موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (204 - 207)

ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ

غريب الكلمات:


أَلَدُّ الخِصَامِ: أي: شديد الخُصومة، أو أشَدُّهم خصومةً؛ أصل اللَّدد: الشِدَّة؛ والْأَلَدُّ: الخَصيم الشَّديد التَّأبِّي، والخِصام: جمْع خَصم، أو مصدَر خاصَم [1866] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 276)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 51)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/203)، ((المفردات)) للراغب (ص: 739)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 105، 125). .
الحَرْثَ: الزَّرع، والبساتين والمزارع، وأصْلُه: إلقاء البَذر في الأرض وتهيئتها للزَّرع، والكَسبُ والجَمْعُ [1867] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 80)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 156)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/49)، ((المفردات)) للراغب (ص: 226)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 120، 162). .
النَّسْلَ: الوَلد والنَّجْل، وهو في الأصل: الانفصالُ عن الشَّيءِ [1868] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/396)، ((المفردات)) للراغب (ص: 802)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 105). .
المِهَادُ: الفِراش، والقَرار، وأصل مَهَد: من توطئة الشيء وتسهيله [1869] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 80، 117)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/280)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106). .
يَشْرِي: يَبِيع [1870] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 503)، ((المفردات)) للراغب (ص: 453)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 106). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ صِنفًا من النَّاس هم من المنافقين، يستحسنُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فصاحتَهم، ويُعجِبه منطقُهم، لكنَّ حديثهم متعلِّق بالدنيا فقط، ولا يتطرَّق لأمور الآخِرة، أو يُعجِبه ظاهرُ حديثهم عن أمور الدِّين، لكنَّه حديثٌ لا ينفع أولئك المنافقين إلَّا في الدُّنيا فقط، ولا يكتفي الواحدُ منهم بحُسن كلامه، بل يُؤكِّده بأنَّ اللهَ يعلَمُ بأن ما في قلبه موافقٌ لِما تكلَّم به، وهو كاذبٌ في ذلك، شديدُ الخصومةِ والمجادلةِ بالباطل، فاجرٌ في خِصامِه، ناطقٌ بالزُّورِ في قوله، فإذا خرَج مِن عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ سار في الأرضِ مفسِدًا فيها بالكفر، والظُّلم، والمعاصي؛ كإخافةِ السَّبيل، وقَطْع الطُّرق، ويُتلِف الزروعَ والثمارَ ونسلَ الحيوانات، واللهُ سبحانه لا يحبُّ كلَّ ما كان فسادًا.
وإذا خُوِّف هذا المنافقُ وأُمِر بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ، ومنها تَرْكُ سعيه بالفساد، وإتلاف الزَّرع والحيوانات- استكبَر، وأخذَتْه الحميَّةُ بسبب وقوعه في الإثم، وحملَتْه الأَنَفةُ على ارتكابِ المزيدِ من السيِّئات، فكفى هذا المنافقَ عقوبةً نارُ جهنَّمَ، ولبئس الفراشُ والوِطاءُ جهنَّمُ.
وهناك صِنفٌ من النَّاس يبيعون أنفسَهم، ويبذُلون أرواحَهم من أجلِ أنْ ينالوا رضا الله عزَّ وجلَّ، والله ذو رأفةٍ بعبادِه، وخاصَّة مَن باعوا أنفسَهم له جلَّ وعلا، ومِن رأفته بهم توفيقُه لهم ورضاه عنهم.

تفسير الآيات:


وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204).
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أي: إنَّ بعضَ النَّاس، مِن المنافقين، مَن تستحسنُ يا محمَّد، مَنطقَه وظاهرَ قوله، فتُعجِبك فصاحتُه، لكنه يتحدَّث في شؤون الدُّنيا بعيدًا عمَّا يتعلَّقُ بأمور الآخرة، أو يُعجِبُك ظاهرُ حديثِه عن أمور الدِّين؛ كنُصرةِ الإسلام والمسلمين، وحبِّ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسلام، وغير ذلك، لكنه حديثٌ ينفَعُه في الدنيا فحسب، أما في الآخرة فلا ينتفع به البتَّةَ [1871] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/571)، ((تفسير ابن كثير)) (1/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/265-267)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/442-443). .
وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ.
أي: ويُقرنُ حُسنَ كلامِه ويؤكِّد ظاهرَ حديثِه بأنْ يُخبِرَ أنَّ الله تعالى يعلَمُ بأنَّ ما في قلبه موافقٌ لِما نطَق به، وهو كاذبٌ في ذلك؛ فهو في الحقيقةِ يُبارِزُ اللهَ عزَّ وجلَّ بما ينطوي عليه قلبُه من الكفرِ [1872] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/576)، ((تفسير ابن كثير)) (1/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/267)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/443). .
كما قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: 1 - 4] .
وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ.
أي: يُشْهِد اللهَ تعالى على أنَّه محقٌّ في قولِه ذلك؛ لشِدَّة خصومتِه، وتجدُه- لاعتمادِه على فصاحتِه- مُجادِلًا بالباطل، وناطقًا بالزُّور مِن القول، كاذبًا في حديثِه، وفاجرًا في خِصامِه؛ فالمُنافِق أسوأُ المخاصِمينَ، وأعوجُهم، وأشدُّهم عداوةً [1873] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/578، 580)، ((تفسير ابن كثير)) (1/563)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/443). وقد تَعدَّدت الألفاظ التي وردَت عن السَّلف في معنى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وكلُّها داخلة في المعاني التي ذُكرت، وممَّن ورد عنه من السَّلَف في ذلك: ابن عبَّاس، والحسن، ومحمَّد بن كَعْب، ومجاهد، وعطاء الخُراساني، وقَتادة، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/578)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/365). .
عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أبغضَ الرِّجالِ إلى اللهِ الألدُّ الخَصِمُ )) [1874] رواه البخاري (3178)، ومسلم (58). .
وعن عبدِ الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أربعُ خلالٍ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالصًا: مَن إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا عاهَد غدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَر، ومَن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصلةٌ منَ النِّفاقِ حتَّى يدَعَها )) [1875] رواه البخاري (2457) واللفظ له، ومسلم (2668). .
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205).
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا.
أي: كما أنَّ مقالَه مُعْوجٌّ، واعتقاده فاسدٌ، فأفعاله كذلك سيِّئةٌ وقبيحة، فإذا خرَج وانصرف عنك هذا الذي يُعجِبُك قولُه، سار في الأرض مجتهدًا في إفسادِها بالكفر، والظُّلم، وعمَل المعاصي؛ كقَطْع الطَّريق، وإخافة السَّبيل، وغير ذلك [1876] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/580-583)، ((تفسير ابن كثير)) (1/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/268-269)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/445). .
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
أي: هِمَّتُه في إتلاف الحَرْث، وهو: محلُّ نَماء الزُّروع والثِّمار، وإتلاف النسل، وهو: نتاجُ الحيوانات؛ فهذانِ لا قِوام للنَّاس إلا بهما، وبإتلافِهما يختلُّ نظامُ الحياة، كما أنَّه إذا سعى في الأرض فسادًا بالكفرِ والظُّلم والمعاصي، منَع اللهُ تعالى القطرَ من السَّماءِ عقوبةً؛ فتَتْلَف الزُّروع، وتموت الحيوانات [1877] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/580-583)، ((تفسير ابن كثير)) (1/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/268-269)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/445). وممَّن قال من السَّلَف في معنى لفظ الحَرْث بنحو ما ذُكر: ابن عبَّاس، وأبو العالية، ومجاهد، وعطاء، وعِكْرمة، والرَّبيع بن أنس، وقَتادة، ومَكحول، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/367). وممَّن قال من السَّلَف في معنى النَّسْلَ بنحو ما ذُكر: ابن عبَّاس، وعِكْرمة، وأبو العالية، ومكحول، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (2/367). .
كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96] .
وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.
أي: إنَّ الله تعالى لا يحبُّ تلك الأفعالَ، ولا مَن قام بها، وإنْ قال بلسانه قولًا يُعجِب النَّاسَ [1878] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/587)، ((تفسير ابن كثير)) (1/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 93)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/446). .
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206).
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.
أي: إذا أُمِر هذا المنافقُ بتقوى الله عزَّ وجلَّ؛ بامتثالِ ما أمَر به، واجتنابِ ما نهى عنه، ومِن ذلك: تَرْكُ الإفساد في الأرض بالكفر والظُّلم والمعاصي، وإهلاكِ الزُّروع والحيوانات، إذا أُمر بذلك، استكبَر، وأخذَتْه حميَّةٌ بسبب وقوعِه في الآثام، وحملَتْه هذه الأَنَفةُ على ارتكاب المزيدِ من السَّيِّئاتِ [1879] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/588)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/311)، ((تفسير ابن عطية)) (1/281)، ((تفسير ابن كثير)) (1/564)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/271)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/447). .
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.
أي: كفاه عقوبةً مِن غيِّه وضلالِه، صَلْيُه نارَ جهنَّمَ، ولبئس الفِراشُ والوِطاءُ جهنَّمُ، الَّتي وطَّأها لنفسِه بنِفاقِه وفُجوره [1880] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/589)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/311)، ((تفسير ابن كثير)) (1/564)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94). .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207).
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ.
أي: إنَّ هناك صِنفًا من النَّاس يبيعون أنفسَهم، ويبذلونها ثمنًا لنيلِ مرضاةِ الله عزَّ وجلَّ [1881] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/589-594)، ((منهاج السُّنة)) لابن تيميَّة (7/120)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94). .
وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.
أي: واللهُ ذو رحمةٍ عظيمة بعباده، ولعبوديَّتِهم له يرأَفُ بهم، وخاصةً مَن يبيعون أنفسَهم له سبحانه، ومِن رأفته بهولاء أنْ يوفِّقَهم لذلك، ويرضى عنهم [1882] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/595)، ((تفسير السعدي)) (ص: 94)، ((تفسير ابن عاشور)) (2/274)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/451). .

