موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيتان (141-142)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ

غريب الكلمات:


جَنَّاتٍ: أي: بَسَاتِينَ، جمْعُ جَنَّةٍ، وهي كلُّ بُستانٍ ذي شَجَرٍ، يَستُرُ بأَشْجارِه الأَرْضَ، ومنه الجنَّةُ التي يصيرُ إليها المُسلِمونَ في الآخِرَةِ، وأَصْلُ (جنن): السَّتْرُ وَالتَّستُّرُ [2125] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 43)، ((تفسير ابن جرير)) (9/593)، ((المفردات)) للراغب (ص: 204)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421). .
مَعْرُوشَاتٍ: أي: مَرْفوعاتٍ على مَا يَحمِلهَا، وهو مَا عَرَشَ النَّاسُ، وبَنَوْا له العريشَ من العنبِ، والعَرْشُ في الأَصْلِ: شيءٌ مسقَّفٌ [2126] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/593)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 558)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877). .
أُكُلُهُ: أي: ثَمَرُه، وَمَا يُؤْكَل مِنه، وسُمِّي الثمرُ أُكُلًا؛ لأنَّه يُؤْكَلُ، وأصْلُ (أكل): التَّنَقُّصُ [2127] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 162)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 91)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/122)، ((المفردات)) للراغب (ص: 80). .
وَلَا تُسْرِفُوا: أي: لا تُفْرِطوا، والسَّرَف: تجاوُزُ الحدِّ في كلِّ فِعلٍ يفعَلُه الإِنْسانُ، وأصْلُه: تعدِّي الحَدِّ، والإِغْفالُ للشَّيءِ أَيْضًا [2128] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 102)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/153)، ((المفردات)) للراغب (ص: 407)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 131). .
حَمُولَةً: الحَمُولةُ هي الكبيرةُ،كالإبلِ التي يُحمَلُ عليها الأَثْقالُ [2129] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 162)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 188)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/106، 107)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 104). .
وَفَرْشًا: الفَرْشُ: صِغارُ الإبلِ التي لم تُدرِكْ أن يُحمَل عليها، وأصلُ (فرش): يَدُلُّ على تَمهيدِ الشَّيءِ، وبَسْطِه [2130] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 162)، ((تفسير ابن جرير)) (9/618)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 188)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/486)، ((المفردات)) للراغب (ص: 629)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 104). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا
حَمُولَةً: منصوبةٌ على أنَّها مَعْطوفةٌ على مَفعولِ أَنْشَأَ، وهو جَنَّاتٍ في قولِه تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ، أي: وأنشَأَ منَ الأنعامِ حمولةً وفَرْشًا، مع ما أنشَأَ مِنَ الجنَّاتِ المعروشاتِ وغيرِ المعروشاتِ؛ فيكون العَطْفُ مِن قَبيلِ عَطْفِ المفرداتِ. ويجوزُ أن يكونَ الجارُّ والمجرورُ مِنَ الأَنْعَامِ متعلِّقًا بفِعلٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: أَنْشَأَ، وحَمُولَةً مفعولًا به لهذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وحينئذٍ تكون جملةُ (وَأَنْشَأَ) المقَدَّرة معطوفةً على جملة أَنْشَأَ السَّابِقِ في الآيةِ؛ فيكونُ العَطْفُ مِنْ قَبيلِ عَطْفِ الجُمَل [2131] ينظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/178)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/274-275)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/543)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/190)، ((المجتبى من مشكل إعراب القرآن)) للخراط (1/299). .

المعنى الإجمالي:


يُبيِّنُ تعالى أنَّه هو الذي خَلَقَ بساتين من أَشْجارٍ متنوِّعةٍ، ونباتاتٍ مختلفةٍ؛ منها ما له عروشٌ تُنشَرُ عليها، وتُعاوِنُها على النُّهوضِ، ومنها ما ليس لها عُرُوشٌ فتَنبُت على ساقٍ، أو تَنْفَرِشُ على الأَرْضِ، وأيضًا خَلَقَ اللهُ النَّخْلَ والزَّرعَ مختلفًا أُكُلُه، والزَّيتونَ والرُّمانَ مُتَشابهًا في شَجَرِه وورقِه، وغيرَ مُتَشابِهٍ في ثَمَرِه وطَعْمِه، وأمَرَهم جلَّ وعلا أن يَأْكُلوا مِن ثَمَره إذا أَثْمَرَ، وأن يُخرِجوا زكاتَه يومَ حَصادِه، ونهاهم عن الإِسْرافِ؛ فإنَّه تعالى لا يُحِبُّ من كان مُسْرِفًا.
