موسوعة التفسير

سورةُ الغاشِيةِ
الآيات (1-7)

ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ

غريب الكلمات:

الْغَاشِيَةِ: هي القيامةُ تَغْشى النَّاسَ بالأهوالِ، وأصلُ (غشي): يدُلُّ على تغطيةِ شَيءٍ بشَيءٍ [7] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 525)، ((تفسير ابن جرير)) (24/326)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 351)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/425)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 449)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 459). .
نَاصِبَةٌ: تَعمَلُ ما تتعَبُ به، ومعنى النَّصَبِ: الدُّؤوبُ في العَمَلِ بالتَّعَبِ، وأصلُ (نصب): يدُلُّ على إقامةِ شَيءٍ وإهدافٍ في استواءٍ [8] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/434)، ((البسيط)) للواحدي (23/458)، ((المفردات)) للراغب (ص: 808)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 662). .
تَصْلَى: أي: تدخُلُ النَّارَ وتذُوقُ حَرَّها، وأصلُ الصَّلَى: الإيقادُ بالنَّارِ [9] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/300)، ((المفردات)) للراغب (ص: 490)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 166). .
آَنِيَةٍ: أي: بالِغةِ الحرارةِ قد انتهَى غَلَيانُها، وأصلُ (أني): يدُلُّ على إدراكِ الشَّيءِ [10] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 341)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/141)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 459)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 202). .
ضَرِيعٍ: أي: نبتٍ ذي شَوكٍ هو أخبَثُ الطَّعامِ وأبشَعُه [11] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/332)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 314)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 449)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 459)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 580). وذكَرَ ابنُ فارس أنَّ (ضرع) أصلٌ صَحيحٌ يدُلُّ على لِينٍ في الشَّيءِ، ثمَّ قال: (ومِمَّا شَذَّ عن هذا البابِ: الضَّريعُ، وهو نَبْتٌ. ومُمْكِنٌ أنْ يُحْمَلَ على البابِ فيُقالُ ذلك لِضَعْفِه، إذا كان لا يُسْمِنُ ولا يُغْني مِنْ جُوعٍ). ((مقاييس اللغة)) (3/395، 396). وقال الزمخشري: (الضَّريعُ يَبِيسُ الشِّبْرِقِ، وهو جِنسٌ مِن الشَّوكِ تَرعاه الإبلُ ما دام رَطْبًا، فإذا يَبِسَ تحامَتْه الإبلُ، وهو سمٌّ قاتلٌ). ((تفسير الزمخشري)) (4/742). .

المعنى الإجمالي:

افتَتَح اللهُ تعالى هذه السُّورةَ الكريمةَ مُخاطِبًا نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له: هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ القيامةِ الَّتي تَغشى النَّاسَ بأهوالِها وشَدائِدِها؟
ثمَّ فصَّل الله تعالى أحوالَ النَّاسِ في ذلك اليومِ، فقال: في ذلك اليومِ تكونُ وُجوهٌ ذَليلةً، يَعمَلُ أصحابُها أعمالًا شاقَّةً مُرهِقةً، يَدخُلونَ نارًا شَديدةَ الحرارةِ، ويُسقَونَ مِن شَرابِ عَينٍ في غايةِ الحَرارةِ، ليس لهم طَعامٌ إلَّا شَجَرٌ يابِسٌ ذو شَوكٍ، لا يُسمِنُ هذا الضَّريعُ آكِلِيه، ولا يَدفَعُ عنهم شيئًا مِن ألَمِ الجُوعِ!

تفسير الآيات:

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1).
أي: هل بلَغَك -يا محمَّدُ- خَبَرُ القيامةِ الَّتي تَغشى النَّاسَ بأهوالِها وشَدائِدِها [12] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/326)، ((الوسيط)) للواحدي (4/473)، ((تفسير ابن عطية)) (5/472)، ((تفسير ابن كثير)) (8/384)، ((تفسير أبي السعود)) (9/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 921). قال ابنُ عثيمين: (يجوزُ أن يكونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وَحْدَه، وأمَّتُه تَبعٌ له، ويجوزُ أن يكونَ عامًّا لكُلِّ مَن يتأتَّى خِطابُه). ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 171). ؟
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا هَوَّل أمْرَها بانبهامِها وعُمومِها، زاد في التَّهويلِ بما ذَكَر مِن أحوالِها في تفصيلِ النَّاسِ إلى شَقيٍّ وسعيدٍ، وبدأ بالشَّقِيِّ؛ لأنَّ المقامَ لإنذارِ المؤثِرينَ للحياةِ الدُّنيا [13] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/2). .
