موسوعة التفسير

سورةُ طه
الآيات (9-16)

ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ

غريب الكلمات:


آَنَسْتُ: أي: أبصَرتُ، والإيناسُ: الرُّؤيةُ، والعِلمُ، والإحساسُ بالشَّيءِ [69] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 120، 277، 303)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/145)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 285)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 202). .
بِقَبَسٍ: أي: بشُعلةٍ مِن النَّارِ، مِن قَولِهم: قَبَسْتُه نارًا: إذا جِئتَه بها [70] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/20)، ((البسيط)) للواحدي (17/163)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 739)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 285). .
بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى: طُوى هو اسمُ الوادي، أو مصدرٌ، كقولِك: ناديتُ طُوى، أي: مرَّتين، أي: قُدِّس مرتين، والمقدَّس: المطهَّر، وأصلُ (قدس): طُهْرٌ [71] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/26)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/63)، ((المفردات)) للراغب (ص: 534)، ((تفسير القرطبي)) (11/175)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 285)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 585). .
فَتَرْدَى: أي: تَهلِكَ، والرَّدَى: الموتُ والهلاكُ، وأصلُ (ردي): يدُلُّ على رَميٍ وتَرامٍ [72] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 278)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 148)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/506)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 229). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى مبينًا قصةَ موسَى عليه السلامُ بشيءٍ مِن التفصيلِ: وهل أتاك -يا مُحمَّدُ- خبَرُ موسى حين رأى نارًا مُوقَدةً في ليلةٍ مُظلِمةٍ، فقال لأهلِه: انتَظِروا لقد أبصرتُ نارًا، لعلِّي أجيئُكم منها بشُعلةٍ تَستَدفِئونَ بها، أو أجِدُ عندها هاديًا يدُلُّنا على الطَّريقِ.
فلمَّا أتى موسى تلك النَّارَ ناداه الله: يا موسى، إنِّي أنا ربُّك، فاخلَعْ نَعلَيك؛ لأنَّك بوادي «طُوًى» المطَهَّرِ المُبارَكِ، وإنِّي اخترتُك -يا موسى- لرسالتي وكلامي، فاستَمِعْ لِما يُوحَى إليك مِنِّي، إنَّني أنا اللهُ لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا أنا، لا شريكَ لي؛ فاعبُدني وحدي، وأقِمِ الصَّلاةَ لتَذكُرَني فيها.
ثمَّ بيَّن سبحانه أنَّ الساعةَ آتيةٌ، وحذَّر مِن عدمِ الاستعدادِ لها فقال: إنَّ القيامةَ آتيةٌ لا بُدَّ مِن وُقوعِها، أكادُ أُخفيها مِن نَفسي، فلا يَعلَمُها أحَدٌ. تقومُ السَّاعةُ لكي تُجزى كلُّ نفسٍ بما عَمِلَت في الدُّنيا من خيرٍ أو شَرٍّ، فلا يَصرِفَنَّك -يا موسى- عن الإيمانِ بها والاستعدادِ لها مَن لا يصَدِّقُ بوُقوعِها، ولا يعمَلُ لها، واتَّبَعَ شهواتِه؛ فتَهلِكَ.

تفسير الآيات:


وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لما عظَّمَ الله تعالى حال القرآنِ وحال الرسولِ فيما كلَّفه؛ أتبع ذلك بما يقَوِّي قَلبَ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن ذِكرِ أحوال الأنبياءِ عليهم السَّلامُ؛ تقويةً لقَلبِه في الإبلاغِ، وبدأ بموسى -عليه السلام- لأنَّ المِحنةَ والفِتنةَ الحاصلة له كانت أعظَمَ؛ ليُسَلِّيَ قَلبَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك، ويصَبِّرَه على تحمُّلِ المكارهِ [73] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢٢/١٥). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الزمخشري)) (3/53)، ((تفسير البيضاوي)) (4/23)، ((تفسير أبي حيان)) (7/314)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/193). وقال أبو السعودِ: (وأمَّا ما قيل من أنَّ ذلك لترغيبِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الائتِساءِ بموسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في تحمُّلِ أعباءِ النبُوَّةِ، والصَّبرِ على مقاساةِ الخُطوبِ في تبليغِ أحكامِ الرِّسالةِ: فيأباه أنَّ مَساقَ النَّظمِ الكريمِ لصَرفِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن اقتِحامِ المشاقِّ). ((تفسير أبي السعود)) (6/6). .
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9).
أي: وهل أتاك [74] قال الشربيني: (هذا محتمِلٌ لأن يكونَ هذا أوَّلَ ما أُخبِرَ به مِن أمرِ موسى فقال: وَهَلْ أَتَاكَ أي: لم يأتِك إلى الآن فتنبَّه له، وهذا قولُ الكلبيِّ، ومحتملٌ أنْ يكونَ قد أتاه ذلك في الزمانِ المتقَدِّمِ، فكأنَّه قال: أليس قد أتاك؟ وهذا قولُ مقاتلٍ والضحاكِ عن ابنِ عباسٍ). ((تفسير الشربيني)) (2/451). -يا مُحمَّدُ- خبَرُ موسى [75] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/18)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 692)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502). ؟
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10).
إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا.
أي: حين رأى نارًا -وهو مسافِرٌ مِن مَدينَ إلى مِصرَ في ليلةٍ مُظْلِمةٍ باردةٍ- فقال لزوجتِه ووَلَدِه: أقيموا أنتم في مكانِكم، فقد أبصرتُ نارًا [76] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/18، 20)، ((تفسير الزمخشري)) (3/53)، ((تفسير ابن كثير)) (5/275، 276)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/275)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/194). قال ابن عاشور: (والأهلُ: الزوجُ والأولادُ، وكانوا معه بقرينةِ الجمعِ في قولِه: امْكُثُوا). ((تفسير ابن عاشور)) (16/194). .
لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ.
أي: وأنا ذاهبٌ إليها رجاءَ أنْ أجلِبَ منها شعلةً تَستَدفِئونَ بها [77] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/20)، ((تفسير ابن عطية)) (4/38)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/275)، ((تفسير السعدي)) (ص: 502). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: 29].
وقال سُبحانَه: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [النمل: 7].
أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى.
أي: أو رجاءَ أنْ ألقَى عندَ تلك النَّارِ ما يَهديني الطريقَ الذي ضَلَلْناه [78] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/20)، ((البسيط)) للواحدي (14/365)، ((تفسير ابن عطية)) (4/38)، ((تفسير ابن كثير)) (5/276)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/275)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/194). قال ابنُ جرير: (قوله: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10] دلالةٌ تدلُّ على الطريقِ الذي أضلَلْناه؛ إمَّا مِن خبرِ هاد يهدينا إليه، وإمَّا مِن بيانٍ وعلمٍ نتبيَّنُه به ونَعرِفُه). ((تفسير ابن جرير)) (16/20). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/38). .
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11).
أي: فلما أتَى موسى إلى النَّارِ ناداه اللهُ، فقال: يا موسى [79] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/22)، ((تفسير القرطبي)) (11/172)، ((تفسير ابن كثير)) (5/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). قال السعدي: (فَلَمَّا أَتَاهَا أي: النَّارَ التي آنسَها من بعيدٍ، وكانت -في الحقيقة- نورًا، وهي نارٌ تَحرِق وتُشرِق، ويدلُّ على ذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «حِجابُه النورُ أو النَّارُ، لو كَشَفَه لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجهِه ما انتهى إليه بصُرُه»). ((تفسير السعدي)) (ص: 503). !
كما قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: 8، 9].
وقال سُبحانَه: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30].
وقال عز وجل: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: 52].
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12).
