موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (40-46)

ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ

غريب الكلمات:


وَأَوْفُوا: أي: أدُّوه وافيًا تامًّا، وأصل الوفاء: تمام الشيء، وإتمام العهد والقيام بمقتضاه، وإكمال الشَّرط [424] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 878)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 70)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 209). .
فَارْهَبُونِ: خافوني، وأصل الرهبة والرَّهب: مخافة مع تحرُّز واضطراب [425] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/447)، ((المفردات)) للراغب (ص: 366)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 70)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 79). .
بِالْبِرِّ: الدِّين والطاعة، وأصله: الصِّدق في المحبَّة [426] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/178)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 71). .
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ: لثقيلة شاقَّة، وأصل الكِبَر: خِلافُ الصِّغر [427] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/153- 154)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 122)((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .

المعنى الإجمالي:


يُذكِّر اللهُ تعالى بَني إسرائيل- والمقصود بإسرائيل المنسوبين إليه، يعقوبُ عليه السَّلام- يُذكِّرهم بنِعمته التي أسبَغها عليهم، ويأمرُهم بالوفاء بالعهد، وبمقابل الْتِزامهم بالعهد، سيُمضي الله ما وعدَهم به، وهو إدخالُهم الجنَّةَ، ثم ذكَّرهم بأنْ يَخشوه ويخافوه.
وأمَرَهم تبارك وتعالى أن يُصدِّقوا بقلوبهم وجوارحهم بالقرآن الذي يُوافق التوراةَ التي معهم، ونهاهم أن يكونوا أوَّلَ مَن يجحَد القرآنَ ومَن أُنزل عليه، ونهاهم أيضًا أن يَبيعوا آياتِه؛ فيَدَعوا الإيمانَ به وبما أرسلَه وأنزله، ويكتموا ما ورَد في كتابهم من الحقِّ مقابلَ الدنيا وشهواتها، ثم أمرهم أن يتَّقُوه وحْدَه سبحانَه.
ونهاهم أن يخلِطوا الحقَّ بالباطل، ونهاهم أيضًا أن يُخفوا الحقَّ، وهم يعلمونه، والحالُ أنَّهم يعرِفون ما يترتَّب على إخفائهم من الضَّرَر، وأمرهم بأن يؤدُّوا الصَّلاةَ بأركانها وواجباتِها، ويعطوا الصدقةَ المفروضةَ، ويُصلُّوا جماعةً مع المؤمنين.
ثمَّ سألهم الله منكرًا عليهم أمْرَهم للنَّاس بالإيمان والخير، وترْكَهم أنفسَهم، وهم يقرؤون التوراةَ، ويعرفون ما فيها، أوَليس عندهم عقولٌ تدلُّهم على ضلالهم؟!
ثم يُرشد سبحانه وتعالى إلى الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة في جميع الأمور، وإنْ كانت الصَّلاة ثقيلةً إلَّا على الخاشعين، وهم الذين أيقَنوا بملاقاتهم ربَّهم، وأنَّهم إليه عائِدون يوم القِيامة.

تفسير الآيات:


يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.
أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكروا نِعمَ الله تعالى على آبائكم، ومنها النِّعم التي سيأتي ذِكرُها في هذه السُّورة الكريمة، وذِكرُ هذه النعمِ يستوجب منهم القيامَ بشُكر الله تعالى عليها، بالدُّخول في دِينه ومتابعة رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام [428] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/593، 594)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/23)، ((تفسير ابن كثير)) (1/241)، ((تفسير السعدي)) (ص: 50)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/34). .
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
أي: لا تُخالفوا وصيةَ الله تعالى التي عَهِدَ بها إليكم من الإيمان به سبحانه، وبرسلِه، ومنهم محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، وإقامةِ شرْعه، وبيان الحقِّ الذي تعرفونه، فإنَّكم إن أنفذتُم وصيةَ الله تعالى لكم، أمضَى لكم ما وعدَكم به، وهو تكفيرُ السيئاتِ، ودخولُ الجنَّة، ثم حذَّرهم نفْسَه بعد أن رغَّبهم، فإنْ تحقَّقت فيهم هذه الخشيةُ لله تعالى، فإنَّها تَحمِلهم على الإيفاء بعَهدِه عزَّ وجلَّ [429] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/596، 598)، ((تلخيص كتاب الاستغاثة لابن تيمية)) لابن كثير (1/321-323)، ((تفسير ابن كثير)) (1/242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 50)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/34). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: 12].
وقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187].
وقال عزَّ وجلَّ: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156-157].
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ.
أي: يأمُر اللهُ تبارك وتعالى بَني إسرائيل بأنْ يُقرُّوا بقلوبهم وجوارحِهم بهذا الذي يُوافِق ما لديهم من التَّوراة، وهو القرآنُ الذي أنزله الله تعالى على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وفي ضِمن ذلك الإشارةُ إلى أنَّ تكذيبهم للقرآن، هو تكذيبٌ لِمَا معهم من التوراة، التي يدَّعون إيمانَهم بها [430] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/599)، ((تفسير ابن كثير)) (1/242-243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 50-51). .
وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ.
أي: نهَى الله تعالى بني إسرائيل عن أن يكونوا أوَّلَ مَن يكفُر بالقرآن ومَن أُنزِل عليه، وهو محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فعندهم من العِلم به ما ليس عند غيرِهم، وإلَّا فإنَّه يَقتدي بهم مَن بعدهم، فيكون إثمُ كُفره عليهم [431] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/601-602)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/128)، ((تفسير ابن عطية)) (1/134)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 149)، ((تفسير ابن كثير)) (1/243)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/460). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ المقصود بقوله تعالى: وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ القرآن: ابن جُرَيج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/602). وممَّن قال من السَّلف أنَّ المقصود به: محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أبو العالية. قال ابن أبي حاتم: (ورُوي عن الحسن، والسُّدِّي، والرَّبيع بن أنس نحوُ قول أبي العالية) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/97). .
وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
أي: نهاهم اللهُ تعالى عن أن يَبيعوا آياتِه؛ فيترُكوا الإيمانَ به سبحانه، ومتابعةَ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام، وبيان ما في كِتابهم من الحقِّ، ومنه ما ورد فيه من أمْر محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، من أجْل الدُّنيا وشهواتها، كالإبقاء على ما يَحظَوْن به من المناصب والأموال، وغير ذلك؛ فإنَّ الدنيا بحذافيرها ثمنٌ قليل لا يُساوي شيئًا بجانب الإيمان بالله تعالى [432] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/604)، ((تفسير ابن كثير)) (1/243-244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51). .
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.
أي: إنَّ اللهَ سبحانه وَحْدَه هو المستحقُّ للتقوى دون مَن سواه؛ فإنَّهم إذا اتَّقَوا الله وحْدَه، أوجب لهم ذلك، تقديمَ الإيمان بآياته على كلِّ شهوةٍ فانية [433] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/605)، ((تفسير ابن كثير)) (1/244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51). .
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: نهَى الله تعالى اليهودَ عن خلْط الحقِّ الذي أنزله الله تعالى بالباطِل الذي افتَرَوه، بحيث لا يتمايزان، أو يُظهروا الباطلَ في صورة الحق، كما نهاهم أيضًا عن كِتمان الحقِّ، والحال أنَّهم يعلمونه، ويعلمون ما في صَنيعهم هذا من الضَّرر العظيم على الناس، ومِن الحقِّ المذكور في هذه الآية، ما يعرِفه اليهودُ مِن أمر نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ [434] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/128-129)، ((تفسير ابن عطية)) (1/135)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (7/176)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تَيميَّة (1/209-211، 219-220)، ((تفسير ابن كثير)) (1/245)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/470)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/35). قال ابنُ أبي حاتم: (عن أبي العالية في قوله: وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ؛ يقول: ولا تَخلِطوا الحقَّ بالباطل، وأدُّوا النصيحة لعباد الله في أمْر محمَّد (صلَّى الله عليه وسلَّمَ) .... قال أبو محمَّد: ورُوي عن سعيد بن جُبَير، والرَّبيع بن أنس نحوُ ما ذكرنا عن أبي العالية) ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/98)، ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/609). .
كما قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 71].
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
أي: بعد أن أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ اليهودَ باعتناق دِين الإسلام، أمَرهم بأنْ يُقيموا الصَّلاة، أي: يؤدُّوها بأركانها، وواجباتِها على أحسنِ وجه، ويُعطوا الصَّدقةَ المفروضة أهلَها المستحقِّين لها، ويصلُّوا مع المصلين- ومنهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه رضي الله عنهم- ويكونوا من جملتهم [435] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/611-613)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/129)، ((تفسير ابن كثير)) (1/246)، ((تفسير السعدي)) (ص: 50)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/472).   .
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
أي: يوبِّخ اللهُ تعالى اليهودَ مُنكِرًا عليهم قُبْحَ صنيعهم في أمْر الناس بالإيمانِ والخيرِ، وتَرْكِ أنفسِهم لا يأمرونها بذلك، والحالُ أنَّهم يقرؤون التوراةَ ويتدارسونها بينهم، ويَعلمون منها ما أُمِروا به من الخير، وما عليهم إنْ قصَّروا في شرْع الله تعالى. أوَليس لهم عقولٌ يدركون بها ضلالهم، وتزجرهم عن الوقوع في ذلك [436] يُنظر: ))جامع البيان)) (1/616)، ((تفسير ابن كثير)) (1/246-247)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/158).   ؟!
كما قال تعالى إخبارًا عن شُعَيب عليه السَّلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود: 88].
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3].
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
أي: اطلبوا العونَ على جميع ما تُؤمِّلون من أمور الدُّنيا والآخِرة، وعلى تحمُّل المشاقِّ والمصائبِ بالصَّبر والصَّلاة، والصَّلاةُ ثقيلةٌ وذات مشقَّة على الأنفُس، لكنَّها سهلةٌ وخفيفةٌ على مَن خشَع، فخضَع لله تعالى واطمأنَّ إليه قلبُه، وظهرَ أثرُ ذلك الخشوعِ على جوارحهِ، وهؤلاءِ الخاشعون هم الموقِنون بعودتهم إلى الله تعالى، والحشرِ إليه يوم القِيامة [437] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/617-624، 627-628)، ((القواعد النورانية الفقهية)) لابن تَيميَّة (ص: 42)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (28/31)، ((الصلاة وأحكام تاركها)) لابن القيم (ص: 140)، ((تفسير ابن كثير)) (1/251-254)، ((تفسير السعدي)) (ص: 51، 52)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/480)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/45-54). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153].
وقال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1-2].