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2).
أي: تكونُ وُجوهٌ يومَ القيامةِ ذَليلةً [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/327)، ((تفسير ابن عطية)) (5/472)، ((تفسير ابن كثير)) (8/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 922). قال البِقاعي: (أي: ذَليلةٌ مُخبِتةٌ مِنَ الخَجَلِ والفضيحةِ والخَوفِ والحَسْرةِ الَّتي لا تنفَعُ في مِثْلِ هذا الوَقتِ). ((نظم الدرر)) (22/3). .
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3).
أي: يَعمَلُ أصحابُها أعمالًا شاقَّةً مُجهِدةً مُرهِقةً [15] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/476)، ((تفسير ابن كثير)) (8/384). ذهب أكثَرُ المُفَسِّرينَ إلى أنَّ ذلك واقعٌ يومَ القيامةِ، فيُكَلَّفونَ بجَرِّ السَّلاسِلِ والأغلالِ، أو غيرِ ذلك مِن الأعمالِ الشَّاقَّةِ. ومِمَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: ابنُ تيميَّةَ، والبِقاعي، والسعديُّ، وابن عثيمين. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/217)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/3)، ((تفسير السعدي)) (ص: 922)، ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 172). وممَّن قال مِن السَّلفِ في الجملةِ إنَّ هذا العملَ والنَّصَبَ في النَّارِ والعذابِ يومَ القيامةِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ في روايةٍ عنه، وقَتادةُ، والضَّحَّاكُ، والحسَنُ، وابنُ زَيدٍ، والكلبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/328)، ((تفسير الثعلبي)) (10/187)، ((البسيط)) للواحدي (23/457). وقيل: يكونُ ذلك في الدُّنيا. ومِمَّن ذهب إلى هذا المعنى: مكِّيٌّ، والقرطبي، وابن عادل. يُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (12/8217)، ((تفسير القرطبي)) (20/26)، ((تفسير ابن عادل)) (20/290). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ في روايةٍ عنه، وزَيدُ ابنُ أسلَمَ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (10/187)، ((البسيط)) للواحدي (23/457). قال القرطبي: (ثمَّ قال: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ فهذا في الدُّنيا؛ لأنَّ الآخِرةَ ليست دارَ عَمَلٍ. فالمعنى: وُجوهٌ عامِلةٌ ناصِبةٌ في الدُّنيا، خاشِعةٌ في الآخرةِ). ((تفسير القرطبي)) (20/26). وقال البِقاعي: (ويجوزُ أن يُرادَ بها الَّذين تَعِبوا ونَصَبوا في الدُّنيا أجسامَهم وهم على غيرِ دِينِ الإسلامِ، كالرُّهبانِ مِنَ النَّصارى بعدَ النَّسخِ، وزنادقةِ المتصَوِّفةِ مِنَ الفلاسِفةِ وأتْباعِهم). ((نظم الدرر)) (22/3، 4). وقال القاسمي: (... وجُوِّزَ أن يكونَ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ إشارةً إلى عَمَلِهم في الدُّنيا، أي: عَمِلَت ونَصِبَت في أعمالٍ لا تُجْدي عليها في الآخِرةِ، فيكونُ بمنزلةِ: حابطةٌ أعمالُها، أو جُعِلَت أعمالُها هباءً مَنثورًا، كما يدُلُّ عليه آياتٌ أُخَرُ، ويؤيِّدُه مقابلةُ هذه الآيةِ لِقَولِه في أهلِ الجنَّةِ: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ [الغاشية: 9] ، وذلك السَّعيُ هو الَّذي كان في الدُّنيا. واللهُ أعلَمُ). ((تفسير القاسمي)) (9/460-461). وقال السمعاني: (وقَولُه: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أي: عَمِلَت في الدُّنيا لغيرِ اللهِ، فنَصِبَت وتَعِبَت في الآخِرةِ بعَذابِ اللهِ). ((تفسير السمعاني)) (6/212). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: عِكْرِمةُ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (10/187)، ((البسيط)) للواحدي (23/459)، ((تفسير ابن كثير)) (8/385). .
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بَعْدَ أن وَصَفَهم تعالى بهذه الصِّفاتِ الثَّلاثةِ؛ شَرَح بعدَ ذلك كيفيَّةَ مَكانِهم ومَشرَبِهم ومَطعَمِهم [16] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (31/139). .
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4).
