موسوعة التفسير

سورةُ الكَهفِ
الآيات (21-26)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ

غريب الكلمات:


أَعْثَرْنَا: أي: أظهَرْنا وأطلَعْنا، وأصلُ (عثر) هنا: يدُلُّ على الاطِّلاعِ على الشَّيءِ [344] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 265)، ((تفسير ابن جرير)) (15/216)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 68)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/228)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 212)، ((تفسير القرطبي)) (10/378). قال الرازي: (يُقالُ: عَثَرْتُ على كذا أي: عَلِمته. وقالوا: إنَّ أصلَ هذا أنَّ مَن كان غافلًا عن شيءٍ فعَثَر به نَظَر إليه فعَرَفه، فكانَ العثارُ سببًا لحصولِ العلمِ والتَّبيُّنِ؛ فأُطْلِق اسمُ السَّببِ على المُسَبَّبِ). ((تفسير الرازي)) (21/447).   .
رَجْمًا بِالْغَيْبِ: أي: ظنًّا غيرَ يقينٍ، ويُعَبَّرُ بالرَّجمِ عن الرَّميِ بالظنِّ، وأصلُ (رجم): يدُلُّ على الرَّميِ بالحجارةِ، وأصلُ (غيب): يدُلُّ على تَستُّرِ الشَّيءِ عن العيونِ [345] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 265- 266)، ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/493) و(4/403)، ((المفردات)) للراغب (ص: 345)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 212).   .
تُمَارِ مِرَاءً: المِراءُ: الجِدالُ، يُقالُ: مارَى يُماري مُماراةً ومِراءً، أي: جادَل؛ مِن: مَرَيْتُ الشاةَ؛ إذا استخرجتَ لبنَها، كأنَّ المجادلَ يستخرِجُ غضبَ خصمِه أو ما عندَه. وقيل: أصلُه يدُلُّ على صلابةٍ في شيءٍ؛ لأنَّ المراءَ كلامٌ فيه بعضُ الشِّدَّةِ [346] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/314)، ((الوسيط)) للواحدي (3/143)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((تفسير الرسعني)) (4/266).   .
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ: أي: ما أبصَرَه وأسمَعَه [347] يُنظر: ((معانى القرآن)) للأخفش (2/429)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 266).   !

المعنى الإجمالي:


يحكي الله تعالى لنا مشهدًا آخرَ مِن أحوالِ هؤلاء الفتيةِ، فيقول: وكما أنَمْناهم سِنينَ كَثيرةً وأيقَظْناهم بعدَها، أطْلَعْنا عليهم أهلَ المدينةِ؛ ليَعلَموا أنَّ وَعْدَ اللهِ بالبَعثِ حَقٌّ، وأنَّ القيامةَ آتيةٌ لا شَكَّ في وقوعِها، إذ يتنازَعُ المطَّلِعونَ على أصحابِ الكَهفِ في أمرِ البعثِ بعدَ الموتِ؛ فمِن مُثْبِتٍ له ومِن مُنْكِرٍ، فقال الذين أعثَرَهم اللهُ على أصحابِ الكَهفِ: ابنُوا عليهم بناءً يَحجُبُهم، ربُّهم أعلَمُ بحالِهم وشَأنِهم، وقال الرُّؤساءُ أصحابُ الغَلَبةِ والنُّفوذِ: لنتَّخِذَنَّ على مكانِهم مَسجِدًا للعبادةِ.
ثم يحكي الله تعالى ما حصَل مِن خلافٍ حولَ عددِ أصحابِ الكهفِ قائلًا: سيقولُ بَعضُ الخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ: هم ثلاثةٌ رابِعُهم كَلبُهم، ويقولُ بعضُهم: هم خَمسةٌ سادِسُهم كلبُهم، وكلامُ الفريقينِ قَولٌ بالظَّنِّ مِن غيرِ عِلمٍ ولا دَليلٍ، ويقولُ بَعضُهم: هم سبعةٌ وثامِنُهم كَلبُهم.
قُل -يا مُحمَّدُ- للخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ بلا عِلمٍ: ربِّي هو الأعلَمُ بعَدَدِهم، ما يعلَمُ عَدَدَهم إلَّا قليلٌ مِن خَلقِه؛ فلا تجادِلْ في عَدَدِهم إلَّا جِدالًا ظاهِرًا، ولا تَسألْهم عن عَدَدِهم وأحوالِهم. 
وينهَى الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإخبارِ عن فعلِ شيءٍ مستقبلًا إلَّا بعدَ تقديمِ مشيئتِه سبحانَه، فيقولُ: ولا تقولَنَّ -يا محمَّدُ- لشَيءٍ تَعزِمُ على فِعلِه: إنِّي فاعِلٌ ذلك الشَّيءَ غدًا، إلَّا أن تُعَلِّقَ قَولَك بالمَشيئةِ، فتقولَ: إن شاء الله. واذكُرْ رَبَّك عند النِّسيانِ بقَولِك: إن شاء اللهُ،  وقل: عسى أن يهديَني ربِّي لأقرَبِ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى الهُدى والرَّشادِ.
ثمَّ يبينُ الله تعالى المدةَ التي مكَثها الفتيةُ في الكهفِ، فيقولُ: ومكثَ الفِتيةُ نِيامًا في كَهفِهم ثلاثَمِئةِ سَنةٍ وتِسعَ سِنينَ، قُل -يا محمدُ-: اللهُ أعلَمُ بمُدَّةِ لُبثِهم في الكَهفِ، له غيبُ السَّمَواتِ والأرضِ، ما أبصَرَ اللهَ لكُلِّ مَوجودٍ، وما أسمَعَه سبحانَه لكُلِّ صَوتٍ! ليس للخَلقِ أحَدٌ غَيرُه يُدَبِّرُ شُؤونَهم، ويتولَّى أمورَهم، وليس له شَريكٌ في حُكمِه وقَضائِه بين خَلقِه سُبحانَه وتعالى.

تفسير الآيات:


وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها انتِقالٌ إلى جُزءِ القِصَّةِ الذي هو مَوضِعُ عِبرةِ أهلِ زَمانِهم بحالِهم، وانتفاعِهم باطمِئنانِ قُلوبِهم لوقوعِ البَعثِ يومَ القيامةِ بطريقةِ التَّقريبِ بالمُشاهَدةِ، وتأييد الدِّينِ بما ظهَرَ مِن كَرامةِ أنصارِه، فالكلامُ عَطفٌ على قَولِه: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ [348] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/287).   [الكهف: 19].
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
أي: وكما أنَمْنا الفِتيةَ وبَعَثْناهم مِن نَومِهم على هَيئتِهم، أطلَعْنا عليهم أهلَ المدينةِ في ذلك الزَّمانِ؛ ليَعلَموا أنَّ وعدَ اللهِ بإحياءِ الموتى حقٌّ، فلا يَشكُّونَ في قُدرةِ الله على البَعثِ؛ لأنَّ حالةَ أصحابِ الكَهفِ في نَومِهم وانتباهتِهم بعدَ مُدَّةٍ طَويلةٍ كحالِ مَن يموتُ ثُمَّ يُبعَثُ [349] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/215)، ((تفسير الزمخشري)) (2/711)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/73)، ((تفسير القرطبي)) (10/378، 379)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/288). قال ابنُ الجوزي: (قَولُه تعالى: لِيَعْلَمُوا في المشارِ إِليهم بهذا العلمِ قولان: أحدهما: أنَّهم أهلُ بلدِهم حينَ اختصموا في البعثِ، فبعَث الله أهلَ الكهفِ؛ ليعلموا أَنَّ وعدَ اللَّهِ بالبعثِ والجزاءِ حَقٌّ، وأنَّ القيامةَ لا شكَّ فيها، هذا قولُ الأكثرينَ. والثاني: أنَّهم أهلُ الكهفِ، بعثناهم؛ ليرَوْا بعدَ علمِهم أنَّ وعدَ الله حقٌّ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/73). قال الزجاج: (أي: لِيَعلَمَ الذين يُكَذِّبون بالبعثِ أنَّ وَعدَ الله حَقٌّ، ويزدادَ مَن يؤمِنُ به إيمانًا). ((معاني القرآن)) (3/276). وقال ابنُ كثير: (ذكر غيرُ واحدٍ مِن السلفِ أنَّه كان قد حصَل لأهلِ ذلك الزمانِ شَكٌّ في البَعثِ وفي أمرِ القيامةِ. وقال عِكرمةُ: كان منهم طائفةٌ قد قالوا: تُبعَثُ الأرواحُ ولا تُبعَثُ الأجسادُ، فبَعَث اللهُ أهلَ الكهف؛ حُجَّةً ودَلالةً وآيةً على ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (5/146). وقال القاسمي: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ أي: كما أنمناهم وبعَثْناهم لِما في ذلك من الحكمةِ، أطلَعْنا عليهم أهلَ المدينةِ حتى دخَلَها مَن بعثوه للطَّعامِ، وأخرج وَرِقَهم المتقادِمةَ العَهدِ). ((تفسير القاسمي)) (7/15). وقال ابن عثيمين: (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ إمَّا أنَّ المعنى: بقيامِ الساعة الذي كان يُنكِرُه هؤلاء، أو لأنَّ الله تعالى ينجِّي المؤمنينَ مِن الكفار؛ لأنَّ هؤلاء السبعةَ نَجَوا من أمَّةٍ عَظيمةٍ تقاتِلُهم وتنهاهم عن التوحيدِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 40). .
وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا.
أي: وأنَّ القيامةَ حَقٌّ، لا شَكَّ في مجيئِها، ووقُوعِ الثَّوابِ والعقابِ فيها [350] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/215)، ((البسيط)) للواحدي (13/572)، ((تفسير القاسمي)) (7/15)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/288)، ((تفسير ابن عثيمين-سورة الكهف)) (ص: 40).   .
كما قال تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [غافر: 59].
إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ.
