موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (47-57)

ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ

غريب الكلمات:


لَا تَجْزِي: أي: لا تقضي عنها ولا تُغني، والجزاء: القضاء، وأصله: قِيام الشيء مقامَ غيره ومكافأته إيَّاه [464] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/133/182)،  ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/455)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 72)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 976). .
عَدْلٌ: أي: فدية، وأصْل العدْل: ضد الجور والظُّلم، والعَدَالَةُ والمُعَادَلَةُ: لفظٌ يقتضي معنى المساواة [465] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 328-329)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/246-247)، ((المفردات)) للراغب (ص: 551-553)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 73)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 639-640). .
يَسُومُونَكُمْ: يُولُونَكم، أي: يولونكم إذلالًا واستخفافًا، وقيل: يُرسِلون عليكم، وسامه: كلَّفه العمل الشاق. وأصل السَّوْم: الذَّهاب في ابتغاء الشَّيء [466] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 502)، ((المفردات)) للراغب (ص: 438)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 73)،  ((الكليات)) للكفوي (ص: 503-993). .
يَسْتَحْيُونَ: أي: يستبقونهنَّ أحياء، والاستحياء: الإبقاء حيًّا، واستفعل فيه بمعنى أفعل [467] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 502)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 74). .
بَلَاءٌ: أي: اختبار، وأصل البلاء: إخلاقُ الشِّيء، والاختبارُ، ثم صار يُطلق على المكروه والشدَّة، ويُقال: أُبلي بالنِّعمة، وبُلي بالشدَّة [468] يُنظر:  ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 146)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 74)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 249-250، 253). .
فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ: فلقناه لكم، والفرق يُقارب الفلق، لكن الفلق انشقاق، والفَرْق انفصال، وأصْل الفَرْق: الفصل والتمييز والتزييل بين الشيئين [469] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 359)،  ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/493)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 74). .
جَهْرَةً: أي: علانية ظاهرًا، وأصله: إعلان الشيء وكشفُه وعلوُّه [470] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 173)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/487)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75). .
الصَّاعِقَةُ: هي النَّار التي تنزلُ من السَّماء عندَ اشتداد الرَّعد، أو الصَّوت الشديد من الجوِّ، والوَقعُ الشَّديدُ منَ الرَّعْدِ، أو كلُّ عذاب مُهلك (الموت، والعذاب، والنار)، ومنه: صَعق، إذا مات، وأصل صعق: يدلُّ على شِدَّة الصَّوت [471] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/285)، ((المفردات)) للراغب (ص: 484-485)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 55)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 543). .
الْغَمَامَ: جمع غمامة، وهو سحابٌ أبيضُ يُواري وجْهَ السماء، لكنَّه يُبقيها مستنيرة؛ سُمِّي بذلك لأنَّه يغمُّ السَّماء، أي يَسترُها ويُواريها، وأصل الغَمِّ: ستر الشيءِ [472] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/378)، ((المفردات)) للراغب (ص: 613)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 75-106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 671)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لابن عثيمين (ص: 275-276). .

مشكل الإعراب:


قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ، ومثله وَإِذْ آتَيْنَا، وَإِذْ قَالَ مُوسَى... وأمثالها: إذْ- في ذلك كُلِّه- ظرف زمان، متعلِّق بفعل محذوف تقديره (اذكروا)، مبني في محلِّ نصب، عطف على اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، والتقدير: واذكروا إذْ نَجَّيْناكم، واذكروا إذ فَرَقْنا...إلخ [473] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/93)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/61)، ((إعراب القرآن الكريم)) لدعاس (1/25). .

المعنى الإجمالي:


يُخاطِب الله تعالى بَني إسرائيل، ويُذكِّرهم بنِعمه التي أسبغها عليهم، ويَعني بها النِّعمَ التي أَنعم بها على آبائهم، وأنَّه فضَّلهم على سائر الأُمم من أهل زمانهم، ثم بعدَ أنْ ذكَّرهم بنِعمه وفضله عليهم، حذَّرهم وخوَّفهم، وأمرَهم بأنْ يجعلوا بينهم وبين عذاب الله تعالى وقايةً في يوم القيامة، الذي لا تَقضي فيه نفْسٌ عن نفس حقًّا وجَب عليها، ولا تُقبل من نفْس شفاعةٌ لنفس أخرى، إذا كانت كافرةً، ولا يُقبل منها فِداءٌ، ولا أحد يُنقذهم من عذاب الله تعالى.
