موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (30-31)

ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ

غريب الكلمات:


يُضَاهِئُونَ: أي: يُشابِهونَ، والمُضاهاةُ: مُعارَضةُ الفِعلِ بمِثْلِه، يقالُ: ضاهَيْتُه: إذا فعَلْتَ مثلَ فِعْلِه، وأَصْلُ (ضهي): يدلُّ على مُشابَهةِ شَيءٍ لِشَيءٍ [446] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 532)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/374)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 137)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 223). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ اليهودَ قالوا: إنَّ عُزَيرًا هو ابنُ اللهِ، والنَّصارى قالوا: المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ هو ابنُ اللهِ، ذلك قولُهم بألسِنَتِهم، يُشابِهونَ قَولَ الكُفَّارِ مِن الأُمَمِ قَبْلَهم، لَعَنَهم اللهُ، كيف يُصرَفونَ عَنِ الحَقِّ؟!
اتَّخَذوا عُلَماءَهم وعُبَّادَهم سادةً يُطيعُونَهم مِن دُونِ اللهِ، في تحليلِ الحَرامِ، وتحريمِ الحَلالِ، واتَّخَذَ النَّصارى المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ إلهًا مِن دُونِ اللهِ، وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعبُدوا إلهًا واحدًا، هو اللهُ، لا إلهَ إلَّا هو، تنَزَّهَ وتقَدَّس عن شِرْكِهم.

تفسير الآيتين:


وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حكَمَ اللهُ تعالى في الآيةِ المُتقَدِّمةِ على اليهودِ والنَّصارى بأنَّهم لا يُؤمِنونَ بالله، شَرَحَ ذلك في هذه الآيةِ، وذلك بأنْ نقَلَ عنهم أنَّهم أثبَتُوا لله ابنًا، ومَن جَوَّزَ ذلك في حَقِّ الإلهِ، فهو في الحقيقةِ قد أنكَرَ الإلهَ، وأيضًا بيَّنَ تعالى أنَّهم بمنزلةِ المُشرِكينَ في الشِّركِ، وإن كانت طُرُقُ القَولِ بالشِّركِ مُختلِفةً؛ إذ لا فَرقَ بين من يَعبُدُ الصَّنمَ، وبين من يعبُدُ المَسيحَ وغَيرَه؛ لأنَّه لا معنى للشِّركِ إلَّا أن يتَّخِذَ الإنسانُ مع اللهِ مَعبودًا، فإذا حصَلَ هذا المعنى، فقد حصَلَ الشِّركُ [447] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/27-28). .
وأيضًا لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بقِتالِ أهلِ الكِتابِ، ووصَفَهم بما هو السَّبَبُ الباعِثُ على ذلك؛ عطَفَ عليه بعضَ أقوالِهم المُبيحةِ لِقِتالِهم، المُوجِبةِ لِنَكالِهم [448] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/437). .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ.
أي: وقالت اليهودُ [449] قال ابنُ تيميةَ بعدَ أن ذكَر أنَّ جمهورَ اليهودِ لا يقولون ذلك: (وبالجملة إنَّ قائِلي ذلك من اليهودِ قَليلٌ، ولكِنَّ الخبَرَ عن الجِنسِ). ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/88-89). وقال ابنُ الجوزي: (فإن قيل: إن كان قول بَعضِهم، فلِمَ أُضيفَ إلى جَميعِهم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجماعةِ على الواحِدِ مَعروفٌ في اللُّغةِ... والثاني: أنَّ مَن لم يَقُلْه، لم يُنْكِرْه). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/252). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/168). وقال الشوكانيُّ: (وظاهرُ قولِه: وقالت اليهود أنَّ هذه المقالةَ لجميعِهم). ((تفسير الشوكاني)) (2/402)، ونسَب ابنُ الجوزيِّ لابنِ عباسٍ أنَّ الذين قالوا هذا هم جميعُ بني إسرائيلَ. ((تفسير ابن الجوزي)) (2/251). قال الشنقيطي: (ومما يَدُلُّ على أنَّ هذه المقالةَ صَدَرَتْ من اليهودِ أن هذا القرآنَ يُتْلَى من قديمِ الزمانِ من نزولِ هذه الآيةِ، ولم يُعْلَمْ أن يهوديًّا في زمانِها كَذَّبَ بذلك، وقال: ما قُلْنَا هذا! مع مسارعتِهم إلى التكذيبِ). ((العذب النمير)) (5/438). : عُزَيرٌ هو ابنُ اللهِ [450] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/413)، ((تفسير ابن عطية)) (3/24)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/251)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/88، 89).        قيل: كان عزير نبيًّا مِن أنبياءِ بني إسرائيلَ. وقيل: كان حَبْرًا كبيرًا مِن أحبارِهم. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/251)، ((تفسير ابن عطية)) (3/24)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/167-168). !
وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ.
أي: وقالت النَّصارى: المسيحُ عيسى ابنُ مَريمَ، هو ابنُ اللهِ [451] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/413)، ((تفسير ابن عطية)) (3/24)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/438). !
كما قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة: 116].
وقال سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: 88 - 92].
عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا كان يومُ القيامةِ أذَّنَ مُؤذِّنٌ: لِيَتْبَعْ كُلُّ أمَّةٍ ما كانت تعبُدُ، فلا يبقى أحدٌ كان يعبُدُ غَيرَ اللهِ- سُبحانه- من الأصنامِ والأنصابِ إلَّا يَتَساقَطونَ في النَّارِ، حتى إذا لم يبقَ إلَّا مَن كان يعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وفاجرٍ وَغُبَّرِ [452] غُبَّرِ (بِضَمِّ الغَينِ وفتح الباء المُشَدَّدة) أي: بَقايَا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/26). أهلِ الكِتابِ، فيُدعى اليَهودُ، فيقالُ لهم: ما كُنْتُم تعبُدونَ؟ قالوا: كنَّا نعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللهِ، فيُقال: كذَبْتُم؛ ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحبةٍ ولا وَلَدٍ، فماذا تَبْغُونَ؟ قالوا: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، فيُشارُ إليهم: ألَا تَرِدُونَ [453] تَرِدُونَ: مِن الوُرودِ على الماءِ، أي: الوُصولِ إلى تَناوُلِه. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (6/332). ؟ فيُحشَرونَ إلى النَّارِ كأنَّها سرابٌ، يَحطِمُ [454] يَحطِمُ: أي: يَكسِرُ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/82). بعضُها بعضًا، فيتساقَطونَ في النَّارِ، ثم يُدعَى النَّصارى، فيُقالُ لهم: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كنَّا نعبُدُ المسيحَ ابنَ اللهِ، فيُقال لهم: كَذَبْتُم؛ ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحبةٍ ولا وَلَدٍ، فيُقال لهم: ماذا تَبغُونَ؟ فيقولونَ: عَطِشْنا يا رَبَّنا، فاسْقِنا، قال: فيُشارُ إليهم: ألَا تَرِدُونَ؟ فيُحشَرونَ إلى جَهنَّمَ، كأنَّها سرابٌ، يَحطِمُ بعضُها بعضًا، فيتَساقَطونَ في النَّارِ )) [455] رواه البخاري (4581)، ومسلم (183) واللفظ له. .
ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ.
أي: نِسبَةُ الوَلَدِ إلى اللهِ تعالى كَذِبًا وزورًا هو قولُ اليهودِ والنَّصارى بألسنتِهم، فلا مُستنَدَ لهم فيما ادَّعَوه [456] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/378)، ((تفسير البغوي)) (2/339)، ((تفسير ابن كثير)) (4/134). قال ابن عطية: (قوله: بِأَفْوَاهِهِمْ يتضمَّنُ معنيَينِ: أحدهما: إلزامُهم المقالةَ، والتَّأكيدُ في ذلك، كما قال: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79]، وكقَولِه تعالى: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38]، والمعنى الثاني في قوله: بِأَفْوَاهِهِمْ أي: هو ساذَجٌ لا حُجَّةَ عليه ولا بُرهانَ، غايةُ بَيانِه أنْ يُقالَ بالأفواهِ قَولًا مُجَرَّدًا نفْس دَعْوى). ((تفسير ابن عطية)) (3/24). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس (3/200)، ((البسيط)) للواحدي (10/378، 379)، ((تفسير الشوكاني)) (2/402، 403). .
يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ.
