موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (7-14)

ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ

غَريبُ الكَلِماتِ:


آَنَسْتُ: أي: أبصَرتُ مِن بعيدٍ، والإيناسُ: الرُّؤيةُ والعِلمُ والإحساسُ بالشَّيءِ [99]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 21)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/145)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 228)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 226). .
بِشِهَابٍ قَبَسٍ: أي: بشُعلةِ نارٍ فِي رَأسِ عُودٍ، والقَبَسُ: المتناوَلُ مِن الشُّعلةِ [100] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 293)، ((المفردات)) للراغب (ص: 652)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253). .
تَصْطَلُونَ: أي: تَستَدفِئون، والصَّلا: النَّارُ العظيمةُ، والصِّلاءُ: ما يُصطَلى به، وأصلُ (صَلَى) هنا: النَّارُ [101] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/9)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 152)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/300)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 273)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 256). .
جَانٌّ: جِنسٌ مِن الحيَّاتِ خَفيفٌ سَريعٌ، وسمِّيت الحيةُ بذلك تشبيهًا لها بالواحدِ مِنَ الجانِّ، وأصلُ (جنن): السَّترُ والتَّستُّرُ [102] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 176)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421)، ((المفردات)) للراغب (ص: 205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 358). .
وَلَّى مُدْبِرًا: أي: جرَى هارِبًا، والإدبارُ: الذَّهابُ إلى جِهةِ الخَلفِ [103] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/14)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 81)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/324)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 160). .
يُعَقِّبْ: أي: يَرجِعْ، وأصلُ (عقب): يدُلُّ على تأخيرِ شَيءٍ، وإتيانِه بعْدَ غيرِه [104] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 322)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 535)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/82)، ((المفردات)) للراغب (ص: 576)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 253). .
جَيْبِكَ: أي: طَوقِ قميصِك [105] قال الألوسي: (أي: جيبِ قميصِك، وهو مدخَلُ الرَّأسِ منه المفتوحُ إلى الصدرِ، لا ما يوضَعُ فيه الدراهمُ ونحوُها كما هو معروفٌ الآنَ؛ لأنَّه مُوَلَّدٌ). ((تفسير الألوسي)) (10/162). ، وهو مدخَلُ الرأسِ منه المفتوحُ إلى الصَّدرِ، وهو مِن الْجَوْبِ: وهو الْقَطْعُ [106] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/230)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/354)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 495)، ((تفسير الألوسي)) (10/162). .
سُوءٍ: أي: عَيبٍ أو آفةٍ، وفُسِّرَ بالبَرَصِ، والسُّوءُ: كلُّ ما يَغمُّ الإنسانَ [107] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 278)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 167)، ((المفردات)) للراغب (ص: 441)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 519). .
مُبْصِرَةً: أي: بَيِّنةً، واضِحةَ الدَّلالةِ، وأصلُ البصَرِ: العِلمُ بالشَّيءِ [108] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 257)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 443)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/253)، ((المفردات)) للراغب (ص: 127)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 211). .
وَاسْتَيْقَنَتْهَا: أي: تيقَّنَتْها، مِن اليَقينِ، وهو أبلَغُ عِلمٍ وأوكَدُه، وأصلُه: يدُلُّ على زَوالِ الشَّكِّ [109] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/535)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/157)، ((المفردات)) للراغب (ص: 892)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 980). .
وَعُلُوًّا: أي: تكبُّرًا واستِعلاءً، وأصلُه: يدُلُّ على السُّموِّ والارتفاعِ [110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/23)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/112)، ((المفردات)) للراغب (ص: 582)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 627). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
قولُه: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ استِثناءٌ مُنقَطِعٌ، و(إلَّا) بمعنى (لكنْ)، و مَنْ مُستثنى في مَحَلِّ نَصبٍ، أو مُبتدَأٌ خبَرُه فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، والجُملةُ الاسميَّةُ في محلِّ نَصبٍ على الاستثناءِ المُنقَطِع. وقيلَ: الاسِتثناءُ هنا متَّصِلٌ. وقيل غيرُ ذلك [111] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/110)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1005)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/577)، ((الجدول)) لمحمود صافي (19/144). .

 المعنى الإجماليُّ:


يبيِّنُ الله تعالى جانبًا مِن قصَّةِ موسَى عليه السلامُ، فيقولُ: اذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال موسى لأهلِه: إنِّي أبصَرتُ نارًا، سآتيكم منها بخبَرٍ، أو آتيكم بشُعلةٍ أقتَبِسُها مِن تلك النَّارِ؛ كي تستَدفِئوا بها مِن البردِ.
ثمَّ ذكَر سبحانَه ما حدَث عندَما اقترَب موسى عليه السَّلامُ مِن النَّارِ، فقال: فلمَّا جاء مُوسى إلى النَّارِ ناداه اللهُ تعالى بأنْ بُورِكَ مَن في النَّارِ، وبُورِكَ مَنْ حَوْلَها، وتنزيهًا لله رَبِّ العالَمينَ مِن كُلِّ نَقصٍ وسُوءٍ.
يا موسى، إنَّه أنا اللهُ المستحِقُّ للعبادةِ وَحْدي، الغالِبُ الذي لا يُقهَرُ، الحَكيمُ في تدبيرِه، وارْمِ عَصاك، فرماها فانقلَبَت ثُعبانًا عظيمًا، فلمَّا رآها موسى تتحَرَّكُ بسُرعةٍ وكأنَّها حيَّةٌ صَغيرةٌ، هرب منها مُسرِعًا ولم يرجِعْ، فقُال الله تعالى له: يا موسَى لا تخَفْ؛ لأنِّي لا يخافُ عندي المُرسَلون، لكِنْ مَن ظلَم نفْسَه بارتكابِ السُّوءِ ثمَّ تاب وعَمِلَ صالِحًا بعْدَ عَمَلِه السيِّئِ، فإنِّي غفورٌ لِذَنْبِه، ورحيمٌ به.
ثمَّ أرشَد الله تعالى موسَى عليه السَّلامُ إلى معجزةٍ أخرَى، فقال: وأَدْخِلْ يدَك يا موسى في جَيبِ قَميصِك ثمَّ أخرِجْها، تخرُجْ بيضاءَ مِن غيرِ بَرَصٍ ولا آفةٍ، وهي آيةٌ مِن جملةِ تِسعِ آياتٍ، نُرسِلُك بها إلى فِرعَونَ وقَومِه؛ لأنَّهم كانوا قَومًا كافرينَ باللهِ.
ثمَّ قال تعالى مبيِّنًا موقفَ فِرعونَ وقومِه مِن هذه المعجزاتِ: فلمَّا جاءت فِرعَونَ وقَومَه آياتُنا التِّسعُ المُظهِرةُ للحَقِّ، الواضِحةُ الدَّلالةِ على صِدقِ موسى ورسالتِه، قالوا: هذا سِحرٌ واضِحٌ، وأنكروا الآياتِ أن تكونَ مِن عندِ اللهِ مع تيقُّنِ قُلوبِهم أنَّها مِن عِندِه سُبحانَه؛ اعتِداءً وتكبُّرًا، فانظرْ -يا محمَّدُ- كيف كانت عاقِبةُ هؤلاء المُفسِدينَ.

تَفسيرُ الآياتِ:


إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا قال الله تعالى في الآيةِ السَّابقةِ: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: 6] فوصَف نفسَه بتَمامِ الحِكمةِ وشُمولِ العِلمِ؛ دلَّ على كلٍّ مِن الوَصفَينِ، وعلى إبانةِ القُرآنِ وما له مِن العَظَمةِ التي أشار إليها أوَّلَ السُّورةِ بما يأتي في السُّورةِ مِن القَصَصِ وغيرِها [112] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/129). .
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا.
أي: اذكُرْ -يا محمَّدُ- حين قال موسَى لأهلِه -وهو مسافِرٌ مِن مَدْيَنَ إلى مِصرَ في لَيلةٍ مُظلِمةٍ باردةٍ: إني أبصَرْتُ نارًا [113] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/156)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/224، 225). قال ابن عاشور: (الإيناسُ: الإحساسُ والشُّعورُ بأمرٍ خفيٍّ، فيكونُ في المرئيَّاتِ وفي الأصواتِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/225). وذهب ابنُ جريرٍ إلى أنَّ هذه الآيةَ متَّصِلةٌ بقولِه تعالى قبْلَها: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ والمعنى: عليم حينَ قال موسى لأهلِه: إنِّي أبصرتُ نارًا. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/8). .
سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ.
أي: سآتيكم مِنَ النَّارِ بخبَرٍ [114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/8)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601). قيل: المرادُ: بخبرٍ عن الطريقِ. وممَّن قال بذلك: السمعانيُّ، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وابنُ كثير، وجلال الدين المحلي، وأبو السعود، والألوسي، والسعديُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/77)، ((تفسير الزمخشري)) (3/349)، ((تفسير الرازي)) (24/543)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((تفسير لجلالين)) (ص: 495)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273)، ((تفسير الألوسي)) (10/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 50). قال ابن عثيمين: (فالخبرُ الذي يريدُ هو خبرُ مَن يَدُلُّه على الطَّريقِ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسلامُ كان قد ضَلَّها). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 50). وقيل: المرادُ بالخبر: خبَرُ المكان الذي تَلوحُ منه النَّارُ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/225). قال ابنُ عاشور: (ولعلَّه ظنَّ أنَّ هنالك بيتًا يرجو استضافتَهم إيَّاه وأهلَه تلك اللَّيلةَ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/225). .
أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.
أي: أو أجيئُكم بشُعلةٍ أقتَبِسُها مِن تلك النَّارِ؛ كي تستَدفِئوا بها مِن البَردِ [115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/8، 9)، ((تفسير القرطبي)) (13/157)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/225). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: 29].
وقال سُبحانَه: إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10].
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8).
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا.