ثم ذكَّرهم بإنجائه آباءَهم من فرعون وشيعتِه، الذين كانوا يُديمون تعذيبَهم بعذاب سيِّئ شديد، وهو ذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناث أحياءً؛ لإذلالهنَّ وإهانتهنَّ، وفي ذلك الإنجاءِ من العذاب نعمةٌ عظيمة لهم من ربِّهم.
ثم ذَكَّر بني إسرائيل بأنَّه فَرَق البحرَ لهم؛ ليسلكوا طريقًا للنجاة، فأنقذهم الله بذلك، وأغْرَق فِرعونَ وقومَه، وبنو إسرائيل ينظرون؛ ليكون أشْفَى لصدورهم، وأنكى لعدوِّهم.
وذَكَّرهم مواعدتَه لموسى أربعين ليلةً، ثم عبادتهم العِجلَ بعد أن فارقَهم موسى، وهم في هذا الفِعل ظالمون بوضعِهم العبادةَ في غير موضعها، ثم تجاوز الله عنهم؛ لعلَّهم يَشكُرونه على هذه النِّعمة.
وذكَّرهم إعطاءَه التوراةَ لموسى؛ ليهتدوا بها باتِّباع ما فيها.
ثمَّ ذكَّرهم مناداةَ موسى لهم، وإخبارهم أنَّهم تعدَّوْا في حقِّ أنفسهم باتِّخاذهم العِجلَ معبودًا، وأنَّ عليهم التوبةَ لخالقهم، بأن يقتُل بعضُهم بعضًا، وأنَّ ذلك أفضلُ لهم عند خالقِهم الذي تابَ عليهم؛ فهو التوَّاب الرَّحيم.
وذكَّرهم حِين قالوا لموسى عليه السَّلام: لن نُقِرَّ بما جِئتَ به، حتى نرَى اللهَ عِيانًا، فعُوقبوا بالصَّعق، ينظر بعضهم لبعض وهم يموتون، ثمَّ بعثَهم الله من بعد موتهم؛ ليشكروه على نِعمته عليهم بإحيائهم.
ثمَّ ذكَّرهم بتظليلهم بسحابٍ أبيضَ رقيق في أيَّام التِّيه؛ ليقيَهم حرارةَ الشَّمس، وبإنزال المنِّ والسَّلوى وأمرِهم بالأكلِ من طيِّب الرِّزق، ثم بيَّن تعالى أنَّهم بجحودهم، وعدمِ شُكرهم ومعصيتهم، لن يضرُّوا الله شيئًا، بل ذلك مضرَّةٌ لهم.

تفسير الآيات:




يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47).
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.
أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكُروا نِعمه تعالى على آبائكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها بالخضوع لله تعالى، وذلك بالدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها النِّعم التي سيأتي ذِكرُها في هذه السُّورة الكريمة [474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/628)، ((تفسير ابن كثير)) (1/255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/54-55). .
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.
أي: واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، من إرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة [475] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/629)، ((تفسير ابن كثير)) (1/255)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/55-56). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية: وأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ، قال: بما أُعطوا من المُلك والرُّسل والكتُب، على عالَم مَن كان في ذلك الزَّمان؛ فإنَّ لكلِّ زمان عالَمًا. قال أبو محمد: ورُوي عن مجاهد، والرَّبيع بن أنس، وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/104). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/629). .
كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32].
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20].
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَّرهم الله تعالى بنِعمه، عطَف على ذلك التحذيرَ من حلول نِقَمه بهم يومَ القِيامة، فقال [476] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/256). :
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.