الفَوائِد التربويَّة:


1- أنَّ تذكيرَ العبد بنِعمة الله عليه أدْعَى لقَبوله الحقِّ، وأقومُ للحُجَّة عليه؛ لقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [438] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/144). .
2- وجوب إخلاص عِبادة الرَّهبة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [439] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/145). .
3- أنَّ جميع ما في الدُّنيا قليل [440] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/150). ، كما قال تعالى: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: 41]، فينبغي الزهدُ فيها، وإيثار ما عند الله تعالى؛ فهو خيرٌ وأبقى.
4- وجوب تقوى الله عزَّ وجلَّ، وإفراده بها؛ لقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [441] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/151). .
5- مَن لَبَس الحقَّ بالباطِل، فلم يميِّز هذا من هذا، مع عِلمه بذلك، وكتَم الحقَّ الذي يَعلمه وأُمِر بإظهاره، فهو من دُعاةِ جهنمَ، والعياذ بالله تعالى [442] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 51). .
6- وجوب بيانِ الحقِّ، وتمييزِه عن الباطِل، فيُقال: هذا حقٌّ، وهذا باطلٌ؛ لقوله تعالى: وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ [443] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/152). .
7- مَن أمَر غيرَه بالخير ولم يفعلْه، أو نهاه عن الشرِّ فلم يَتركْه، دلَّ على جهله وعدم عقلِه، خصوصًا إذا كان عالِمًا بذلك [444] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 51). .
8- ليس في قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، أنَّ الإنسان إذا لم يقُمْ بما أُمِر به أنَّه يَترُك الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ لأنَّها دلَّت على التوبيخ بالنِّسبة إلى الواجبين، وإلَّا فمِن المعلوم أنَّ على الإنسان واجبَينِ: أمْر غيرِه ونهيه، وأمْر نفْسِه ونهيها، فترْك أحدهما، لا يكون رُخصةً في ترْك الآخَر؛ فإنَّ الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنَّقص الكامل أن يتركهما، وأمَّا قيامه بأحدهما دون الآخَر، فليس في رُتبة الأوَّل، وهو دون الأخير، وأيضًا فإنَّ النفوس مجبولةٌ على عدم الانقياد لمن يُخالِف قولُه فِعْلَه، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغُ من اقتدائهم بالأقوال المجرَّدة [445] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 51). .
9- أمرُ اللهِ بالاستعانة بالصَّبر يَشمَل جميعَ أنواعه، وهو: الصَّبر على طاعة الله حتى يُؤدِّيَها، والصَّبر عن معصية الله حتى يترُكَها، والصَّبر على أقدار الله المؤلِمة فلا يتسخَّطها [446] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 51)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/477). .
10- قوله سبحانه: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ فيه الحث على الصلاة في جماعة [447] قال الواحدي: (وإنما قال: واركعوا بعد قوله: وأقيموا الصلاة لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة في جماعة) ((التفسير الوسيط)) (1/129). وقال السعدي: (قوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها) ((تفسير السعدي)) (ص: 51). ويُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (23/227-228). .
11- أنَّ خشوع العبد لله، ممَّا يُسهِّل عليه العبادةَ، فكلما كان لله أخشع كان له أطوع، كما قال تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: 45] [449] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/165). .
12- أنَّ المؤمنين يُوقِنون أنَّهم راجِعون إلى الله تعالى، وهذا يستلزم أمورًا:
أولًا: الخوف من الله؛ لأنَّهم ما داموا يعلمون أنَّهم راجعون إلى الله تعالى، فسوف يخافون منه، والخوفُ في القلب؛ يعني: أنهم إذا علِموا أنَّهم سيرجعون إلى الله، فسوف يَخشَونَه في السِّرِّ والعلانية.
ثانيًا: مراقبة الله عزَّ وجلَّ.
ثالثًا: الحياء منه؛ فلا يَفقِدك حيث أمَرَك، ولا يَجِدك حيث نهاك [450] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/166). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ الله تعالى يوجِّه الخطاب للمخاطَب؛ إمَّا لكونه أوعى من غيرِه، وإمَّا لكونه أَوْلى أن يَمتثِل، وهنا وجَّهه لبني إسرائيل؛ لأنَّهم أَوْلى أن يمتثلوا؛ لأنَّ عندهم من العِلم برسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّها حقٌّ- ما ليس عند غيرِهم [451] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/144). .
2- في قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ:  دلالةٌ على أنَّ الصَّلاة واجبةٌ على الأمم السابقة، وأنَّ فيها ركوعًا، كما أنَّ في الصَّلاة التي في شريعتنا رُكوعًا [452] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/156). .
3- أنَّ الأمم السابقة كانت عليهم زَكاة، قال تعالى: مخاطبًا بني إسرائيل: وَآتُوا الزَّكَاةَ [453] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/156). .
4- جواز التعبير عن الكلِّ بالبعض إذا كان هذا البعضُ من مباني الكلِّ التي لا يتمُّ إلَّا بها؛ لقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [454] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/157). .
5- توبيخ بني إسرائيل، وأنَّهم جهلةٌ حمْقى ذَوُو غيٍّ؛ لقوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [455] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/160). .