أي: فلمَّا جاء مُوسى إلى النَّارِ [116] والمرادُ بالنَّارِ: النُّورُ، وممَّن قال بذلك: يحيى بن سلام، وابن عطية، والقرطبي، والبِقاعي، والعُلَيْمي، وجعله الواحديُّ مذهبَ المفسِّرين، ونسَبَه البَغَويُّ لأكثرِهم. يُنظر: ((تفسير يحيى ابن سلام)) (2/533)، ((تفسير ابن عطية)) (4/249)، ((تفسير القرطبي)) (13/157، 159)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/132)، ((تفسير العليمي)) (5/114)، ((الوسيط)) للواحدي (3/369)، ((تفسير البغوي)) (3/490). وممَّن قال مِن السَّلفِ أنَّ المرادَ بالنَّارِ النُّورُ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وسعيدُ بن جُبَيرٍ في رواية، وعِكْرِمةُ، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/10)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2845)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/353). قال الواحدي: (مذهبُ المفسِّرينَ أنَّ المرادَ بالنَّارِ هو النورُ، وذلك أنَّ موسى رأى نورًا عظيمًا فظنَّه نارًا؛ لذلك ذُكِر بلفظِ النَّارِ). ((الوسيط)) (3/369). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (13/159). قالوا: لأنَّ النَّارَ لا تخلُو من النُّورِ، والعربُ تضَعُ أحدَهما موضِعَ الآخَرِ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/189)، ((تفسير السمعاني)) (4/78). والمرادُ بالنُّور هو حِجابُ النُّورِ؛ فعن أبي عُبَيْدةَ، عن أبي موسى رضيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يَخفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُه، حِجابُه النُّورُ، لو كشَفَها لَأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِه كلَّ شَيءٍ أدرَكَه بصَرُه))، ثمَّ قرأ أبو عُبَيْدةَ: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: 8]. أخرجه ابن ماجه (196)، وأحمد (19587)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (163). وقال الأرناؤوط في تحقيق ((المسند)): إسناده صحيح. والحديث أصلُه في ((صحيح مسلم)) (179) دون قراءة أبي عبيدةَ. وفي روايةِ أحمدَ: ((النار)) بدل ((النور))، والمرادُ واحدٌ. وينظر: رسالة ((إزالة الإشكال عن آية بورك من في النار)) لمنصور العيدي (ص: 9). وقيل: هي نارٌ، كما هو ظاهِرُ اللَّفظِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: السمرقنديُّ، وابنُ جُزَي، وابنُ كثير، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/573)، ((تفسير ابن جزي)) (2/98)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 57، 58). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ في روايةٍ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/10، 11)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2845)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/353).   ناداه الله تعالى [117] المنادِي هو الله تبارك وتعالى. وممَّن نصَّ على ذلك: ابن عطية، والقرطبي، وابنُ تيميَّة، والبِقاعي، والسعدي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/ 249)، ((تفسير القرطبي)) (13/158)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيميَّة (5/423)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (5/463)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/131)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 55، 56).   بأنْ بُورِكَ [118] قيل: بُورِكَ أي: قُدِّس، وقيل: أي: تبارك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/10)، ((تفسير الرازي)) (24/544)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/226). وقال ابن عطية: (وقوله: بُورِكَ معناه: قُدِّسَ وضُوعِفَ خيرُه ونُميَ، والبَرَكةُ مُختصَّةٌ بالخيرِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/250). وقال البقاعي: (أَنْ بُورِكَ أي: ثبَت تثبيتًا يحصُلُ منه مِن النَّماءِ والطَّهارةِ وجميعِ الخَيراتِ ما لا يُوصَفُ). ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/132). مَنْ في تلكَ النَّارِ [119] المرادُ بقولِه تعالى: مَنْ فِي النَّارِ؛ هو الله سبحانَه وتعالى عنَى به نفْسَه، وكانت النَّارُ نورَه تعالَى ذِكرُه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/10). ممَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وقَتادةُ، وعِكْرِمةُ، ومحمَّدُ بنُ كعبٍ، وأبو صَخْرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/10)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2845). فاللهُ تعالى دنا مِن موسى عليه السَّلامُ لَمَّا كلَّمه مِن الشَّجرةِ، وقرَّبَه نَجِيًّا، فناداه وناجاه، وهو سبحانه فوقَ العرشِ ويَقرُبُ مِن خَلْقِه كيف شاء، وقُربُه ودُنُوُّه مِن بعضِ مخلوقاتِه لا يَستلزِمُ أن تخلوَ ذاتُه مِن فوقِ العرشِ، ولا يُفهمُ مِن كلامِ السَّلفِ أنَّ الله تعالى قد حلَّ في مخلوقٍ أو أحاط به مخلوقٌ ونحو ذلك مما لا يليقُ نسبتُه لله سبحانَه وتعالى. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (5/460، 463)، ((إزالة الإشكال)) لمنصور العيدي (ص: 23). وهو سبحانَه (يفعلُ ما يَشاءُ، ولا يُشْبِهُ شيئًا مِن مخلوقاتِه، ولا يحيطُ به شيءٌ مِن مَصْنوعاتِه، وهو العليُّ العظيمُ، المبايِنُ لجميعِ المخلوقاتِ، ولا يَكْتَنِفُه الأرضُ وَالسَّمواتُ، بل هو الأحدُ الصَّمَدُ، المُنَزَّهُ عن مُماثلةِ المُحْدَثاتِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/180). قال البَغَويُّ: (ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ والحسَنِ في قولِه: ? ?  ?  ? يعني: قُدِّس مَن في النَّارِ، وهو اللهُ، عنَى به نفْسَه، على معنَى أنَّه نادى موسى منها، وأسمَعه كلامَه مِن جِهتِها). ((تفسير البغوي)) (3/491). ويُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/189)، ((تفسير الرسعني)) (5/432). ونسَبَ السَّمْعانيُّ إلى أكثَرِ المفسِّرينَ أنَّ المرادَ بقولِه: مَنْ فِي النَّارِ: نورُ الربِّ سُبحانَه. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/78). وقيل: المُرادُ بمَن في النَّارِ: موسى عليه السَّلامُ، وممَّن اختار هذا القولَ: السَّمَرْقَنْديُّ، والثَّعلبيُّ، والواحديُّ، والرازيُّ، والعُلَيميُّ، والشربينيُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/573)، ((تفسير الثعلبي)) (7/190)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 800)، ((تفسير الرازي)) (24/544)، ((تفسير العليمي)) (5/114)، ((تفسير الشربيني)) (3/43)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/226). قال الواحدي: (واختَلَفوا فيمَن في النَّارِ؛ فالأحسَنُ: أنَّ الآيةَ مِن بابِ حَذفِ المضافِ، على تقديرِ: بُورِكَ مَن في طلَبِ النَّارِ، وهو موسى عليه السَّلامُ، وكأنَّه تحيَّةٌ مِنَ الله عزَّ وجلَّ لموسى بالبَرَكةِ، كما حيَّا إبراهيمَ بالبَرَكةِ على ألسِنَةِ الملائكةِ حينَ دخَلوا عليه). ((البسيط)) (17/164). وقيل: التَّقديرُ: مَن في مكانِ النَّارِ. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/98). وعلى هذا القولِ فالفائدةُ مِن حذفِ كلمةِ مكانٍ شَيْئانِ: الأوَّل: القُربُ التَّامُّ منها. والثَّاني: أنَّ شُعاعَ النَّارِ قد وصَل هذا القريبَ منها؛ لأنَّ النَّارَ كما هو معروفٌ لها شُعاعٌ، والإنسانُ القريبُ منها يكونُ في نفْسِ الشُّعاعِ؛ فكأنَّه لقُربِه ووُصولِ شُعاعِ النَّارِ إليه صار كأنَّه فيها نفْسِها، وإلَّا فليس هو في نفْسِ الشُّعلةِ، هذا لا يُمكِنُ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 57). وقال السَّمْعانيُّ: (فإنْ قيل: لم يكُنْ موسَى في النَّارِ. قُلْنا: قد كان قَريبًا مِنَ النَّارِ، والعربُ تُسمِّي مَن قَرُب مِن الشَّيءِ: في الشَّيءِ، يقولونَ: إِذا بلَغْتَ ذاتَ عِرْقٍ فأنت في مكَّةَ؛ قالوا هذا لأجْلِ القُربِ مِن مكَّةَ، وموسى قد كان قَرُب مِنَ النَّارِ، فجَعَله كأنَّه في النَّارِ). ((تفسير السمعاني)) (4/78). وقيل: المُرادُ بمَن في النَّارِ: الملائكةُ، وممن قال به: مقاتلُ بن سليمان، والفَرَّاء -ونسَبه إليه السمعاني-، والبَغَوي، والنسفي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/297)، ((معاني القرآن)) للفرَّاء (2/286)، ((تفسير السمعاني)) (4/78)، ((تفسير البغوي)) (3/490)، ((تفسير النسفي)) (2/592)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/434). قال الشنقيطيُّ: (وأقربُ الأقوالِ في معنَى الآيةِ إلى ظاهرِ القرآنِ العظيمِ قولُ مَنْ قالَ: إنَّ في النَّارِ الَّتي هي نورٌ ملائكةً، وحَوْلَها ملائكةٌ ومُوسَى، وأنَّ معنَى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ أي: الملائكةُ الَّذينَ هم في ذلك النُّورِ، وَمَنْ حَوْلَهَا أي: وبُورِكَ الملائكةُ الَّذينَ هم حَوْلَها، وبُورِكَ مُوسَى؛ لأنَّه حَوْلَها معهم. ومِمَّنْ يُروَى عنه هذا: السُّدِّيُّ). ((أضواء البيان)) (3/433). وقيل: هذه البَرَكةُ راجعةٌ إلى النَّارِ نفْسِها. والمعنَى: بُورِكَتِ النَّارُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/11)، ((تفسير السمعاني)) (4/78). قال الثعلبي: (وتقديرُ هذا التَّفسيرِ أنَّ «مَن» تأتي في الكلامِ بمعنى «ما» ... و«ما» قد تكونُ صِلَةً في كثيرٍ مِن المواضِعِ؛ كقَولِه: جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ [ص: 11]، و عَمَّا قَلِيلٍ [المؤمنون: 40]. فمعنى الآيةِ: بُورِكَ في النَّارِ، وفيمَن حَوْلَها، وهم الملائكةُ وموسى عليه السَّلامُ، فسَمَّى النَّارَ مُبارَكةً، كما سمَّى البُقْعةَ مُبارَكةً فقال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [القصص: 30]). ((تفسير الثعلبي)) (7/190). وممَّن قال بهذا القَولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه ومُجاهِدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/11). وذكر الشنقيطيُّ أنَّه بعيدٌ عن ظاهِرِ القرآنِ. يُنظر: ((أضواء البيان)) (3/434). ،  وبُورِكَ مَنْ حَوْلَها [120] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/9- 13)، ((تفسير القرطبي)) (13/157- 159)، ((تفسير ابن كثير)) (6/179)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/433، 434). المرادُ بقولِه تعالى: وَمَنْ حَوْلَهَا: موسى والملائكةُ. وممَّن اختاره: ابنُ جُزَي، وابنُ عاشور، والشِّنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/ 98)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/ 226)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/ 434). قال الواحدي: (قوله تعالى: وَمَنْ حَوْلَهَا هم الملائكةُ وموسى، في قولِ الجميعِ). ((البسيط)) (17/ 168). وممن قال به مِن السَّلفِ: محمد بنُ كَعْبٍ. ينظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/ 341). وقيل: المراد بقولِه تعالى: وَمَنْ حَوْلَهَا: الملائكةُ. وممَّن قال بذلك: مقاتلُ بنُ سُلَيْمانَ، والفرَّاءُ، والسَّمَرْقَنْديُّ، والثَّعلبيُّ، والواحديُّ، والرازيُّ، والبِقاعي، والشربيني، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/297)، ((معاني القرآن)) للفراء (2/286)، ((تفسير السمرقندي)) (2/573)، ((تفسير الثعلبي)) (7/190)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 800)، ((تفسير الرازي)) (24/544)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/132)، ((تفسير الشربيني)) (3/43)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/226، 227). وممَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وعِكْرِمةُ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وقَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2847). قال ابن عاشور: («ومَن حَوْلَ النَّارِ» هو جبريلُ الذي أُرسِلَ إليه بما نودِيَ به، والملائكةُ الذين وكِّلَ إليهم إنارةُ المكانِ وتقديسُه، إنْ كان النِّداءُ بغيرِ واسطةِ جبريلَ، بل كان مِن لَدُنِ اللهِ تعالى). ((تفسير ابن عاشور)) (19/226، 227). وقال البقاعي: (... وَمَنْ حَوْلَهَا مِن جميعِ الملائكةِ -عليهم السَّلامُ- وتلك الأراضي المقدَّسة على ما أراد اللهُ في ذلك الوقتِ وفي غيرِه. وحُقَّ لتلك الأراضي أن تكونَ كذلك؛ لأنَّها مَبعَثُ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَهبِطُ الوحيِ عليهم، وكِفاتُهم أحياءً وأمواتًا). ((نظم الدرر)) (14/132). وقيل: وَمَنْ حَوْلَهَا المرادُ به: موسى عليه السَّلامُ. وممَّن اختاره: النَّسَفي. يُنظر: ((تفسير النسفي)) (2/592). وقيل: هو عامٌّ في كلِّ مَن كان في تلك الأرضِ وفي ذلك الوادي وحوالَيْهِما مِن أرضِ الشَّامِ. وممَّن اختاره: الزمخشريُّ، والبيضاويُّ، وأبو السعود. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/349)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273). .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أي: وتنزيهًا لله رَبِّ العالَمينَ مِن كُلِّ نَقصٍ وسُوءٍ وعَيبٍ [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/13)، ((تفسير ابن عطية)) (4/250)، ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601). .