أي: أعْثَرْنا على أصحابِ الكهفِ حينَ اختَلف أهلُ ذلك الزمانِ في البعثِ بعدَ الموتِ، فمِنهم مَن يؤمنُ به، ومِنهم مَن ينكرُه [351] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/216)، ((تفسير الرسعني)) (4/263)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((تفسير الشوكاني)) (3/328)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473). وممَّن قال بأنَّ التنازعَ كان في أمرِ البعثِ: يحيى بنُ سلام، وابنُ جريرٍ، ومكي، والزمخشري، والرسعني، والبيضاوي، وابنُ كثيرٍ، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/176)، ((تفسير ابن جرير)) (15/216)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (6/4352)، ((تفسير الزمخشري)) (2/711)، ((تفسير الرسعني)) (4/263)، ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((تفسير الشوكاني)) (3/328)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: عكرمة. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/74). قال الزمخشري: (أي: أعثَرْناهم عليهم حين يتنازَعون بينهم أمرَ دينِهم ويختَلِفون في حقيقةِ البَعثِ، فكان بعضُهم يقول: تُبعَثُ الأرواحُ دون الأجسادِ. وبعضُهم يقول: تُبعَثُ الأجسادُ مع الأرواح؛ ليرتفِعَ الخلافُ، وليتبيَّنَ أنَّ الأجسادَ تُبعَثُ حيَّةً حسَّاسةً فيها أرواحُها كما كانت قبل الموتِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/711). ويُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 319)، ((تفسير القرطبي)) (10/378-379). وممن اختار أنَّ التنازعَ كان في أمرِ الفتيةِ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جزي، وجلال الدين المحلي،  والعليمي، والشربيني، وابنُ عاشور، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/580)، ((تفسير ابن جزي)) (1/462)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 383)، ((تفسير العليمي)) (4/163)، ((تفسير الشربيني)) (2/363)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/289)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 40). وممن قال مِن السلفِ: إنَّ المتنازَعَ فيه هو أمرُ أصحابِ الكهفِ: ابنُ عباسٍ، ومقاتلٌ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/580)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/74). واختُلِف في المتنازَعِ عليه مِن أمرِ الفتية؛ فقيل: تنازعوا فِي قدرِ مكثِهم فِي الكهفِ. وقيل: في عددِهم. وقيل: فيما يفعلونَ بعدَ أن اطَّلعوا عليهم. وقيل: تنازعوا هل هم أمواتٌ أو أحياءٌ. وقيل: تنازعوا في البنيانِ، والمسجدِ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/573)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/74). وقال ابن عاشور: (وضميرُ أَمْرَهُمْ يجوزُ أن يعودَ إلى أصحابِ الكهف، والأمرُ هنا بمعنى الشأنِ. والتنازعُ: الجِدالُ القويُّ، أي: يتنازعُ أهلُ المدينة بينهم شأنَ أهل الكهف، مثل: أكانوا نيامًا أم أمواتًا، وأيبقَون أحياءً أم يموتون، وأيبقَون في ذلك الكَهفِ أم يَرجِعون إلى سُكنى المدينة؟ وفي مدَّةِ مُكثِهم. ويجوزُ أن يكون ضميرُ أَمْرَهُمْ عائدًا إلى ما عاد عليه ضميرُ يَتَنَازَعُونَ، أي: شأنَهم فيما يفعلونَه بهم). ((تفسير ابن عاشور)) (15/288-289). .
فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ.
أي: فقال الذين أعثَرَهم اللهُ على أصحابِ الكَهفِ حين ماتُوا: ابنُوا عليهم بنيانًا يَستُرُهم [352] قال الواحدي: (قوله: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا، يعني: استُروهم مِن الناسِ، قال ذلك المفسِّرونَ). ((البسيط)) (13/573). قال الرسعني: (أرادوا سترَهم عن أعينِ الناسِ؛ حفظًا لهم، وزيادةً في الإكرام لهم، واحترامِهم بتغييبِهم عن الأبصارِ). ((تفسير الرسعني)) (4/263). وقال ابن كثير: (سُدُّوا عليهم بابَ كهفهم، وذَروهم على حالِهم). ((تفسير ابن كثير)) (5/147). وقال ابن عاشور: (وإنما ارتأَوا أن يَبنوا عليهم بنيانًا؛ لأنهم خَشُوا عليهم من تردُّد الزائرينَ غيرِ المتأدِّبينَ؛ فلعلَّهم أن يُؤذوا أجسادَهم وثيابَهم باللَّمسِ والتَّقليبِ، فأرادوا أن يبنُوا عليهم بناءً يُمكِنُ غَلقُ بابِه وحراستُه). ((تفسير ابن عاشور)) (15/289). ؛ ربُّهم أعلَمُ بهم وبِشَأنِهم وحالِهم [353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/216)، ((البسيط)) للواحدي (13/574)، ((تفسير الزمخشري)) (2/711)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((تفسير القاسمي)) (7/16)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473). قال الرازي: (ثمَّ قال تعالى: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ وهذا فيه وجهان: أحدُهما: أنَّه من كلام المتنازِعينَ، كأنهم لَمَّا تذاكروا أمْرَهم وتناقلوا الكلامَ في أسمائِهم وأحوالِهم ومُدَّةِ لُبثِهم، فلمَّا لم يهتدوا إلى حقيقةِ ذلك قالوا: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ. الثاني: أنَّ هذا من كلامِ الله تعالى؛ ذكَرَه ردًّا للخائضينَ في حديثِهم من أولئك المتنازعِينَ). ((تفسير الرازي)) (21/447). .
قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
أي: قال رُؤساءُ المدينةِ الذين غَلَبوا على أهلِها [354] وممَّن قال: إنَّ المرادَ بقولِه: الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ: هم أهلُ الغلبةِ وأصحابُ الكلمةِ والنُّفوذِ مِن الولاةِ والرؤساءِ: القرطبي، وابنُ كثير، وابنُ رجب، والسعدي، وابنُ عاشور، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/351)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((فتح الباري)) لابن رجب (3/193)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/290)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 41). قال ابنُ كثير: (حكى ابنُ جرير في القائلين ذلك قولينِ: أحدُهما: أنَّهم المسلمون منهم. والثاني: أهلُ الشرك منهم، فالله أعلم. والظاهِرُ أنَّ الذين قالوا ذلك هم أصحابُ الكلمة والنُّفوذِ. ولكِنْ هل هم محمودونَ أم لا؟ فيه نظرٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لعن اللهُ اليهودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم وصالِحيهم مساجِدَ»). ((تفسير ابن كثير)) (5/147). وقال ابنُ باز في قولِه تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا: (إنَّ الله سبحانه وتعالى أخبَر عن الرُّؤساءِ وأهلِ السَّيطرةِ في ذلك الزمانِ أنَّهم قالوا هذه المقالةَ، وليس ذلك على سبيلِ الرضا والتقريرِ لهم، وإنَّما هو على سبيلِ الذمِّ والعيبِ والتنفيرِ مِن صنيعِهم، ويدُلُّ على ذلك أنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلم الذي أُنزِلَت عليه هذه الآيةُ وهو أعلَمُ النَّاسِ بتأويلِها: قد نهى أمَّتَه عن اتخاذِ المساجدِ على القبور، وحَذَّرهم من ذلك، ولعن وذَمَّ مَن فعَلَه، ولو كان ذلك جائزًا لَمَّا شَدَّد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك التَّشديدَ العظيمَ، وبالغ في ذلك حتى لَعَن مَن فَعَله، وأخبر أنَّه من شرارِ الخَلقِ عند الله عزَّ وجَلَّ، وهذا فيه كفايةٌ ومَقنعٌ لطالبِ الحَقِّ، ولو فرَضْنا أنَّ اتخاذَ المساجِدِ على القبورِ جائزٌ لِمن قَبْلَنا، لم يجُزْ لنا التأسِّي بهم في ذلك؛ لأنَّ شريعتَنا ناسِخةٌ للشرائِعِ قَبلَها، ورسولُنا عليه الصلاة والسلام هو خاتَمُ الرُّسُلِ). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (1/435). ويُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (3/193). : لَنبنيَنَّ عليهم مَسجِدًا يُعبَدُ اللهُ فيه [355] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/580)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 657)، ((تفسير ابن جزي)) (1/462)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/290)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 41). قال الواحدي في قوله: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا: (ومعنى: عَلَيْهِمْ هاهنا وفي قوله: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا أنَّهم يجعلون وراء ذلك، كما يقال: بني عليه جِدارًا: إذا حَوَّطه وجعله وراءَ الجِدارِ). ((البسيط)) (13/574). قيل: بَنَوا على بابِ الكهفِ مسجِدًا للصلاةِ فيه. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/580)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 657)، ((تفسير ابن جزي)) (1/462). .
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22).
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ.