أي: أمَرهم الله أن يعتقدوا ويَفعلوا ما يكونُ حاجزًا يَقِيهم من عذابِه سبحانه، في يوم القِيامةِ الذي لا تَقضِي فيه نفْسٌ عن نفْس حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ شيئًا، ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين، أو كان الشيءُ قليلًا ويسيرًا جدًّا [477] نقل ابن عطية الإجماع على أنَّ هذه الآية في الكافرين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/139). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/631)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/144)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/60). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان: 33].
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ.
أي: لا يُقبَل من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق.
كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48].
وقال سبحانه عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101].
أمَّا المؤمنة فتُقبل منها، إنْ كانت الشفاعةُ بإذن الله تعالى، مع رِضاه سبحانه عن المشفوعِ له [478] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/636، 637)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/64). .
كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26].
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ.
أي: لا يُقبَل منها فِداءٌ [479] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/637،639)، ((تفسير ابن كثير)) (1/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/67). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران: 91].
وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36].
وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام: 70].
وقال عزَّ وجلَّ: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... [الحديد: 15] الآية.
وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
أي: ليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى [480] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/639، 640)، ((تفسير ابن كثير)) (1/257)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/69). .
كما قال تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: 10].
وقال سبحانه: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 25-26].
وقال عزَّ وجلَّ: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: 28].
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49).
أي: واذْكُروا يا بني إسرائيل، نِعمتي عليكم بإنجاءِ آبائكم من شِيعة فِرعونَ وقومِه وملئِه، الذين كانوا يُذيقونهم- ويُديمون عليهم- عذابًا سيِّئًا وشديدًا، وهو ذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناثِ أحياءً؛ لإذلالهنَّ، وإهانتهنَّ، واستضعافهنَّ، وإنجاءُ الآباء إنجاءٌ لهم؛ ولذا وُجِّه الخِطابُ إليهم [481] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/641-644)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تَيميَّة (1/204)، ((تفسير ابن كثير)) (1/257، 258)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/70-72). .
وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
أي: وفي إنجائِنا لآبائكم من عدوِّكم نعمةٌ عظيمةٌ لكم من ربِّكم [482] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/652)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52). قال ابنُ أبي حاتم: (عن ابن عبَّاس: قوله: بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يقول: نِعمة. ورُوي عن مجاهد، وأبي مالك، والسُّدِّي نحوُ ذلك)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/106). يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/653). ويُحتمل أن يكون المراد بـ ذَلِكُم: أي سوء العذاب. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/73-74). .
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فِرعون على بني إسرائيل، ذكَر مآل هؤلاء المتسلِّطين، فقال [483] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/178). :
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:
أي: ذَكَّرَ سبحانه بني إسرائيل بأنَّه فرَق البحر لهم، وبسبب دُخولِهم فيه، ففَصَل بعضَه عن بعض؛ ليسلكوا طريقًا يابسًا بيْن أجزاء البحر، فأنقذهم اللهُ تعالى بذلك من فِرعونَ وقومِه، الذين أغْرَقهم الله تعالى جميعًا، وأمكَن بني إسرائيل من النَّظر إليهم بأبصارهم وهم يَغرَقون، فكان ذلك أشْفَى لصدورهم، وأبلغَ في إهانةِ عدوِّهم [484] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/654، 655، 663)، ((تفسير ابن كثير)) (1/259)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/75-77)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/36)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52). .
كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: 61-66].
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51).
القراءات ذات الأثر في التفسير:
في قوله تعالى: وَاعَدْنَا قراءتان:
1- (وَعَدْنَا) على معنى أنَّه وعْدٌ من الله تعالى لموسى عليه السلام، وليس فيه وعدٌ مِن موسى عليه السلام [485] قَرَأَ بها أَبُو جَعْفَرٍ، وَالْبَصْرِيَّانِ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/212). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الكشف)) لمكي (1/239). ((تفسير ابن جرير)) (1/663). .
2- (وَاعَدْنَا) على معنى أنَّ المواعدةَ من الله سبحانه لموسى عليه السلام، ومِن موسى عليه السلام لربِّه [486] قَرَأَ بها الْبَاقُونَ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/212). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الكشف)) لمكي (1/239). ((تفسير ابن جرير)) (1/663). .
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ.