ثم بيَّن تعالى أنَّه خَلَقَ من الأَنْعامِ ما يَصْلُحُ للحَمْلِ عليه كالإِبِلِ، ومنها ما هو مهَيَّأٌ لغَيْرِ الحَمل كالغَنَم، وأمَرَهم سبحانه أن يَأْكُلوا مِمَّا رَزَقَهم سبحانه، وأباحَ لهم أكْلَه، ونهاهم أن يسلكوا طُرُقَ الشَّيطانِ؛ فإنَّه لهم عدُوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ.

تفسير الآيتين:


وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142).
مناسَبَةُ الآيتينِ لِمَا قَبْلَهما:
أنَّ الله تعالى لَمَّا جعَلَ مدارَ هذا الكتابِ الشَّريفِ على تقريرِ التَّوحيدِ والنبوَّةِ والمَعَاد، وإثباتِ القَضاءِ والقَدَر، وأنَّه تبارَكَ وتعالى بالَغَ في تقريرِ هذه الأُصُولِ، ثُمَّ شَرَحَ أحوالَ السُّعَداءِ والأَشْقياءِ، وانتقَلَ إلى تَهْجينِ طريقةِ مُنْكري البَعثِ، ونَبَّه على ضَعْفِ عُقُولهم، وتنفيرِ النَّاسِ عن الالْتِفاتِ إلى قَوْلِهم، والاغْتِرارِ بشُبُهاتهم- عاد بعدها إلى المقصودِ الأَصْليِّ، وهو إقامةُ الدَّلائلِ على تقريرِ التَّوحيدِ [2132] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/466). :
وأيضًا لَمَّا أخبَرَ تعالى عنهم أنَّه حَرَّموا أشياءَ مِمَّا رَزَقَهم اللهُ، أخَذَ يذكُرُ تعالى ما امتَنَّ به عليهم مِنَ الرِّزقِ الذي تصرَّفوا فيه بغيرِ إذْنِه تعالى؛ افتراءً منهم عليه واختلاقًا، فذَكَرَ نوْعَيِ الرِّزقِ، وهما النباتيُّ والحيوانيُّ، فبدأ بالنباتيِّ؛ كما بدأ به في الآيَةِ المشْبِهَة لهذا وهي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 99]، واستطرَدَ منه إلى الحيوانيِّ؛ إذ كانوا قد حَرَّموا أشياءَ مِنَ النَّوعينِ، فقال [2133] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/666)، وينظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 276)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/117). :
وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ.
أي: وربُّكم- أيُّها النَّاسُ- هو الذي خَلَقَ وأوجَدَ بساتينَ تَحوي أنواعًا من الأَشْجارِ المتنَوِّعةِ، والنباتاتِ المختلفَةِ، سواءٌ كانت لها عروشٌ تنتشِرُ عليها الأَشْجارُ، وأعمِدَةٌ تَرْفَعُها، وتُعاوِنُها على النُّهوضِ عن الأَرْضِ، أو كانت خاليةً من تلك العُروشِ، فيُنْبِتُها اللهُ تعالى على ساقٍ، أو تنفَرِشُ منبسطةً على وَجْهِ الأَرْضِ [2134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/593)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/117-118). .
وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ.
أي: وخَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ النَّخلَ والزَّرعَ، والحالُ أنَّ ما يخرُجُ منه ممَّا يُؤكَل من ثِمَارِه وحُبوبِه؛ أنواعٌ مختلفةٌ [2135] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/594)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ.
أي: وخَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الزَّيتونَ والرُّمَّان مُتشابهًا في مَنظرِ شَجَرِه ووَرَقِه، وغيرَ مُتشابِهٍ في شكلِ ثَمَرِه وطَعْمِه [2136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/594)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ.
مناسَبَتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَرَ تعالى كيفيَّةَ خَلْقِه لهذه الأَشْياءِ؛ ذَكَرَ ما هو المقصودُ الأصليُّ مِن خَلْقِها، وهو انتفاعُ المُكَلَّفينَ بها، فقال [2137] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/163). :
كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ.
أي: ولكم أنْ تأكُلوا مِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والزُّروعِ عند إِثْمارِها وظُهُورِها [2138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/594)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/329)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.