أي: إني أنا ربُّك الذي يكَلِّمُك ويخاطِبُك -يا موسى- فاخلَعْ نَعلَيك؛ لأنَّك بالوادي المُطَهَّرِ المبارَك المُسمَّى طُوًى [80] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/25، 26، 30)، ((تفسير ابن كثير)) (5/276-277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). قال الواحدي عن طُوًى: (قال ابنُ عبَّاس: هو اسمُ الوادي. وهو قَولُ جميعِ المفسِّرينَ). ((البسيط)) (14/369). وقال ابنُ جرير: (أمَرَه الله -تعالى ذِكرُه- بخَلعِ نَعلَيه ليباشِرَ بقَدَميه بركةَ الوادي؛ إذ كان واديًا مُقَدَّسًا، وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلينِ بالصوابِ؛ لأنَّه لا دلالةَ في ظاهِرِ التنزيلِ على أنَّه أُمِرَ بخلعِهما مِن أجلِ أنهما مِن جِلدِ حِمارٍ، ولا لنجاسَتِهما! ولا خبَرَ بذلك عمَّن يلزَمُ بقَولِه الحُجَّة، وإنَّ في قَولِه إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ بعَقِبِه دَليلًا واضِحًا على أنَّه إنما أمَرَه بخَلْعِهما لِما ذَكَرْنا). ((تفسير ابن جرير)) (16/25). وقال ابنُ عطية: (تحتملُ الآيةُ معنى آخرَ هو الأليقُ بها عندي، وذلك أنَّ الله تعالى أمره أنْ يتواضعَ لعظمِ الحالِ التي حصَل فيها، والعرفُ عندَ الملوكِ أنْ تُخلعَ النعلانِ، ويبلغَ الإنسانُ إلى غايةِ تواضعِه، فكأنَّ موسى عليه السلام أُمِر بذلك على هذا الوجهِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/39). وقال ابنُ كثير: (قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأبو ذرٍّ، وأبو أيوبَ، وغيرُ واحدٍ مِن السلفِ: كانتا مِن جِلدِ حمارٍ غيرِ ذَكيٍّ. وقيل: إنما أمَرَه بخلعِ نعليه تعظيمًا للبقعةِ. قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: كما يُؤمَرُ الرجلُ أنْ يخلعَ نعلَيهِ إذا أراد أنْ يدخُلَ الكعبةَ. وقيل: ليطأَ الأرضَ المقدَّسة بقدميه حافيًا غير مُنتَعِلٍ. وقيل غير ذلك، والله أعلم). ((تفسير ابن كثير)) (5/276). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30].
وقال سُبحانَه: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: 15، 16].
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13).
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ.
أي: وأنا اخترتُك -يا موسى- مِن بينِ النَّاسِ للنبُوَّةِ والرِّسالةِ، وسَماعِ كلامي مُباشَرةً [81] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/31)، ((تفسير ابن كثير)) (5/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
كما قال تعالى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [الأعراف: 144].
فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى.
أي: فأنصِتْ -يا موسى- مُلقيًا سَمْعَك ومُعمِلًا قَلْبَك لوعْيِ ما أُوحِيه إليك الآنَ مِن كلامي [82] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/31)، ((تفسير ابن كثير)) (5/277)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/276)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14).
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا.
أي: إنَّني أنا اللهُ الذي لا معبودَ بحقٍّ غيري، ولا يستحقُّ العبادةَ أحدٌ سِواي [83] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/31)، ((تفسير ابن كثير)) (5/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
فَاعْبُدْنِي.
أي: فأخلِصْ لي وَحْدي جميعَ أنواعِ العبادةِ -يا موسى- وقُمْ بعبادتي دونَ أنْ تُشرِكَ بي شيئًا [84] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/31)، ((تفسير ابن كثير)) (5/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.
أي: وأقِمِ الصَّلاةَ -يا موسى- لأجلِ أنْ تذكُرَني فيها، متى ما ذكرْتَ أنَّ عليك صلاةً [85] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/33)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/201). وقال ابن عاشور: (الذكرُ يجوزُ أنْ يكونَ بمعنى التذكرِ بالعقلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ الذكرُ باللسانِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/201). قال ابن الجوزي: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي فيه قولان: أحدهما: أقمِ الصلاةَ متى ذكرتَ أنَّ عليكَ صلاةً، سواء كنتَ في وقتِها أو لم تكنْ، هذا قولُ الأكثرينَ. والثاني: أقمِ الصلاةَ لتَذْكُرَني فيها، قاله مجاهدٌ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/154). ونسَب القولَ الأوَّل أيضًا ابنُ عبدِ البرِّ إلى أكثرِ أهلِ العلمِ، ونسَبه الواحدي إلى عامةِ المفسرينَ. يُنظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (1/90)، ((الوسيط)) للواحدي (3/202). ويشهدُ لمعناه حديثُ أنس أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إِذا رَقَد أحَدُكم عن الصَّلاةِ، أو غَفَل عنها، فلْيُصَلِّها إذا ذكَرَها؛ فإنَّ اللهَ يقولُ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) أخرجه البخاري (597)، ومسلم (684) واللفظ له. وممن اختار القولَ الثاني: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ قتيبةَ، وابنُ جريرٍ، وابنُ رجب، والقاسمي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/23)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 277)، ((تفسير ابن جرير)) (16/32)، ((فتح الباري)) لابن رجب (5/133)، ((تفسير القاسمي)) (7/121)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). قال ابن القيم: (قال سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. قيل: المصدرُ مضافٌ إلى الفاعلِ، أي: لأذكرَك بها، وقيل: مضافٌ إلى المذكورِ، أي: لتذكروني بها. واللامُ على هذا لامُ التعليلِ. وقيل: هي اللامُ الوقتيةُ، أي: أقمِ الصلاةَ عندَ ذكري، كقولِه: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: 78]، وقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47]... والأظهرُ أنَّها لامُ التعليلِ، أي: أقمِ الصلاةَ لأجلِ ذكري. ويلزمُ مِن هذا أنْ تكونَ إقامتُها عندَ ذكرِه، وإذا ذكَر العبدُ ربَّه، فذكرُ الله تعالى سابقٌ على ذكرِه، فإنَّه لما ذكرَه ألهَمه ذكرَه، فالمعاني الثلاثةُ حقٌّ). ((الوابل الصيب)) (ص: 74). وقال الجصاص بعد أنْ ذكر أنَّ المعاني التي ذكرها المفسرون غير متنافية: (فكأنَّه قال: أقِمْ الصَّلاةَ إذا ذكرْتَ الصَّلاةَ المنسِيَّةَ؛ لتذكُرَني فيها بالتَّسبيحِ والتَّعظيمِ؛ لأنْ أذكُرَكَ بالثَّناءِ والمدحِ؛ فيكونُ جميعُ هذه المعاني مرادةً بالآيةِ). ((أحكام القرآن)) للجصاص (5/50). .
إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لمَّا ذكر الله تعالى الأمرَ بالعبادةِ، وإقامةِ الصلاةِ؛ ذكَرَ الحامِلَ على ذلك وهو: البَعثُ والمعادُ للجَزاءِ [86] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/318). ، فعَلَّل الأمرَ بالعبادةِ بأنَّه لم يخلُقِ الخَلقَ سُدًى، بل لا بُدَّ مِن إماتتِهم ثمَّ بَعْثِهم؛ لإظهارِ العَظَمةِ، ونَصبِ مَوازينِ العَدلِ [87] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/277). .
إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا.