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) .
أي: يا موسى، إنَّه أنا اللهُ المستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدي، القويُّ الغالِبُ الذي لا يُقهَرُ، الحكيمُ في أمرِه وقَولِه وفِعلِه [122] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/13)، ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 63). قال السعدي: (ومِن حِكمتِه أنْ أَرسَلَ عبْدَه موسى بنَ عِمْرانَ الَّذي عَلِم اللهُ منه أنَّه أهلٌ لرسالتِه ووَحْيِه وتكليمِه. ومِن عِزَّتِه أن تعتمِدَ عليه ولا تَستوحِشَ مِنِ انفرادِك وكثرةِ أعدائِك وجبروتِهم؛ فإنَّ نواصيَهم بيدِ الله، وحرَكاتِهم وسكونَهم بتدبيرِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 601). .
كما قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 13، 14].
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10).
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ.
أي: وارْمِ عصاك، فرماها فانقلَبَت ثُعبانًا عظيمًا، فلمَّا رآها موسَى تتحَرَّكُ وتَضطرِبُ بخِفَّةٍ وسُرعةٍ، وكأنَّها حيَّةٌ صَغيرةٌ؛ هرَب منها مُسرِعًا ولم يرجِعْ ولم يلتَفِتْ [123] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/14)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/109)، ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير الشربيني)) (3/44)، ((تفسير أبي السعود)) (7/12). .
يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
أي: فقُلْنا: يا موسى، لا تخَفْ مِمَّا ترى [124] قال القرطبي: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ أي: مِن الحيَّةِ وضررِها). ((تفسير القرطبي)) (13/160). ؛ لأنِّي لا يَخافُ عندي الرُّسلُ [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/16)، ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير الألوسي)) (10/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/228)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 67). قال الشوكاني: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أيْ: لا يَخافُ عِنْدي مَنْ أرسَلْتُه برِسالَتي، فلا تَخَفْ أنت. قِيلَ: ونَفْيُ الخوفِ عن المرسلينَ ليسَ فِي جميعِ الأوقاتِ، بل في وقتِ الخطابِ لهم، لأنَّهم إذْ ذاكَ مُستغرقونَ). ((تفسير الشوكاني)) (4/147). ممن اختار القولَ الأولَ، أي: لا يخافُ عندي رسلي وأنبيائي: مقاتل بن سليمان، وابن جرير، والزجاج، وابن الجوزي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/297)، ((تفسير ابن جرير)) (18/16)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/110)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/354)، ((تفسير الشوكاني)) (4/147). قال ابنُ جرير: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ يقولُ: إنِّي لا يَخافُ عندي رُسلي وأنبيائي الذين أختصُّهم بالنبوَّةِ). ((تفسير ابن جرير)) (18/16). وقال الواحدي: (قال ابنُ عباسٍ: لا يخافُ عندي مَن أرسلتُه برسالتي، والمعنَى: لا يُخيف الله الأنبياءَ، أي: إذا أمَّنهم فلا يخافونَه، فيكف يخافُ الحيةَ؟! فنهَى عن الخوفِ مِن الحيةِ، ونبَّه على أمنِ المرسلينَ عندَ الله ليُعلمَ أنَّ مَن أمَّنه الله مِن عذابِه بالنبوةِ ودرجةِ الرسالةِ لا يستحقُّ أن يخافَ الحيةَ). ((البسيط)) (17/173). وقال القاسمي: (لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي: لحِفْظي لهم وعِنايتي بهم وعِصْمتي إياهم مما يُؤْذيهم). ((تفسير القاسمي)) (7/487). وقال النيسابوري: (وسببُ نفيِ الخوفِ عن الرسلِ مشاهدةُ مزيدِ فضلِ الله وعنايتِه في حقِّهم). ((تفسير النيسابوري)) (5/294). وممن ذهب إلى أنَّ قولَه: لَدَيَّ يعني: حينَ الوحيِ وتلَقِّي الرِّسالةِ في حضرةِ الربِّ تعالى: البِقاعي، والألوسي، وابن عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/135)، ((تفسير الألوسي)) (10/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/229). قال السعدي: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ لأنَّ جميعَ المخاوِفِ مُندَرِجةٌ في قضائِه وقَدَرِه، وتصريفِه وأمْرِه، فالذين اختصَّهم اللهُ برسالتِه واصْطَفاهم لوَحْيِه لا ينبغي لهم أن يخافوا غيرَ اللهِ، خصوصًا عندَ زيادةِ القُربِ منه، والحُظوةِ بتكليمِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 601). وقال الكرماني: (قوله: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، أي، في الموضعِ الذي يُوحي فيه إليهم؛ لأنَّ المرسلينَ أخوفُ مِن الله). ((تفسير الكرماني)) (2/843). وممن اختار أنَّ معنى: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي: إذا أمَّنتهم: السمعاني، والبغوي، والعليمي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/79)، ((تفسير البغوي)) (3/491)، ((تفسير العليمي)) (5/116). قال البغوي: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، يريدُ إذا آمَنهم لا يخافونَ، أمَّا الخوفُ الذي هو شرطُ الإيمانِ فلا يفارقُهم). ((تفسير البغوي)) (3/491). .
كما قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ [القصص: 31].
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11).
أي: لَكِنْ [126] الاستثناءُ هنا منقطِعٌ بمعنى: لَكِنْ. وممَّن قال بذلك: القرطبيُّ، وابنُ جُزَي، وابنُ كثير، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن جزي)) (2/99)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 73). قال ابنُ عثيمين: (إنَّ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ لَمَّا قال الله له: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ لعلَّه تذكَّرَ أنَّه قد وقع منه خطيئةٌ، والخطيئةُ أنَّه قتَل نفْسًا، وكأنَّه عندَما يتذكَّرُ هذا قد يستبعِدُ في نفْسِه أن يكونَ مِن الرُّسلِ، فقال الله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ؛ لِيُذَكِّرَه بما مَنَّ به عليه مِن التَّوبةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 72). وقال أيضًا: (الاسثناءُ في إِلَّا هنا منقطعٌ؛ لأنَّه يشمَلُ الرُّسلَ وغيرَ الرُّسلِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 74). وقيل: المعنى: لَكِنْ مَن ظلَمَ مِن سائرِ النَّاسِ، لا مِنَ المُرسَلينَ. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/99). وقيل: الاستثناءُ هنا متَّصِلٌ. والمعنى: لا يَخافُ لدَيَّ المُرسَلون إلَّا مَن ظلَم منهم. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ جرير، واستظهره ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/18، 19)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/229). قال الشوكاني: (والمعنَى: إلَّا مَن ظَلَم مِن المرسَلينَ، بإتيانِ الصَّغائرِ الَّتي لا يَسلَمُ منها أحدٌ. واختارَ هذا النَّحَّاسُ، وقالَ: عَلِم مَن عصَى منهم، فاسْتَثْناه فقال: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وإنْ كنتُ قد غَفَرْتُ له؛ كآدَمَ وداودَ ... وموسَى بقتلِه القبْطِيِّ. ولا مانِعَ مِن الخَوفِ بعْدَ المغفرةِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/147). ويُنظر: ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/137)، ((تفسير القرطبي)) (13/161). وقال السمعاني: (وقَولُه: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فيه أقوالٌ؛ أحدُها: ولا مَن ظَلَم ثمَّ بدَّل حُسنًا بعْدَ سوءٍ، أي: تاب ونَدِم. وهذا القولُ ضعيفٌ عندَ أهلِ النَّحوِ. والقولُ الثَّاني: أنَّ معنى الآيةِ: إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المرسَلونَ، وإنَّما يَخافُ غيرُ المرسَلينَ، إلَّا مَن ظَلَم ثمَّ بدَّل حُسنًا بعْدَ سوءٍ فإنَّه لا يَخافُ. والقولُ الثَّالثُ: أنَّ الاستثناءَ هاهنا منقطِعٌ، ومعناه: لَكِن مَن ظلَم فخافَ فإنْ بدَّل حسنًا بعْدَ سوءٍ فإنَّه لا يخافُ). ((تفسير السمعاني)) (4/80). وقال النَّحَّاسُ: (فإنْ قال قائلٌ: فما معنى الخَوفِ بعْدَ التَّوبةِ والمغفرةِ؟ قيل له: هذه سبيلُ العلماءِ بالله جلَّ وعزَّ؛ أن يكونوا خائفينَ مِن معاصيه، وَجِلِينَ، وهم أيضًا لا يَأْمَنون أن يكونَ قد بقِيَ مِن أشراطِ التَّوبةِ شَيءٌ لم يأتوا به، فهم يخافونَ مِن المطالبةِ به). ((إعراب القرآن)) (3/137). وقال ابنُ القيِّم: (الخوفُ ثابتٌ له حالَ ظلمِه وحالَ تبديلِه الحسنَ بعدَ السوءِ، أمَّا حالَ ظلمِه فظاهرٌ، وأمَّا حالَ التَّبديلِ فلأنَّه يخافُ أنَّه لم يَقُمْ بالواجبِ، وأنَّه لم يُقبَلْ منه ما أتَى به... فمَن ظلَمَ ثمَّ تاب فهو أَوْلَى بالخَوفِ، وإنْ لم يكُنْ خَوْفٌ عليه). ((بدائع الفوائد)) (3/71). مَن ظلَمَ نفْسَه بارتكابِ السُّوءِ، والوُقوعِ في الذَّنبِ، ثمَّ تاب وعَمِلَ صالِحًا بعْدَ عَمَلِه السيِّئِ؛ فإنِّي غفورٌ لِذَنْبِه -أستُرُه عليه، وأتجاوَزُ عن مؤاخَذتِه به-، ورحيمٌ به [127] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/370)، ((تفسير القرطبي)) (13/160)، ((تفسير ابن جزي)) (2/99)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/228). .