أي: سيقولُ بَعضُ الخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ: هم ثلاثةُ أشخاصٍ، والرَّابِعُ هو كَلبُهم [356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير القرطبي)) (10/382)، ((تفسير الشوكاني)) (3/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474). قال القرطبي: (الضميرُ في سَيَقُولُونَ يرادُ به أهلُ التوراة، ومُعاصِرو النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وذلك أنَّهم اختلفوا في عددِ أهل الكهفِ هذا الاختلافَ المنصوصَ. وقيل: المرادُ به: النصارى؛ فإنَّ قومًا منهم حَضَروا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن نجران، فجرى ذِكرُ أصحابِ الكهفِ. فقالت اليعقوبيَّة: كانوا ثلاثةً رابعُهم كلبُهم. وقالت النسطوريةُ: كانوا خمسةً سادِسُهم كلبُهم. وقال المسلمونَ: كانوا سبعةً ثامِنُهم كلبُهم). ((تفسير القرطبي)) (10/382). ويُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((تفسير أبي السعود)) (5/216). وقال الشوكاني: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ... هؤُلاءِ القائلونَ بأنَّهم ثلاثةٌ أو خمسةٌ أو سبعةٌ، هم المتنازعونَ فِي عددِهم في زمنِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مِنْ أهلِ الكتابِ والمسلمينَ، وقيلَ: هم أهلُ الكتابِ خاصَّةً). ((تفسير الشوكاني)) (3/329). وقال ابن عثيمين: (كيف يمكِنُ أن يكون قولان لغائبٍ واحدٍ؟ هذا يُخَرَّج على وجهَينِ: الوجه الأول: أنَّ المعنى: سيقول بعضُهم: ثلاثةٌ رابِعُهم كَلبُهم، ويقولُ البعضُ الآخَرُ: خمسةٌ سادِسُهم كَلبُهم، ويقول البعض الثالث: سبعةٌ وثامِنُهم كلبُهم. والوجه الثاني: أن المعنى أنهم سيترددون؛ مرةً يقولون: ثلاثةٌ، ومرة يقولون: خمسةٌ، ومرة يقولون: سبعةٌ. وكلاهما محتَمِلٌ ولا يتنافيان، فتَجدُهم أحيانًا يقولون كذا، وأحيانًا يقولون كذا، حسَبَ ما يكونُ في أذهانِهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 41-42). وممن اختار الوجهَ الأوَّلَ: ابنُ جرير، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير الشوكاني)) (3/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474). قال الشوكاني: (ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ أي: هم ثلاثةُ أشخاصٍ، وجملةُ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: حالَ كونِ كلبِهم جاعلَهم أربعةً بانضمامِه إليهم، وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ الكلامُ فيه كالكلامِ فيما قبله). ((تفسير الشوكاني)) (3/329). .
وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ.
أي: وسيقولُ بَعضُهم: هم خمسةُ أشخاصٍ، والسَّادِسُ هو كَلبُهم [357] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((تفسير الشوكاني)) (3/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474).   .
رَجْمًا بِالْغَيْبِ.
أي: إنَّما يقولُ الخائِضونَ في عَددِ الفتيةِ ما يقولونَ بمُجَرَّدِ الظَّنِّ والتَّخمينِ، مِن غيرِ عِلمٍ ولا يقينٍ [358] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((الوسيط)) للواحدي (3/142)، ((تفسير ابن عطية)) (3/507، 508)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147).   .
وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
أي: ويقولُ بَعضُهم: عدَدُ أصحابِ الكَهفِ سَبعةٌ، والثَّامِنُ هو كَلبُهم [359] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير الزمخشري)) (2/714)، ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((تفسير ابن كثير)) (5/147)، ((تفسير أبي السعود)) (5/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474). قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن اختلافِ النَّاسِ في عِدَّةِ أصحاب الكهفِ، فحكى ثلاثةَ أقوال، فدلَّ على أنَّه لا قائل برابعٍ، ولَمَّا ضَعَّف القولين الأوَّلَينِ بقَولِه: رَجْمًا بِالْغَيْبِ أي: قولًا بلا علمٍ، كمن يرمي إلى مكانٍ لا يَعرِفُه، فإنَّه لا يكادُ يصيبُ، وإن أصاب فبلا قَصدٍ؛ ثم حكى الثالثَ وسكت عليه أو قَرَّره بقَولِه: وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ؛ فدَلَّ على صِحَّتِه، وأنَّه هو الواقِعُ في نفسِ الأمر). ((تفسير ابن كثير)) (5/147). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/367-368). وقال أيضًا: (الصَّحيح عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهم كانوا سبعةً، وهو ظاهرُ الآيةِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/148). وقال الرسعني: (على هذا أكثرُ العلماءِ؛ أنَّ عِدَّةَ أصحابِ الكهفِ سبعةٌ). ((تفسير الرسعني)) (4/265). .
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ.
أي: قل -يا مُحَمَّدُ- للخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ بلا عِلمٍ: ربِّي أعلَمُ مِن غَيرِه بعَدَدِ الفِتيةِ عِلمًا تامًّا [360] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/580)، ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير البغوي)) (3/186).   .
مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ.
أي: ما يعلَمُ عَدَدَ أصحابِ الكَهفِ على الصَّوابِ إلَّا قليلٌ مِن خَلقِه [361] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/218)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/293).   .
فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا.
أي: فلا تُحاجِجْ -يا مُحمَّدُ [362] قيل: لا تحاجِجْ أهلَ الكتاب. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، وابنُ أبي زمنين، وابنُ جزي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/220)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/54)، ((تفسير ابن جزي)) (1/463)، ((تفسير القاسمي)) (7/18). وقيل: لا تُحاجِج المشركينَ. وممن قال بذلك: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/294).   - في أصحابِ الكَهفِ [363] قيل: المرادُ: لا تمارِ في عددِهم. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، وابنُ عطية، والقرطبي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/220)، ((تفسير ابن عطية)) (3/508)، ((تفسير القرطبي)) (10/384)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/294). وقيل: المرادُ: لا تمارِ في شأنهم. وممن قال بذلك: الشوكاني. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/329). وقال ابنُ عثيمين: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ أي: في شأنِهم، في زمانِهم، في مكانِهم، في مآلِهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 43). إلَّا مُحاجَّةً ظاهِرةً [364] اختلف المفسِّرونَ في تفسيرِ المِراءِ الظاهِرِ، وذكر الواحدي بعضَ أقوالِ السلفِ، ثم قال: (فعلى ما قالوا: المراءُ الظاهرُ هو: أن يجادلَهم بما أُنزِل إليه مِن أنَّه لا يعلمُ عددَهم إلَّا القليلُ). ((البسيط) (13/580). وممن قال مِن السلفِ أنَّ المرادَ: حسبُك ما قصَصْنا عليك مِن شأنِهم، وأظهَرْنا لك مِن أمرِهم: ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والضحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/221). وقال ابن عاشور: (والمراءُ الظَّاهِرُ: هو الَّذي لا سبيلَ إلى إنكارِه، ولا يطولُ الخوضُ فيه. وذلك مثلُ قولِه: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، وقولِه: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ؛ فإنَّ هذا مِمَّا لا سبيلَ إلى إنكارِه وإبايَتِه؛ لوُضوحِ حُجَّتِه، وما وراءَ ذلك محتاجٌ إِلَى الحجَّةِ؛ فلا يَنْبَغي الاشتغالُ به لقلَّةِ جَدْواه). ((تفسير ابن عاشور)) (15/294). وقيل: هو أن يقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تعلمون. قاله ابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/75). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الماوردي)) (3/298). وقال ابنُ كثير: (قال تعالَى: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا أي: سَهلًا هَيِّنًا؛ فإنَّ الأمرَ في معرفةِ ذلك لا يترتَّبُ عليه كبيرُ فائدةٍ). ((تفسير ابن كثير)) (5/148). ويُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/463). وقيل: إلَّا مراءً على اللِّسانِ لا يصِلُ إلى القَلبِ؛ لأنَّه إذا وصل الجِدالُ إلى القَلبِ اشتَدَّ المجادِلُ، وغَضِبَ وانتفَخَت أوداجُه وتأثَّر، في أمرٍ ليس للجِدالِ فيه كبيرُ فائدةٍ. وممن قال بذلك: ابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 43). ، ولا تُجهِدْ نَفسَك فيما لا طائِلَ مِن ورائِه [365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/220، 221)، ((تفسير القرطبي)) (10/384)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/367، 368)، ((تفسير ابن كثير)) (5/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 43).   .
وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا.
أي: ولا تَسألْ -يا مُحمَّدُ- في أصحابِ الكَهفِ [366] قيل: في عَدَدِهم. قاله ابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/222). وقيل: في شأنِهم. قاله الشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/330)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474).   أحدًا مِن أهلِ الكِتابِ [367] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/222)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 657)، ((تفسير الزمخشري)) (2/714)، ((تفسير ابن كثير)) (5/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 44). وممَّن قال بأنَّ المراد بالضميرِ في مِنْهُمْ يعود إلى أهلِ الكِتابِ: ابنُ جرير، والواحدي، والقرطبي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/222)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 657)، ((تفسير القرطبي)) (10/384)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، ومجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/222)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/76). قال ابنُ كثير: (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا أي: فإنَّهم لا عِلمَ لهم بذلك إلَّا ما يقولونَه مِن تلقاءِ أنفُسِهم رجمًا بالغيبِ، أي: مِن غيرِ استنادٍ إلى كلامِ مَعصومٍ، وقد جاءك اللهُ -يا محمَّدُ- بالحَقِّ الذي لا شَكَّ فيه ولا مِريةَ؛ فهو المقَدَّمُ الحاكِمُ على كُلِّ ما تقَدَّمَه من الكُتُبِ والأقوالِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/148). قال الرسعني: (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا أي: ولا تستَفْتِ في أصحابِ الكَهفِ مِن أهلِ الكتابِ أحدًا؛ لأنَّ سؤالَهم إمَّا تعنُّتٌ أو استرشادٌ؛ والأوَّلُ ليس من أخلاقِك المَرْضيَّةِ، والثاني لا حاجةَ بك إليه؛ لأنَّك قد علِمْتَه بإيحائِنا إليك، وقَصَصِنا عليك). ((تفسير الرسعني)) (4/267). وقيل: المرادُ بقولِه: مِنْهُمْ: عمومُ النَّاسِ، سواءٌ من أهلِ الكتابِ أم مِن غيرهم. وممَّن قال بذلك: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 44). .
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23).
أي: ولا تَقولَنَّ -يا محمَّدُ- لأيِّ شيءٍ تعزِمُ على فِعْلِه: إنِّي فاعلٌ ذلك الأمرَ في المُستَقبلِ [369] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/223، 224)، ((تفسير ابن كثير)) (5/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/253). قال ابن القيم: (الذي أجمع عليه المفسِّرون: أنَّ أهلَ مكَّةَ سألوا النبيَّ عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكَهفِ، وعن ذي القَرنَينِ، فقال: أُخبِرُكم غدًا. ولم يقُلْ: إن شاء الله. فتلبَّثَ الوحيُ أيَّامًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ). ((مدارج السالكين)) (2/403).   .