أي: إنَّ السَّاعةَ التي يُبعَثُ فيها الخلائِقُ مِن قُبورِهم لموقِفِ القيامةِ آتيةٌ لا محالةَ، وأكاد أستُرُها مِن نفسي، فلا يمكِنُ لأحدٍ أنْ يطَّلِعَ عليها [88] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 277)، ((تفسير ابن جرير)) (16/34، 37)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (10/79)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). قال ابنُ عطية: (الساعةُ في هذه الآيةِ القيامةُ، بلا خلافٍ). ((تفسير ابن عطية)) (4/39، 40). وممن ذهب إلى أنَّ معنى: أَكَادُ أُخْفِيهَا أي: مِن نفسي: ابنُ قتيبةَ، وابنُ جريرٍ، وابنُ تيميةَ، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. وقد نسبه الواحديُّ إلى أكثر المفسِّرينَ، فقال: (قولُه تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قال أكثرُ المفسرينَ: «أُخفيها من نفسي»، وهذا قولُ سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، ومجاهدٍ، وعطاءِ بنِ السائبِ. وهذا التفسيرُ موافقٌ لما رُويَ: أنَّ في مصحف أُبَيٍّ: «أكادُ أُخفيها مِن نفسي، فكيفَ يعلَمُها مخلوقٌ»، وفي بعضِ القراءاتِ: «أكادُ أُخفيها مِن نفسي، فكيفَ أُظهِرُكم عليها»). ((البسيط)) (14/372). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/277). وقال الواحدي: (على هذا معنى الآيةِ: إنَّ الله تعالى بالغَ في إخفاء الساعة، فذكَرَه بأبلغِ ما تعرِفُه العَرَبُ في مثلِه... والمعنى: أنه لم يُطلِعْ على وقتِ قيامِ الساعة ملكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا، حتى لو جاز أنْ يُخفِيَه عن نفسه أخفاها. قال ابنُ الأنباري: والمعنى في إخفائِها التهويلُ والتخويفُ؛ لأنَّ النَّاسَ إذا لم يعلموا متى تقومُ الساعةُ كانوا على حَذَرٍ منها كلَّ وقتٍ. هذا معنى قولِ المفسرينَ في هذه الآيةِ. و«كاد» -على قولِهم- للمُقاربةِ). ((البسيط)) (14/373). .
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى.
أي: إنَّ السَّاعةَ آتيةٌ؛ لتنالَ كلُّ نفسٍ جزاءَ ما تعمَلُه في الدُّنيا مِن خيرٍ وشرٍّ [89] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/24)، ((تفسير ابن جرير)) (16/41)، ((تفسير ابن كثير)) (5/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7- 8].
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16).
أي: فلا يَصرِفنَّكَ -يا موسى- عن الإيمانِ بالسَّاعةِ، والاستعدادِ لها مَنْ لا يُقِرُّ بقيامِها، ولا يُصدِّقُ بها، فلا يرجو ثوابًا، ولا يخافُ عقابًا، واتَّبَعَ شَهَواتِه، وخالَف أمْرَ اللهِ ونَهْيَه؛ فتَهلِكَ [90] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/41)، ((تفسير القرطبي)) (11/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 503). قال ابن عطية: (هذا الخطابُ كلُّه لموسى عليه السلامُ وكذلك ما بعدَه، وقال النقَّاش: «الخطابُ بـ  فَلَا يَصُدَّنَّكَ لمحمد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ»، وهذا بعيد). ((تفسير ابن عطية)) (4/40). وممَّن نصَّ على أنَّ الخطاب هنا لموسى عليه السَّلام: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/41). وممَّن ذهب إلى أنَّ الخطاب لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: مقاتلُ بنُ سليمانَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/24). وقال ابنُ كثير: (المرادُ بهذا الخطابِ آحادُ المكَلَّفين، أي: لا تتَّبعوا سبيلَ مَن كَذَّب بالساعةِ، وأقبَل على ملاذِّه في دنياه، وعصَى مولاه، واتَّبعَ هواه، فمَن وافَقَهم على ذلك فقد خاب وخَسِر). ((تفسير ابن كثير)) (5/278). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي أي: أقِمِ الصَّلاةَ لأجلِ أنْ تذكُرَني؛ فالصَّلاةُ تُذكِّرُ العبدَ بخالِقِه؛ إذ يستشعِرُ أنَّه واقفٌ بين يَدَيِ الله لمناجاته، ففي هذا الكلامِ إيماءٌ إلى حِكمةِ مَشروعيَّةِ الصَّلاةِ، وبضَميمتِه إلى قَولِه تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] يظهر أنَّ التقوى مِن حكمةِ مَشروعيَّةِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ المكَلَّفَ إذا ذكَرَ أمرَ اللهِ ونَهْيَه، فعَلَ ما أمَرَه، واجتنَبَ ما نهاه عنه، والله عَرَّف موسى حِكمةَ الصَّلاةِ مجملةً، وعَرَّفَها مُحمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم مُفَصَّلةً [91] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (١٦/٢٠١). .
2- قوله تعالى: لِذِكْرِي أي: أقم الصلاةَ لأجلِ ذكرك إياي؛ لأنَّ ذكرَه تعالى أجلُّ المقاصدِ، وهو عبوديةُ القلبِ، وبه سعادتُه، فالقلبُ المعطلُ عن ذكرِ الله، معطلٌ عن كلِّ خيرٍ، وقد خرِب كلَّ الخرابِ، فشرَع الله للعبادِ أنواعَ العباداتِ، التي المقصودُ منها إقامةُ ذكرِه، وخصوصًا الصلاةَ. قال الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ [العنكبوت: 45] أي: ما فيها مِن ذكرِ الله أكبرُ مِن نهيها عن الفحشاءِ والمنكرِ، وهذا النوعُ يُقال له: توحيدُ الألوهية، وتوحيدُ العبادةِ، فالألوهيةُ وصفُه تعالى، والعبوديةُ وصفُ عبدِه [92] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
3- قولُ الله تعالى: فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى فيه تنبيهٌ وإشارةٌ إلى التَّحذيرِ عن كُلِّ داعٍ إلى باطِلٍ، يصُدُّ عن الإيمانِ الواجِبِ، أو عن كَمالِه، أو يُوقِعُ الشُّبهةَ في القَلبِ، وعن النَّظَرِ في الكُتُبِ المُشتَمِلةِ على ذلك [93] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 503). .
4- قولُ الله تعالى: فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَن ترَكَ المراقبةَ لَحظةً حاد عن الدَّليلِ، ومن حاد عن الدَّليلِ هلك [94] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (١٢/٢٧٩). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال اللهُ تعالى عن موسى: إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى كان مطلَبُه النَّورَ الحِسيَّ، والهدايةَ الحِسيَّةَ، فوجَدَ ثَمَّ النُّورَ المعنويَّ؛ نورَ الوَحيِ الذي تستنيرُ به الأرواحُ والقُلوبُ، والهدايةَ الحقيقيَّةَ؛ هدايةَ الصِّراطِ المستقيمِ، المُوصِلةَ إلى جنَّاتِ النَّعيمِ، فحصل له أمرٌ لم يكُنْ في حِسابِه، ولا خطَرَ ببالِه [95] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 502). .
2- قولُ الله تعالى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى يُستدَلُّ به على استِحبابِ المشيِ حافيًا في البِقاعِ الشَّريفةِ [96] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: ١٧6). ، وذلك بناء على أنَّ الأمرَ بالخلعِ كان تعظيمًا للبقعةِ.
3- في قَولِه تعالى -عن موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ دليلٌ على أنَّ طَلَبَ النَّارِ مباحٌ، ولا يكونُ في عِدَادِ المسألةِ المذمومةِ [97] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/541). .
4- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى حُجةٌ على مَن يقولُ بخَلْقِ القرآنِ، ويزعمُ أنَّ اللهَ لا يجوزُ عليه الكلامُ! فيقالُ له: مَن نادَى موسى بهذا النداءِ؟ فإنْ قال: لم ينادِه ربُّه، إنَّما ناداه بعضُ ملائكتِه، قيل: إِنِّي أَنَا راجِعٌ على مَن؟ فإنْ قال: على المَلَك، كَفَرَ حيثُ جعلَه ربَّ موسى -ولنْ يقولَه إنْ شاء الله- وإنْ قال: هو راجعٌ على الله -جلَّ اللهُ- قيل له: أفيجوزُ أنْ يكونَ ذلك راجعًا عليه، والنداءُ مِن غيرِه؟ فإنْ قال: لا يجوزُ، إنَّه محالٌ، أقرَّ بأنَّ اللهَ متكلمٌ وأنَّ: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكلَّ ما بعدَه مِن: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ مِن الابتداءِ والجوابِ لموسى، هو كلامُه سُبحانَه، وكلامُه لا يكونُ مخلوقًا؛ لأنَّه صفةٌ مِن صفاتِه، ولا يجوزُ عندنا -وعنده وعند مَن يؤمنُ به- أنْ يكونَ شيءٌ مِن صفاتِه مخلوقًا، ولو كان: «نودِيَ يا موسى، إنه هو ربُّك، وهو اختارك، أنَّه لا إله إلا هو فاعبده، وأقَمِ الصلاةَ لذِكْرِه» وكلُّ ما بعده على هذا المعنى؛ لكان قولُه حينئذٍ أوجهَ في المخلوقِ في حقِّ الكلامِ -وإنْ كان خطأً مِن كلِّ جهةٍ- فهذا وما يشاكلُه في القرآنِ واضحٌ بلا شبهةٍ: أنَّ اللهَ متكلِّمٌ ناطقٌ، وإذا كان متكلمًا ناطقًا، فما خَرَجَ منه مِن كلامِه كان غيرَ مخلوقٍ [98] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/282). .