كما قال تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: 82].
وقال سُبحانَه: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110].
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أراه سُبحانَه تلك الخارِقةَ فيما كان في يدِه بقَلْبِ جوهرِها إلى جوهرِ شَيءٍ آخَرَ حيوانيٍّ، أراه آيةً أُخرى في يدِه نفْسِها بقَلْبِ عَرَضِها الذي كانت عليه إلى عَرَضٍ آخرَ نُورانيٍّ؛ فقال [128] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/136). :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.
أي: وأدخِلْ يدَك في جَيبِ قَميصِك ثمَّ أخرِجْها، تخرُجْ بَيضاءَ اللَّونِ مِن غَيِر بَرَصٍ أو غيرِه مِنَ الآفاتِ [129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/20، 21)، ((تفسير السمرقندي)) (2/574)، ((تفسير النسفي)) (2/593)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/136، 137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 76، 77). .
كما قال تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه: 22، 23].
وقال سبحانه: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص: 31، 32].
فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.
أي: وهي آيةٌ مِن جُملةِ تِسعِ آياتٍ [130] قوله: فِي تِسْعِ آَيَاتٍ (في) بمعنى (من). وقيل: بمعنى (مع). يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/80)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/355). قال ابنُ عطيةَ في بيانِ الآياتِ التِّسعِ في قَولِه تعالى: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ من سورة الإسراء: (اتَّفَق المتأوِّلونَ والرُّواةُ أنَّ الآياتِ الخَمسَ التي في سورةِ الأعرافِ هي مِن هذه التِّسعِ، وهي: الطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، واختلَفوا في الأربَعِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/488). وقال الواحدي: (قال المفسِّرون: هي الطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضفادِعُ، والدَّمُ، والعصا، ويدُه، والسِّنونَ، ونقصٌ مِن الثَّمَراتِ). ((الوسيط)) (3/130). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 77، 78). ونسَبه الشوكانيُّ إلى أكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/311). وذكر ابنُ كثير الخلافَ في عدِّ الآياتِ التِّسعِ في آيةِ الإسراءِ، وأنَّ مِنهم مَن قال: إنَّها (العصا، واليَدُ، والسِّنونَ، والبَحرُ، والطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ؛ آياتٌ مُفَصَّلاتٌ. قاله ابنُ عبَّاسٍ. وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ: هي اليدُ، والعصا، والخمسُ في الأعرافِ، والطمسةُ، والحجرُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ أيضًا، ومجاهدٌ، وعِكْرِمةُ، والشعبيُّ، وقَتادةُ: هي يدُه، وعصاه، [والسِّنون]، ونقصُ الثمراتِ، والطوفانُ، والجرادُ، والقمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ. وهذا القولُ ظاهرٌ جليٌّ حسنٌ قويٌّ. وجعَل الحسنُ البصريُّ «السنينَ ونقصَ الثمراتِ» واحدةً، وعندَه أنَّ التاسعةَ هي: تلقُّفُ العصا ما يَأْفِكون... فهذه الآياتُ التِّسعُ التي ذكَرَها هؤلاء الأئمَّةُ، هي المرادةُ هاهنا، وهي المَعنيَّةُ في قَولِه تعالى: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل: 10- 12] فذَكَرَ هاتينِ الآيتَينِ: العصا واليَدَ، وبَيَّنَ الآياتِ الباقياتِ في «سورة الأعراف» وفصَّلَها. وقد أُوتيَ موسى عليه السَّلامُ آياتٍ أُخَرَ كثيرةً؛ منها: ضَرْبُه الحَجَرَ بالعصا، وخروجُ الأنهارِ منه، ومنها تظليلُهم بالغَمامِ، وإنزالُ المَنِّ والسَّلْوى، وغيرُ ذلك ممَّا أُوتيَه بنو إسرائيلَ بعْدَ مُفارقتِهم بلادَ مِصرَ، ولكِنْ ذَكَر هاهنا التِّسعَ الآياتِ التي شاهَدَها فِرعَونُ وقَومُه مِن أهلِ مِصرَ، وكانت حُجَّةً عليهم، فخالفوها وعانَدوها كُفرًا وجُحودًا). ((تفسير ابن كثير)) (5/124، 125). ويُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/57، 58) و (9/95، 345-346).   نُرسِلُك بها إلى فِرعَونَ وقَومِه [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/21)، ((معاني القرآن)) للنحاس (5/118)، ((تفسير القرطبي)) (13/162)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 601)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/232). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... [هود: 96، 97].
وقال سُبحانَه: وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: 101].
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
أي: فأرسَلْناك بتلك الآياتِ إليهم؛ لأنَّهم كانوا قَومًا كافرينَ باللهِ، خارجينَ عن طاعتِه [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/22)، ((تفسير القرطبي)) (13/163)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/137)، ((تفسير السعدي)) (ص: 602)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 79). .
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13).
أي: فلمَّا جاءت فِرعَونَ وقَومَه آياتُنا التِّسعُ مضيئةً ظاهِرةً واضِحةَ الدَّلالةِ على صِدقِ موسى ورسالتِه، واحدةً بعْدَ أُخرَى؛ قالوا: هذا الذي أَرانا موسى سِحرٌ واضِحٌ لا يخفَى على أحَدٍ [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/22)، ((الوسيط)) للواحدي (3/370)، ((تفسير القرطبي)) (13/163)، ((تفسير ابن كثير)) (6/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 602)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/232)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 83). قال ابن عثيمين: (فهذه الآياتُ هي بنفْسِها ظاهرةٌ وواضِحةٌ، والذي يَراها يُبصِرُ بها؛ ولهذا نقول: مُبْصِرَةً يعني: أنَّها باصرةٌ بنفْسِها، ومُوجِدةٌ للإبصارِ في غيرِها). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 83). !
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف: 130- 133].
وقال سُبحانَه: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [الزخرف: 47- 50].
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14).
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا.
أي: وكذَّب فِرعَونُ وقَومُه بالآياتِ، وأنكروا بألسِنتِهم أن تكونَ مِن عندِ اللهِ، مع تيقُّنِ قُلوبِهم أنَّها مِن عندِ اللهِ تيقُّنًا تامًّا لا شَكَّ فيه، ولكِنَّهم كذَّبوا وأنكروا؛ اعتِداءً وتكبُّرًا عن اتِّباعِ الحَقِّ [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/22، 23)، ((تفسير القرطبي)) (13/163)، ((تفسير ابن كثير)) (6/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 602)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/232)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 88). .
كما قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا [الأعراف: 103].
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.
أي: فانظُرْ [135] قال ابنُ عثيمين: (قولُه: فَانْظُرْ... المرادُ: نظَر اعتبارٍ؛ لأنَّ نظرَ الإبصارِ هنا متعذِّرٌ؛ لسَبقِ زمَنِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 90). -يا محمَّدُ- إلى نهايةِ أمرِ الذين يُفسِدونَ في الأرضِ بالشِّركِ والمعاصي، كيف أهلَكَهم اللهُ ودمَّرَهم [136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/24)، ((الوسيط)) للواحدي (3/370)، ((تفسير القرطبي)) (13/163)، ((تفسير ابن كثير)) (6/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 602)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 90-92). قال ابنُ كثير: (فحوى الخطابِ [وهو إثباتُ حُكمِ المنطوقِ به للمَسكوتِ عنه بطريق الأَولى] يقولُ: احذَروا -أيُّها المكَذِّبون بمحمَّدٍ- الجاحِدون لِما جاء به مِن ربِّه: أن يصيبَكم ما أصابَهم بطريقِ الأَولى والأحرى؛ فإنَّ محمدًا -صلواتُ الله وسلامُه عليه- أشرَفُ وأعظَمُ مِن موسى، وبرهانَه أدَلُّ وأقوى مِن بُرهانِ موسى؛ بما آتاه اللهُ مِن الدَّلائلِ المقتَرِنةِ بوجودِه في نفسِه وشمائِلِه، وما سبَقَه من البِشاراتِ مِن الأنبياءِ به، وأخْذِ المواثيقِ له، عليه مِن رَبِّه أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/181). وقال السعدي: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أسوأَ عاقبةٍ؛ دمَّرَهم اللهُ، وغَرَّقهم في البَحرِ، وأخزاهم، وأورَثَ مساكِنَهم المُستضعَفينَ مِن عبادِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 602). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قال تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، وقال جلَّ ثناؤُه: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: 29]، وقال سُبحانَه: إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10]، في هذا خدمةُ الرَّجُلِ أهْلِه، وكان نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّمَ في بيتِه في مِهْنةِ أهْلِه [137] رواه البخاري (676) من حديث عائشة رضي الله عنها. ، أي: في خِدمتِهم. ومِن ذلك قولُه: وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا [يوسف: 65].
وخِدمةُ الرَّجُلِ أهْلَه إحسانٌ وصِلةٌ وتَواضُعٌ، وما هذا مِن أخلاقِ الجبَّارينَ المتكبِّرينَ، وعلى الحقيقةِ سيِّدُ القَومِ خادمُهم؛ لأنَّه فاز بالمناقبِ الدِّينيَّةِ، وأفادهم أعراضًا دُنيويَّةً [138] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 178). .
2- في قَولِه تعالى: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا أنَّه ينبغي إيناسُ المستوحِشِ، فينبغي أنْ تقولَ له أو تَفعَلَ معه ما يُؤنِسُه؛ لِيطمئنَّ، ويكونَ قابلًا لِمَا يُلقى إليه؛ لأنَّ المستوحِشَ لا يَقبَلُ ما يُلقَى إليه، بمعنى: أنَّه لا يتمكَّنُ مِن قَبولِه؛ فإنَّ إثباتَ البَرَكةِ لِمَن في النَّارِ ومَن حَوْلَها يَزدادُ به طمأنينةً بلا شَكٍّ؛ ولهذا أوَّلَ ما خاطبَه اللهُ في هذه الآيةِ قال: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [139] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 60). .