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24).
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
أي: إلَّا أن تقولَ مع ذلك القَولِ: إن شاء اللهُ [370] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/224)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/253)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 46).   .
كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30].
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ.
أي: إن قُلتَ -يا محمَّدُ-: سأفعَلُ شيئًا غدًا، ونَسِيتَ أن تقولَ: إن شاءَ اللهُ، فاذكُرْ رَبَّك بعد نِسيانِك بقَولِك: إن شاء اللهُ [371] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/58)، ((تفسير ابن كثير)) (5/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 47). وممن اختار هذا المعنى المذكورَ: ابنُ القيم، والسعدي، واستظهره الشنقيطي، ونسبه إلى الجمهورِ، وقال به ابنُ عثيمين. يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/254)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 47). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وأبو العاليةِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/225)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/76). قال ابنُ كثير: (ويحتَمِلُ في الآيةِ وجهٌ آخرُ، وهو أن يكونَ اللهُ عزَّ وجَلَّ قد أرشدَ مَن نَسِيَ الشيءَ في كلامِه إلى ذِكر الله تعالى؛ لأنَّ النسيانَ مَنشؤُه مِن الشَّيطانِ، كما قال فتى موسى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: 63]، وذِكْرُ اللهِ تعالى يطرُدُ الشَّيطانَ، فإذا ذهب الشَّيطانُ ذهب النِّسيانُ، فذِكْرُ الله سببٌ للذِّكرِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/150). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/254). قال السعدي: (ويُؤخَذُ مِن عمومِ قولِه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ الأمرُ بذكرِ الله عندَ النسيانِ، فإنَّه يزيلُه، ويُذكِّرُ العبدَ ما سها عنه). ((تفسير السعدي)) (ص: 474). وقيل: هذه الآيةُ فيمَن نسِي صلاةً فعليه أن يُصلِّيَها إذا ذكَرها، وهو مرويٌّ عن السُّديِّ والضَّحَّاكِ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/586)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/255). .
وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا.
أي: وقُلْ -يا محمَّدُ- داعيًا ربَّك: أرجو أن يوفِّقَني ربِّي، ويَدُلَّني إلى طريقٍ هو أقرَبُ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى الرَّشادِ، ويُثبِّتَني عليه [372] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/187)، ((تفسير الخازن)) (3/161)، ((تفسير العليمي)) (4/168)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 48). قيل: المرادُ: قلْ عسَى أن يُعطيَني من الآياتِ والدَّلالاتِ على النبوَّةِ ما يكونُ أقربَ في الرَّشَدِ وأدَلَّ من قصَّةِ أصحابِ الكهفِ. فالمشارُ إليه بقولِه مِنْ هَذَا -على هذا القولِ- هو نَبَأُ أصحابِ الكهف. وممَّن اختار هذا المعنى: الزجاج، وابن أبي زمنين، والواحدي، والبيضاوي، وابن جزي، والشوكاني، وابن عاشور. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/278)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/56)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 658)، ((تفسير البيضاوي)) (3/278)، ((تفسير ابن جزي)) (1/463)، ((تفسير الشوكاني)) (3/330)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/298- 299). قال البيضاوي: (وقد هداه لأعظَمَ مِن ذلك، كقَصَصِ الأنبياءِ المتباعِدةِ عنه أيَّامُهم، والإخبارِ بالغُيوبِ والحوادثِ النازلةِ في الأعصارِ المُستَقبَلةِ إلى قيامِ الساعةِ). ((تفسير البيضاوي)) (3/278). وقال ابنُ عاشور: (لَمَّا أبَرَّ اللهُ وَعدَ نبيِّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم الذي وعَدَه المُشرِكين أن يبيِّنَ لهم أمْرَ أهلِ الكَهفِ، فأوحاه إليه وأوقَفَهم عليه؛ أعقَبَ ذلك بعتابِه على التصَدِّي لمجاراتِهم في السؤالِ عَمَّا هو خارِجٌ عن غرَضِ الرِّسالةِ دون إذنٍ مِن الله، وأمَرَه أن يذكُرَ نهيَ ربِّه، ويعزِمَ على تدريبِ نَفسِه على إمساكِ الوَعدِ ببيانِ ما يُسألُ منه بيانُه دون أن يُؤذِنَه الله به؛ أمرَه هنا أن يخبِرَ سائليه بأنَّه ما بُعِث للاشتغالِ بمثلِ ذلك، وأنَّه يرجو أنَّ اللهَ يهديه إلى ما هو أقرَبُ إلى الرُّشدِ مِن بيانِ أمثالِ هذه القِصَّةِ، وإن كانت هذه القِصَّةُ تشتَمِلُ على موعِظةٍ وهُدًى، ولكِنَّ الهدى الذي في بيانِ الشَّريعةِ أعظَمُ وأهَمُّ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/298-299). وقيل: المعنى: إذا نسيتَ شيئًا فاذكُرْ رَبَّك بأن تقولَ: عسى ربِّي أن يهديَني لشيءٍ آخرَ بدَلَ هذا المنسيِّ أقرَبَ منه رَشَدًا، وأدنى خيرًا ومنفعةً. والإشارةُ -بناءً على هذا القولِ- إلى قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ. وممن قال بذلك: النسفي. يُنظر: ((تفسير النسفي)) (2/296). وقيل: المعنى: إذا سُئِلتَ عن شيءٍ لا تعلمُه، فاسألِ اللهَ فيه، وتوجَّهْ إلى الله أن يوفِّقَك للصوابِ والرشدِ. وممن ذهَب إلى هذا المعنى: ابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/150). وقال ابنُ جرير: (يقولُ عزَّ ذِكرُه لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: قلْ: ولعلَّ اللهَ أن يهديَني فيُسَدِّدَني لأسَدَّ مِمَّا وعدتُكم وأخبَرتُكم أنَّه سيكونُ، إن هو شاء). ((تفسير ابن جرير)) (15/227-228). .
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نهى اللهُ تعالى عن استفتاءِ أهلِ الكتابِ في شأنِ أهلِ الكَهفِ؛ لِعَدَمِ عِلمِهم بذلك، وكان اللهُ عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، العالمَ بكُلِّ شَيءٍ؛ أخبَرَ بمُدَّةِ لُبثِهم، وأنَّ عِلمَ ذلك عنده وَحدَه؛ فإنَّه مِن غَيبِ السَّمواتِ والأرضِ، وغَيبُها مختَصٌّ به سُبحانَه، فما أخبَرَ به عنها على ألسنةِ رُسُلِه، فهو الحَقُّ اليقينُ الذي لا يُشَكُّ فيه، وما لا يُطلِعُ رُسُلَه عليه فإنَّ أحدًا من الخَلقِ لا يَعلَمُه [373] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:474).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا فَرَغ اللهُ تعالى مِن هذه التَّربيةِ في أثناءِ القِصَّةِ، وخَتَمَها بالتَّرجيةِ في الهدايةِ للأرشَدِ، وكان عِلمُ مُدَّةِ لُبثِهم أدَقَّ وأخفى مِن عِلمِ عَدَدَهم؛ شَرَعَ في إكمالِها مُبَيِّنًا لهذا الأخفى [374] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/46).   .
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25).
أي: وبَقِيَ الفِتيةُ في الكَهفِ نِيامًا مُدَّةَ ثَلاثِمئةِ سَنةٍ وزيادة تِسعِ سنينَ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/231)، ((الوسيط)) للواحدي (3/144)، ((تفسير ابن عطية)) (3/510)، ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 319)، ((تفسير ابن كثير)) (5/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474). وهذه الآيةُ إخبارٌ مِن الله تعالى عن قدرِ لبثِهم في الكهفِ، وأنَّهم لبثوا فيه ثلاثَمئةِ سنةٍ وتسعَ سنينَ. ونسَبه الكرماني للجمهورِ. يُنظر: ((غرائب التفسير وعجائب التأويل)) (1/658). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: مجاهدٌ، وعبدُ الله بنُ عبيدِ بنِ عميرٍ، والضحاكُ، وابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/229)، ((البسيط)) للواحدي (13/588)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/78). وقيل في فائدةِ قولِه: وَازْدَادُوا تِسْعًا بعدَ قولِه تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ: أنَّها ثلاثُمِئةِ سنةٍ بحسابِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ، وثلاثُمِئةِ سنةٍ وتسعُ سنينَ بحسابِ السَّنةِ القمريَّةِ. وممن ذهَب إلى هذا القولِ: الماوردي، وابنُ كثير، والبقاعي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/300)، ((تفسير ابن كثير)) (3/70)، (5/150)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/46)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/227). ونسَب ابنُ عطيةَ هذا القولَ للنقاشِ، ونسَبه الشوكاني للزجَّاجِ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/510)، ((تفسير الشوكاني)) (3/331). قال ابنُ عاشور بعدَ أن ذكَر هذا القولَ: (وبهذا تظهرُ نكتةُ التَّعبيرِ عن التِّسعِ السِّنينِ بالازديادِ، وهذا مِنْ علمِ القرآنِ وإعجازِه العلميِّ الَّذي لم يَكُنْ لعمومِ العربِ علمٌ به). ((تفسير ابن عاشور)) (15/301). وضَعَّف ابنُ عثيمين هذا القَولَ، ورَدَّه من وجهينِ: الأولُ: أنَّه لا يمكِنُ أنْ نشهَدَ على اللهِ أنه أراد هذا. الثاني: أنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ والسَّنَواتِ عندَ الله بالأهِلَّةِ؛ فقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: 5]، وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189]. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 50). وقيل أيضًا في فائدةِ قولِه: وَازْدَادُوا تِسْعًا: أنَّه لعلَّهم لما استكمل لهم ثلاثَمِئةِ سنةٍ، قرُب أمرُهم مِن الانتباهِ، ثمَّ اتَّفَق ما أوْجَب بقاءَهم في النَّومِ بعدَ ذلك تسعَ سنينَ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/453)، ((تفسير ابن عادل)) (12/464). وقيل: إنَّ هذه الآيةَ إخبارٌ عن أهلِ الكتابِ أنَّهم قالوا ذلك. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، ومطرٌ الوراقُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/229)، ((البسيط)) للواحدي (13/587)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/78). قال ابن تيميَّةَ: (بعضُ المفَسِّرينَ زعَموا أنَّ هذا قَولُ بَعضِ أهل الكتابِ؛ لقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، وليس كذلك؛ فإنَّ اللهَ لم يذكُرْ هذا عن أهل الكتابِ، بل ذكَرَه كلامًا منه تعالى). ((الجواب الصحيح)) (4/246). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/510). .