5- قَولُه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى دليلٌ على تكليمٍ سَمِعَه موسى، والمعنى المجَرَّدُ لا يُسمَعُ بالضرورةِ، ومن قال إنه يُسمَعُ فهو مكابِرٌ، ودليلٌ على أنَّه ناداه، والنداءُ لا يكونُ إلا صوتًا مَسموعًا، ولا يُعقَلُ في لغة العربِ لَفظُ النداءِ بغَيرِ صَوتٍ مَسموعٍ [99] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/130). ، وأيضًا فالله تعالى أمَر بالاستماعِ إلى ما يُوحَى، والاستماعُ عندَ العربِ لا يكونُ إلَّا إلى صوتٍ وحرفٍ، ولا يكونُ الاستماعُ إلى الصفةِ القائمةِ بالذاتِ؛ لأنَّ ذلك لا يُعقلُ، ألا ترَى أنَّه لو قال: استمِعْ إلى بصرِ الله وسمعِه وحياتِه وقدرتِه؛ لكان ذلك محالًا مِن الكلامِ، وهي صفاتٌ قائمةٌ بالذَّاتِ، وأيضًا فإنَّ الله أخبَر عمَّا أمَره بالاستماعِ إليه، فقال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي فجمَع بالآيةِ بينَ الإخبارِ بأنَّه لا إلهَ إلَّا هو، وأنَّ الساعةَ آتيةٌ، وأنَّه يُخفيها وتُجزى كلُّ نفسٍ بما تسعَى، وبينَ أمرِه له بالعبادةِ، وإقامةِ الصلاةِ لذكرِه، وهذه معانٍ مختلفةٌ [100] يُنظر: ((الانتصار)) للعمراني (2/593). .
6- في قَولِه تعالى: يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ دليلٌ على أنَّ كلامَ اللهِ حروفٌ؛ فإنَّ هذه الكَلِماتِ حروفٌ، وهي كلامُ اللهِ [101] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (5/37). .
7- في قَولِه تعالى: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا دلالةٌ على أنَّ موسى سَمِعَ كلامَ اللهِ مِن اللهِ بلا واسِطةٍ [102] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/558). .
8- في قولِه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ وقَعَ الإخبارُ عن ضَميرِ المُتكلِّمِ باسْمِه العَلَمِ، الدَّالِّ على الذَّاتِ، المُستحقِّ لجَميعِ المَحامدِ، وذلك أوَّلُ ما يجِبُ عِلْمُه من شُؤونِ الإلهيَّةِ؛ وهو أنْ يعلَمَ الاسمَ الَّذي جعَلَه اللهُ علَمًا عليه؛ لأنَّ ذلك هو الأصْلُ لجميعِ ما سيُخاطَبُ به من الأحكامِ المُبلَّغةِ عن ربِّهم [103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/199). .
9- قولُ الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي استَدَلَّ بعُمومِ هذه الآيةِ مَن قال: تُقضى الصَّلاةُ في الأوقاتِ المكروهةِ، وأنَّه لا تؤخَّرُ إلى مِثلِ وَقتِها في الغَدِ [104] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: ١٧6). . وذلك على قولٍ في تفسيرِ الآيةِ.
10- قولُ الله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ النبُوَّةَ لا تحصُلُ بالاستِحقاقِ؛ لأنَّ قَولَه تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يدلُّ على أنَّ ذلك المنصِبَ العليَّ إنَّما حصل؛ لأنَّ الله تعالى اختاره له ابتداءً، لا أنَّه استحَقَّه على الله تعالى [105] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (٢٢/١٩). .
11- قال الله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ: (أوَّلُ العِلمِ الاستِماعُ، ثمَّ الفَهمُ، ثمَّ الحِفظُ، ثمَّ العَمَلُ، ثمَّ النَّشرُ) [106] أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (7/274)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (3/284)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (1/476). ، فإذا استمع العبدُ إلى كتابِ الله تعالى وسنَّةِ نَبيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بنيَّةٍ صادِقةٍ على ما يحِبُّ الله، أفهَمَه كما يحِبُّ، وجعَلَ له في قلبِه نورًا [107] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/176). .
12- اللهُ تعالى يَذْكُرُ نفسَه أحيانًا بصيغةِ العَظَمةِ، مثل قَولِه: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1]، ومِثل قَولِه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، ومثل قَولِه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: 12]، وأحيانًا يَذْكُرُ نفسَه بصيغةِ الواحدِ، مثلُ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، ووجهُ ذلك: أنه واحِدٌ عظيمٌ، فباعتبارِ الصِّفةِ يأتي ضميرُ العَظَمةِ، وباعتبارِ الوحدانيَّةِ يأتي ضميرُ الواحدِ [108] يُنظر: ((تفسير جزء عم)) لابن عثيمين (ص: 268). .
13- قولُ الله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ذُكِرَ الاسمُ العَلَمُ؛ لأنَّ هذا مقامُه؛ إذ الأنسَبُ للملطوفِ به -بعد التعرُّفِ إليه بالإكرامِ- الإقامةُ في مقامِ الجَلالِ والجَمالِ [109] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (١٢/٢٧٧). .
14- قولُ الله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ ذُكِرَ فيه الإيمانُ به تعالى، وعبادتُه، والإيمانُ باليومِ الآخِرِ؛ لأنَّ هذه الأمورَ الثَّلاثةَ أصولُ الإيمانِ، ورُكنُ الدِّينِ، وإذا تمَّت تمَّ أمرُ الدين، ونقصُه أو فَقدُه بنَقصِها، أو نقصِ شَيءٍ منها [110] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: ٥٠٣). .
15- قولُ الله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ فيه إشارةٌ إلى أنَّ أوَّلَ ما يتعارَفُ به المتلاقُونَ أنْ يَعرِفوا أسماءَهم، فأشار اللهُ إلى أنَّه عالمٌ باسمِ كليمِه، وعَلَّمَ كليمَه اسمَه، وهو اللهُ [111] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (١٦/١٩٩). .
16- قال الله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا هذا أوَّلُ واجبٍ على المكَلَّفينَ: أنْ يَعلَموا أنَّه لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَه لا شريكَ له [112] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/277). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى استئنافٌ مَسوقٌ لتَقريرِ أمْرِ التَّوحيدِ الَّذي إليه يَنْتهي مَساقُ الحديثِ، وبَيانِ أنَّه أمْرٌ مُستمِرٌّ فيما بينَ الأنبياءِ كابرًا عن كابرٍ [113] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/6). ، وهو تَسليةٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ الَّذين كذَّبوه سيكونُ جَزاؤُهم جَزاءَ مَن سلَفَهم مِنَ المُكذِّبينَ [114] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/193). .
- قولُه: وَهَلْ أَتَاكَ ... استفهامُ تَقريرٍ يحُثُّ على الإصغاءِ لِمَا يُلْقَى إليه وعلى التَّأسِّي، وأُوثِرَ حرْفُ (هل) في هذا المقامِ؛ لِمَا فيه مِن معنى التَّحقيقِ؛ لأنَّ (هل) في الاستفهامِ مثْلُ (قد) في الإخبارِ [115] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/314)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/195). . والمقصودُ منه تقريرُ الجوابِ في قلبِ محمدٍ عليه السلامُ، وهذه الصيغةُ أبلغُ في ذلك، كما يقول المرءُ لصاحبِه: هل بلغك خبرُ كذا؟ فيتطلَّع السامعُ إلى معرفةِ ما يرمي إليه [116] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/16). . وقيل: إنَّه استفهامٌ معناه النَّفيُ، أي: ما أخبَرْناك قبْلَ هذه السُّورةِ بقصَّةِ مُوسى، ونحن الآن قاصُّونَ قِصَّتَه لِتَتسلَّى وتَتأسَّى [117] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/314). .