أي: يَدخُلونَ نارًا مُتوَقِّدةً شَديدةَ الحرارةِ [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/329)، ((تفسير ابن عطية)) (5/473)، ((تفسير القرطبي)) (20/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/296). .
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بَيَّن تعالى مكانَهم؛ ذَكَر شَرابَهم [18] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (4/525). .
وأيضًا لَمَّا كان مَن في الحَرِّ أحوَجَ شَيءٍ إلى ما يُبَرِّدُ باطِنَه، قال [19] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/4). :
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5).
أي: يُسقَونَ مِن شَرابِ عَينٍ في غايةِ الحَرارةِ [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/329)، ((تفسير ابن عطية)) (5/473)، ((تفسير ابن كثير)) (8/385)، ((التخويف من النار)) لابن رجب (ص: 150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 922). .
كما قال تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ [الرحمن: 43-44].
لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَر شَرابَهم؛ ذَكَر طَعامَهم [21] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (20/293). .
لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6).
أي: ليس لهم طَعامٌ إلَّا شَجَرٌ يابِسٌ ذو شَوكٍ [22] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (20/29، 30)، ((تفسير ابن كثير)) (8/385)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/5)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/297). .
لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا حَصَر أكْلَهم في هذا، وكان الضَّريعُ المعروفُ عِندَ العَرَبِ قد يَتصَوَّرُ متصَوِّرٌ أنَّه لو أُكرِهَ شَيءٌ على أكْلِه أسمنَهَ أو سَدَّ جَوعتَه؛ نفى عنه فائدةَ الطَّعامِ [23] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/7). .
لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7).
أي: لا يَعودُ هذا الضَّريعُ على آكِلِيه بسِمَنٍ يُصلِحُ أجسادَهم، ولا يَدفَعُ عنهم شيئًا مِن ألَمِ الجُوعِ؛ فليس مِن وَرائِه سِوى الضَّرَرِ المحْضِ [24] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/333)، ((تفسير ابن كثير)) (8/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 922)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/297). !

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ إلى قَولِه: لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ دَليلٌ على اختصارِ الكلامِ، والإشارةِ إلى المعنى؛ لأنَّ الغاشيةَ -واللهُ أعلمُ- هي القيامةُ، فلَمْ يَذْكُرْ يَومَها واقتصرَ على فِعْلِها، ثُمَّ قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، فذَكَر الوُجوهَ وحْدَها، وهي لا تكونُ مُنفَرِدةً عن الأجسامِ بهذه الأوصافِ إلَّا بمُشارَكَتِها، ثُمَّ قال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً، وهي لا تَصْلاه وَحْدَها، ثُمَّ قال: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ وإنَّما تُسْقَى البُطونُ، فأَخْبَرَ بكلِّ ذلك عن الوُجوهِ؛ لأنَّها غُرَّةُ الأبدانِ، وأرفَعُ شيءٍ في الأجسادِ. واللهُ أعلمُ. وكذلك الوُجوهُ الأُخَرُ الَّتي وَصَفَها بالنَّاعمةِ، وهي تُنَعَّمُ مع أبدانِها ولا تَنْفَرِدُ بنَعيمِها، وتكونُ مع الأبدانِ في الجَنَّةِ العاليةِ، ولَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً إلى آذانِها، فنَسَبَ كلَّ ذلك إليها اختصارًا، وفَصاحةً، وإشارةً إلى المعاني المفهومةِ عندَ العربِ الَّذين نَزَلَ القرآنُ بِلُغَتِهم [25] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (4/513). .
2- في قَولِه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أنَّ إسنادَ صِفاتِ الذَّاتِ لبَعضِ أجزائِها هو مِن أساليبِ اللُّغةِ العَربيَّةِ، وكإسنادِ الكَذِبِ والخَطيئةِ إلى النَّاصيةِ في قَولِه تعالى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [26] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/102). [العلق: 16] .
3- في قَولِه تعالى: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ سُؤالٌ: كيف تكونُ هذه العَينُ في نارِ جهنَّمَ، والعادةُ أنَّ الماءَ يُطفئُ النَّارَ؟!