أي: واذكُروا يا بني إسرائيلَ مواعدتَنا لموسى تمامَ أربعين ليلةً، ثم عِبادتكم العِجلَ من بعد أنْ فارقَكم موسى متوجِّهًا إلى الموعِد، وأنتم ظالمون بوضعِكم للعبادةِ في غير موضعها؛ لأنَّ العبادةَ لا تَنبغي إلَّا لله عزَّ وجلَّ، وأنتم قد اتخذتُمُ العِجل إلهًا، والشركُ بالله تعالى ظلمٌ عظيمٌ [487] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/666-669، 675)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/305)، ((تفسير ابن كثير)) (1/261)، ((العذب النمير)) (1/77، 81-82)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/37)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52). .
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52).
أي: تجاوزْنا عنكم بمحوِ أثر ذنبِكم بعبادة العِجل، فلم نعاقبْكم؛ لتكونوا من الشاكِرين نعمةَ الله تعالى عليكم بالعَفوِ [488] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/675-676)، ((تفسير ابن كثير)) (1/261)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/501)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/85). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية في قوله: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يعني مِن بعد ما اتَّخذوا العِجل، ورُوي ذلك عن الرَّبيع بن أنس) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/108). .
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53).
أي: واذكُروا إعطاءَنا موسى التوراةَ، التي تُفرِّق بين الحقِّ والباطل؛ لتهتدوا بها باتِّباع الحقِّ الذي فيها [489] نقل ابنُ عطية في ((تفسيره)) (1/144) الإجماع على أن المراد بـ الكتابَ: التوراة. ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/676، 678)، ((تفسير ابن كثير)) (1/261)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/87-89). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية في قوله: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالفُرْقَانَ قال: فرَّق فيه بين الحق والباطل، ورُوي عن مجاهد، والرَّبيع بن أنس نحوُ ذلك) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/109). .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54).
أي: واذكُروا حين نادَى موسى عليه السَّلام قومَه، يؤكِّد لهم ظُلمَهم لأنفسهم باتِّخاذهم العِجلَ إلهًا يعبدونه؛ ولذا فقد وجَبتْ عليهم التوبةُ من هذا الجُرم الشنيع، في حقِّ مَن أَوجدهم من العدَم، فالذي خلقَهم هو من يستحقُّ أن يُعبَد وحده لا شريك له، ثمَّ وصَف لهم كيفيَّةَ توبةِ الله تعالى عليهم بأنْ يَقتُل بعضُهم بعضًا، فذلك خيرٌ لهم عند الله تعالى، الذي تاب عليهم؛ فهو التوَّاب الرَّحيم [490] قال القرطبيُّ: (أجمَعوا على أنَّه لم يُؤمَر كلُّ واحد من عَبَدة العِجل بأن يقتُل نفْسَه بيده) ((تفسير القرطبي)) (1/401). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/679، 685-687)، ((منهاج السنة النبوية)) لابن تَيميَّة (4/33-34)، (7/124)، ((تفسير ابن كثير)) (1/261)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/90-100). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ معنى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: أن يقتُل بعضهم بعضًا: ابن عبَّاس، وسعيد ابن جُبَير، ومجاهد، وقتادة، والحسن. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/110). .
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(55).
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً.
أي: واذكُروا حين قلتُم لموسى عليه السَّلام، لن نصدِّقك ولن نُقرَّ بما جئتَنا به، حتى نرى الله عِيانًا، ننظُر إليه بأبصارنا [491] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/687)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/140)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/505-507). وقال ابنُ أبي حاتم: (عن قَتادة في قول الله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً، أي: عِيانا. قال أبو محمَّد: وكذا فسَّره الرَّبيعُ بن أنس: عِيانًا) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/111). .
كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء: 153].
فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
أي: فعاقَبَكم الله تعالى بالصَّعْقِ فمتُّم، ينظرُ بعضكم إلى بعضٍ وهم يموتون [492] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/141)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/100-103). .
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56).
أي: ثم أحييناكم من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم؛ لتشكروني على نعمتي عليكم بإحيائكم؛ لتحدثوا توبةً من عظيم ذنبكم [493] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/691، 692)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/103، 104). .
