العِبادِ، أُحضِرَتْ للحِسابِ بما فيها مِن صالحٍ وسَيِّئٍ، وأُعطيَ كلُّ واحدٍ كِتابَه وصَحائفَ أعمالِه المُدَوَّنةَ فيها حَسناتُه أو سَيِّئاتُه، ووُحِّدَ على اسمِ الجنسِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ له كِتابٌ على حِدَةٍ. والوَضعُ: الحَطُّ، والمُرادُ به هنا: الإحضارُ، والآيةُ تَهديدٌ جاءَ في سِياقِ الخبَرِ [1318] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/145)، ((تفسير البيضاوي)) (5/49)، ((تفسير أبي حيان)) (9/223)، ((فتح الرحمن في تفسير القرآن)) للأنصاري (6/89)، ((روح البيان)) (8/140) للخلوتي الحنفي، ((تفسير ابن عاشور)) (24/67)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/447). .
4- قولُه تعالَى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
- قولُه: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ أيْ: جُوزِيَتْ على أعْمالِها جَزاءً مُكَمَّلًا، واللهُ أعلَمُ بما يَفعَلونَ؛ فلا يَحتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ، وفي ذلك وَعيدٌ وزِيادةُ تَهديدٍ [1319] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/223)، ((تفسير ابن عاشور)) (24/68). .
- وفي قولِه: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مُضافٌ مَحذوفٌ، أي: جَزاءَ ما عَمِلَتْ؛ لظُهورِ أنَّ ما عَمِلَه المرءُ لا يُوَفَّاهُ بعْدَ أنْ عَمِلَه، وإنَّما يُوفَّى جَزاءَه [1320] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/68). .
- وعُبِّر بالماضي في قولِه: وَأَشْرَقَتِ، وَوُضِعَ، وَجِيءَ، وَوُفِّيَتْ؛ لأنَّه مُحَقَّقُ الوُقوعِ [1321] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (24/64- 68). .
- قيل: في قَولِه: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ احتِباكٌ [1322] الاحتِباكُ: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحَذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ فإنَّ ذِكرَ مَا عَمِلَتْ أولًا يدُلُّ على ما فَعَلت ثانيًا، وذِكرُ (ما يَفعَلون) ثانيًا يدُلُّ عليه ما يَفعَلونَ أوَّلًا، وسِرُّه أنَّ ما ذُكِر أوْفَقُ للمُرادِ مِن نفْيِ الظُّلمِ على حُكمِ الوَعدِ بالعدْلِ والفضلِ؛ لأنَّ فيه الجزاءَ على كلِّ ما بُنِي على عِلمٍ، وأمَّا المُشْتهَى فما ذكَر أنَّه يُجازَى عليه! بلِ اللهُ يَعلَمُه [1323] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/564). وقدْ فرَّق البِقاعيُّ بيْن العَملِ والفِعلِ هنا؛ فقال: (مَا عَمِلَتْ أي: مِن الحَسناتِ، لذلك عبَّر بالعَملِ الذي لا يكونُ إلَّا مع العِلم... بِمَا يَفْعَلُونَ أي: ممَّا عُمِل به بداعيةٍ مِن النفْسِ، سواءٌ كان مع مُراعاةِ العِلمِ أوْ لا). ((نظم الدرر)) (16/564). .