الجوابُ:
 أوَّلًا: أنَّ أمورَ الآخرةِ لا تُقاسُ بأمورِ الدُّنيا، لو أنَّها قِيسَتْ بأُمورِ الدُّنيا ما استطَعْنا أنْ نَتَصَوَّرَ كيف يكونُ، ألَيستِ الشَّمسُ تدنو يومَ القيامةِ مِن رُؤوسِ النَّاسِ على قَدْرِ مِيلٍ؟ -والميلُ إمَّا مِيلُ الْمُكْحُلةِ، وهو نصفُ الإصبَعِ، أو مِيلُ المسافةِ: كيلو وثلُثٌ أو نحوُ ذلك-، وحتَّى لو كان كذلك فإنَّه لو كانتِ الآخرةُ كالدُّنيا لَشَوَتِ النَّاسَ شيًّا، لكنَّ الآخرةَ لا تُقاسُ بالدُّنيا، أيضًا يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ في مكانٍ واحدٍ؛ منهم مَن هو في ظُلمةٍ شديدةٍ، ومنهم مَن هو في نُورٍ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم: 8] ، يُحشَرونَ في مكانٍ واحدٍ ويَعرَقونَ؛ فمِنهم مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كَعْبِه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى رُكبَتَيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حِقْوَيه، ومع ذلك هم في مكانٍ واحدٍ. إذَن أحوالُ الآخرةِ لا يجوزُ أنْ تُقاسَ بأحوالِ الدُّنيا.
ثانيًا: أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، ها نحن الآن نَجِدُ أنَّ الشَّجَرَ الأخضرَ تُوقدُ منه النَّارُ، كما قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: 80] ، الشَّجرُ الأخضَرُ رَطْبٌ، ومع ذلك إذا ضُرِبَ بعضُه ببعضٍ أو ضُرِبَ بالزَّندِ انقدَحَ وخَرَجَ منه نارٌ حارَّةٌ يابِسةٌ، وهو رَطْبٌ بارِدٌ؛ فاللهُ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، فهم يُسقَونَ مِن عَينٍ آنيةٍ في النَّارِ، ولا يتنافى ذلك مع قُدرةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ [27] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 173). .
4- في قَولِه تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ سُؤالٌ: كيف يُوجَدُ النَّبتُ في النَّارِ؟
الجوابُ: لِمَ لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبتَ يُوجَدُ في النَّارِ؟! فإنَّه لَمَّا لم يُستبعَدْ بَقاءُ بَدَنِ الإنسانِ -مع كَونِه لحمًا ودَمًا- في النَّارِ أبَدَ الآبادِ، فكذا هاهنا، وكذا القَولُ في سلاسِلِ النَّارِ وأغلالِها، وعَقاربِها وحَيَّاتِها [28] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (31/141). .
5- في قَولِه تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ سُؤالٌ: أنَّ هذا يُعارِضُ قولَه تعالى في الآيةِ الأُخرى: وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة: 36] .
الجوابُ مِن أوجُهٍ:
الأول: أنَّ الاختِلافَ بحَسَبِ مَن يَطْعَمُ مِن أهلِ النَّارِ؛ فمَنِ اتَّصَفَ بالصِّفةِ الأُولى فطَعَامُه مِن غِسْلينٍ، ومَنِ اتَّصَفَ بالثَّانيةِ فطعامُه مِن ضَريعٍ [29] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (6/331). ، فالعذابُ ألوانٌ، والمعَذَّبونَ طَبَقاتٌ؛ فمِنهم مَن لا طعامَ له إلَّا مِن غِسْلينٍ، ومنهم مَن لا طعامَ له إلَّا مِن ضَريعٍ، ومنهم مَن لا طعامَ له إلَّا الزَّقُّومُ، ويدُلُّ لهذا قَولُه تعالى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [30] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 243، 244). [الحجر: 44] .
الثَّاني: أن يكونَ أحَدُهما في حالٍ، والآخَرُ في حالٍ [31] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/477). .
الثَّالِثُ: أنَّ المعنى أنَّهم لا طعامَ لهم أصلًا؛ لأنَّ الضَّريعَ لا يَصدُقُ عليه اسمُ الطَّعامِ، ولا تأكُلُه البَهائِمُ، فأحرى الآدَميُّونَ! وكذلك الغِسلِينُ ليس مِنَ الطَّعامِ، فمَن طَعامُه الضَّريعُ لا طَعامَ له، ومَن طَعامُه الغِسلينُ كذلك. ومنه قَولُهم: فلانٌ لا ظِلَّ له إلَّا الشَّمسُ، ولا دابَّةَ إلَّا دابَّةُ ثَوبِه، يَعْنونَ القَمْلَ، ومُرادُهم: لا ظِلَّ له أصلًا، ولا دابَّةَ له أصلًا، وعليه فلا إشكالَ. والعِلمُ عندَ اللهِ تعالى [32] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 243، 244). . وهذا الجوابُ خِلافُ ظاهِرِ القرآنِ.