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا ذكَر تعالى ما دفعَه عنهم من النِّقم، ذكَّرهم أيضًا بما أسبغَ عليهم من النِّعم، فقال [494] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/266). :
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ.
أي: وارَيْنا عنكم وجْهَ السَّماء بالسَّحاب الأبيض الرَّقيق؛ لنَقِيَكم حرَّ الشَّمس في التِّيه [495] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/698)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/107). قال ابنُ أبي حاتم: (عن ابن عبَّاس قال: ثم ظَلَّل عليهم في التِّيه بالغمام-قال أبو محمَّد: ورُوي عن ابنِ عُمر، والرَّبيع بن أنس، وأبي مِجْلَز، والضحَّاك، والسُّدِّي، نحوُ قول ابن عبَّاس) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/113). .
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
أي: يذكُر الله تعالى لهم أيضًا أنَّه أنزَل عليهم رِزقًا طيِّبًا سهلًا يحصُلون عليه بلا كُلفةٍ، ولا مشقَّة [496] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52). .
والمنُّ قيل هو كل ما امتن الله تعالى به عليهم من الطعام والشراب، مما ليس في تحصيله كلفة ولا مشقة [497] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/268)، ((تفسير السعدي)) (ص: 52)، ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (1/406). .
وقيل:  هوالتُّرنجبين، وهو شيءٌ أبيضُ ينزِلُ على الشَّجر كالندى، حُلوٌ، يُشبِه العسلَ الأبيض [498] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/142)، ونسبه الشنقيطي لأكثر المفسرين. يُنظر: ((العذب النمير)) (1/107)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/509)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/195). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ المنَّ هو التُّرنجبين: السُّدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/701-702). .
والسَّلوى طائر، قيل: هو السُّمَانَى، وقيل: يُشبه السُّمَانَى [499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/704)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/509)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/108)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/195). قال ابن عطية: (السَّلْوى طير بإجماع من المفسرين، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. قيل: هو السُّمَانَى بعينه. وقيل: طائر يميل إلى الحمرة مثل السُّمَانَى، وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب) ((تفسير ابن عطية)) (1/149). وممن قال أن السَّلوى هو السُّمَانى: ابن عبَّاس - في راوية عنه - ومجاهد، والشعبيُّ، والضحَّاك، والحسن، وعِكرمة، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/115)، ((تفسير ابن جرير)) (1/705). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ السلوى طائرٌ يُشبه السُّمانَى: ابن عبَّاس - في رواية عنه - وابن مسعود، وغيرُهما من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/704). .
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
أي: قلنا لهم: كُلوا من طيِّبات ما رزقناكم، كهذا المنِّ والسَّلوى، وهما طيِّبانِ حسًّا ومعنًى؛ للذاذة طعمهما، وحِلِّيَّتهما شرعًا [500] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/710-711)، ((تفسير ابن كثير)) (1/273)، ((تفسير السعدي)) (ص: 53)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/108). .
وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أي: أنعمْنا عليهم هذِه النِّعم، فقابَلوا نِعمَنا بالجحود، بعدم الشُّكر، وارتكاب المعاصي، وما وضَعوا فِعلهم ذلك وعِصيانهم إيَّانا موضعَ مضرَّة علينا، ومنقصة لنا، ولكنَّهم وضَعوه من أنفسِهم موضعَ مضرَّة عليها ومنقصة لها، والمعنى: أنَّ هذا الظلمَ واقعٌ على أنفسهم؛ حيثُ عرَّضوها به لسَخَطِ الله عزَّ وجلَّ وعِقابه، فضررُ فِعلهم عائدٌ إليهم، والله سبحانه وتعالى لا تضرُّه معاصي خَلْقه، ولا تنفعُه طاعاتُهم [501] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/711)، ((تفسير ابن كثير)) (1/273)، ((تفسير السعدي)) (ص: 53)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/109). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- نِسبة النِّعَم دائمًا إلى الله عزَّ وجلَّ؛ فهذه النِّعمة على بني إسرائيل لم تأتِ بكَسْبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرثٍ عن آبائهم، وإنَّما هي بنعمةِ الله عليهم؛ لقوله تعالى: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [502] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/168). .