- وفيه مُناسَبَةٌ حسَنةٌ؛ حيث قال عَزَّ وجَلَّ هنا حكايةً عن قولِ موسى عليه السلامُ لأهْلِه: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10]، وقال في آيةِ سورة (النمل): سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ [النمل: 7]، وقال في (القَصصِ): لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص: 29]. وأيضًا قولُه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، إلى قولِه: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه: 11-17]، وفي السُّورةِ الثَّانيةِ: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ [النمل: 8-10]، وكذلك جاء في سُورةِ (القصصِ): فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص: 30، 31]؛ ووجهُ هذا الاختِلافِ على وجْهِ العُمومِ: أنَّ اللهَ تعالى لم يُخبِرْ أنَّه خاطَبَ مُوسى عليه السَّلامُ باللُّغةِ العربيةِ بألفاظٍ إذا عدَلَ عنها إلى غيرِها ممَّا يُخالِفُ معناها، كان اختلافًا في القُرآنِ فيه، بل مَعلومٌ أنَّ الخِطابَ كان بغيرِ هذه اللُّغةِ [118] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 891). ، وأنَّ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ لم تُرَدْ حِكايتُه إلَّا بالمعنى؛ لاختِلافِ اللِّسانينِ، والتَّرادُفُ فيما بين اللُّغتينِ في كُلِّ لفَظتينِ -يُرادُ بهما معنًى واحدٌ- غيرُ مُطَّرِدٍ؛ وعليه فلا إشكالَ في أنَّ المعنى قد يتوقَّفُ حُصولُه على الكَمالِ على تَعبيرينِ أو أكثَرَ، لا سيَّما مع ما في اللِّسانِ العربيِّ من الاشتراكِ، والعُمومِ والخُصوصِ، والإطلاقِ والتَّقييدِ، وغيرِ ذلك من عوارضِ الألفاظِ، فلا يُنْكَرُ اختِلافُ التَّعبيرِ عنِ المعنى الواحدِ بألفاظٍ وعباراتٍ مُختلفةٍ، بل لو كان المَحْكيُّ قولًا عربيًّا وحُكِيَ بالمعنى، لَمَا اسْتُنْكِرَ اختِلافُ العبارةِ؛ فكيف مع اختِلافِ اللِّسانينِ [119] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/337). ؟!
وأيضًا أنَّه تعالى أخبَرَ في بعضِ السُّورِ ببعضِ ما جرَى، وفي الأُخرى بأكثرَ ممَّا أخبَرَ به في الَّتي قبْلَها، وليس يدفَعُ بعضُها بعضًا؛ فأمَّا قولُه تعالى: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10]، فهو معنى قولِه: سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ [النمل: 7]؛ لأنَّ الخبرَ الَّذي يأْتيهم به هو أنْ يجِدَ على النَّارِ مَن يَهْديه، ويُخبِرُه أنَّ الطَّريقَ ما هو عليه أو غيرُه، ووُجودُ الهُدى، وأنْ يُخبِرَ بخَبرِ اهتدائِه في طَريقِه أو غيرِه؛ شَيءٌ واحدٌ لا اختلافَ فيه. وأمَّا قولُه عَزَّ وجَلَّ: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 11، 12]، فهو ممَّا جَرى، ولم يُخبِرِ اللهُ تعالى به في سائرِ السُّورِ، فأخبَر به في هذه [120] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 891-892). .
- وفيه وجْهٌ آخرُ: أنَّ قولَه تبارك وتعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 9-10]، وفي (النَّملِ): إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [النمل: 7]، وفي (القصصِ): فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: 29]، فهذه الآياتُ تَشتمِلُ على ذِكْرِ رُؤيةِ مُوسى النَّارَ، وأمْرِه أهْلَه بالمُكْثِ، وإخبارِه إيَّاهم أنَّه آنَسَ نارًا، وإطْماعِهم أنْ يأتِيَهم بنارٍ يَصْطلون بها، أو بخبرٍ يَهْتدون به إلى الطَّريقِ الَّتي ضَلُّوا عنها، لكنَّه نقَصَ في النَّملِ ذكْرَ رُؤيتِه النَّارَ، وأمْرَه أهْلَه بالمُكْثِ؛ اكتفاءً بما تقدَّمَ، وزاد في القصصِ قَضاءَ مُوسى الأجَلَ المضروبَ، وسَيْرَه بأهْلِه إلى مصرَ؛ لأنَّ الشَّيءَ قد يُجْمَلُ ثمَّ يُفصَّلُ، وقد يُفصَّلُ ثمَّ يُجْمَلُ، وفي سُورةِ (طه) فَصَّلَ، وأجْمَلَ في (النَّملِ)، ثمَّ فصَّلَ في (القصصِ)، وبالَغَ فيه [121] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: ١٧٣-174)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/312). .
- وفيه أيضًا: قولُه هنا: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: 10]، أي: مَن يُخبِرُني بالطَّريقِ، فيَهْديني إليه، وإنَّما أخَّرَ ذِكْرَ المُخبِرِ فيهما، وقدَّمَه فيهما مرَّاتٍ؛ لفواصلِ الآيِ في السُّورِ جميعًا [122] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 174)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/312). .
- وأمَّا تَكريرُ (لَعَلَّ) في (القصصِ) لفظًا، وفي (طه) و(النمل) معنًى؛ لأنَّ (أو) في قولِه: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى نائبٌ عن (لعلِّي)، و(سآتِيكُم) يَتضمَّنُ معنى (لعلِّي) [123] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 174)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/312). .
- وأمَّا تَكرارُ: أَوْ آَتِيكُمْ [النمل: 7] في سُورةِ (النَّملِ)، فليس فيه إلَّا تَكرارُ ما يُحرِزُ التَّأكيدَ، وتأكيدُ ما هو خبرٌ ليس أمْرًا ولا نهيًا إنَّما ثَمرتُه وفائدتُه صِدْقُ الإخبارِ، وذلك حاصِلٌ هنا سواءٌ تأكَّدَ أو لم يتأكَّدْ، وإذا كان الكلامُ على ما قُلْنا، والصِّدقُ حاصلٌ على كلِّ حالٍ؛ فلا يُنْكَرُ إذا حُكِيَ بمعناه. أو يُؤكَّدُ مرَّةً، ولا يُؤكَّدُ أُخرَى؛ إذ لا زِيادةَ للتَّأكيدِ فيه سِوى الجرْيِ على مُرتكباتِ العرَبِ في مثْلِه [124] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/334). . وتَخصيصُ كُلِّ سُورةٍ من هذه السُّورِ بما ورَدَ فيها؛ لأنَّ فواصلَ هذه السُّوَرِ ومَقاطِعَ آيِها مُناسِبةٌ للواردِ فيها؛ فسُورةُ (طه) مقاطِعُ آيِها لازمةٌ الألِفَ المقصورةَ، وعلى ذلك آيُ السُّورِ كلِّها، وأمَّا النَّملُ والقصصُ فجاءتْ مقاطِعُ آياتِ هذه القِصَّةِ بالنُّونِ الواقعِ قبْلَها الياءُ والواوُ السَّاكنتانِ، بحسَبِ ما تقدَّمَهما مِن حَركتيِ الضَّمَّةِ والكسرةِ.