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26).
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ-: اللهُ أعلَمُ بمُدَّةِ لُبثِ الفِتيةِ في الكَهفِ نائِمينَ، وقد أخبَرَنا بمقدارِ تلك المُدَّةِ بالحَقِّ، والصِّدقِ المطابِقِ للواقِعِ، فلا نقبَلُ قَولَ غَيرِه [376] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/464)، ((تفسير الخازن)) (3/162)، ((تفسير ابن كثير)) (5/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((تفسير ابن عثيمين-سورة الكهف)) (ص: 51). وقيل: المعنى: اللهُ أعلَمُ بما لَبِثوا بعد أن قبَضَ أرواحَهم مِن بعدِ أن بعَثَهم مِن رَقدتِهم إلى يومِنا هذا، فلا يعلَمُ بذلك غيرُ اللهِ. وممن قال بذلك: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/231). قال الخازن: (يعني: إن نازعوك في مدَّةِ لُبثِهم في الكَهفِ، فقل أنت: الله أعلَمُ بما لَبِثوا، أي: هو أعلَمُ منكم، وقد أخبر بمدَّةِ لُبثِهم). ((تفسير الخازن)) (3/162). وقال ابنُ كثير: (قولُه: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا أي: إذا سُئِلْتَ عن لُبثِهم وليس عندك عِلمٌ في ذلك وتوقيفٌ مِن الله عزَّ وجَلَّ، فلا تتقَدَّمْ فيه بشَيءٍ، بل قُلْ في مثلِ هذا: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الكهف: 26] أي: لا يعلَمُ ذلك إلا هو أو من أطلَعَه اللهُ عليه مِن خَلْقِه. وهذا الذي قُلْناه عليه غيرُ واحدٍ مِن عُلَماءِ التفسيرِ، كمجاهد، وغيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/150). .
لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: لله وَحدَه عِلمُ ما غاب وخَفِيَ في السَّمواتِ والأرضِ، ولا يخفى عليه شَيءٌ فيهما [377] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/233)، ((تفسير ابن كثير)) (5/150)، ((تفسير القاسمي)) (7/25)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/256)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 51). قال ابنُ عثيمين: (أي: له ما غاب في السَّمواتِ والأرضِ، أو له عِلمُ غَيبِ السَّمواتِ والأرضِ، وكِلا المعنيينِ حَقٌّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 51).   .
كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59].
وقال سُبحانَه: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: 61].
وقال عزَّ وجَلَّ: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: 9].
وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: 5].
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ.
أي: ما أبصَرَ اللهَ لكُلِّ مَوجودٍ، وما أسمَعَه لكُلِّ صَوتٍ، فلا يخفى عليه شَيءٌ من ذلك [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/233)، ((تفسير ابن كثير)) (5/151)، ((تفسير القاسمي)) (7/25)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/257)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 52). قال الزجاج: (أجمَعَت العلماءُ أنَّ معناه: ما أسمَعَه وأبصَرَه! أي: هو عالمٌ بقصَّةِ أصحابِ الكَهفِ وغَيرِهم). ((معاني القرآن)) (3/280). وقال السعدي: (قوله: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ تعجُّبٌ مِن كمالِ سَمعِه وبَصَرِه، وإحاطتِهما بالمسموعاتِ والمُبصَراتِ، بعد ما أخبَر بإحاطة عِلمِه بالمعلوماتِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 474). !
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: 75].
مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ.
أي: ما لجَميعِ الخَلقِ في السَّمَواتِ والأرضِ مِن دونِ اللهِ مِن وَليٍّ يلي أمرَهم، ويُدَبِّرُ شُؤونَهم، ومن ذلك أنَّه تولَّى شأنَ أصحابِ الكَهفِ بلُطفِه وكَرَمِه، ولم يَكِلْهم إلى أحَدٍ مِن خَلقِه [379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/234)، ((البسيط)) للواحدي (13/596)، ((تفسير ابن كثير) (5/151)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/257-258)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 53). قال الشنقيطي: (قال بعضُ العُلَماءِ: الضميرُ في قولِه: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ راجِعٌ لأهلِ السَّمَواتِ والأرضِ المفهومينَ مِن قَولِه تعالى: لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الكهف: 26]. وقيل: الضميرُ في قوله: مَا لَهُمْ راجعٌ لمعاصِرِي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الكُفَّارِ، ذكَرَه القرطبي. وعلى كلِّ حالٍ فقد دلَّت الآياتُ المتقَدِّمةُ أنَّ وِلايةَ الجَميعِ لخالِقِهم جلَّ وعلا، وأنَّ منها وِلايةَ ثوابٍ وتوفيقٍ وإعانةٍ، وولايةَ مِلْكٍ وقَهرٍ ونُفوذٍ ومَشيئةٍ. والعِلمُ عند الله تعالى). ((أضواء البيان)) (3/258).   .
وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ وَلَا تُشْرِكْ بالتاء والجزمِ، بتوجيهِ الخطابِ [380] قال ابنُ خالَويه: (والحُجَّةُ لِمَن قرأه بالتاءِ والجزمِ: أنَّه قصد الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووجَّهَه إلى غيرِه، وجَعَل «لا» للنَّهيِ؛ فجَزَم بها). ((الحجة في القراءات السبع)) (ص: 223). وقال أبو علي الفارسي: (قراءةُ ابنِ عامرٍ: وَلَا تُشْرِكْ أنت -أيُّها الإنسانُ- في حُكمِه؛ على النهيِ عن الإشراكِ في حُكمِه). ((الحجة للقراء السبعة)) (5/141).   بالنَّهيِ عن الإشراكِ باللهِ في حُكمِه، فلا يَحكُم بين النَّاسِ بغيرِ حُكمِ اللهِ [381] قرأ بها ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/310). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير السمرقندي)) (2/344)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 223)، ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي علي الفارسي (5/141).   .
2- قِراءةُ وَلَا يُشْرِكُ بالياء والرَّفع، على الخبَرِ عن اللهِ تعالى أنَّه نفى عن أيِّ أحدٍ مِن خَلقِه إشراكَه في حُكمِه وقَضائِه، أي: لا يُشرِكُ اللهُ في حُكمِه أحدًا سواه؛ فهو المتفَرِّدُ وَحدَه بالحُكمِ بين العبادِ [382] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/310). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (15/234)، ((الكشف)) لمكي (2/59)، ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي علي الفارسي (5/141).   .
وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا.
أي: ولا يُشركُ اللهُ في قَضائِه بين خَلقِه وفي تدبيرِهم أحدًا سواه؛ فهو المتفرِّدُ وَحدَه بالحُكمِ في خَلقِه قَضاءً وقَدَرًا، وخلْقًا وتدبيرًا، وبالحُكمِ فيهم أمرًا ونهيًا، وثوابًا وعقابًا [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/234)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 474)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/258)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 54).   .
كما قال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام: 114].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام: 57].
وقال سُبحانَه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10].

الفوائد التربوية:


1- الخُلاصةُ التي تُستخلَصُ مِن قِصَّةِ أهلِ الكَهفِ هي: أنَّ كُلَّ مَنِ التجأَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يحميه بأسبابٍ قد يُدرِكُها وقد لا يُدرِكُها، وهو مِصداقُ قولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: 38]؛ فإنَّ مُدافعةَ اللهِ عن المؤمنينَ قد تكونُ بأسبابٍ معلومةٍ، وقد تكونُ بأسبابٍ مجهولةٍ لهم؛ فهذا يُرشِدُنا إلى أنْ نُحَقِّقَ الإيمانَ بالله عزَّ وجَلَّ، والقيامَ بطاعتِه [384] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (2/229).   .
2- قَولُ الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا في هذه القِصَّةِ دَليلٌ على أنَّ مَن فَرَّ بدِينِه مِن الفِتَنِ، سَلَّمَه اللهُ منها، وأنَّ مَن حَرَص على العافيةِ عافاه الله، ومَن أوى إلى الله آواه الله، وجعلَه هدايةً لغيرِه، ومن تحمَّلَ الذُّلَّ في سبيلِه وابتغاءَ مَرضاتِه، كان آخِرَ أمْرِه وعاقِبتَه العِزُّ العظيمُ مِن حيثُ لا يحتَسِبُ [385] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 473).   ، فالخوفُ العظيمُ مِن أهلِ الكَهفِ وقتَ إيمانِهم، ودخولِهم في الغارِ، أبدلهم الله به بعدَ ذلك أمنًا وتعظيمًا مِن الخلقِ، وهذه عوائِدُ الله فيمن تحمَّلَ المشاقَّ مِن أجلِه: أن يجعَلَ له العاقِبةَ الحَميدةَ [386] يُنظر: ((تيسير اللطيف المنان)) للسعدي (1/289).   .
3- قَولُ الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ أبهم تعالى على عُمومِ النَّاسِ الإعلامَ بذلك؛ لحِكمةٍ، وهي أن تتعوَّدَ الأمَّةُ بتَركِ الاشتغالِ فيما ليست منه فائدةٌ للدينِ أو للنَّاسِ [387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/290).   .