أي: يُشابِهُ قَولُ اليهودِ والنَّصارى في نِسبَتِهم الوَلَدَ إلى الله تعالى، قَولَ الكُفَّارِ مِن الأُمَمِ قَبلَهم في ذلك [457] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/440)، ((تفسير ابن كثير)) (4/134)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/169)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/438). قال الرازي: (في تفسيرِ هذه الآيةِ وُجوهٌ: الأول: أنَّ المُرادَ أنَّ هذا القولَ مِن اليَهودِ والنَّصارى يُضاهي قَولَ المُشرِكينَ: الملائكةُ بناتُ اللهِ. الثاني: أنَّ الضَّميرَ للنَّصارى، أي: قولُهم: المسيحُ ابنُ اللهِ، يُضاهِي قولَ اليَهودِ: عُزَيرٌ ابنُ اللهِ؛ لأنَّهم أقدَمُ منهم. الثالث: أنَّ هذا القَولُ مِن النَّصارى يُضاهي قَولَ قُدَمائِهم، يعني: أنَّه كُفرٌ قَديمٌ، فهو غيرُ مُستَحدَثٍ). ((تفسير الرازي)) (16/30). ويُنظر: ((تفسير الماوردي)) (2/353)، ((تفسير الزمخشري)) (2/264)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/252)، ((تفسير القرطبي)) (8/118)، ((تفسير ابن جزي)) (1/336)، ((تفسير أبي حيان)) (5/403). وممَّن اختار أنَّ المُرادَ بـالَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ: الكُفَّارُ مِن الأمَمِ السَّابقة: ابن كثير، وابن عاشور. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: يُشابِه قَولُ اليَهودِ والنصارى في نِسبَتِهم الولدَ إلى اللهِ، قَولَ أسلافِهم الذين كَفَروا مِن قَبْلِهم. وهو قولُ ابن قتيبة، والزجاج. يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 184)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/443). وقيل: يُشابِهُ قَولُ اليهودِ والنَّصارى في نِسبَتِهم الولدَ إلى اللهِ، قَولَ مُشرِكي العَرَبِ الذين كفَروا مِن قَبْلِهم، إذ قالوا: الملائكةُ بناتُ الله. وهذا اختيارُ السعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/438). وقيل: يشابِهُ قَولُ النَّصارى في نِسبَتِهم الولَدَ إلى اللهِ، قَولَ اليَهودِ الذين كَفَروا مِن قَبْلِهم. وهو اختيارُ ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/413، 414). قال الشنقيطي: (وهذا كلُّه لا يُكذِبُ بَعضُه بعضًا). ((العذب النمير)) (5/438). وقال ابنُ تيميَّةَ بعد أن ضعَّفَ القَولَ بأنَّهم قدماءُ الذين كَفَروا، أو مُشرِكو العَرَبِ: (فلعَلَّه الصابئونَ المُشرِكونَ الذين كانوا قبلَ موسى والمسيحِ بأرْضِ الشَّامِ ومِصرَ وغيرِها، الذين يجعلونَ الملائكةَ أولادًا له). ((مجموع الفتاوى)) (2/440). .
قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
أي: لعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، كيف يُصرَفونَ عَنِ الحَقِّ، فيَضِلُّونَ عنه، ويَعْدِلونَ إلى الباطِلِ، ومِن أينَ يتطرَّقُ إليهم ذلك الصَّرْفُ بعد وضوحِ الدَّليلِ على أنَّ الله تعالى لم يتَّخِذْ وَلَدًا [458] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/415، 416)، ((البسيط)) للواحدي (10/382، 383)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 460)، ((تفسير ابن عطية)) (3/25)، ((تفسير القرطبي)) (8/119)، ((تفسير ابن كثير)) (4/134)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/439). قال الواحدي: (قال ابن الأنباري: المُقاتَلةُ أصلُها مِن القَتلِ، فإذا أُخبِرَ عن اللهِ بها، كانت بمعنى اللَّعنةِ؛ لأنَّ مَن لَعَنَه اللهُ، فهو بمنزلةِ المَقتولِ الهالِكِ). ((الوسيط)) (2/490). ؟!
كما قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: 72 - 77].
اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه تعالى وصَفَ اليَهودَ والنَّصارى بضَربٍ آخَرَ مِن الشِّرْكِ، بِقَولِه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [459] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/30). .
اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ.
أي: اتَّخذَ اليَهودُ عُلَماءَهم، واتَّخَذ النَّصارى عُبَّادَهم، سادةً يُطيعونَهم مِن دُونِ اللهِ، في تحليلِ الحرامِ، وتَحريمِ الحَلالِ [460] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/416، 417)، ((البسيط)) للواحدي (10/387)، ((تفسير ابن عطية)) (3/25، 26)، ((تفسير أبي حيان)) (5/405)، ((تفسير ابن كثير)) (4/135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/170)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/447). قال الرازي: (حاصِلُ الكلامِ أنَّ تلك الربوبيَّةَ يحتملُ أن يكونَ المرادُ منها أنَّهم أطاعوهم فيما كانوا مُخالِفينَ فيه لِحُكم الله، وأن يكونَ المرادُ منها أنَّهم قَبِلوا أنواعَ الكُفرِ، فكَفَروا باللهِ، فصار ذلك جاريًا مجرى أنَّهم اتَّخَذوهم أربابًا مِن دونِ اللهِ، ويحتملُ أنَّهم أثبَتُوا في حَقِّهم الحُلولَ والاتِّحادَ. وكُلُّ هذه الوجوهِ الأربعةِ مُشاهَدٌ وواقِعٌ في هذه الأمَّةِ). ((تفسير الرازي)) (16/31). .
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ.
أي: واتَّخَذَ النَّصارى المسيحَ عِيسى ابنَ مَريمَ إلهًا مِن دُونِ الله سُبحانَه [461] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/421)، ((تفسير ابن عطية)) (3/26)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/440). !
وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا.
أي: وما أُمِرَ اليَهودُ والنَّصارى في كُتُبِهم إلَّا أن يعبُدوا ويُطيعُوا مَعبودًا واحدًا، وهو اللهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، المُتَفَرِّدُ بالتَّشريعِ والتَّحليلِ والتَّحريمِ دونَ ما سِواه [462] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/421)، ((البسيط)) للواحدي (10/388)، ((تفسير ابن كثير)) (4/135)، ((تفسير القاسمي)) (5/395)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/332)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/169)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/448). .
كما قال تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 4-5].
 لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ.
أي: لا مُستَحِقَّ للعبادةِ إلَّا اللهُ وَحدَه [463] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/421)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/448). .
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .
أي: تنَزَّه اللهُ وتقَدَّسَ أتمَّ تنزيهٍ، عن شِرْكِ المُشرِكينَ، وافتراءاتِ الكافِرينَ [464] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/421)، ((البسيط)) للواحدي (10/388)، ((تفسير ابن عطية)) (3/26)، ((تفسير ابن كثير)) (4/135)، ((تفسير السعدي)) (ص: 335)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/448). .

الفوائد التربوية:


دلَّ قولُه تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ على أنَّ مَن أطاع أحدًا في دينٍ لم يأذَنِ اللهُ به- من تحليلٍ أو تحريمٍ، أو استحبابٍ أو إيجابٍ- فقد لَحِقَه من هذا الذمِّ نصيبٌ، ويلحق الذمُّ مَن تبيَّن له الحقَّ فترَكَه أو قصَّرَ في طلبه فلم يتبيَّنْ له، أو أعرضَ عن طلبه لهوىً أو كسلٍ ونحو ذلك [465] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/195). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ في هذا دليلٌ على أنَّ مَن أخبَرَ عن كُفرِ غَيرِه، الذي لا يجوزُ لأحدٍ أن يَبتدئَ به، لا حَرَجَ عليه؛ لأنَّه إنَّما ينطِقُ به على معنى الاستعظامِ له والرَّدِّ عليه، فلا يمنَعُ ذلك منه، ولو شاء ربُّنا ما تكَلَّمَ به أحدٌ، فإذا أمكَنَ مِن انطلاقِ الألسِنَةِ به، فقد أذِنَ في الإخبارِ عنه، على معنى إنكارِه بالقَلبِ واللِّسانِ، والرَّدِّ عليه بالحُجَّةِ والبُرهانِ [466] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (2/483). .