2- التفكُّر في سَعة حِلم الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه مهما بارَز الإنسانُ ربَّه بالذُّنوب، فإنَّ حِلم الله تعالى قد يَشمله، فيُوفَّق للتوبة، كما قال تعالى: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [503] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/182). .
3- أنَّ إنزالَ الله تعالى الكتُبَ للناس من نِعَمه وآلائه، بل هو من أكبرِ النِّعم؛ لأنَّ الناس لا يمكن أن يستقلُّوا بمعرفة حقِّ الخالق، بل ولا حقِّ المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتُبُ تِبيانًا للناس، كما قال تعالى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/183). .
4- أنَّ الله تبارك وتعالى يُنزل الكتُب، ويجعلها فُرقانًا؛ لغايةٍ حميدةٍ حقًّا، وهي الهداية؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [505] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/183). ، فمَن أراد الهداية، فلْيطلبها من الوحي الإلهيِّ [506] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/183). .
5- أنَّه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يستعملَ الأسلوبَ الذي يَجذِب إليه الناسَ، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكايةً عن موسى: يَا قَوْمِ؛ فإنَّ هذا لا شكَّ فيه من التودُّد، والتلطُّف، والتحبُّب ما هو ظاهر [507] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/188). .
6- أنه يَنبغي للداعي إلى الله أن يبيِّن الأسبابَ فيما يحكُم به؛ لقوله: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ [508] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/189). .
7- أنَّه يَنبغي التعبيرُ بما يناسب المقام؛ لقوله: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ؛ لأنَّ ذِكر (البارئ) هنا كإقامة الحُجَّة عليهم في أنَّ العِجلَ لا يكون إلهًا؛ فإنَّ الذي يستحقُّ أن يكون إلهًا هو البارئ، أي: الخالق سبحانه وتعالى [509] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/189). .
8- أنَّ التوبة لازمةٌ على الفور؛ لقوله: فَتُوبُوا؛ لأنَّ الفاء للترتيب، والتعقيب [510] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/189). .
9- أنَّ الأمَّة كنَفْس واحدة؛ وذلك لقوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [511] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/189). .
10- إثبات تفاضُل الأعمال؛ لقوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [512] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/190). .
11- في إثباتِ اسْمَي (التواب)، و(الرحيم) لله سبحانه أمَلٌ ورحمة؛ فينبغي للإنسان أن يتعرَّض لِمَا يقتضيه هذان الاسمانِ من أسماء الله، فيتعرَّض لتوبةِ الله، ورحمتِه [513] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/190). .
12- أنَّ مَن سأل ما لا يمكن، فهو حريٌّ بالعقوبة؛ لقوله تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [514] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/194). .
13- أنَّ ألم العقوبة، ووقعَها أشدُّ إذا كان الإنسانُ ينظُر إليها؛ لقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [515] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/194). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- في قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال: يُذَبِّحُونَ بدون واو، وفي سورة إبراهيم قال سبحانه: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم: 6] فقال: وَيُذَبِّحُونَ بزيادة الواو؛ وذلك لأنه أريد بالآية التي في سورة البقرة تبيين صفات العذاب وتفسيرها؛ لذا فسر سوء العذاب بأنه التذبيح والاستحياء؛ لأنَّه لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلًا، وفي سورة إبراهيم دلَّ بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف التذبيح والاستحياء عليها؛ لأنه لما قال فيها: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ أي بأياديه ونِعَمِه عليهم ناسب العطف بالواو في قوله: وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ؛ ليدلَّ على تعدد النِّعم والأيادي [516] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/325)، ((تفسير الرازي)) (3/506)، ((تفسير ابن كثير)) (1/258). .
2- أنَّ الآل يَدخُل فيهم مَن ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ ويدخل فيهم فرعون؛ فالرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيهم [517] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/179)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 204). .
3- أنَّ هلاك عدوِّ الإنسان وهو يَنظُر إليه من نِعمة الله عليه، كما قال تعالى: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [518] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/179). .