3- قال الله تعالى: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في قَولِه: يَا مُوسَى أنَّ تَعيينَ الشَّخصِ بالنِّداءِ له فائدةٌ، وهي: التَّطمينُ والإيناسُ؛ لأنَّك إذا قلتَ: (يا فلانُ) طمأنْتَه بلا شكٍّ؛ لأنَّه يقولُ: هذا يعرفُني، ما ينالُني بسوءٍ [140] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 64). .
4- في قَولِه تعالى: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أنَّه ينبغي لِمَن أراد تعيينَ نفْسِه أنْ يُبيِّنَ اسمَه، فلم يَقُلْ مثلًا: (أنا مُكَلِّمُك)، (أنا)، أو ما أشبَهَ ذلك، بل بَيَّنَ مَن الذي يُكَلِّمُه [141] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 64). .
5- في قَولِه تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أنَّه ينبغي الاحترازُ في الكَلامِ عندَما يُوهِمُ الشَّيءُ أمرًا يُحتَرَزُ منه؛ لقَولِه:   مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، ففي الآيةِ دَليلٌ على مبدأِ الاحترازِ في الكلامِ [142] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 80). .
6- في قَولِه تعالى: ظُلْمًا وَعُلُوًّا أنَّ الاتِّصافَ بهذين الوصفَينِ (الظُّلمِ والعُلوِّ) يَجعَلُ الإنسانَ مِن الأُمَّةِ الفِرعونيَّةِ، وما مِن صفةٍ يَخرجُ بها العبدُ عن سواءِ السبيلِ إلَّا وله فيها إمامٌ مِن أهلِ الكُفرِ؛ ولهذا أخبَر النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّنا سنَركَبُ سَننَ مَن كان قَبْلَنا [143] يُنظر ما أخرجه البخاري (7320)، ومسلم (2669) من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وما أخرجه الترمذي (2180)، وأحمد (21897) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه. ؛ فجَحْدُ الحقِّ مِن الأئمَّةِ فيه فرعونُ وقَومُه، والحسدُ مِن الأئمَّةِ فيه اليَهودُ، وهكذا [144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 94). .
7- قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا الوصفُ إذا كان مَذمومًا وفِرعونيًّا؛ فإنَّ عكسَه محمودٌ، والعكسُ هو التواضعُ للحقِّ وقَبولُه، هذا لا شكَّ أنَّه ممدوحٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إذا أثنَى بالسُّوءِ على وصْفٍ، فإنَّ ضِدَّه يُثنَى عليه بالحُسنِ [145] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 95). .
8- في قَولِه تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ذَمُّ التَّرَفُّعِ عن الحقِّ؛ لِقَولِه: وَعُلُوًّا، ومِنَ النَّاسِ مَن إذا عُرِضَ عليهم الدَّليلُ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ترَكوه تقليدًا لإمامٍ يَرَوْنَ أنَّه أكثرُ عِلمًا، وهذه الطريقةُ مذمومةٌ أيضًا، وإن كانت عن حُسنِ نيَّةٍ [146] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 95). !

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ حُسنُ خُلُقِ موسى صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ وذلك لمكالَمتِه لأهلِه ومُراجعتِه إيَّاهم بما يَهُمُّهم قبْلَ ذهابِه [147] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 52). .
2- في قَولِه تعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ دَليلٌ على أنَّ الزَّوجةَ مِن الأهلِ، وهذا هو القَولُ الصَّحيحُ، فعلى هذا آلُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يَدخُلُ فيهم أزواجُه؛ لأنَّ الزَّوجةَ مِن الأهلِ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 52). .
3- في قَولِه تعالى: سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أنَّ الأحوالَ البشريةَ تطرأُ حتَّى على الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ؛ فإنَّ موسى في تلك اللَّيلةِ كان قد ضَلَّ الطريقَ ولم يَهتدِ إليه، وقد أصابَه البرْدُ هو وأهله، والأنبياءُ والرُّسلُ لا يختَلِفون عن غيرِهم إلَّا في الرِّسالةِ؛ قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [فصلت: 6]، فالأوَّلُ: المماثَلةُ في البشريَّةِ، والثَّاني: الاختصاصُ بالوحيِ [149] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 52). .
4- في قَولِه تعالى: لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أنَّ الإنسانَ لا يُلامُ على اتِّخاذِ الوقايةِ الدَّافعةِ أو الرَّافعةِ، وهذه الوقايةُ دافِعةٌ رافِعةٌ؛ رافعةٌ للبرْدِ السَّابقِ، ودافعةٌ للبرْدِ اللَّاحِقِ، بل إنَّه رُبَّما يُؤمَرُ به أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استِحبابٍ حسَبَ ما تقتضيه الحالُ التي يريدُ أنْ يَرفَعَها أو يدفَعَها [150] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 53). .
5- يُستفادُ مِن قَولِه تعالى: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا أنَّ هذا التَّبريكَ تبريكُ ذوَاتٍ لا تبريكُ مكانٍ، بدليلِ ذِكرِ (مَن) الموصولةِ في الموضِعَين [151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/227). .
6- قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ المنادي لموسَى هو الله ربُّ العالمينَ لا غيرُه، وإذا كان المنادي هو اللهَ رَبَّ العالَمينَ، وقد ناداه مِن مَوضِعٍ مُعَيَّنٍ وقَرَّبَه إليه؛ دَلَّ ذلك على ما قاله السَّلَفُ مِن قُربِه ودنُوِّه مِن موسى عليه السَّلامُ، وهو سبحانه يَقرُبُ مِن خَلقِه كيف شاء [152] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (5/460- 464). .
7- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ دَليلٌ على تكليمِه سبحانَه لموسى بصَوتٍ مَسموعٍ؛ فالنِّداءُ لا يكونُ إلَّا صَوتًا مَسموعًا، ولا يُعقَلُ في لغةِ العربِ لفظُ النِّداءِ بغيرِ صوتٍ مسموعٍ، لا حقيقةً ولا مَجازًا [153] يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل)) لابن تيمية (3/97). .
8- ثَناءُ اللهِ سبحانه وتعالى على نفْسِه، وأنَّ ذلك مِن كمالِه؛ فإنَّه أثنى على نفسِه بقَولِه: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أثنى على نفْسِه بنفيٍ وإثباتٍ؛ النفيُ: (سُبْحَانَ اللهِ)، والإثباتُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، ومِن هنا نَعرِفُ أنه لا يَتِمُّ كمالُ الأوصافِ إلَّا بهذينِ الأمْرينِ، وهما: النَّفيُ والإثباتُ؛ لأنَّ إثباتَ الكَمالاتِ فقط لا يدُلُّ على نفيِ النَّقائِصِ، ونفْيَ النَّقائصِ فقط لا يدُلُّ على إثباتِ الكَمالاتِ، وباجتِماعِهما يحصلُ الكمالُ المطلَقُ؛ ولهذا قالوا: لا بُدَّ مِن تخليةٍ وتحليةٍ [154] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 61). .
9- إثباتُ الحُكْمِ المطلَقِ لله سبحانَه وتعالى؛ لِقَولِه: الْحَكِيمُ؛ لأنَّ الحكيمَ هو ذو الحُكْمِ والحِكمةِ [155] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 64). .
10- كانت معجِزةُ كلِّ نبيٍّ في زمانِه بما يُناسِبُ أهلَ ذلك الزَّمانِ؛ فذكَروا أنَّ موسى عليه السَّلامُ كانت مُعجِزتُه ممَّا يُناسِبُ أهلَ زمانِه، فكانوا سحَرةً أذكياءَ، فبُعِث بآياتٍ بهَرَتِ الأبصارَ، وخضَعَتْ لها الرِّقابُ [156] يُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/486). ؛ فقَولُه تعالى: تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وقولُه: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ دلَّ على حِكمةِ اللهِ تعالى في آياتِ الرُّسلِ، وأنَّها تُناسِبُ العصرَ الذي بُعِثوا فيه؛ فلذلك أُوتيَ موسى صلَّى الله عليه وسلَّمَ مِن الآياتِ ما يَقضي على سِحْرِهم [157] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 68، 80). .
11- في قَولِه تعالى: تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ أنَّ هذه العصا لم تكُنْ مجرَّدَ حيوانٍ يتحرَّكُ! ولكنَّها أبلَغُ مِن ذلك كَأَنَّهَا جَانٌّ، ومعلومٌ أنَّ الجانَّ بنَفْسِه مُرَوِّعٌ، فالحيَّةُ بنفْسِها مروِّعةٌ، فإذا كانت مِن عظيمِ الحَيَّاتِ صارتْ أشَدَّ وأبلَغَ [158] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 68). .
12- قال تعالى: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ والجانُّ هو الحيَّةُ الصغيرةُ، وقد جاءت آيةٌ أخرى تدُلُّ على خِلافِ ذلك، وهي قولُه تعالى: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107]، وهذه الآيةُ تدُلُّ على شَبَهِ العصا بالثُّعبانِ، وهو لا يُطلَقُ إلَّا على الكبيرِ مِن الحيَّاتِ.
والجوابُ عن هذا: أنَّه شَبَّهها بالثعبانِ في عِظَمِ خِلقتِها، وبالجانِّ في اهتِزازِها وخِفَّتِها، وسرعةِ حرَكتِها؛ فهي جامعةٌ بيْنَ العِظَمِ وخِفَّةِ الحركةِ على خِلافِ العادةِ [159] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 102). ويُنظر أيضًا: ((تفسير السمعاني)) (4/44)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/134). .
13- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ جوازُ أنْ يعتريَ الأنبياءَ الخَوفُ؛ لِقَولِه تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا، وأنَّ ذلك لا يُعَدُّ نقصًا فيهم؛ لأنَّه مِن مقتضى الطبيعةِ البشريَّةِ، وهذا الذي يكونُ مِن مقتضى الطبيعةِ البشريَّةِ لا يُلامُ عليه أحدٌ، فالأنبياءُ يَجوعون ويَعطَشون، ويَبْرُدون ويمرَضون، ويموتون أيضًا؛ قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [160] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 69). [الكهف: 110].