2- ذَكَرَ اللهُ تعالى اعتقادَ النَّصارى في عيسى على ثلاثةِ أشكالٍ؛ فمنها ما قال اللهُ تعالى عنهم: وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ومنها: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: 17]، ومنها: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 73]، ولكنَّ هذه الاعتقاداتِ حقيقتُها اعتقادٌ واحدٌ عندَهم- لا أنَّها اعتقادُ كلِّ فِرْقةٍ على حِدَةٍ- فما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى عنهم هو قولُ جملةِ النَّصارى؛ فإنَّهم يقولونَ: إنَّه اللهُ باعتبارٍ، وإنَّه ابنُ اللهِ باعتبارٍ آخَرَ، وإنَّه ثالثُ ثلاثةٍ باعتبارِ آخَرَ؛ حيث إنَّهم عَبَدُوا معه المسيحَ وأمَّه، فصار ثالثَ ثلاثةٍ- سُبحانه وتعالى عمَّا يُشرِكون [467] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (10/238)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/12). .
3- إنَّ اللهَ سُبحانه لم يذكُرْ قولًا مقرونًا بذِكرِ الأفواهِ والألسُنِ إلَّا وكان قولًا زُورًا، قال الله تعالى: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، وقال تعالى أيضًا: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: 167]، وقال: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف: 5]، وقال: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [468] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/118). [الفتح: 11].
4- في قوله تعالى: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ دلالةٌ على جوازِ تسميةِ الشيءِ باسمِ الشيءِ إذا جاوَره؛ لأنَّ القولَ - لا محالةَ - بالألسنةِ لا بالأفواهِ [469] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/519). .
5- قال اللهُ تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ الإشراكُ باللهِ في حُكْمِه، والإشراكُ به في عِبادَتِه كِلاهما بمعنًى واحدٍ، لا فَرْقَ بينهما البتَّةَ؛ فالذي يَتْبَعُ نظامًا غيرَ نِظامِ اللهِ، وتشريعًا غيرَ ما شَرَعه الله، وقانونًا مُخالِفًا لِشَرعِ اللهِ، مِن وَضْعِ البَشرِ، مُعرِضًا عن نورِ السَّماءِ، الذي أنزَلَه اللهُ على لِسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، من كان يفعَلُ هذا هو ومَن يعبُدُ الصَّنَمَ ويَسجُدُ للوَثَنِ، لا فرق بينهما البتَّةَ بِوجهٍ مِن الوجوهِ، فهما واحِدٌ؛ فكِلاهما مُشرِكٌ بالله: هذا أشرَكَ به في عبادَتِه، وهذا أشرَكَ به في حُكمِه، والإشراكُ به في عِبادَتِه، والإشراكُ به في حُكمِه، كِلاهما سَواءٌ، وقد قال اللهُ جلَّ وعلا في الإشراكِ به في عبِادَتِه: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] وقال في الإشراكِ به في حُكْمِه أيضًا: لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 26] وفي قراءةِ ابنِ عامرٍ مِن السَّبعةِ: (وَلَا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا بصيغةِ النَّهيِ المُطابِقةِ لِقَولِه: وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]؛ فكِلاهما إشراكٌ باللهِ [470] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/441)، ويُنظر أيضًا: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/521)، .
6- مَن اعتقَدَ طاعةَ أحدٍ لِعَينِه أو لِصَفةٍ فيه، فأطاعه في خلافِ ما أمَرَ اللهُ، فهو من الذين ذُكِروا في قولِه تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أنَّهم كانوا يعتَقِدونَ وُجوبَ طاعةِ أحْبارِهم، فأخبَرَ اللهُ تعالى أنَّهم اتَّخَذوهم أربابًا [471] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/387، 388). .
7- هؤلاء الذينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا- حيث أطاعُوهم في تحليلِ ما حرَّم اللهُ وتحريمِ ما أحلَّ اللهُ- يكونونَ على وجهينِ:
أحدهما: أنْ يعلَمُوا أنَّهم بدَّلوا دينَ الله؛ فيتَّبِعونَهم على التَّبديلِ، فيعتقدونَ تحليلَ ما حرَّم اللهُ، وتحريمَ ما أحلَّ اللهُ؛ اتِّباعًا لرُؤسائِهم- مع عِلْمِهم أنَّهم خالفُوا دينَ الرُّسُلِ- فهذا كفرٌ، وقد جعَلَه اللهُ ورسولُه شِركًا، وإنْ لم يكونوا يُصَلُّونَ لهم، ويَسجُدونَ لهم.