4- أنَّ الله تعالى سَخِر من فرعون، حيث أهلكه بجِنس ما كان يَفتخِر به، وأَوْرَث أرضَه موسى عليه السلام، فقد كان فرعون يقول: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [519] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/180). .
5- قوله جلَّ وعلا: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً عبَّر بالليالي؛ لأنَّها قبل الأيَّام، والمقرَّر في فنِّ العربية أنَّ التاريخ بالليالي؛ لأنَّها قبل الأيام [520] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/80-81). .
6- نِعمة الله تبارك وتعالى بما هيَّأه لعباده من الظلِّ؛ فقد جعَل الله تعالى الغمامَ ظلًّا على بني إسرائيل [521] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/196). .
7- قوله جلَّ وعلا في هذه الآية: وَمَا ظَلَمُونَا فيه الدَّليل الواضحُ على أنَّ نفْي الفِعل لا يستلزم إمكانَه؛ لأنَّ الله نفى عنه أنَّهم ظلموه، ونفيه جلَّ وعلا عن نفْسه أنَّهم ظلموه، لا يدلُّ على أنه يُمكنهم أن يظلموه، بل نفْي الفِعل لا يدلُّ على إمكانه [522] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/109). .

بلاغة الآيات:


1- في قوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ عطفُ الخاص على العام؛ لأنَّ قوله نِعْمَتِيَ عمَّ جميع النِّعم؛ لبيان الكمال، والتأكيد على خُصوصيَّة هذه النِّعمة، ومزيد فضلها، وتميُّزها على سائر النِّعم [523] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/483). .
2- في قوله: واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ تنكيرُ اليوم؛ للتهويل والتعظيم، أي: يومًا شديد الهول، عظيم الخطب، وتنكير النَّفس يُفيد العمومَ والإقناط الكُلِّي [524] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/99). .
3- قوله: ولا هُم يُنصَرون أتى بالجُملة المعطوفة الأخيرة اسميَّةً، مع أنَّ الجمل التي قبلها فعليَّة؛ للمبالغة، وللدَّلالة على الثَّبات والدَّيمومة، أي: إنهم غير منصورين دائمًا، ولا عبرةَ بما يصادفونه من نجاح مؤقَّت [525] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/98). .
4- قوله: بَلاء وعَظِيمٌ التنكير فيهما؛ للتفخيم والتهويل [526] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/100). .
5- قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ حذف مفعول الاتِّخاذ الثاني، وتقرير المعنى: اتخذتُم العِجل إلهًا، وهذا المفعول الثاني محذوف في جميع القرآن، مثل قوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة: 54] أي: إلهًا. وقولِه سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا [الأعراف: 148]، أي: إلهًا، قال بعض العلماء: النُّكتة في حذفِه التنبيهُ على أنَّه لا يَنبغي لعاقل أن يتلفَّظ بأنَّ عِجلًا مُصطنعًا من حُليٍّ أنَّه إلهٌ [527] يُنظر: ((تفسير أبي السعود))  (1/82). .
6- قوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْ فيه التفات [528] هذا على أن قوله تعالى: فَتَابَ عَلَيْكُمْ خطاب من الله لهم. وأما على القول بأنه من قول موسى عليه السلام كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، فلا التفات فيه. من التكلُّم الذي يتطلَّبه سياقُ الكلام إلى الغَيبة؛ إذ كان مقتضى المقام أن يقال: (فوفقتكم فتبتُ عليكم) [529] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/140)، ((تفسير الرازي)) (3/518)، ((تفسير أبي السعود)) (1/102)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/104). . ولم يقل: (فتابَ عليهم) مع أنَّ الضَّميرَ للقوم؛ لأن ذلك نِعمةٌ أُريد التذكيرُ بها للمخاطَبين لا لأسلافهم [530] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/102). .
7- قوله: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ... خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فيه تَكرار للبارئ؛ للتوكيد، ولأنَّها جملة مستقلة؛ فناسَب الإظهار، وللتنبيه على أن هذا الفعل أفضل عند الذي أنشأكم، فكما رأى إنشاءكم، رأى توبتكم بالقتل، فينبغي التسليم له في كلِّ حال، وتلقِّي ما يرِدُ من قِبله بالقَبول والامتثال [531] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/338). .