وأيضًا في سُورةُ (النَّملِ) أوجَزَ في هذا المقصَدِ، وأمَّا سُورةُ (القصصِ) فإنَّ خبَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فيها يكادُ يَستغرِقُ آيَها كلَّها، فناسَبه طولُ الواردِ فيها ممَّا فيه الكلامُ، وذلك غيرُ خافٍ. وتأمَّلِ الواردَ في سُورةِ (طه)؛ من قولِه تعالى مُخبِرًا عن نَبِيِّه مُوسى عليه السَّلامُ مِن قولِه: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، ومُناسَبةَ ذلك لِما بُنِيَتْ عليه سُورةُ (طه) من تأنيسِ نَبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، وافتتاحَها بقولِه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى [طه: ٢]؛ يَلُحْ لك التَّلاؤمُ والتَّناسُبُ، وقد وضَحَ أنَّ كلَّ ما في كلِّ سُورةٍ من السُّورِ الثَّلاثِ مِن هذه القصَّةِ لا يُلائِمُ غيرَها، وأنَّ كلَّ قصَّةٍ منها لا يَحسُنُ وُقوعُها في موضعِ الآخرِ؛ لعدَمِ المُناسَبةِ وبُعْدِ التَّلاؤُمِ [125] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/334-335). .
والحاصِلُ: أنَّ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ وسُؤالاتِه في هذه السُّورِ الثَّلاثِ قد يَرِدُ في سُورةٍ منها بَعضُ ذلك ممَّا ليس في الأُخرى، ولم يَتعارضْ شَيءٌ من ذلك. ووجْهُ اختصاصِ كلِّ سُورةٍ بما ورَدَ فيها: أنَّ الواردَ في كلِّ سُورةِ مُناسِبٌ للسِّياقِ ولِمَا بُنِيَتْ عليه السُّورةُ؛ فسورة طه بُنِيتْ على التَّأنيسِ والبشارةِ لنَبِيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، من لَدُنِ افتتاحِها إلى خِتامِها. وأمَّا سُورةُ الشُّعراءِ وسُورةُ القَصصِ فإنَّما بِناؤُهما على قَصصِ مُوسى عليه السَّلامُ، ولَمَّا كانتْ سُورةُ الشُّعراءِ مذْكورًا فيها قَصصُ الرُّسلِ مع أُمَمِهم ابتداءً واختتامًا -فيما يخُصُّ حالِ الرِّسالةِ، إلى أخْذِ كلِّ طائفةٍ بما أُخِذَت به- خُصَّتْ من قَصصِ مُوسى عليه السَّلامُ بما يُلائِمُ دُعاءً ومُحاورةً، إلى أخْذِ فِرْعونَ وملَئِه. ولَمَّا كان قولُه تعالى في سُورةِ القصصِ: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ [القصص: ٣] تأنِيسًا وتَنبيهًا لنَبِيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي آخِرِ السُّورةِ: الإفصاحُ من هذا التَّأنيسِ برُجوعِه إلى مكَّةَ بعْدَ أنْ أُخْرِجَ عنها عليه السَّلامُ مُهاجِرًا لأجْلِ قومِه؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: 85]؛ ناسَبَ ذلك مِن قَصصِ مُوسى عليه السَّلامُ خُروجُه إلى مَدْينَ ورُجوعُه إلى مِصْرَ؛ فتَناسَبَ هذا أكمَلَ مُناسَبةٍ في السُّورِ الثَّلاثِ، وإذا اعْتُبِرَ ذلك عُلِمَ أنَّه لا يُناسِبُ كلَّ سُورةٍ من الثَّلاثِ إلَّا ما خُصَّتْ به [126] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (٢/٢٣٧-238). .
2- قولُه تعالى: إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى
- قولُه: إِذْ رَأَى نَارًا خَصَّ هذا الظَّرفَ بالذِّكرِ؛ لأنَّه يَزيدُ تَشويقًا إلى استعلامِ كُنْهِ الخبرِ؛ لأنَّ رُؤيةَ النَّارِ تَحتمِلُ أحوالًا كثيرةً. ورُؤيةُ النَّارِ تدُلُّ على أنَّ ذلك كان بِلَيلٍ، وأنَّه كان بحاجةٍ إلى النَّارِ، ولذلك فُرِّعَ عليه: فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا [127] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/194). .
- وجُملةُ: إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا تَعليلٌ للأمْرِ أو المأمورِ به من المُكْثِ [128] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/6). ، وأكَّدَ الخبرَ بـ (إنَّ)؛ لقصْدِ الاهتمامِ به بِشارةً لأهْلِه؛ إذ كانوا في الظُّلمةِ [129] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/194). .
- وعبَّرَ بحرْفِ الاستعلاءِ في قولِه: عَلَى النَّارِ؛ إمَّا لأنَّ أهْلَ النَّارِ يَسْتعلون المكانَ القريبَ منها، أو لأنَّ المُصْطلينَ بها والمُسْتمتعينَ إذا تَكنَّفوها قِيامًا وقُعودًا، كانوا مُشرِفين عليها [130] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/53)، ((تفسير البيضاوي)) (4/24)، ((تفسير أبي حيان)) (7/315)، ((تفسير أبي السعود)) (6/7)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/195). .
- قولُه: هُدًى، أي: هاديًا يدُلُّني على الطَّريقِ، على أنَّه مَصدرٌ؛ سُمِّيَ به الفاعلُ مُبالَغةً [131] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/6). .
- وفي هذه الآيةِ ما يُعرَفُ بالإبهامِ [132] الإبهامُ: هو أنْ يأتِيَ المُتكلِّمُ إلى المعنى الواحدِ الَّذي يُمكِنُه الدَّلالةُ عليه باللَّفظِ القليلِ، فيدُلُّ عليه باللَّفظِ الكثيرِ، لا لقصْدِ إفهامِ البليدِ، وسَماعِ البعيدِ، ولا للتَّقريرِ والتَّوكيدِ، بل للإتيانِ بمعنًى يتشعَّبُ إلى عِدَّةِ أُمورٍ، كلُّ واحدٍ منها مُستقِلُّ المفهوميَّةِ. يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/171). ، وهو ضِدُّ الإيجازِ وضِدُّ الإطنابِ؛ فقد قال: لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ، ولم يَبُتَّ في الأمْرِ؛ لئلَّا يَعِدَ ما ليس بمُستيقنٍ من الوفاءِ به، ثمَّ قال: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، وهذا يَحْتوي على معنًى آخرَ ثَمَّ يتشعَّبُ، فالهِدايةُ هي المعنى الرَّئيسُ، ثمَّ إنَّ الهِدايةَ قد تكونُ بالنَّارِ نفْسِها بخاصَّةِ الإضاءةِ الكامنةِ فيها، وإمَّا بواسطةِ القومِ الَّذين يَقومون بإيقادِها، ويُفْهَمُ من هذا ضِمْنًا أنَّه ضَلَّ مع أهْلِه الَّذين يُرافِقونه [133] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/171). .
- وقال هنا: بِقَبَسٍ، وفي القصصِ قال: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص: 29]، وفي النَّملِ قال: بِشِهَابٍ قَبَسٍ [النمل: 7]، وهذا مِن التَّفنُّنِ في العِبارةِ؛ فهي في السُّورِ الثَّلاثِ عِبارةٌ عن معنًى واحدٍ؛ وذلِك أنَّ الجَذوةَ من النَّارِ: خَشبةٌ في رأْسِها قَبسٌ، به شِهابٌ [134] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 174). .
3- قولُه تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى
- بُنِيَ فِعْلُ النِّداءِ للمجهولِ نُودِيَ؛ زِيادةً في التَّشويقِ إلى استطلاعِ القصَّةِ؛ فإبهامُ المُنادي يُشوِّقُ سامِعَ الآيةِ إلى مَعرفتِه، فإذا فاجأَهُ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، عَلِمَ أنَّ المُنادِيَ هو اللهُ تعالى؛ فتمكَّنَ في النَّفسِ كَمالَ التَّمكُّنِ، ولأنَّه أدخَلُ في تَصويرِ تلك الحالةِ بأنَّ مُوسى ناداهُ مُنادٍ غيرُ معلومٍ له؛ فحُكِيَ نِداؤُه بالفعْلِ المَبْنيِّ للمجهولِ [135] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/195). .