والثاني: أنْ يكون اعتقادُهم وإيمانُهم بتحريمِ الحرامِ وتحليلِ الحلالِ ثابتًا، لكِنَّهم أطاعوهم في مَعصيةِ اللهِ- كما يفعلُ المسلمُ ما يفعلُه مِن المعاصي التي يَعتقِدُ أنَّها معاصٍ- فهؤلاء لهم حُكْمُ أمثالِهم من أهلِ الذُّنوبِ، كما ثبت في الصَّحيحِ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ )) [472] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/70). والحديث أخرجه البخاري (7145)، ومسلم (1840) من حديث علي رضي الله عنه. .
8- لم تُوصفِ النَّصارى باسم (المُشرِكينَ)- يعني: بأل التَّعريفِ- وإنما وُصِفت بعمومِ فِعْلِ الشِّركِ، كما في قوله تعالى: سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ووجهُ ذلك: أنَّ أهلَ الكتابِ ليس في أصلِ دِينِهم شِركٌ؛ فإنَّ اللهَ إنَّما بعثَ الرُّسُلَ بالتَّوحيدِ، فكلُّ مَن آمن بالرُّسُلِ والكُتُبِ، لم يكنْ في أصلِ دينِهم شِرْكٌ، كما في قَولِه تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ولكنَّ النَّصارى ابتَدَعوا الشِّركَ، وحيث ميَّزَهُم اللهُ عن المشركين، فعَطَفَ ذِكْرَهُم على ذِكْرِ المُشرِكينَ؛ فلِأَنَّ أصلَ دينِهم اتِّباعُ الكُتُبِ المُنزَّلةِ التي جاءت بالتَّوحيدِ لا بالشِّركِ، وفرْقٌ بين دَلالةِ اللَّفظِ مُفرَدًا ومَقرونًا، فإذا أُفْرِدَ ذِكْرُ المشركينَ دخلَ فيهم أهلُ الكتابِ، وإذا قُرِنُوا بأهلِ الكِتابِ لم يَدخُلوا فيهم [473] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/92). .
9- قَولُ اللهِ تعالى: عَمَّا يُشْرِكُونَ فيه دَلالةٌ على إطلاقِ اسمِ الشِّركِ على اليَهودِ والنَّصارى [474] يُنظر: ((تفسير ابن حيان)) (5/405)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/405-406). .

بلاغة الآيتين:


1- قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
- قولُه: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ المقصودُ مِن الإشارةِ ذلِكَ تَشهيرُ القولِ وتمييزُه؛ زِيادةً في تَشنيعِه عِندَ المسلمينَ [475] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/168). .
- وقولُه: بأَفْواهِهِمْ حالٌ مِن القولِ، والمرادُ: أنَّه قولٌ لا يَعْدو الوجودَ في اللِّسانِ، وليس له ما يُحقِّقُهُ في الواقِعِ، وهذا كِنايةٌ عن كوْنِهِ كاذبًا، وفي هذا أيضًا إلزامٌ لهم بهذا القولِ، وسَدٌّ لبابِ تَنصُّلِهم منه؛ إذ هو إقرارُهم بأفواهِهِم، وصَريحُ كلامِهم [476] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/169). .
- وجُملةُ: أَنَّى يُؤْفَكُونَ مُستأنَفةٌ، والاسْتِفهام فيها مُستَعْمَل في التَّعجُّبِ من حالِهم في الاتِّباع الباطلِ، حتَّى شبَّهَ المكانَ الذي يُصرَفون إليه باعْتِقادِهم بمكانٍ مجهولٍ مِن شأنِهِ أنْ يُسألَ عنه باسمِ الاسْتِفهامِ عن المكانِ أَنَّى [477] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/169). .
2- قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
- قولُهُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ... الجملةُ تَقريرٌ لمضمونِ جُمْلةِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ ليُبْنَى على التَّقريرِ زِيادةُ التَّشنيعِ بقولِه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [478] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/169). .