14- في قَولِه تعالى: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ جوازُ توجيهِ الأحكامِ الشرعيَّةِ إلى الأمورِ الفِطريَّةِ، يعني -مثلًا- أنت إذا قلتَ لإنسانٍ: (لا تَخَفْ)، والخَوفُ طبيعيٌّ، فكيف يَدفَعُه عنه؟ فهل يَتوجَّهُ الحُكْمُ إلى مِثْلِ هذه الأمورِ الطبيعيَّةِ؟
نقولُ: نعم يمكنُ؛ لأنَّ الخوفَ -وإنْ كان أمرًا طبيعيًّا غيرَ شعوريٍّ؛ لأنَّه يأتي الإنسانَ بغيرِ اختيارِه- لكِنَّه يمكنُه معالجتُه بالمدافعةِ؛ ولهذا جاء رجلٌ إلى الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقال: أوصني، فقال: ((لا تغضَبْ )) [161] أخرجه البخاري (6116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، والغضبُ مِن طبيعةِ الإنسانِ، لكنْ معنى (لا تغضَبْ ): يعني: حاولْ أنْ تُقَلِّلَ مِن غضَبِك، وأنْ تكونَ دائمًا هادئًا، ثمَّ إنْ غضِبتَ فلا تُنْفِذْ مقتضَى هذا الغضَبِ، فإذَن الأمورُ الطبيعيَّةُ البشريَّةُ التي هي مقتضى الطبيعةِ البشريَّةِ يجوزُ أنْ يُوَجَّهَ الحُكمُ إليها أمرًا أو نهيًا، ويكونُ ذلك مِن بابِ مُدافَعتِها قبْلَ وُجودِها، أو مِن بابِ تقليلِ آثارِها، فلا يقالُ: إنَّ الإنسانَ أُمِرَ بما لا يستطيعُ، فأُمِرَ بعدمِ الغضَبِ وهو لا بُدَّ أنْ يغضَبَ، وأُمِرَ بعدمِ الخَوفِ وهو لا بُدَّ أنْ يَخافَ ممَّا هو مَخُوفٌ [162] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 70). ويُنظر أيضًا: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب الحنبلي (1/364). والقاعدةُ: أنَّ متعلقَ الخطابِ إذا كان مقدورًا حُمل عليه، وإن كان غيرَ مقدورٍ صُرف الخطابُ لثمرته أو سببِه. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (ص: 786). !
15- في قَولِ الله تعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أنَّ أخْذَ الأحكامِ مِن مُقتضى أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه؛ لأنَّ قولَه: فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: أغفِرُ له، وهذا حُكمٌ، وأخذُ الأحكامِ مِن مُقتضى الأسماءِ والصِّفاتِ هذا مِن أحسَنِ ما يكونُ مِن الاستِدلالِ. ذُكِرَ أنَّ رجلًا قَرَأ عندَ أعرابيٍّ: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كَسَبَا نكالًا مِن اللهِ واللهُ غفورٌ رحيمٌ)! فقال الأعرابيُّ -وهو لم يَقرأِ القرآنَ: أعِدِ الآيةَ؛ أخطأتَ فيها، فأعادها مرَّةً ثانيةً، وقال: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كَسَبَا نكالًا مِن اللهِ واللهُ غفورٌ رحيمٌ)! قال له: أعِدِ الآيةَ، فأعادها في الثَّالثةِ على الصَّوابِ، قال: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: 38]، قال: الآنَ؛ فإنَّه عَزَّ وحَكَمَ فقَطَعَ، ولو غَفَرَ ورَحِمَ ما قَطَعَ. وهذا صَحيحٌ [163] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 74). وتُنظر قصَّةُ الأعرابيِّ في: ((تفسير السمعاني)) (2/36)، ((الوافي بالوَفَيَات)) للصَّفَدي (27/227)، ((خِزانة الأدب)) للحَمَوي (1/176)، ((الكشكول)) للعاملي (2/112). .
16- أنَّه مِن الفَصاحةِ والبلاغةِ قَرنُ الحُكمِ بتعليلِه؛ لِقَولِه: فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وتعليلُ هذا الحُكمِ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، وإنَّ قَرْنَ الحُكْمِ بتعليلِه له فوائدُ؛ منها:
الأُولى: بيانُ حِكمةِ اللهِ سُبحانَه في تشريعِه وقضائِه.
الثَّانية: التعميمُ بعُمومِ العلَّةِ.
الثالثةُ: أنَّ المخاطَبَ يَزدادُ طمأنينةً إذا عَلِمَ حِكمةَ الحُكمِ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 81). .
17- في قَولِه تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ أنَّ الفِسقَ يُطلَقُ على الكُفرِ، والفِسقُ نوعان: فِسقٌ مُطلَقٌ، ومُطلَقُ الفِسقِ؛ فالفِسقُ المطلقُ هو الكُفرُ، ومُطلَقُ الفِسقِ هو العصيانُ مِن المؤمِنينَ؛ إذْ إنَّ أصلَ الفِسقِ هو الخُروجُ عن الطَّاعةِ، فإنْ كان خُروجًا كاملًا شاملًا فهو فِسقٌ مُطلَقٌ، وإنْ كان بعضَ خروجٍ فهو مُطلقُ فِسقٍ [165] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 82). .
18- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ لم يَقُلْ سُبحانَه: (هذه)؛ لأنَّه -واللهُ أعلمُ- رَدٌّ على الجائي بالآياتِ، أو يكونُ المرادُ بقولِهم: هَذَا أي: الذي نراه، ثم قال: وَجَحَدُوا بِهَا برَدِّهِ على الآياتِ [166] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/541)، ((تفسير الألوسي)) (10/164). .
وقيل: إنَّه قال هنا: هَذَا سِحْرٌ مِن أجْلِ أن يَشمَلَ كلَّ ما جاء؛ حتى يَشمَلَ موسى نفْسَه، واتِّهامَه بالسِّحرِ [167] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 86). .
19- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ مبالَغةُ صاحبِ الباطلِ بدعْواه؛ حيث قالوا: سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: بَيِّنًا ظاهرًا، ما فيه إشكالٌ، وهكذا المُدَّعي يأتي بالكَلِماتِ التي تُشَبِّهُ على الخلْقِ حتى يَصِلَ إلى ما يريدُ مِن الباطلِ [168] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 86). .
20- نصوصُ القُرآنِ في غيرِ موضِعٍ تدُلُّ على أنَّ الكُفَّارَ كانوا في الدُّنيا مُصَدِّقينَ بالرَّبِّ، حتى فِرعَونُ -الذي أظهَرَ التَّكذيبَ- كان في باطنِه مُصَدِّقًا؛ قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [169] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/151). .
21- مَن عَرَفَ اللهَ بقلبِه ولم يُقِرَّ بلِسانِه، لم يكنْ مُؤمِنًا، كما قال الله تعالى عن قَومِ فِرعَونَ: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [170] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 109). .
22- قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا لَمَّا كان الجَحدُ معناه إنكارُ الشَّيءِ مع العلمِ به؛ حقَّقَ ذلك بقَولِه: وَاسْتَيْقَنَتْهَا [171] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/137). .
23- الجَحدُ لا يكونُ إلَّا بعدَ الاعترافِ بالقَلبِ أو اللِّسانِ، ومنه قَولُه تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [172] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/118). .
24- في قَولِه تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ بيانُ شأْنِه سُبحانَه في كلِّ مَن أنعمَ عليه بنِعمةٍ فكَفَرَها؛ فإنَّه يَسْلُبُه إيَّاها بعدَ أنْ كانت نصيبَه وحظَّه، فهم جَحَدوا بآياتِ اللهِ بعدَ أنْ تيقَّنوا صِحَّتَها [173] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 80). .
25- المعرفةُ بالحقِّ إذا كانت مع الاستِكبارِ عن قَبولِه والجَحدِ له، كانت عَذابًا على صاحِبِها، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [174] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/155). .
26- قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ مجرَّدُ عِلْمِ القلبِ بالحقِّ إنْ لم يقتَرِنْ به عمَلُ القلبِ بموجَبِ عِلمِه -مثلُ: محبَّةِ القلبِ له، واتِّباعِ القلبِ له- لم ينفَعْ صاحبَه، بل أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ عالِمٌ لم يَنفَعْه اللهُ بعلْمِه [175] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/271). .
27- في قَولِه تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ دليلٌ على فضيلةِ التأمُّلِ والتفَكُّرِ في أخبارِ مَن مضى، وأنَّ دراسةَ علمِ التاريخِ مِن الأشياءِ التي جاء بها الشَّرعُ؛ فإنَّنا لا يمكنُ أنْ ننظُرَ كيف كان عاقبتُهم إلَّا بدراسةِ أخبارِهم وتَتَبُّعِها، فعِلْمُ التاريخِ إذَن مِن الأمورِ المقصودةِ [176] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 96). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالَى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ استِئنافٌ ابتدائيٌّ، ومُناسَبةُ مَوقعِها إفادةُ تَنظيرِ تَلقِّي النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ القرآنَ بتلقِّي مُوسى عليه السَّلامُ كلامَ اللهِ؛ إذ نُودِيَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: 9]، وذلك مِن بَديعِ التَّخلُّصِ إلى ذِكْرِ قَصصِ هؤلاء الأنبياءِ عَقِبَ التَّنويهِ بالقرآنِ، وأنَّه مِن لَدُنْ حَكيمٍ عليمٍ، والمعنى: أنَّ اللهَ يقُصُّ عليك مِن أنباءِ الرُّسلِ ما فيه مَثَلٌ لك ولقَومِك، وما يُثبِّتُ به فُؤادَك. وفي ذلك انتقالٌ لنَوعٍ آخَرَ مِن الإعجازِ؛ وهو الإخبارُ عن المُغَيَّباتِ [177] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/224). .
- وإِذْ مَنصوبٌ على المفعوليَّةِ بمُضمَرٍ خُوطِبَ به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأُمِرَ بتِلاوةِ بعضٍ مِن القرآنِ الَّذي يُلقَّاهُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مِن لَدُنْه عزَّ وجلَّ؛ تَقريرًا لِمَا قبْلَه، وتَحقيقًا له، أي: اذكُرْ لهم وقتَ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأهلِه... [178] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/349)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/224). .
- وجُملةُ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ تَمهيدٌ لجُملةِ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ... إلخ [النمل: 8]، وزمانُ قولِ مُوسى لأهلِه هذه المقالةَ هو وقْتُ اجتِلابِه للمُبادَرةِ بالوحيِ إليه؛ فهذه القصَّةُ مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ لحالِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مع قَومِه، ابْتُدِئَت بما تقدَّمَ رِسالةَ مُوسى مِن الأحوالِ؛ إدْماجًا للقصَّةِ في الموعظةِ [179] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/225). .
- والسِّينُ في قولِه: سَآَتِيكُمْ إمَّا للدَّلالةِ على نَوعِ بُعْدِ مسافةِ النَّارِ في الجملةِ حتَّى لا يَستَوحِشوا إنْ أبطأ عنهم؛ لأنَّ السِّينَ حرفُ تنفيسٍ، أي: توسيعٍ لمدَّةِ الفعلِ الضَّيِّقةِ بنقلِه مِن الحالِ إلى الاستِقبالِ. وإمَّا لأنَّه قد يُمكِنُ أنْ يُبطِئَ لما قدَّرَ أنَّه قد يَعرِضُ له ما يُبْطِئُه، وإنْ لم تَطُلِ المسافةُ [180] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير أبي حيان)) (8/210)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273)، ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (7/33). . وقد يُقالُ: إنَّ السِّينَ لِما فيها مِن تقريبِ المدَّةِ أتى بها دُونَ (سوف)؛ لدفعِ الاستيحاشِ عن أهلِه [181] يُنظر: ((حاشية الشهاب على البيضاوي)) (7/33). .