6- في قَولِه تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ مُناسَبةٌ: في أنَّ عُلومَ أهلِ الباطِلِ وأعمالَهم الَّتي كانت لغيرِ اللهِ تعالى صَيَّرَها اللهُ تعالى حميمًا سَقاهم إيَّاه، كما أنَّ طعامَهم مِن ضَريعٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغني مِن جُوعٍ، وهو تلك العُلومُ والأعمالُ الباطِلةُ الَّتي كانت في الدُّنيا كذلك لا تُسْمِنُ ولا تُغْني مِن جُوعٍ، وهؤلاء هم الَّذين قال اللهُ تعالى فيهم: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103-104] ، وهم الَّذين عَنَى بقَولِه تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] ، وهم الَّذين عَنَى بقَولِه تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [33] يُنظر: ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/56). [البقرة: 167] .
7- وصْفُ ضَرِيعٍ بأنَّه لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ لتَشويهِه، وأنَّه تَمحَّضَ للضُّرِّ، فلا يَعودُ على آكلِيه بسِمَنٍ يُصلِحُ بعضَ ما الْتفَحَ مِن أجسادِهِم، ولا يُغْني عنْهم دفْعَ ألَمِ الجوعِ، ولعلَّ الجُوعَ مِن ضُروبِ تَعذيبِهم؛ فيَسأَلون الطَّعامَ فيُطعَمون الضَّريعَ، فلا يَدفَعُ عنْهم ألَمَ الجوعِ [34] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/297). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ
- هذا الاستِفهامُ تَوقيفٌ، وفائدتُه تَحريكُ نفْسِ السَّامعِ إلى تَلقِّي الخبَرِ. وقيل: المعْنى: هلْ كان هذا مِن عِلمِك لَولا ما علَّمْناك؟ وفي هذا تَعديدُ النِّعمةِ. وقيل: هلْ بمعنى (قدْ) [35] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (10/461). ؛ فهو استفهامٌ أُريدَ به التَّعجيبُ ممَّا في حيِّزِه، والتَّشويقُ إلى استِماعِه، والإشعارُ بأنَّه مِن الأحاديثِ البَديعةِ الَّتي حقُّها أنْ يَتناقَلَها الرُّواةُ، ويَتنافَسَ في تَلقِّيها الوُعاةُ مِن كلِّ حاضِرٍ وَبادٍ [36] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (9/148)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (10/457). .
- وأيضًا الافتتاحُ بالاستِفهامِ عن بُلوغِ خبَرِ الغاشيةِ مُستعمَلٌ في التَّشويقِ إلى مَعرفةِ هذا الخبَرِ؛ لِما يَترتَّبُ عليه مِن الموعظةِ، وكونُ الاستفهامِ بـ(هَل) المفيدةِ معْنى (قدْ) فيه مَزيدُ تَشويقٍ؛ فهو استفهامٌ صُوريٌّ يُكنَّى به عن أهمِّيَّةِ الخبَرِ، بحيث شأْنُه أنْ يكونَ بلَغَ السَّامعَ [37] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/294). ؛ فالاستفهامُ للتَّشويقِ، كقولِه تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: 10] . ويجوزُ أن يكونَ للتَّعظيمِ؛ لِعِظَمِ هذا الحديثِ عن الغاشيةِ [38] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 171). .