4- قَولُه تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا اشتملَ على الأدَبِ في هذا المقامِ، وتعليمِ ما ينبغي في مِثْلِ هذا؛ فإنَّه تعالى أخبَرَ عنهم بثلاثةِ أقوالٍ، ضَعَّفَ القَولَينِ الأوَّلَينِ، وسَكَتَ عن الثَّالثِ، فدلَّ على صِحَّتِه؛ إِذْ لو كان باطِلًا لردَّه كما ردَّهما، ثمَّ أرشدَ إلى أنَّ الاطِّلاعَ على عِدَّتِهم لا طائِلَ تحتَه، فيُقالُ في مِثلِ هذا: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ؛ فإنَّه ما يعلمُ بذلك إلَّا قليلٌ مِن النَّاسِ ممَّن أطْلَعَه اللهُ عليه؛ فلهذا قال: فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا أي: لا تُجْهِدْ نفسَك فيما لا طائِلَ تحته، ولا تَسألْهم عن ذلك؛ فإنَّهم لا يَعلَمونَ مِن ذلك إلَّا رَجْمَ الغَيبِ، فهذا أحسنُ ما يكونُ في حكايةِ الخلافِ: أنْ تُستَوعَبَ الأقوالُ في ذلك المقامِ، وأن يُنبَّهَ على الصَّحيحِ منها، ويُبطَلَ الباطِلُ، وتُذكَرَ فائِدةُ الخلافِ وثَمرتُه؛ لئلَّا يَطولَ النزاعُ والخِلافُ فيما لا فائدةَ تحتَه، فيُشتَغَلَ به عن الأهَمِّ، كذلك مَن نَصَب الخِلافَ فيما لا فائِدةَ تَحتَه، أو حكى أقوالًا متعدِّدةً لفظًا، ويَرجِعُ حاصِلُها إلى قَولٍ أو قَولينٍ معنًى؛ فقد ضَيَّعَ الزمانَ وتكَثَّرَ بما ليس بصحيحٍ؛ فهو كلابِسِ ثَوبَي زُورٍ، واللهُ الموفِّقُ للصَّوابِ [388] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/367).   .
5- قَولُ الله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ إرشادٌ إلى أنَّ الأحسَنَ في مِثلِ هذا المقامِ رَدُّ العِلمِ إلى اللهِ تعالى؛ إذ لا احتياجَ إلى الخَوضِ في مِثلِ ذلك بلا عِلمٍ، لكِنْ إذا اطَّلَعْنا على أمرٍ قُلنا به، وإلَّا وقَفْنا حيث وقَفْنا [389] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/148).   ؛ ففيه تعليمٌ للنَّاسِ أن يردُّوا عِلمَ الأشياءِ إلى خالِقِها جلَّ وعلا وإن عَلِموا بها، كما أعلم نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بمدَّةِ لُبثِهم في قَولِه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: 25]، ثم أمَرَه مع ذلك برَدِّ العلمِ إليه جلَّ وعلا في قَولِه جلَّ وعلا: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ... [390] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/252).   .
6- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ فيه دليلٌ على المَنعِ مِن استِفتاءِ مَن لا يَصلُحُ للفَتوى؛ إما لِقُصورِه في الأمرِ المُستفتَى فيه، أو لِكَونِه لا يُبالي بما تكَلَّمَ به، وليس عِندَه وَرَعٌ يَحجُزُه، وإذا نُهيَ عن استفتاءِ هذا الجِنسِ، فنَهيُه هو عن الفتوى مِن بابِ أولَى وأحرَى [391] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 473)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 44).   .
7- قال الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فنهى أن يقولَ العبدُ في الأمورِ المُستقبَلة، إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ مِن دونِ أن يقرِنَه بمشيئةِ الله؛ وذلك لِما فيه من المحذورِ، وهو: الكلامُ على الغَيبِ المُستقبَلِ الذي لا يَدري هل يفعَلُه أم لا، وهل يكونُ أم لا، وفيه ردُّ الفِعلِ إلى مشيئةِ العبدِ استقلالًا، وذلك محذورٌ محظورٌ؛ لأنَّ المشيئةَ كُلَّها لله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29]، ولِما في ذِكرِ مَشيئةِ الله مِن تيسيرِ الأمرِ وتَسهيلِه، وحُصولِ البركةِ فيه، والاستعانةِ مِن العبدِ لرَبِّه [392] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 474).  
8- من تَرَك شيئًا مِن ذِكرِ اللهِ الواجِبِ عليه سَهوًا، فلْيعُدْ إليه إذا ذَكَر، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ؛ فقد أمَرَه إذا نسيَ رَبَّه أن يذكُرَه بعد ذلك، فمن نسيَ الصَّلاةَ فقد نسيَ ذِكرَ رَبِّه، فإذا ذكَرَ أنَّه نَسِيَ فلْيعُدْ إلى ذكرِ الله بعدَ نِسيانِه [393] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (5/133).   . وذلك على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ.
9- في قَولِه تعالى: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ الإيمانُ بأنَّ اللهَ تعالى ذو بَصَرٍ نافذٍ لا يَغيبُ عنه شيءٌ، وذو سَمعٍ ثاقبٍ لا يخفَى عليه شَيءٌ، والإيمانُ بذلك يَقتَضي للإنسانِ ألَّا يُريَ ربَّه ما يكرَهُه، ولا يُسمِعه ما يكرَهُه؛ لأنَّك إنْ عَمِلتَ أيَّ عَمَلٍ رآه، وإنْ قُلْتَ أيَّ قولٍ سَمِعَه، وهذا يُوجِبُ أن تخشى اللهَ عزَّ وجلَّ، وألَّا تفعلَ فِعلًا يَكرَهُه، ولا تقولَ قَولًا يَكرَهُه اللهُ عزَّ وجلَّ [394] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 53).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- إنَّ قصةَ أصحابِ الكَهفِ هي مِن آياتِ الله؛ فإنَّ مُكثَهم نِيامًا لا يَموتونَ ثلاثَمِئةِ سَنةٍ وتسعَ سنينَ؛ آيةٌ دالةٌ على قُدرةِ الله ومَشيئتِه، وأنَّه يَخلُقُ ما يشاءُ، ليس كما يقولُه أهلُ الإلحادِ، وهي آيةٌ على مَعادِ الأبدانِ، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا، وكان الناسُ قد تنازَعوا في زَمانِهم: هل تعادُ الأرواحُ دُونَ الأبدانِ؟ وإخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّتِهم -مِن غيرِ أنْ يُعَلِّمَه بَشَرٌ- آيةٌ على نبُوَّتِه، فكانت قصَّتُهم آيةً على أصولِ الإيمانِ الثلاثةِ: الإيمانُ باللهِ، واليومِ الآخِرِ، والإيمانُ برَسولِه، ومع هذا فليسوا من آياتِ اللهِ بعَجَبٍ، بل مِن آياتِ اللهِ ما هو أعجَبُ مِن ذلك؛ قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [395] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (5/384).   [الكهف: 9].
2- اتخاذُ القبورِ مساجدَ ليس هو مِن شريعةِ الإسلامِ، بل مِن عملِ اليهودِ والنصارى، وقد لعَنهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على ذلك،  وقال تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا فجعَل اتِّخاذَ المساجِدِ على القُبورِ مِن فِعْلِ أهلِ الغَلَبةِ على الأمورِ، وذلك يُشْعِرُ بأنَّ مُستَندَه القَهْرُ والغَلَبةُ واتِّباعُ الهوى، وأنَّه ليس مِن فِعْلِ أهلِ العِلمِ والفَضلِ المُتَّبِعينَ لِمَا أنزلَ اللهُ على رُسُلِه مِن الهُدى [396] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (2/397).   .
3- قال الله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا مِن فوائِدِ الآيةِ أنَّ مِن أسبابِ بناءِ المَساجدِ على القُبورِ الغُلوَّ في أصحابِ القُبورِ؛ لأنَّ الذين غَلَبوا على أمْرِهم بَنَوا عليهم المساجِدَ؛ لأنَّهم صاروا عِندَهم مَحَلَّ الاحترامِ والإكرامِ، فغَلَوا فيهم [397] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/463).   .
4- قَولُ الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وصفُ الأوَّلَينِ بالرَّجمِ بالغَيبِ دُونَ الثَّالِثِ يدُلُّ على أنَّه مَرْضِيٌّ وصَحيحٌ [398] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:170).   .
5- هنا نُكتةٌ في مسألةِ العَدَدِ؛ فاللهُ تعالى قال: سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ولم يقُلْ: ثمانيةٌ ثامِنُهم كلبُهم؛ لأنَّ الكلبَ مِن غيرِ الجِنسِ، وإذا كان مِن غيرِ الجِنسِ؛ فإنَّه لا يَدخُلُ في العددِ، ولكِنَّه يُجعَلُ بعدَه؛ ولهذا قال اللهُ عزَّ وجلَّ: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: 7] ولم يَقُلْ: «مِن نجوى أربعةٍ إلَّا هو رابِعُهم»؛ لأنَّه خالِقٌ وهم مخلوقونَ [399] يُنظر: ((شرح مقدمة التفسير)) لابن عثيمين (ص: 136).   .
6- قال الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا دَلَّ عَلَمُ الاستقبالِ -السينُ في سيَقولونَ- على أنَّ النَّاسَ لا يزالونَ يَخوضونَ في ذلك [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/291).   .
7- قَولُ الله تعالى: فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا فيه تحريمُ الجِدالِ بغَيرِ عِلمٍ وبلا حُجَّةٍ ظاهرةٍ [401] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:170).   .
8- قَولُ الله تعالى: فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا فيه دَليلٌ على أنَّ الشَّخصَ قد يكون مَنهيًّا عن استفتائِه في شيءٍ دون آخَرَ، فيُستفتَى فيما هو أهلٌ له، بخلافِ غيرِه؛ لأنَّ الله لم ينهَ عن استفتائِهم مطلقًا، إنما نهَى عن استفتائِهم في قِصَّةِ أصحابِ الكهفِ، وما أشبهَها [402] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 473).   .