4- قولُه تعالى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
- قولُه: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ بَيانٌ لجُملةِ: نُودِيَ. وتأكيدُ الخَبرِ بحرْفِ (إنَّ)؛ لتحقيقِه لأجلِ غرابتِه. وتَكرارُ الضَّميرِ في إِنِّي أَنَا رَبُّكَ؛ لتَوكيدِ الدَّلالةِ، وتَحقيقِ المعرفةِ، وإماطةِ الشُّبهةِ [136] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/54)، ((تفسير أبي حيان)) (7/316)، ((تفسير أبي السعود)) (6/7)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/196). .
- والإخبارُ عن ضَميرِ المُتكلِّمِ بأنَّه ربُّ المُخاطَبِ رَبُّكَ؛ لتَسكينِ رَوعةِ نفْسِه من خِطابٍ لا يَرى مُخاطِبَه؛ فإنَّ شأْنَ الرَّبِّ الرِّفقُ بالمَربوبِ [137] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/196). .
- والفاءُ في فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ لتَرتيبِ الأمْرِ على ما قبْلَها؛ فإنَّ رُبوبيَّتَه تعالى له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من مُوجباتِ الأمْرِ ودَواعيه [138] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/7). ، وإنَّما أمَرَه اللهُ بخلْعِ نعلَيْه؛ تَعظيمًا منه لذلك المكانِ الَّذي سيَسمَعُ فيه الكلامَ الإلهيَّ [139] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/196-197). ، أو لعِظَمِ الحالِ الَّتي حصَلَ فيها، كما يُخلَعُ عندَ المُلوكِ غايةً في التَّواضُعِ [140] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/55)، ((تفسير البيضاوي)) (4/24)، ((تفسير أبي حيان)) (7/316). .
- قولُه: إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى تَعليلٌ لوُجوبِ الخَلْعِ المأمورِ به، وبَيانٌ لسبَبِ وُرودِ الأمْرِ بذلك من شَرفِ البُقعةِ وقُدْسِها [141] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/24)، ((تفسير أبي السعود)) (6/7). . وفيه التَّعبيرُ بحرْفِ التَّوكيدِ (إنَّ) المُفيدِ التَّعليلَ، كما هو شأْنُه في كلِّ مقامٍ لا يَقْتضي التَّأكيدَ [142] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/197). .
5- قولُه تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى
- قولُه: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فيه الإخبارُ عنِ اختيارِ اللهِ تعالى مُوسى عن طريقِ الخبرِ الفعليِّ اخْتَرْتُكَ المُفيدِ تَقويةَ الحُكْمِ؛ لأنَّ المقامَ ليس مقامَ إفادةِ الحَصرِ [143] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/198). .
- وفي قولِه: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى فرْعٌ على الإخبارِ باختيارِه أنْ أُمِرَ بالاستماعِ للوحيِ؛ لأنَّه أثَرُ الاختيارِ؛ إذ لا معنى للاختيارِ إلَّا اختيارُه لِتَلقِّي ما سيُوحِي اللهُ [144] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/8)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/199). .
- وحَذْفُ الفاعلِ في يُوحَى للعِلْمِ به، ويُحسِّنُه كونُه فاصلةً؛ فلو كان مَبْنِيًّا للفاعلِ لم يكُنْ فاصلةً [145] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/317). .
6- قولُه تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي
- قولُه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا بَدلٌ من مَا يُوحَى دالٌّ على أنَّه مَقصورٌ على تَقريرِ التَّوحيدِ الَّذي هو مُنْتهَى العِلْمِ والأمْرِ بالعبادةِ الَّتي هي كَمالُ العملِ [146] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/24). ؛ فهو تَبيينٌ وتَفسيرٌ للإبهامِ في قولِه: لِمَا يُوحَى [147] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/317). .
- وتأكيدُ الجُملةِ بحرْفِ التَّأكيدِ (إنَّ) في قولِه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ؛ لدفْعِ الشَّكِّ عن مُوسى؛ نُزِّلَ مَنزلةَ الشَّاكِّ لأنَّ غَرابةَ الخبرِ تُعرِّضُ السَّامِعَ للشَّكِّ فيه. وتَوسيطُ ضَميرِ الفصْلِ بقولِه: أَنَا؛ لزِيادةِ تَقويةِ الخبرِ [148] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/200). .
- قولُه: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي الفاءُ في قولِه تعالى: فَاعْبُدْنِي لتَرتيبِ المأْمورِ به على ما قبْلَها؛ فإنَّ اختصاصَ الأُلوهيَّةِ به سُبحانه وتعالى من مُوجِباتِ تَخصيصِ العِبادةِ به عَزَّ وجَلَّ [149] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/8)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/200). .
- وخُصَّتِ الصَّلاةُ بالذِّكرِ، وأُفْرِدَتْ بالأمْرِ معَ اندراجِها في الأمْرِ بالعبادةِ؛ لفضْلِها وعُلوِّها على سائرِ العباداتِ بما نِيطَتْ به من ذِكْرِ المعبودِ سُبحانه، وشُغْلِ القلْبِ واللِّسانِ بذِكْرِه [150] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/24)، ((حاشية الطيببي على الكشاف)) (10/142)، ((تفسير أبي السعود)) (6/8). ، أو لأنَّ الصَّلاةَ تجمَعُ أحوالَ العبادةِ [151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/200). ، وتتضمَّنُ عبوديَّةَ القلبِ واللسانِ والجوارِحِ [152] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: ٥٠٣). .
7- قولُه تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى جُملةٌ مُستأنَفةٌ لابتداءِ إعلامٍ بأصْلٍ ثانٍ مِن أُصولِ الدِّينِ بعْدَ أصْلِ التَّوحيدِ، وهو إثباتُ الجَزاءِ [153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/201). .
- وقولُه: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ ... تَعليلٌ لوُجوبِ العبادةِ، وإقامةِ الصَّلاةِ، أي: كائنةٌ لا مَحالةَ، وإنَّما عُبِّرَ عن ذلك بالإتيانِ؛ تَحقيقًا لحُصولِها بإبرازِها في مَعرِضِ أمْرٍ مُحقَّقٍ مُتوجِّهٍ نحوَ المُخاطَبينَ [154] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/8). .
- وجُملةُ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مُعترِضةٌ بينَ جُملةِ إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ وعِلَّتِها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، مُؤكِّدةٌ لمعنى الإخفاءِ [155] يُنظر: ((حاشية الطيببي على الكشاف)) (10/147)، ((تفسير أبي حيان)) (6/8)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/201). . وقيل: وقَعَت (أكاد) زائدةً هنا بمَنزلةِ زِيادةِ (كان) في بعضِ المواضعِ؛ تأكيدًا للإخفاءِ [156] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/319)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/202). .
- وفي قولِه: لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى تَخصيصُ السَّعيِ في مَعرِضِ الغايةِ لإتيانِها، مع أنَّه لجَزاءِ كلِّ نفْسٍ بما صدَرَ عنها، سواءٌ كان سَعيًا فيما ذُكِرَ، أو تقاعُدًا عنه بالمرَّةٍ، أو سعيًا في تَحصيلِ ما يُضادُّه: للإيذانِ بأنَّ المُرادَ بالذَّاتِ من إتيانِها هو الإثابةُ بالعبادةِ، وأمَّا العِقابُ بترْكِها فمِن مُقتَضَياتِ سُوءِ اختيارِ العُصاةِ، وبأنَّ المأمورَ به في قُوَّةِ الوُجوبِ، والسَّاعةَ في شِدَّةِ الهولِ والفظاعةِ، بحيث يُوجِبانِ على كلِّ نفْسٍ أنْ تَسْعَى في الامتثالِ بالأمْرِ، وتَجِدَّ في تَحصيلِ ما يُنجِّيها من الطَّاعاتِ، وحينئذٍ تَحترِزُ عن اقترافِ ما يُرْدِيها من المعاصي [157] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/8). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه: ١٥]، وفي سُورةِ غافرٍ: إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا [غافر: 59]، فخَصَّصَ آيةَ (طه) بقولِه في وصْفِ السَّاعةِ: أَكَادُ أُخْفِيهَا ووصَفَها في سُورةِ (غافرٍ) بقولِه: لَا رَيْبَ فِيهَا.