- وأيضًا في وُرودِ الكلامِ في مِثلِ هذا بصِيغةِ الاستِفهامِ سِرٌّ لطيفٌ، ومعنًى بديعٌ؛ فإنَّ المتكلِّمَ إذا أراد أن يُخبِرَ مُخاطَبَه بأمرٍ عجيبٍ يَنبغي الاعتناءُ به، وإحضارُ الذِّهنِ له، صدَّر له الكلامَ بأداةٍ تُنَبِّهُ سمْعَه وذِهْنَه للمُخبَرِ به؛ فتارةً يُصَدِّرُه بـ «ألَا»، وتارةً يُصدِّرُه بـ «هلْ»، فيقولُ: هل عَلِمتَ ما كان مِن كَيْتَ وكَيْتَ؟ إمَّا مذَكِّرًا به، وإمَّا واعظًا له مُخَوِّفًا، وإمَّا منَبِّهًا على عَظَمةِ ما يُخبِرُ به، وإمَّا مقَرِّرًا له، فقولُه تبارك وتعالى: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات: 15] ووَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ [ص: 21] وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: 24] متضَمِّنٌ لتعظيمِ هذه القصصِ، والتَّنبيهِ على تدَبُّرِها، ومعرفةِ ما تضَمَّنَتْه. وفيه أمرٌ آخَرُ، وهو التَّنبيهُ على أنَّ إتيانَ هذا إليك علَمٌ مِن أعلامِ النُّبُوَّةِ؛ فإنَّه مِن الغَيبِ الَّذي لا تَعلَمُه أنت ولا قَومُك، فهلْ أتاك مِن غيرِ إعلامِنا وإرسالِنا وتعريفِنا؟ أوْ لم يأتِكَ إلَّا مِن قِبَلِنا؟ فانظُرْ ظُهورَ هذا الكلامِ بصيغةِ الاستفهامِ، وتأمَّلْ عِظَمَ مَوقِعِه مِن جميعِ مَوارِدِه؛ يَشهَدْ أنَّه مِن الفصاحةِ في ذُروتِها العُلْيا [39] يُنظر: ((الرسالة التبوكية)) لابن القيم (ص: 73، 74). .
- وتَعريفُ ما أُضِيفَ إليه حَدِيثُ بوَصْفِه الْغَاشِيَةِ الَّذي يَقْتضي مَوصوفًا لم يُذكَرْ؛ هو إبهامٌ لزِيادةِ التَّشويقِ إلى بَيانِه الآتي؛ ليَتمكَّنَ الخبَرُ في الذِّهنِ كَمالَ تَمكُّنٍ [40] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/294). .
2- قولُه تعالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ
- قولُه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ إلى قولِه: مَبْثُوثَةٌ استِئنافٌ وقَعَ جوابًا عن سُؤالٍ نشَأَ مِن الاستِفهامِ التَّشويقيِّ؛ كأنَّه قيلَ مِن جِهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أتانِي حَديثُها؛ فما هو؟ فقيلَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ... [41] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (9/148). .
- ووُجُوهٌ مُبتدأٌ، وخَاشِعَةٌ خبَرٌ، والجُملةُ بَيانٌ لحَديثِ الغاشيةِ، كما يُفيدُه الظَّرفُ مِن قولِه: يَوْمَئِذٍ؛ فإنَّ (ماصَدَقَه) [42] الماصَدَق: اسمٌ صِناعيٌّ مأخوذٌ في الأصلِ مِن كَلِمةِ (ما) الاستِفهاميَّةِ أو الموصوليَّةِ، وكَلِمةِ (صَدَق) الَّتي هي فِعلٌ ماضٍ مِنَ الصِّدقِ، كأنْ يُقالَ مثَلًا: على ماذا صَدَق هذا اللَّفظُ؟ فيُقالُ في الجوابِ: صدَقَ على كذا أو كذا؛ فاشتَقُّوا مِن ذلك أو نَحَتوا كَلِمةَ (ماصَدَق)، والمرادُ: الفَردُ أو الأفرادُ الَّتي يَنطَبِقُ عليها اللَّفظُ، أو: الأفرادُ الَّتي يَتحَقَّقُ فيها معنى الكُلِّيِّ. يُنظر: ((ضوابط المعرفة)) للميداني (ص: 45)، ((المعجم الوسيط)) (1/511). هو يومُ الغاشيةِ، ويكونُ تَنكيرُ وُجُوهٌ -وهو مُبتدأٌ- قُصِدَ منه النَّوعُ [43] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (9/148)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/295). .
- ويَتعلَّقُ يَوْمَئِذٍ بكَلمةِ خَاشِعَةٌ؛ قُدِّمَ على مُتعلَّقِه للاهتِمامِ بذلك اليَومِ [44] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/295). .
- وخَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أخبارٌ ثلاثةٌ عن وُجُوهٌ، والمعْنى: أناسٌ خاشِعون... إلخ، فالوُجوهُ كِنايةٌ عن أصحابِها؛ إذ يُكنَّى بالوَجْهِ عن الذَّاتِ، وقَرينةُ ذلك هنا قولُه بعْدَه: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ؛ إذ جُعِلَ ضَميرُ الوُجوهِ جَماعةَ العُقلاءِ؛ فالمرادُ بالوُجوهِ في قولِه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ وقولِه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ جَميعُ الأبدانِ؛ لأنَّ ما ذُكِرَ مِن الأوصافِ لا يَختصُّ بالوُجوهِ. وأُوثِرَت الوُجوهُ بالكِنايةِ عن أصحابِها هنا وفي مِثلِ هذا المَقامِ؛ لأنَّ حالةَ الوُجوهِ تُنبِئُ عن حالةِ أصحابِها؛ إذ الوجْهُ عُنوانٌ عمَّا يَجِدُه صاحِبُه مِن نَعيمٍ أو شِقوةٍ، كما يُقالُ: خرَجَ بوَجْهٍ غيرِ الوجْهِ الَّذي دَخَلَ به [45] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 608)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/295). .