9- قولُ الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ حُجَّةٌ على المُعتَزلةِ والقَدَريةِ واضحةٌ؛ ألا ترى أنَّ الله جَلَّ جلالُه كيف أدَّب نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فأعلَمَه أنَّ فِعلَه الشيءَ -وإن كان منسوبًا إليه- فبمَشيئتِه يَفعَلُه، ونهاه أن يُطلِقَ القَولَ في فِعلِه بغيرِ استثناءِ مَشيئتِه [403] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/186).   .
10- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فيه استِحبابُ تَقديمِ المَشيئةِ في كُلِّ شَيءٍ [404] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 170).  
11- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ استدَلَّ به الشَّافِعيُّ وغَيرُه على أنَّ الاستِثناءَ في الأيمانِ والطَّلاقِ والعِتقِ، مُعتبَرٌ [405] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 170).   .
12- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إلَّا قَولًا مَقرونًا بمَشيئةِ الله؛ فقَرنُ ذلك بمشيئةِ الله يَستفيدُ منه الإنسانُ فائِدَتينِ عَظيمَتينِ:
إحداهما: أنَّ اللهَ يُيَسِّرُ الأمرَ له؛ حيث فوَّضَه إليه جلَّ وعلا.
والثانيةُ: إنْ لم يَفعَلْ لم يَحنَثْ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 46). قال الرسعني: (والفائدةُ في الاستثناءِ: الخروجُ مِن الكذبِ، والتخلُّصُ مِن حنثِ الحالفِ إذا لم يفعلِ المحلوفَ عليه). ((تفسير الرسعني)) (4/268).   .
13- قال الله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا الفائِدةُ مِن أمْرِ اللهِ تعالى أنْ نَذكُرَه إذا نَسِينا هو ارتِفاعُ الإثمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فإذا نَسِيتَ فقُلْها إذا ذكَرْتَ، لكنْ هل تنفعُك فلا تَحنَثُ، أم يرتَفِعُ عنك الإثمُ دونَ حُكْمِ اليَمينِ؟ الظَّاهرُ: الثَّاني؛ أنْ يَرتفِعَ الإثمُ، وأمَّا الحِنْثُ فإنَّه يَحنَثُ لو خالفَ؛ لأنَّ الاستثناءَ بالنِّسبةِ للحِنْثِ لا ينبغي إلَّا أنْ يكونَ مُتَّصِلًا [407] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 47).   . وقد أجمع المُسلِمونَ على أنَّ الحالِفَ إذا استثنى في يمينه مُتَّصِلًا بها فقال: لأفعلَنَّ كذا أو لا أفعَلُه إن شاء اللهُ؛ أنَّه لا يحنَثُ إذا خالفَ ما حلف عليه؛ لأنَّ مِن أصلِ أهلِ الإسلامِ أنَّه لا يكون شيءٌ إلَّا بمشيئةِ الله، فإذا عَلَّقَ الحالِفُ الفِعلَ أو التَّركَ بالمشيئةِ، لم يحنَثْ عند عَدَمِ المشيئةِ، ولا تجِبُ عليه الكَفَّارةُ [408] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 47).   .
14- قوله: وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا عَسَى مستعملةٌ في الرجاءِ تأدُّبًا [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/299).   .
15- قَولُ الله تعالى: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ استُدِلَّ بالتَّعجُّبِ فيه على جوازِ إطلاقِ صِيغةِ التعجُّبِ في صفاتِ اللهِ، كقَولِ: ما أعظَمَ اللهَ وما أجَلَّه [410] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:170). ويُنظر أيضًا: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (9/293). ونقل الزجاجُ الإجماعَ في قوله تعالى: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ على أنَّ معناه: ما أسمَعَه وأبْصَرَه. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/280).   !
16- قال الله تعالى: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا على قراءةِ: ولَا تُشْرِكْ فالمعنى: لا يجوزُ أن يَحكُمَ حاكِمٌ إلَّا بما حكَمَ اللهُ، أو بما يدُلُّ عليه حُكمُ الله، وليس لأحدٍ أن يَحكُمَ مِن ذاتِ نَفسِه، فيكونَ شَريكًا لله في حُكمِه [411] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/280).   .
17- يُفهِمُ قَولُه: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا على كِلتا قراءتَيه [412] تقدَّم ذكرُ القراءتينِ في (القراءات ذات الأثرِ في التفسيرِ) (ص: 128).   ، وكذلك  قولُه تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: 40]، وقولُه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة: 50] إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ- أنَّ متَّبِعي أحكامِ المشَرِّعين غيرَ ما شرَعَه اللهُ؛ أنَّهم مُشرِكون بالله، وهذا المفهومُ جاء مُبيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كقَولِه فيمن اتَّبَع تشريعَ الشيطانِ في إباحةِ المَيتةِ بدعوى أنَّها ذبيحةُ اللهِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: 121]، فصَرَّح بأنَّهم مُشرِكون بطاعتِهم، وهذا الإشراكُ في الطاعةِ. واتِّباعُ التَّشريعِ المخالِفُ لِما شرعه اللهُ تعالى: هو المرادُ بعبادةِ الشَّيطانِ في قَولِه تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: 60، 61]، وقَولِه تعالى عن نبيِّه إبراهيمَ: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم: 44]، وقَولِه تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء: 117]، أي: ما يعبدون إلَّا شيطانًا، أي: وذلك باتِّباعِ تَشريعِه، ومِن أصرَحِ الأدلَّةِ في هذا: أنَّ الله جلَّ وعلا في سورةِ (النساء) بيَّنَ أنَّ مَن يريدون أن يتحاكَموا إلى غيرِ ما شرَعَه الله يُتعَجَّبُ مِن زعمِهم أنَّهم مؤمِنون، وما ذلك إلَّا لأنَّ دعواهم الإيمانَ مع إرادةِ التَّحاكُمِ إلى الطاغوتِ بالغةٌ مِن الكَذِبِ ما يحصُلُ منه العَجَبُ، وذلك في قولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [413] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/259).   [النساء: 60].

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا
     - قولُه: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ فيه إيجازٌ بالحذْفِ؛ فقبْلَ هذا الكلامِ جُملٌ مَحذوفةٌ؛ والتَّقديرُ: فبَعَثوا أحدَهم ونظَرَ أيُّها أزكى طعامًا وتلطَّفَ، ولم يُشْعِرْ بهم أحدًا، فأطلَعَ اللهُ أهْلَ المدينةِ على حالِهم، وقصَّةِ ذَهابِه إلى المدينةِ، وما جَرى له مع أهْلِها [414] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/157).   .
     - ومفعولُ أَعْثَرْنَا مَحذوفٌ، دَلَّ عليه عُمومُ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، تَقديرُه: أعثَرْنا أهلَ المدينةِ عليهم [415] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/288).   .
     - قولُه: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ الظَّرفُ مُتعلِّقٌ بقولِه: أَعْثَرْنَا؛ قُدِّمَ عليه الغايةُ إظهارًا لكَمالِ العنايةِ بذِكْرِها، أي: أعثَرْنا عليهم حين تَنازعوا أمْرَهم. وصِيغَ ذلك بصِيغَةِ الظَّرفيَّةِ؛ للدَّلالةِ على اتِّصالِ التَّنازُعِ في أمْرِ أهْلِ الكهفِ بالعُثورِ عليهم، بحيث تَبادروا إلى الخوضِ في كَرامةٍ يَجْعلونها لهم [416] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/215).   ، وهذا إدماجٌ لذِكْرِ نِزاعٍ جَرى بين الَّذين اعْتَدوا عليهم في أُمورٍ شَتَّى، جمَعَها قولُه تعالى: أَمْرَهُمْ؛ فضميرُ يَتَنَازَعُونَ وبَيْنَهُمْ عائدانِ إلى ما عاد إليه ضَميرُ لِيَعْلَمُوا [417] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/288).   ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
     - والإتيانُ بالمُضارِعِ يَتَنَازَعُونَ؛ لاستحضارِ حالةِ التَّنازُعِ [418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/288).   .
     - قولُه: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا معطوفٌ على يَتَنَازَعُونَ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضي؛ للدَّلالةِ على أنَّ هذا القولَ ليس ممَّا يَستمِرُّ ويتجدَّدُ كالتَّنازُعِ [419] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/215).   .
     - قولُه: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا طُوِيَ هنا وصْفُ العُثورِ عليهم، وذِكْرُ عودِهم إلى الكهفِ؛ لعدَمِ تعلُّقِ الغرَضِ بذِكْرِه؛ إذ ليس موضعَ عِبْرةٍ؛ لأنَّ المصيرَ إلى مَرقدِهم، وطُرُوَّ الموتِ عليهم شأنٌ مُعتادٌ لكلِّ حَيٍّ [420] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/289).   .
2- قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا
     - جيء بسينِ الاستقبالِ في قولِه: سَيَقُولُونَ الأوَّل دونَ الآخرَيْنِ: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ؛ إمَّا لأنَّه يدخلُ الآخرانِ في حكمِ (السينِ)، كما تقولُ: قد أُكرَمُ وأُنعمُ، تريدُ معنى التوقعِ في الفعلينِ جميعًا؛ فحَرفُ العَطفِ يُوجِبُ دُخولَ القَولَينِ الآخرَينِ فيه، وإمَّا يرادُ بـ (يفعل) معنى الاستقبالِ الَّذي هو صالحٌ له [421] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/713)، ((تفسير الرازي)) (21/449)، ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((تفسير أبي حيان)) (7/159)، ((تفسير أبي السعود)) (5/216)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/291).   .