8- قوله: جَهْرَةً انتصب على أنَّه مصدر مؤكِّد لـ أرِنا؛ للتأكيد على أنَّهم طلبوا الرؤية العينيَّةَ، ولإزالة احتمال أن تكون الرؤية منامًا، أو عِلمًا بالقلب [532] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/340). .
وعَدَلَ عن أن يقول: (عِيانًا) إلى قوله: (جَهرةً)؛ لأنَّ جهرةً أفصح لفظًا؛ لخفَّته؛ فإنَّه غير مبدوء بحرف حَلق، ولسلامته من حرف العِلَّة، فحسُن وقعها في الكلام، وخفَّت على السَّمع، وللقرآن السهم المعلَّى في ذلك، وهو في غاية الفصاحة [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/507). .
9- قوله: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فيه عدة أوجه بلاغيَّة:
فقوله: وَمَا ظَلَمُونَا: فيه التفات؛ إذ انتقل من خِطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضَمير الغَيبة؛ للإيذان باقتضاء جِنايات المخاطبَين للإعراض عنهم، وتَعداد قبائحهم عند غيرهم، ولقصد الاتِّعاظ بحالهم، وتعريضًا بأنَّهم متمادون على غيِّهم، وليسوا مستفيقين من ضلالهم [534] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (1/310)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/512)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 93). .
والجمع بين صِيغتَي الماضي والمضارع ظَلَمُونَا ويَظْلِمُونَ؛ للدَّلالة على تماديهم في الظُّلم، واستمرارهم على الكُفر [535] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 93). .
وولَكِنْ وقعت هنا أحسنَ موقع؛ لأنَّه تقدَّم قبلها نفيٌ، وجاء بعدها إيجابٌ؛ ولأنَّه لَمَّا تقرَّر أنه قد وقَع منهم ظلمٌ، ونُفي وصولُ ذلك الظلم إلى الله تعالى، بقِيت النفسُ متشوِّفةً ومتطلِّعة إلى ذِكر مَن وقَع به الظُّلم، فاستدرك بأنَّ ذلك الظُّلم الحاصل منهم إنَّما كان واقعًا بهم [536] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/348). .
وأَنفُسَهُمْ: معمول مُقدَّم على الخبر؛ ليحصلَ بذلك توافُق رؤوس الآي والفواصل، وللاعتناء بالإخبار عمَّن حلَّ به الفعل [537] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/349). .
10- وفي هذه الآيات جاء ترتيب النِّعم متناسقًا، يأخذ بعضه بعُنق بعض، وهي أفعال يتلو بعضها بعضًا؛ فأوَّلها الإنجاءُ من سوء العذاب- ذبْح الأبناء، واستحياء النِّساء- بإخراج موسى إيَّاهم من مصر، ثم فَرْق البَحْر بهم وإرائهم عِيانًا هذا الخارق العظيم، ثم وعْد اللهِ لموسى بمناجاته وذَهابه إلى ذلك، ثم إيتاء موسى التوراةَ، والعفوُ عنهم بعد اتِّخاذهم العجل، وقد ختَم كلَّ فصلٍ منها بمناسبِه:
فجاءت هذه الجُمل في غايةِ الفَصاحة لفظًا، والبلاغة معنًى؛ إذ جمعت الألفاظ المختارة، والمعاني الكثيرة، متعلِّقًا أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لُطف الإخبار عن نفسه، فحيث ذكَر النِّعم صرَّح بأن ذلك من عنده، فقال: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم، وقال: وظَلَّلْنَا وَأَنْزَلْنَا، وحيث ذكر النِّقم لم ينسبها إليه تعالى، وإن كانت منه حقيقةً، فقال: فَأَخَذَتْكُم الصَّاعِقةُ، وسرُّ ذلك: أنَّه موضِع تعداد للنِّعم، فناسب نِسبةَ ذلك إليه؛ ليُذكِّرهم آلاءَه [538] يُنظر: ((تفسير أبي حيان))  (1/350). .