- وإنْ صحَّ أنَّ مُوسى عليه السَّلامُ لم يكُنْ معه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَّا امرأتُه؛ فيكونُ عُبِّرَ في قولِه: سَآَتِيكُمْ بالجمْعِ؛ لَمَّا كنَّى عنها بالأهلِ، أو للتَّعظيمِ؛ مُبالَغةً في التَّسليةِ [182] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/349)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/460)، ((تفسير أبي حيان)) (8/210)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث جاء هنا: سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ، وهو خبرٌ، وفي (طه): لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ [طه: 10]، وفي القَصصِ: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ [القصص: 29]، وهو تَرجٍّ، ومعنى التَّرجِّي مُخالِفٌ لمعنى الخبرِ، ولكنَّ الرَّجاءَ إذا قَوِيَ جازَ للرَّاجِي أنْ يُخبِرَ بذلك، وإنْ كانت الخَيبةُ يجوزُ أنْ تقَعَ. وآثَرَ (أو) على الواوِ لنُكتةٍ بلاغيَّةٍ رائعةٍ؛ فإنَّ (أو) تُفِيدُ التَّخييرَ، وقد بنى الرَّجاءَ على أنَّه إنْ لم يَظفَرْ بحاجتَيهِ جميعًا لم يَعدَمْ واحدةً منهما: إمَّا هِدايةَ الطَّريقِ، وإمَّا اقتباسَ النَّارِ؛ هضْمًا لنفْسِه، واعترافًا بقُصورِه نحوَ ربِّه. وما أدراهُ حينَ قال ذلك أنَّه ظافِرٌ على النَّارِ بحاجَتيهِ الكُلِّيَّتينِ جميعًا، وهما العِزَّانِ: عِزُّ الدُّنيا، وعِزُّ الآخرةِ [183] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/349)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير أبي حيان)) (8/210)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 418)، ((تفسير أبي السعود)) (6/273)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (19/142)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/173). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: بِشِهَابٍ قَبَسٍ، وقال في سُورةِ (طه): بِقَبَسٍ [طه: 10]، وفي سُورةِ القصصِ: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص: 29]؛ لأنَّ الجَذوةَ مِن النَّارِ: خَشبةٌ في رأْسِها قَبَسٌ به شِهابٌ؛ فهي في السُّورِ الثَّلاثِ عبارةٌ عن مُعَبَّرٍ واحدٍ [184] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 174)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/313). .
2- قولُه تعالَى: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- ابتداءُ خِطابِ اللهِ مُوسى بذلك عندَ مَجيئِه: بِشارةٌ له بأنَّه قد قُضِيَ أمْرٌ عظيمٌ تَنتشِرُ منه في أرضِ الشَّامِ كلِّها البَرَكةُ، وتأنيسٌ له، ومُقدِّمةٌ لِمُناجاتِه [185] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/350)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((تفسير أبي حيان)) (8/212)، ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- وأنَّثَ ضَميرَ جَاءَهَا جرْيًا على ما تَقدَّمَ مِن تَسميةِ النُّورِ نارًا بحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى [186] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/226). .
- وقولُه: مَنْ فِي النَّارِ على القَولِ بأنَّ المُرادَ به مُوسى عليه السَّلامُ؛ فإنَّه لَمَّا حلَّ في مَوضعِ النُّورِ صار مُحيطًا به، فتلك الإحاطةُ تُشبِهُ إحاطةَ الظَّرفِ بالمظروفِ، فعُبِّرَ عنه بـ مَنْ فِي النَّارِ وهو نفْسُه. والعُدولُ عن ذِكْرِه بضَميرِ الخِطابِ -كما هو مُقْتضى الظَّاهرِ- أو باسمِه العَلَمِ -إنْ أُرِيدَ العدولُ عن مُقْتضى الظَّاهرِ-؛ لأنَّ في معنى صِلَةِ الموصولِ إيناسًا له وتلطُّفًا. وهذا الكلامُ خبرٌ هو بِشارةٌ لِمُوسى عليه السَّلامُ ببَركةِ النُّبوَّةِ [187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/226). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث جاء هنا فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ، وفي (القصصِ) و(طه): فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ [طه: 11] [القصص: 30]؛ لأنَّه قال في هذه السُّورةِ: سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ [النمل: 7]، فكُرِّرَ آتِيكُمْ، فاسْتُثْقِلَ الجمعُ بيْنَهما وبينَ فَلَمَّا أَتَاهَا، فعُدِلَ إلى قولِه: فَلَمَّا جَاءَهَا بعدَ أنْ كانَا بمعنًى واحدٍ، وأمَّا في السُّورتينِ فلمْ يكنْ إلَّا لَعَلِّي آَتِيكُمْ [طه: 10] [القصص: 29]، فَلَمَّا أَتَاهَا [188] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 191). [طه: 11] [القصص: 30].
- وقولُه: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَعجيبٌ لمُوسى مِن ذلك الأمرِ العظيمِ، وهو إحداثُ أمْرٍ دِينيٍّ مِن تَكليمِه واستِنبائِه، وإعلامٌ له بأنَّ مُرِيدَ ذلك الأمرِ هو ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما، فأعظِمْ بأمْرٍ مُرِيدُه مَن هو ربُّ العالَمينَ! فقولُه: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كالتَّذييلِ والتَّأكيدِ لِمَا تضمَّنَ قولُه: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِن المعاني؛ تَنبيهًا على جَلالةِ الأمْرِ الحادثِ [189] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/350)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/465، 466)، ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- وهو عطْفٌ على ما نُودِيَ به مُوسى على صَريحِ معناهُ؛ إخبارًا بتَنزيهِ اللهِ تعالى عمَّا لا يَليقُ بإلهيَّتِه مِن أحوالِ المُحْدَثاتِ؛ لِيَعلَمَ مُوسى أمْرينِ؛ أحدهما: أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِن اللهِ تعالى، والثَّاني: أنَّ اللهَ مُنزَّهٌ عمَّا عسَى أنْ يَخطُرَ بالبالِ أنَّ جلالتَه في ذلك المكانِ [190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/227). .
- وفي حَذْفِ مُتعلَّقِ التَّنزيهِ إيذانٌ بالعُمومِ المُناسِبِ لمَصدرِ التَّنزيهِ، وهو عمومُ الأشياءِ الَّتي لا يَلِيقُ إثباتُها للهِ تعالى [191] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/227). .
3- قولُه تعالَى: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ استِئنافٌ مَسوقٌ لبَيانِ آثارِ البَرَكةِ المذكورةِ [192] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- قولُه: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صِفتانِ للهِ مُمَهِّدَتانِ لِمَا أراد أنْ يُظهِرَهُ؛ تَنبيهًا على فَخامتِه، يُرِيدُ: أنا القويُّ القادرُ على ما يَبعُدُ مِن الأوهامِ؛ كقلْبِ العصَا حيَّةً، الفاعلُ كلَّ ما أفعَلُه بحِكمةٍ بالغةٍ، وتَدبيرٍ رَصينٍ [193] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/350)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/466)، ((تفسير أبي حيان)) (8/212، 213)، ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- قولُه: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تَقديمُ هذا بيْنَ يدَيْ ما سيُلْقَى إليه مِن الأمرِ لإحداثِ رِباطةِ جأْشٍ لمُوسى؛ لِيَعلَمَ أنَّه خُلِعَت عليه النُّبوَّةُ؛ إذْ أُلْقيَ إليه الوحْيُ، ويَعلَمَ أنَّه سيَتعرَّضُ إلى أذًى وتألُّبٍ عليه، وذلك كِنايةٌ عن كَونِه سيَصيرُ رسولًا، وأنَّ اللهَ يُؤيِّدُه ويَنصُرُه على كلِّ قَويٍّ، ولِيَعلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِن النَّارِ وما تلقَّاهُ مِن الوحْيِ، وما سيُشاهِدُه مِن قلْبِ العصَا حيَّةً: ليس بعَجيبٍ في جانبِ حِكمةِ اللهِ تعالى. فتلك ثَلاثُ كِناياتٍ [194] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/227). .
4- قولُه تعالَى: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
- فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: وَأَلْقِ عَصَاكَ، وفي القَصصِ: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص: 31]؛ لأنَّه قال في هذه السُّورةِ: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ، فحِيلَ بيْنَهما بهذه الجُملةِ، فاسْتُغْنِيَ عن إعادةِ (أنْ)، وفي القصصِ: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص: 30، 31]، فلم يكُنْ بيْنَهما جُملةٌ أُخرى عُطِفَ بها على الأوَّلِ؛ فحَسُنَ إدخالُ (أنْ) [195] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 191). .
- وقيل: لأنَّ ما هنا تقدَّمَهُ فِعلٌ بعْدَ (أنْ)، وهو بُورِكَ؛ فحَسُنَ عطْفُ الفِعلِ عليه، وما هناك لم يَتقدَّمْه فِعلٌ بعْدَ (أنْ)؛ فذُكِرَتْ (أنْ) لِتَكونَ جُملةُ (أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) مَعطوفةً على جُملةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [196] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/350)، ((تفسير البيضاوي)) (4/155)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 418)، ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- وقيل: بلْ قولُه: وَأَلْقِ عَصَاكَ مَعطوفٌ على قولِه: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: 9]، عطفَ جُملةِ الأمْرِ على جُملةِ الخبرِ [197] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/213). .
- والفاءُ في قولِه تعالى: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ فَصيحةٌ؛ تُفصِحُ عن جُملةٍ قد حُذِفَت؛ ثِقةً بظُهورِها، ودَلالةً على سُرعةِ وُقوعِ مَضمونِها، كما في قولِه تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف: 31] بعْدَ قولِه تعالى: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ؛ كأنَّه قِيلَ: فألْقاهَا فانْقلَبَتْ حيَّةً تسْعى، فأبصَرَها، فلَّما أبصَرَها مُتحرِّكةً بسُرعةٍ واضْطِرابٍ... [198] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/213)، ((تفسير أبي السعود)) (6/274). .
- قولُه: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ شبَّهَ العَصَا حالةَ اهْتزازِها بالجانِّ -قيل: وهو صِغارُ الحيَّاتِ-؛ شبَّهها بها في سُرعةِ اضْطِرابِها وحَركَتِها، مع عِظَمِ جُثَّتِها [199] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/213). ؛ فالتَّشبيهُ في سُرعةِ الاضطرابِ؛ لأنَّ الحيَّاتِ خَفيفةُ التَّحرُّكِ [200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/228). .
- قولُه: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ لعلَّ قصْدَ إفادةِ قوَّةِ تَولِّيهِ لَمَّا رأَى عَصاهُ تَهتزُّ هو الدَّاعي لتَأكيدِ فِعلِ وَلَّى بقولِه: مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ؛ فقولُه: وَلَمْ يُعَقِّبْ تأكيدٌ لشِدَّةِ تَولِّيهِ، أي: ولَّى تَولِّيًا قويًّا لا تَردُّدَ فيه [201] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/228). .