ووجْهُه: أنَّ آيةَ (طه) خِطابٌ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم -على قولٍ في التفسيرِ-، يتضمَّنُ تأْنيسَهُ وتَسليتَه عن حالِ كفَّارِ قُريشٍ في توقُّفِهم عن الإيمانِ، وجاء قولُه: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه: ١٥]؛ تعريفًا بعَظيمِ خَفاءِ أمْرِ السَّاعةِ، حتَّى كأنَّ أمْرَها لم يُخْبَرْ عنه، ولا وقَعَ تعريفٌ بشَيءٍ منه، وذلك إعلامٌ بوصْفِ وحالِ مَن قدْ تقرَّرَ بوُقوعِها يَقينُه، وانْطوى على عِلْمِ كِيانِها إيمانُه، ولَمَّا كان هذا الخطابُ والتَّعريفُ لِمَن جَرى ذِكْرُه مِن تَنزُّهِه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الارتيابِ في أمْرِ السَّاعةِ؛ لم يَحْتَجْ إلى نفْيِ الرَّيبِ؛ إذ مقامُ النُّبوَّةِ في الإيمانِ بها المقامُ الَّذي لا يُدانى، فلم يكُنْ نفْيُ الارتيابِ ليُلائِمَ ولا يُناسِبَ. أمَّا آيةُ غافرٍ، فأكثرُ الخِطابِ فيها لقُريشٍ وسائرِ كُفَّارِ العربِ، وهم المُجادِلونَ في أمْرِ السَّاعةِ، والجاهِلونَ بكِيانِها، فذَكَر فيها نَفْيَ الرَّيبِ -الَّذي هو صِفَتُهم- وأُتْبِعَ بتأْكيدِ الإخبارِ بدُخولِ اللَّامِ ونفْيِ الرَّيبِ في ذلك، وذلك أوضَحُ شَيءٍ في المُناسَبةِ؛ فكلٌّ من الآيتينِ واردٌ على أتَمِّ مُناسَبةٍ، ولا يُمكِنُ أنْ يقَعَ عكسُ الواردِ في السُّورتَينِ [158] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/335). .
- ومن المُناسَبةِ أيضًا قولُه هنا: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ، وفي (الحجِّ): وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ [الحج: 7] بحذْفِ لامِ التَّأكيدِ، وقاله في (غافرٍ) بإِثباتِها: إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ [غافر: 59]؛ لأنَّها إنَّما تُزادُ لتأْكيدِ الخبرِ، وتأكيدُه إنَّما يُحتاجُ إليه إذا كان المُخبَرُ بهِ شاكًّا في الخبرِ، والمُخاطَبون في (غافرٍ) هم الكفَّارُ، فأُكِّدَ فيها باللَّامِ بخلافِ تَيْنكَ [159] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/335-336)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 360-361). .
8- قولُه تعالى: فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى فرَّعَ على كونِها آتيةً، وأنَّها مُخفاةٌ التَّحذيرَ مِن أنْ يَصُدَّه عن الإيمانِ بها قومٌ لا يُؤمِنون بوُقوعِها اغترارًا بتأخُّرِ ظُهورِها؛ فالتَّفريعُ على قولِه: أَكَادُ أُخْفِيهَا أوقَعُ؛ لأنَّ ذلك الإخفاءَ هو الَّذي يُشَبِّهُ به الَّذين أنْكَروا البعثَ على النَّاسِ [160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/203). .
- وقولُه: فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى صِيغَ نهْيُ مُوسى عليه السَّلامُ عن الصَّدِّ عنها في صِيغَةِ نهْيِ مَن لا يُؤمِنُ بالسَّاعةِ عن أنْ يَصُدَّ مُوسى عن الإيمانِ بها؛ مُبالغةً في نهْيِ مُوسى عن أدْنَى شَيءٍ يحولُ بينَه وبينَ الإيمانِ بالسَّاعةِ؛ لأنَّه لمَّا وجَّهَ الكلامَ إليه، وكان النَّهيُ نهْيَ غيرِ المُؤمنِ عن أنْ يَصُدَّ مُوسى، عُلِمَ أنَّ المُرادَ نهْيُ مُوسى عن مُلابَسةِ صَدِّ الكافرِ عن الإيمانِ بالسَّاعةِ، أي: لا تكُنْ لَيِّنَ الشَّكيمةِ لمَن يصُدُّك، ولا تُصْغِ إليه؛ فيكونَ لِينُك له مُجَرِّئًا إيَّاه على أنْ يصُدَّك؛ فوقَعَ النَّهيُ عن المُسبَّبِ، والمُرادُ النَّهيُ عن السَّببِ، وهذا الأسلوبُ مِن قَبِيلِ قولِهم: (لا أعرِفَنَّك تفعَلُ كذا)، و: (لا أَرَيَنَّك هاهنا) [161] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/56)، ((تفسير أبي حيان)) (7/320)، ((تفسير أبي السعود)) (6/9)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 361)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/203). .
- وتَقديمُ الجارِّ والمجرورِ عَنْهَا على قولِه تعالى: مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا؛ للاهتمامِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ [162] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/9). .
- وزِيادةُ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ؛ للإيماءِ بالصِّلةِ إلى تَعليلِ الصَّدِّ، أي: لا داعِيَ لهم للصَّدِّ عن الإيمانِ بالسَّاعةِ إلَّا اتِّباعُ الهوى، دونَ دليلٍ ولا شُبْهةٍ [163] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/203). .
- وفي قولِه: فَتَرْدَى فرَّعَ على النَّهيِ أنَّه إنْ صُدَّ عن الإيمانِ بالسَّاعةِ هلَكَ، والتَّفريعُ ناشِئٌ عنِ ارتكابِ المَنْهيِّ لا على النَّهيِ؛ ولذلك جِيءَ بالتَّفريعِ بالفاءِ، ولم يقَعْ بالجزاءِ المجزومِ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/203). .
- ومِن لطائفِ البلاغةِ في هذه الآياتِ: أنَّه سُبحانه وتعالى كلَّما خاطَبَ كَلِيمَه عليه السَّلامُ في مقامِ القُدسِ بخِطابٍ، رتَّبَ عليه بالفاءِ حُكْمًا؛ قال أوَّلًا: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فعقَّبَه بقولِه: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، نبَّهَ به على تَعظيمِ البُقعةِ، وعلى ألَّا يطَأَها إلَّا حافيًا. وثانيًا: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ، فعقَّبَه بقولِه: فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، أي: اخترْتُك لذلك المَنصبِ العالي ابتداءً، لا أنَّه استحقاقٌ منك على اللهِ، فتأهَّبْ له، واجعَلْ نفْسَك وعقْلَك مَصروفًا إليه، فقولُه: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ يُفِيدُ نِهايةَ اللُّطفِ والرَّحمةِ، وقولُه: فَاسْتَمِعْ غايةَ الهَيبةِ والرَّهبةِ. وثالثًا: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، الفاءُ دلَّتْ على أنَّ إلَهيَّتَه هي الَّتي ألْزَمَتِ العِبادةَ. ورابعًا: إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا، رتَّبَ نهْيَ المُخاطَبِ عمَّا يصُدُّه عن الآياتِ على مَجِيءِ السَّاعةِ، فقولُه: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ تَخليةٌ. والثَّلاثةُ الأُخرى تَحليةٌ [165] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/142-144). . وقد جاء خِطابُ اللهِ تعالى لمُوسى عليه السَّلامُ بطريقةِ الاستدلالِ على كلِّ حُكْمٍ وأمْرٍ أو نَهْيٍ؛ فابْتُدِئَ بالإعلامِ بأنَّ الَّذي يُكلِّمُه هو اللهُ، وأنَّه لا إلهَ إلَّا هو، ثمَّ فرَّعَ عليه الأمْرَ في قولِه: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، ثمَّ عقَّبَ بإثباتِ السَّاعةِ، وعلَّلَ بأنَّها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، ثمَّ فرَّعَ عليه النَّهيَ عن أنْ يصُدَّه عنها مَن لا يُؤمِنُ بها، ثمَّ فرَّعَ على النَّهيِ أنَّه إنِ ارتكَبَ ما نُهِيَ عنه، هلَكَ وخسِرَ [166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/204). .