الفوائد التربويَّة:


1- الإشارة إلى ذمِّ الجدل والخِصام؛ لقوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ؛ لأنَّ الخُصوماتِ في الغالب لا يكونُ فيها بركةٌ [1883] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/444). .
2- التَّحذير من ردِّ النَّاصحين؛ لأنَّ اللهَ تعالى جعَل هذا مِن أوصاف هؤلاء المنافِقين؛ فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فمَن ردَّ آمرًا بتقوى الله، ففيه شَبَه مِن المنافقين، والواجب على المرء إذا قيل له: (اتَّقِ اللهَ) أنْ يقولَ: (سمِعْنا وأطَعْنا) تعظيمًا لتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ [1884] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/448). .
3- الإشارة إلى إخلاص النِّيَّة؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ [1885] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/452). .
4- الموفَّقون هم الَّذين باعوا أنفسَهم وأرخصوها وبذَلوها طلبًا لمرضاةِ الله، ورجاءً لثوابه، كما قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [1886] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 94). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:


1- أنَّ الأَنَفةَ قد تحمِلُ صاحبَها على الإثمِ؛ لقوله تعالى: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [1887] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/449). وقال الحاكم: (هذه الآية تدلُّ على أنَّ من أكبر الذنوب عند الله أن يُقال للعبد: اتَّق الله! فيقول: عليك نفسك). يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (2/84). .
2- في قوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ... إثبات عِلم الله عزَّ وجلَّ بما في الصُّدور؛ لأنَّ ما في القلبِ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ [1888] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/445). .
3- في قوله تعالى:وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ إثبات محبَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ للصَّلاح، فإنَّ نفيَه محبَّةَ الفسادِ دليلٌ على ثبوت أصلِ المحبة [1889] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/446). .
4- في قوله تعالى: مَرْضَاتِ اللهِ إثبات الرِّضا لله؛ ورضَا اللهِ صفةٌ حقيقيَّةٌ لله عزَّ وجلَّ متعلِّقة بمشيئتِه [1890] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/452). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ التعبير بالفعل المبني للمفعول (قِيلَ) فيه بلاغة تامَّةٌ في حذفِ الفاعل؛ ليشمَلَ كلَّ مَن يقول له ذلك؛ فيكون ردُّه لكراهةِ الحقِّ لا للقائل به [1891] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (2/448). .
2- قوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فيه نوعٌ من البديع يُسمَّى التَّتميم، وهو إرداف الكلام بكلمة ترفع عنه اللَّبس، وتقربه للفَهم، كقوله تعالى: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38] ؛ وذلك أنَّ العِزَّة محمودةٌ ومذمومة، فالمحمودة طاعة الله، فلمَّا قال: بالإثمِ، اتَّضح المعنى وتمَّ، وتبيَّن أنها العزةُ المذمومة المؤثَّم صاحبُها [1892] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/332- 333). .
3- قوله: وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ تذييل، أي: رؤوفٌ بالعباد الصالحين الذين منهم مَن يشري نفْسَه؛ ابتغاءَ مرضاة الله، ومناسبة هذا التَّذييل للجملة: أنَّ المخبَر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجَعَلوا أنفسهم عَبيدَه [1893] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/273-274). .
- وعدَل عن الإضمار بِهم إلى الإظهارِ بِالعِبَادِ؛ ليكونَ هذا التذييلُ بمنزلةِ المَثَل مستقلًّا بنفسه، وهو من لوازم التذييل، وليدلَّ على أن سبب الرأفة بهم أنَّهم جعَلوا أنفسهم عبادًا له [1894] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (2/273-274). .
4- وفي هذه الآية، والتي قَبلها من عِلم البديع: حُسن التَّقسيم [1895] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (2/336-337). .