- ولَمَّا كانتْ (إذ) مِن الأسماءِ الَّتي تَلزَمُ الإضافةَ إلى جُملةٍ، فالجُملةُ المُضافُ إليها (إذ) في قولِه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ مَحذوفةٌ، عُوِّض عنها التَّنوينُ، ويدُلُّ عليها ما في اسمِ الغاشيةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوصفيَّةِ؛ لأنَّها بمعْنى: الَّتي تَغْشى النَّاسَ، فتَقديرُ الجُملةِ المحذوفةِ: يومَ إذ تَغْشى الغاشيةُ، أو يدُلُّ على الجُملةِ سِياقُ الكلامِ، فتُقدَّرُ الجُملةُ: يومَ إذ تَحدُثُ أو تقَعُ [46] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (10/461)، ((تفسير ابن عاشور)) (30/295، 296)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (10/457). .
- وأُوثِرَ وصْفُ خَاشِعَةٌ وعَامِلَةٌ ونَاصِبَةٌ تَعريضًا بأهلِ الشَّقاءِ؛ بتَذكيرِهم بأنَّهم تَرَكوا الخُشوعَ للهِ، والعمَلَ بما أمَرَ به، والنَّصَبَ في القِيامِ بطاعتِه، فجَزاؤهم خُشوعُ مَذلَّةٍ، وعمَلُ مَشقَّةٍ، ونصَبُ إرهاقٍ [47] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/296). .
3- قولُه تعالَى: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
- جُملةُ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً خبَرٌ رابعٌ عن وُجُوهٌ. ويجوزُ أنْ تكونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى؛ إذا أصابَه حرُّ النَّارِ؛ وعليه فذِكرُ نَارًا بعْدَ تَصْلَى لزِيادةِ التَّهويلِ والإرهابِ، وليُجْرى على نَارًا وصْفُ حَامِيَةً [48] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/296). .
- ووَصْفُ النَّارِ بوَصْفِ حَامِيَةً لإفادةِ تَجاوُزِ حرِّها المِقدارَ المعروفَ؛ لأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازمِ ماهيَّةِ النَّارِ، فلمَّا وُصِفَت بـ حَامِيَةً كان دالًّا على شِدَّةِ الحَمْيِ [49] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/296). .
- وأخبَرَ عن وُجُوهٌ خبَرًا خامسًا بجُملةِ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ، أو هو حالٌ مِن ضَميرِ تَصْلَى؛ لأنَّ ذِكرَ الاحتِراقِ بالنَّارِ يُحضِرُ في الذِّهنِ تَطَلُّبَ إطفاءِ حَرارتِها بالشَّرابِ، فجُعِلَ شَرابُهم مِن عَينٍ آنيةٍ [50] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/296). .
- قولُه: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ كَلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ للإجابةِ عن سُؤالٍ مُترتِّبٍ على ما سَبَق، كأنَّه قِيل: وما هو طَعامُهم بعْدَما ذُكِرَ شَرابُهم [51] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (9/149)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (10/458). ؟ فذِكرُ السَّقيِ يُحضِرُ في الذِّهنِ تَطلُّبَ مَعرفةِ ما يَطعَمونَه؛ فجِيءَ به خبَرًا سادِسًا، أو حالًا مِن ضَميرِ تُسْقَى، أي: يُطعَمون طَعامَ إيلامٍ وتَعذيبٍ، لا نفْعَ فيه لهمْ، ولا يَدفَعُ عنهم ألَمًا [52] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/297). .
- وضَميرُ لَهُمْ عائدٌ إلى وُجُوهٌ باعتِبارِ تَأويلِه بأصحابِ الوُجوهِ؛ ولذلك جِيءَ به ضَميرَ جَماعةِ المُذكَّرِ، والتَّذكيرُ تَغليبٌ للذُّكورِ على الإناثِ [53] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (30/297). .