 بلاغة الآيات:


1- قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا... إلى قوله: ...مَعَ الرَّاكِعِينَ فيها ترتيب عجيبٌ، من حيثُ فصاحةُ الكلام وبنائه بعضه على بعض، مع أنَّها عُطِفت بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبًا؛ إذِ افتُتحت بذِكر النِّعم، واختُتمَت بالأمر بالانقياد للمُنعِم، وذُكر بينهما تكاليف اعتقاديَّة، وأفعال بدنيَّة وماليَّة، وفي ذلك ما يدعو إلى محبَّة المنعِم، ووجوب طاعتِه [456] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/292-293). .
2- قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَأَوْفُوا وأُوفِ فيه ما يُعرَف عند البَلاغيِّين بالتَّعطُّف ويُسمِّيه بعضهم المشاركة؛ حيث علَّق لفظةً من الكلام بمعنًى، ثم كرَّرها بعينها وعلَّقها بمعنًى آخر، وهما مفترقتان؛ كلُّ لفظةٍ منهما في طرَف من الكلام، وفائدته التأكيد [457] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/92)، (4/113). .
3- قوله: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، ووَإِيَّايَ فاتَّقونِ فيه تقديم ضمير الفَصل؛ لإفادة التخصيص، وهو آكَدُ في إفادة التَّخصيص من (وإياي فارهبوا) (وإياي فاتقوا)؛ لِمَا فيه- مع التقديم- من تكرير المفعول وهو الياء في (فارهبون، واتقون) إذ أصله (فارهبوني، واتقوني) [458] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/131)، ((تفسير البيضاوي)) (1/75-76)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/454). .
4- قوله: تَلْبِسُوا الحَقَّ، وقوله: وَتَكْتُمُوا الحَقَّ تكرير الحقَّ لزيادة تقبيح المنهيِّ عنه؛ إذ في التصريح ما ليس في الضمير من التأكيد [459] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (1/96). وعلى القول بأنَّ المرادَ بـ(الحق) الأخير ليس عينَ الأول، بل هو نعت النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه-فليس فيه تأكيد. .
5- قوله: أَتَأْمُرُونَ الهمزة للتقرير مع التوبيخ، والتعجُّب من حالهم [460] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/133)، ((تفسير ابن عطية)) (1/136)، ((تفسير البيضاوي)) (1/77). . وأتى بالمضارع وإنْ كان قد وقَع ذلك منهم؛ لأنَّه يُفهم من المضارع في كثيرٍ من المواضع: الديمومة وكثرة التلبُّس بالفعل؛ فصِيغةُ المضارع تُفيد التجدُّد والحدوث [461] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/295). .
6- قوله: وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ عبَّر عن ترْك فِعلهم بالنِّسيان؛ مبالغةً في الترك، فكأنَّه لا يَجري لهم على بال، وعلَّقه بالأنفُس توكيدًا للمبالغة في الغفلة المُفرِطة [462] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/295). .
7- قوله: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ جُملة حاليَّة، وتصديرُ الكلام بالضمير وَأَنْتُمْ، فيه زيادةٌ في المبالغة، وتسجيل لتبكيتهم وتقريعهم وتوبيخهم [463] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/95). .