     - قولُه: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.. فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيثُ قال هنا: وَثَامِنُهُمْ بزيادةِ واوِ العطْفِ، بخِلافِ الَّذي قبْلَه رَابِعُهُمْ سَادِسُهُمْ؛ فاختُصَّت الثَّمانيةُ بالواوِ، ولمْ ترِدِ الجُملةُ من قوله تعالى: وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ صِفةً للنَّكرةِ قبْلَها كما تقدَّمَ فيما قبْلُ، وعُدِلَ إلى العطْفِ؛ ووجه ذلك قيل: إنَّ هذا الإخبارَ مُعرِّفٌ باختلافِ اليهودِ في فِتية الكَهفِ، وإنَّهم أو أكثرَهم لم يَتحقَّقوا عددَهم؛ فحَكَى سُبحانَه أقوالَهم، وأومأَ إلى تقريرِ الصَّحيحِ منها، مع أنَّ أكثرَ اليهود غيرُ عالِمينَ بذلك ولا مُرجِّحين؛ فأتى بالجُملتَينِ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، ثمَّ قال: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، ثمَّ أتْبَع هذا الكلامَ مِن اختلافِهم بقولِه: رَجْمًا بِالْغَيْبِ؛ فأفهمَ أنَّ هذا ليس مِن نَمطِ ما تَقدَّم، كأنَّه قيل: ويقولون سَبعةٌ وثامنُهم كلبُهم، وأنَّ هذا ليس داخلًا تحت ما تقدَّمَ من أنَّه رجمٌ بالغَيبِ [422] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/317).   .
وقيل: هذه الواوُ هي الواوُ الَّتي تدخُلُ على الجُملةِ الواقعةِ صِفَةً للنَّكرةِ، وفائدتُها توكيدُ اتِّصالِ الصِّفةِ بالموصوفِ، والدَّلالةُ على أنَّ اتِّصالها أمرٌ ثابتٌ مُستقِرٌّ، وهذه الواو هي الَّتي آذنَتْ بأنَّ الَّذين قالوا: سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قالوا عن ثباتِ علْمٍ وطُمأنينةِ نفْسِ، ولم يَرْجُموا بالظَّنِّ كما غيرُهم. والدَّليلُ عليه: أنَّ اللهَ سُبحانَه أتبَعَ القولينِ الأوَّلينِ قولَه: رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وأتبَعَ القولَ الثَّالثَ قولَه: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [423] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/713)، ((تفسير البيضاوي)) (3/277)، ((ملاك التأويل)) للغرناطي (2/317-318)، ((تفسير أبي السعود)) (5/216)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 338).   .
     - وقيل: إنَّ الفِرقةَ الَّتي قالتْ: كانوا ثلاثةً، كانتْ بعدَها فِرقتانِ أُخريانِ، وكذلك الثَّانيةُ الَّتي قالت: خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، وأمَّا السَّبعةُ فانتهَتْ عندها العِدَّةُ، وانقطَعَتْ بها القصَّةُ، ولم تكُنْ هناك فِرقةٌ رابعةٌ تَذكُرُ قولًا رابعًا، والشَّيءُ إذا تَمَّ وانتهى، وكانت الجُملةُ فيما لم يَنْتَهِ تتَّصِلُ بالأوَّلِ اتِّصالَ الشَّيءِ منه؛ كانتِ الواوُ فيها دَليلًا على انقضائِها، والآخر في كلامٍ في حُكْمِ المَنقطعِ منها في اللَّفظِ، وإنْ كان اتِّصالُه بها في المعنى كاتِّصال الأوَّلينِ [424] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 867-868).   . وقيل: لمَّا كانتِ السَّبعةُ أصلًا للنِّهايةِ في تركيبِ العدَدِ؛ فصارتِ السَّبعةُ أصلًا للمُبالَغةِ في العدَدِ [425] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 868-869).   .
     - وقيل: إنَّ العرَبَ تقولُ: واحدٌ، اثنانِ، ثلاثةٌ، أربعةٌ، خمسةٌ، سِتَّةٌ، سبعةٌ، وثمانيةٌ، فإذا بلغَتِ الثَّمانيةَ لم تُجْرِها مَجْرى الأخواتِ الَّتي لا يُعْطَفُ بعضُها على بعضٍ، فيُعْطَفُ الثَّامنُ على ما قبْلَه، ولم يدخُلْ واوُ العطْفِ على ما قبْلَه [426] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 870-873)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:168-169)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 338). ويُنظر ما قيل في واوِ الثمانيةِ في: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/51)، ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 474)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (2/305).   .
     - وجُملةُ: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مُستأنفةٌ استئنافًا بَيانيًّا لِما تُثيرُه جُملةُ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ إلى آخرِها، مِن ترقُّبِ تَعيينِ ما يُعتمَدُ عليه من أمْرِ عِدَّتِهم؛ فأُجِيبَ بأنْ يُحالَ العلْمُ بذلك على علَّامِ الغُيوبِ [427] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/293).   .
     - وإسنادُ اسمِ التَّفضيلِ إلى اللهِ تعالى في قولِه: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ يُفيدُ أنَّ علْمَ اللهِ بعِدَّتِهم هو العلْمُ الكاملُ، وأنَّ علْمَ غيرِه مُجرَّدُ ظَنٍّ وحَدَسٍ، قد يُصادِفُ الواقعَ وقد لا يُصادِفُه [428] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/293).   .
     - وجُملةُ: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مُستأنفةٌ استئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ الإخبارَ عن اللهِ بأنَّه الأعلَمُ يُثيرُ في نُفوسِ السَّامعينَ أنْ يَسألوا: هل يكونُ بعضُ النَّاسِ عالمًا بعِدَّتِهم علْمًا غيرَ كاملٍ؟ فأُجِيبَ بأنَّ قليلًا من النَّاسِ يَعْلمون ذلك، ولا مَحالةَ هم مَن أطلَعَهم اللهُ على ذلك بوحيٍّ، وعلى كل حالٍ فهم لا يُوصفونَ بالأعلميَّةَ؛ لأنَّ علْمَهم مُكتسبٌ من جِهَةِ اللهِ الأعلَمِ بذلك [429] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/293).   .
     - قولُه: فَلَا تُمَارِ الفاءُ لتَفريعِ النَّهيِ على ما قبْلَه، أي: إذ قد عرَفْتَ جهْلَ أصحابِ القولينِ الأوَّلينِ، فلا تُجادِلهم [430] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/216).   ، وهذا التَّفريعُ وما عُطِفَ عليه مُعترِضٌ في أثناءِ القصَّةِ [431] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/294).   .
     - قولُه: فَلَا تُمَارِ سَمَّى مُراجعتَه لهم مِراءً على سَبيلِ المُقابَلةِ؛ لمُماراةِ أهْلِ الكتابِ له في ذلك [432] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/161)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/294).   .
     - قولُه: فَلَا تُمارِ فِيهِمْ يعني: في عدَّتِهم، وحُذِفت العِدَّةُ؛ لدلالةِ ظاهرِ القولِ عليها [433] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/508).   ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
     - قولُه: وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا المُرادُ من النَّهيِ عن استفتائِهم: الكِنايةُ عن جهْلِهم بأمْرِ أهْلِ الكهفِ؛ فضميرُ مِنْهُمْ عائدٌ إلى ما عاد إليه ضَميرُ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ، أو يكونُ كِنايةً رمزيَّةً عن حُصولِ علْمِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلمَ بحقيقةِ أمْرِهم، بحيث هو غَنِيٌّ عن استفتاءِ أحدٍ، وتكونُ (مِن) تَعليليَّةً [434] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/294-295).   .
3- قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
     - قولُه: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ في الكلامِ حذفٌ يقتضيه الظاهرُ، ويحسنُه الإيجازُ، والتقديرُ: إلَّا أن تقولَ: إلَّا أن يشاءَ الله، أو: إلَّا أن تقولَ: إنْ شاءَ اللهُ [435] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/162).   .
     - قولُه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ في تعريفِ الجلالةِ بلفظِ الربِّ مضافًا إلى ضميرِ المخاطبِ دونَ اسمِ الجلالةِ العَلَمِ مِن كمالِ الملاطفةِ ما لا يخفَى [436] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/298).   .
4- قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا
     - قولُه: ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا فيه تفصيلٌ بعدَ الإجمالِ؛ فالجملةُ مستأنفةٌ، مُبيِّنةٌ لِمَا أُجْمِل فيما سبَق في قولِه: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [437] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/716)، ((تفسير البيضاوي)) (3/278)، ((تفسير أبي السعود)) (5/217).   .
     - قوله: وَازْدَادُوا تِسْعًا أي: تسعَ سنينَ، فاستغنَى عن ذِكرِ السنينَ؛ لتقدُّمِ ذِكرِها [438] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/271).   .
5- قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا
     - قولُه: لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فيه تقديمُ الخبر المجرور؛ لإفادة الاختصاص، أي: للهِ لا لغيره؛ ردًّا على الَّذين يزعمون علمَ خبرِ أهلِ الكهفِ ونحوِهم [439] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/301-302).   .
     - قولُه: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ فيه مجيءُ ما دلَّ على التعجُّبِ مِن إدراكِه المسموعاتِ والمبصَراتِ؛ للدلالةِ على أنَّ أمرَه في الإدراكِ خارجٌ عن حدِّ ما عليه إدراكُ السامعينَ والمبصِرينَ؛ لأنَّه يدركُ ألطفَ الأشياءِ وأصغرَها، كما يدركُ أكبرَها حجمًا وأكثفَها جِرمًا، ويدركُ البواطنَ كما يدركُ الظواهرَ [440] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/716)، ((تفسير البيضاوي)) (3/278-279)، ((تفسير أبي حيان)) (7/164)، ((تفسير أبي السعود)) (5/218)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/302).   .
     - وفي قولِه: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ تقديمُ أمرِ الإبصارِ على السمعِ؛ ولعلَّ ذلك لأنَّ الشيءَ المتحدَّثَ عنه مِن قبيلِ المبصَراتِ [441] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/218).   .
     - قولُه: وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا أبلغُ في نفيِ الشريكِ مِن أن يُقالَ: مِن وليٍّ ولا شريكٍ [442] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/218).   .