- قولُه: لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ تَنكيرُ الجوعِ للتَّحقيرِ، أيْ: لا يُغْني مِن جُوعٍ ما. وتَأخيرُ نَفْيِ الإغناءِ منه؛ لمُراعاةِ الفواصلِ، والتَّوسُّلِ به إلى التَّصريحِ بنفْيِ كِلا الأمْرَينِ؛ إذْ لو قُدِّمَ لَمَا احتِيجَ إلى ذِكرِ نفْيِ الإِسمانِ؛ ضَرورةَ استِلْزامِ نفْيِ الإغناءِ عن الجوعِ إيَّاه، بخِلافِ العكسِ؛ ولذلك كُرِّرَ (لا) لتَأكيدِ النَّفيِ [54] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (9/149). .
- وفي قولِه: لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ما يُعرَفُ في البَلاغةِ بالتَّتميمِ [55] التَّتميم: مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو الإتيانُ بكلمةٍ أو كلامٍ مُتمِّمٍ للمقصودِ، أو لزِيادةٍ حَسنةٍ، بحيثُ إذا طُرِحَ مِن الكلامِ نقَصَ معناه في ذاتِه، أو في صِفاتِه. أو هو الإتيانُ في كلامٍ لا يُوهِمُ غيرَ المرادِ بفَضلةٍ تُفيدُ نُكتةً. أو هو إردافُ الكلامِ بكَلمةٍ تَرفعُ عنه اللَّبسَ، وتُقرِّبُه للفَهمِ. ومِن أمثلةِ التَّتميمِ قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النساء: 124] ؛ فقولُه: وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميمٌ في غايةِ الحُسنِ. ومنه قولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: 206] ؛ وذلك أنَّ العِزَّةَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فلمَّا قال: بِالْإِثْمِ اتَّضحَ المعنى وتَمَّ، وتبيَّن أنَّها العزَّةُ المذمومةُ المُؤثَّمُ صاحِبُها. يُنظر: ((تحرير التَّحبير)) لابن أبي الإصبع (ص: 127)، ((التِّبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 217)، ((تفسير أبي حيان)) (1/120) و(2/332، 333)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدِّين درويش (1/44)، ((مفاتيح التَّفسير)) لأحمد سعد الخطيب (1/240، 241). ؛ فجُملةُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ جُملةٌ لا يُمكِنُ طَرحُها مِن الكلامِ؛ لأنَّه لَمَّا قال: لَا يُسْمِنُ ساغَ لمُتوهِّمٍ أنْ يَتوهَّمَ أنَّ هذا الطَّعامَ الَّذي ليس مِن جِنسِ طَعامِ البشَرِ انتَفَت عنه صِفةُ الإسمانِ، ولكنْ بَقِيَت له صِفةُ الإغناءِ، فجاءت جُملةُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ تَتْميمًا للمعْنى المرادِ؛ وهو أنَّ هذا الطَّعامَ انتَفَت عنه صِفةُ إفادةِ السِّمَنِ والقوَّةِ كما انتَفَت عنه صِفةُ إماطةِ الجوعِ وإزالتِه. وقيل: هو مِن بابِ نفْيِ الشَّيءِ بإيجابِه، على حدِّ قَولِ امرئِ القَيسِ:
على لاحِبٍ لا يُهْتدَى بمَنارِهِ [56] يُنظر: ((ديوان امرئ القيس)) (ص: 96). واللَّاحبُ: الطَّريقُ الواضحُ، ولم يُرِدْ أنَّ فيه منارًا لا يُهتدَى به، ولكنَّه نفَى أن يكون به منارٌ. والمعنى: لا منارَ فيه فيُهتدَى به. يُنظر: ((خزانة الأدب)) للبغدادي (10/193).
أي: إنَّه لا مَنارَ له أصلًا، وكما تقولُ: ليس لفُلانٍ ظِلٌّ إلَّا الشَّمسَ، تُريدُ نفْيَ الظِّلِّ على التَّوكيدِ، وليس ببَعيدٍ، والأوَّلُ أرصَنُ وأبعَدُ عن التَّكلُّفِ [57] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/743)، ((تفسير أبي حيان)) (10/463)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (10/461). .
- قَولُه: لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ فيه احتِباكٌ [58] الاحْتِبَاك: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لِدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخِرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القُرآنِ وعناصِرِ إعجازِه، وهو مِن ألْطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). : نَفْيُ السِّمَنِ أوَّلًا يدُلُّ على إثباتِ الهُزالِ ثانيًا، ونَفيُ الإغناءِ مِنَ الجُوعِ ثانيًا يدُلُّ على نَفيِ الشِّبَعِ أوَّلًا [59] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/8). .