- وقولُه: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ مَقولُ قَولٍ مَحذوفٍ، أي: قُلْنا له... والنَّهيُ عن الخوفِ مُسْتعمَلٌ في النَّهيِ عن استِمرارِ الخوفِ؛ لأنَّ خوفَه قد حصَلَ [202] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/228). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث قال هنا: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ، وقال في سورة (القَصصِ): أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ [القصص: 31]؛ فخُصَّتْ هذه السُّورةُ بقولِه: (لَا تَخَفْ)؛ لأنَّه بُنيَ على ذِكرِ الخَوفِ كلامٌ يَليقُ به، وهو قولُه: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، وفي سُورةِ (القَصصِ) اقتُصِر على قولِه: لَا تَخَفْ، ولم يُبْنَ عليه كَلامٌ فَزِيدَ قبْلَه أَقْبِلْ؛ لِيَكونَ في مُقابلةِ مُدْبِرًا، أي: أقْبِلْ آمِنًا غيرَ مُدْبِرٍ ولا تَخَفْ؛ فخُصَّتْ هذه السُّورةُ به [203] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 191). .
- قولُه: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ تَعليلٌ للنَّهيِ عن الخوفِ، وتَحقيقٌ لِمَا يَتضمَّنُه نَهْيُه عن الخَوفِ مِن انتفاءِ مُوجِبِه. وهذا كِنايةٌ عن تَشريفِه بمَرتبةِ الرِّسالةِ؛ إذ عُلِّلَ بأنَّ المُرسَلينَ لا يَخافون لَدى اللهِ تعالى [204] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/228، 229). .
- قوله: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ هذا تَعليمٌ لِمُوسى عليه السَّلامُ التَّخلُّقَ بخُلقِ المُرسَلينَ مِن رِباطةِ الجأْشِ، وليس في النَّهيِ حَطٌّ لمَرتبةِ مُوسى عليه السَّلامُ عن مَراتبِ غيرِه مِن المُرسَلينَ، وإنَّما هو جارٍ على طريقةِ: مِثلُك لا يَبخَلُ [205] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/229). .
5- قولُه تعالَى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
- قولُه: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ عَطْفٌ على قولِه تعالى: وَأَلْقِ عَصَاكَ [النمل: 10]، وما بيْنَهما اعتراضٌ، بعْدَ أنْ أَراهَ آيةَ انقلابِ العصَا ثُعبانًا أَراهُ آيةً أُخرى؛ لِيَطمئِنَّ قلْبُه بالتَّأييدِ [206] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/231). .
- قِيل: في الكلامِ حَذْفٌ، تقديرُه: وأدخِلْ يدَكَ في جَيبِك تَدخُلْ، وأخرِجْها تَخرُجْ، فحُذِفَ مِن الأوَّلِ ما أُثبِتَ مُقابِلُه في الثَّاني، ومِن الثَّاني ما أُثبِتَ مُقابِلُه في الأوَّلِ [207] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/215). . وعلى هذا فيكونُ مِن الاحتباكِ.
- قولُه: فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ كَلامٌ مُستأنَفٌ، وحرْفُ الجرِّ فيه يَتعلَّقُ بمَحذوفٍ، والمعنى: اذهَبْ في تِسعِ آياتٍ إلى فِرعونَ. ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: وألْقِ عصاكَ، وأدخِلْ يدَكَ في تِسعِ آياتٍ؛ فعَلى هذا هو حالٌ مِن المفعولِ، وهو يَدَكَ، أي: أدخِلْ يدَكَ في جَيبِك تَخرُجْ بيضاءَ مُسفِرةً في تِسعِ آياتٍ، مَعدودةً في جُملَتِهنَّ [208] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/351)، ((تفسير البيضاوي)) (4/156)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/471)، ((تفسير أبي حيان)) (8/215)، ((تفسير أبي السعود)) (6/275)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/232). .
- قوله: فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِلَى فِرْعَوْنَ صِفةٌ لـ آَيَاتٍ، أي: آياتٍ مَسوقةٍ إلى فِرْعونَ، وفي هذا إيذانٌ بكلامٍ مَحذوفٍ إيجازًا؛ وهو أمْرُ اللهِ مُوسى بأنْ يَذهَبَ إلى فرعونَ كما بُيِّنَ في سُورةِ (الشُّعراءِ) [209] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/232). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ قال هنا بلفْظِ: إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وفي (القَصصِ) بلفظِ: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: 32]؛ لأنَّ (الملأَ) أشرافُ القومِ، وكانوا في هذه السُّورةِ موصوفينَ بما وصَفهم الله به مِن قولِه: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا الآيةَ [النمل: 14، 15]، فَلَمْ يُسَمِّهم مَلأً، بل سمَّاهم قَومًا، وفي (القصَصِ) لم يَكونوا موصوفينَ بتلكَ الصِّفاتِ فسمَّاهم مَلأً، وعقَّبه: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38]؛ فناسَبَ ذِكْرُ القَومِ هنا، وذِكْرُ المَلأِ هناك [210] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 192)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 420). .
- قولُه: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ تَعليلٌ للإرسالِ، أي: خارجينَ عن الحُدودِ في الكُفْرِ والعُدوانِ [211] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/275). .
6- قولُه تعالَى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أُوجِزَ بَقيَّةُ القصَّةِ، وانتُقِلَ إلى العِبرةِ بتَكذيبِ فِرعونَ وقَومِه الآياتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بذلك حالُ الَّذين كذَّبوا بآياتِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقُصِدَ مِن هذا الإيجازِ طَيُّ بِساطِ القِصَّةِ؛ لِيُنتقَلَ منها إلى قِصَّةِ داودَ، ثمَّ قِصَّةِ سُليمانَ عليهما السَّلامُ المبسوطةِ في هذه السُّورةِ [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/232). .
- وفي قولِه: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ قُوبِلَ بيْن المُبصِرةِ والمُبينِ؛ فكما وَصَفَ آَيَاتُنَا بقولِه: مُبْصِرَةً، قُوبِلَ وَصْفُ السِّحرِ بالمبينِ؛ للتَّطابُقِ بيْن اللَّفظينِ. ويَجوزُ أنْ يُعتبَرَ معنى التَّضادِّ مِن كَونِهما وَصْفينِ للمُتضادَّينِ: الآياتِ والسِّحرِ؛ فيُفِيدُ بُلوغَ كلِّ مِن الحقِّ والباطلِ غايتَه [213] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/352)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/475). .
7- قولُه تعالَى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ في هذا تَمثيلٌ لكُفَّارِ قُريشٍ؛ إذ كانوا مُفسدينَ مُستعلِينَ، وتَحذيرٌ لهم أنْ يَحُلَّ بهم مِثلُ ما حَلَّ بمَن كان قبْلَهم [214] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/216). .
- قولُه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فائدةُ ذِكْرِ الأنفُسِ: أنَّهم جَحَدوها بألْسِنَتِهم، واستَيْقَنوها في قُلوبِهم وضَمائرِهم [215] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/352). .
- والسِّينُ والتَّاءُ في قولِه: وَاسْتَيْقَنَتْهَا؛ للمُبالَغةِ [216] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/232، 233). ، والاستيقانُ أبلَغُ مِن الإيقانِ [217] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/352). .
- ويَحسُنُ أنْ تكونَ جُملةُ وَاسْتَيْقَنَتْهَا حاليَّةً؛ فقولُه: ظُلْمًا وَعُلُوًّا نَشْرٌ على تَرتيبِ اللَّفِّ [218] اللَّف والنَّشْر: هو ذِكرُ شيئينِ أو أشياءَ، إمَّا تفصيلًا -بالنَّصِّ على كلِّ واحدٍ-، أو إجمالًا، بأن يُؤتَى بلفظٍ يشتملُ على متعدِّدٍ، ثم يذكرُ أشياءَ على عدَدِ ذلك، كلُّ واحدٍ يرجِعُ إلى واحدٍ مِن المتقدِّمِ، ويُفوَّضُ إلى عقلِ السامعِ ردُّ كلِّ واحدٍ إلى ما يَليقُ به. فاللَّفُّ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ الذي يُؤتَى به أوَّلًا، والنَّشرُ يُشارُ به إلى المتعدِّدِ اللَّاحقِ الذي يتعلَّقُ كلُّ واحدٍ منه بواحدٍ مِن السَّابقِ دونَ تعيينٍ. مثل قولِه تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111]، أي: وقالت اليهودُ: لن يدخلَ الجنةَ إلَّا اليهودُ، وقالت النَّصارى: لن يدخُلَ الجنةَ إلَّا النَّصارى، وهذا لفٌّ ونَشْر إجماليٌّ. واللَّفُّ المُفصَّلُ يأتي النَّشرُ اللَّاحقُ له على وجهين؛ الوجه الأوَّل: أنْ يأتيَ النَّشرُ على وَفْقِ ترتيبِ اللَّفِ، ويُسَمَّى (اللَّفَّ والنَّشرَ المرتَّبَ). الوجه الثاني: أنْ يأتيَ النَّشرُ على غيرِ تَرتيبِ اللَّفِّ، ويُسمَّى «اللَّفَّ والنشرَ غيرَ المُرتَّبِ»، وقد يُعَبَّرُ عنه بـ (اللَّف والنَّشر المُشَوَّش)، أو (المعكوس). يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 425)، ((التبيان في البيان)) للطيبي (ص: 231، 232)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/320)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/403). ؛ فالظُّلمُ في الجَحدِ بها، والعُلوُّ في كَونِهم مُوقِنين بها [219] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/233). .
- وجُعِل ما هو مَعلومٌ مِن حالِهم فيما لَحِقَ بهم مِن العَذابِ بمَنزلةِ الشَّيءِ المُشاهَدِ للسَّامِعينَ، فأمَر بالنَّظرِ إليه بقولِه: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، والخِطابُ لغَيرِ مُعيَّنٍ. ويَجوزُ أنْ يكونَ الخِطابُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ تَسليةً له بما حلَّ بالمُكذِّبينَ بالرُّسلِ قبْلَه؛ لأنَّ في ذلك تَعريضًا بتَهديدِ المشركينَ بمِثْلِ تلك العاقبةِ. وكَيْفَ يَجوزُ أنْ يكونَ مُجرَّدًا عن معنَى الاستِفهامِ مَنصوبًا على المفعوليَّةِ، ويجوزُ أنْ يكونَ استِفهامًا مُعلِّقًا فِعلَ النَّظرِ عن العَملِ، والاستِفهامُ حينَئذٍ للتَّعجُّبِ [220] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/233). .
- قولُه: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي: ما آلَ إليه فِرعونُ وقومُه مِن الإغراقِ على الوَجْهِ الهائلِ الَّذي هو عِبرةٌ للعالَمينَ؛ وإنَّما لم يُذكَرْ تَنبيهًا على أنَّه عُرضةٌ لكلِّ ناظرٍ، مَشهورٌ فيما بيْنَ كلِّ بادٍ وحاضرٍ [221] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/275). .