أي: وأَعْطُوا زكاةَ ما يخرُجُ مِنَ النَّخيلِ والزُّروعِ من الثِّمارِ والحُبوبِ يَوْمَ جَذاذِها وقَطْعِها [2139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/597)، ((تفسير القرطبي)) (7-104)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). قال ابنُ جريرٍ: (وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ، قولُ مَن قال: كان ذلك فرضًا فرَضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارِهم التي تخرجُها زروعُهم وغروسُهم، ثم نسَخه الله بالصدقةِ المفروضةِ، والوظيفةِ المعلومةِ من العُشرِ ونصفِ العُشرِ) ((تفسير ابن جرير)) (9/611). وقال ابنُ كثيرٍ: (وقال آخرون: هذا كلُّه شيءٌ كان واجبًا، ثم نَسَخَه الله بالعُشْر ونِصْف العشر. حكاه ابن جريرٍ عن ابن عباس، ومحمد ابن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسُّدِّي، وعطية العوفي. واختاره ابن جرير، رحمه الله. قلتُ: وفي تسميةِ هذا نسْخًا نظرٌ؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنَّه فصَّل بيانَه، وبيَّنَ مقدار المَخْرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السَّنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم) ((تفسير ابن كثير)) (3/349)، وممن اختار هذا القولَ أيضًا، وهو أن هذه الآيَةَ غيرُ منسوخةٍ، ولكنها مخصَّصة ومبَيَّنة بآياتٍ أخرى، وبما يُبَيِّنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: ابن عاشور في ((تفسيره)) (8-أ/120-122). وقال الشِّنقيطي: (قوله: يَوْمَ حَصَادِهِ فيه للعلماء إشكالٌ- على أنَّه الزكاة- لأنَّه يوم الحصاد لم يكن تمرًا يابسًا، ولم يكن زبيبًا يابسًا، والزكَّاةُ إنما تُخرَجُ منه بعد أن يكون تمرًا يابسًا، أو زبيبًا يابسًا. قالوا: المرادُ بيومِ الحصاد: أنَّ المرادَ به عند حصادِه، ويُراد: أنَّ زمنَ الحصادِ قد يطُولُ إلى أنْ يَصِحَّ يُبْسُهُ من زبيبٍ وتمرٍ، ونحو ذلك، وهذا يُوجَدُ في كلامِ العرب، يقول: افعلْه عندَ كذا، ويُريدُ به الاتِّساعَ في الوقت، كما تقول: لقيتُ زيدًا سنةَ كذا، وتقول: لقيتُه في يوم أول منها، ويكون جميع السَّنة بعده لم تلقَه فيه، هذا يُمْكنُ في كلام العرب) ((العذب النمير)) (2/330-331) .
وقد ذمَّ اللهُ تعالى الذي يَحصدون ولا يتصدَّقون، وقصَّ علينا سوءَ فعلِهم وانتقامَه منهم، حيث قال تعالى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم: 17 - 24].
وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
أي: ولا تَتَجاوَزُوا حدَّ الاعْتِدالِ في الأَكْلِ؛ فاللهُ تعالى لا يُحبُّ كلَّ مَن كان مُسرِفًا في ذلك وفي غيرِه مِنَ الأَعْمالِ [2140] اختار ابنُ كثير وابنُ عاشور والشنقيطيُّ هذا القَولَ، على أنَّ النهيَ متعلِّقٌ بقولِه تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ فيكونُ النَّهيُ عن الإسرافِ عائدًا إلى الأكْلِ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/350)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/122)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/331-332). واختار الواحديُّ أنَّ المعنى: لا تُجاوِزوا الحَدَّ في الإعطاءِ بحيثُ تُبالِغونَ في إخراجِ ما يزيدُ على الواجبِ بما يضرُّ أنفُسَكم أو أَهْلِيكم. يُنظر: ((الوجيز)) (ص: 378)، وينظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/123). واختار أبو حيان والسعديُّ حَمْلَ الآيةِ على كِلا المعنيَيْنِ. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/670)، ((تفسير السعدي)) (ص: 276). وقال ابنُ جَريرٍ: (والصَّوابُ مِن القَولِ في ذلك عندي، أن يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه نهى بِقَولِه: وَلَا تُسْرِفُوا [الأنعام: 141] عن جَميعِ معاني الإسرافِ، ولم يُخصِّصْ منها معنًى دون معنًى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرافُ في كلامِ العَربِ: الإخطاءَ بإصابةِ الحَقِّ في العَطيَّةِ؛ إمَّا بتَجاوُزِ حَدِّه في الزِّيادةِ، وإمَّا بِتَقصيرٍ عَن حَدِّه الواجِبِ- كان معلومًا أنَّ المُفَرِّقَ مالَه مُباراةً، والباذِلَه للنَّاسِ حتى أجحَفَت به عَطيَّتُه؛ مُسرِفٌ بتجاوُزِه حَدَّ اللهِ إلى ما [ليس] له، وكذلك  المُقَصِّرُ في بَذلِه فيما ألزَمَه اللهُ بَذلَه فيه، وذلك كمَنْعِه ما ألزَمَه إيتاءَه منه أهلَ سُهمانِ الصَّدقةِ إذا وجَبَت فيه، أو مَنْعِه مَن ألزَمَه اللهُ نَفَقَته مِن أهلِه وعيالِه ما ألزَمَه منها، وكذلك السُّلطانُ في أخذِه مِن رَعِيَّتِه ما لم يأذَنِ اللهُ بأخذِه. كلُّ هؤلاءِ فيما فعلوا من ذلك مُسرفونَ، داخلونَ في معنى مَن أتى ما نهى اللهُ عنه مِنَ الإسرافِ بِقَولِه: وَلَا تُسْرِفُوا [الأنعام: 141] في عَطيَّتِكم مِن أموالِكم ما يُجحِفُ بكم؛ إذ كان ما قبلَه مِن الكلامِ أمرًا مِن اللهِ بإيتاءِ الواجِبِ فيه أهلَه يومَ حَصادِه، فإنَّ الآيةَ قد كانت تنزِلُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسببٍ خاصٍّ مِن الأمورِ، والحُكمُ بها على العامِّ، بل عامَّةُ آيِ القُرآنِ كذلك، فكذلك قَولُه: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141]) ((تفسير ابن جرير)) (9/617- 618). .
كما قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31].
وعن عبدِ الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((كُلوا واشْرَبوا، والْبَسوا وتصدَّقوا، في غيرِ إسرافٍ ولا مَخِيلةٍ )) [2141] أخرجه ابن ماجة (3605)، والنسائي (2559)، وأحمد (6695)، وعلقه البخاري في الصحيح (7/140) حسَّنَه ابنُ حجرٍ في ((الأمالي المطلقة)) (32)، والألباني في ((صحيح ابن ماجة)) (2920)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في ((تعليقه على مسند أحمد)) (10/178). .
وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ كيفيَّةَ إنعامِه على عبادِه بالمَنافِعِ النباتيَّة؛ أتبَعَها بذِكْرِ إنعامِه عليهم بالمنافِعِ الحيوانيَّة؛ فقال [2142] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/165). :
وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا.
أي: وخلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الأَنْعامِ ما هو مهيَّأٌ للحَملِ عليه؛ لكِبَرِه وارْتِفاعِه، كالإبل، ومنها ما هو مهيَّأٌ لغَيْرِ الحَمْلِ؛ لصِغَرِه وقُرْبِه من الأرضِ، كالغَنَم [2143] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/622-623)، ((تفسير ابن كثير)) (3/350)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/125-126)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/333-337). قال ابن كثيرٍ: (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحَمولةُ: ما تركبونَ، والفَرْش: ما تأكلونَ وتَحْلِبون، شاة لا تَحْمِل، تأكلونَ لَحْمَها، وتتَّخِذون مِن صُوفِها لحافًا وفَرْشًا. وهذا الذي قاله عبدُ الرحمنِ في تفسيرِ هذه الآية الكريمةِ حَسَنٌ؛ يشهَدُ له قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: 71، 72]، وقال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ إلى أن قال: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل: 69 -80]) ((تفسير ابن كثير)) (3/350). وقال ابنُ عاشور: (الفَرْشُ: اختُلِفَ في تفسيرِه في هذه الآيةِ؛ فقيل: الفَرْشُ ما لا يُطيقُ الحَمْلَ مِنَ الإِبِلِ؛ أي: فهو يُرْكَبُ كما يُفْرَشُ الفَرْشُ، وهذا قولُ الرَّاغِب. وقيل: الفَرْشُ: الصِّغارُ من الإبِلِ أو من الأَنعامِ كُلِّها؛ لأنَّها قريبةٌ مِنَ الأَرْضِ، فهي كالفَرْشِ، وقيل: الفَرْشُ: ما يُذْبَحُ؛ لأنَّه يُفْرَش على الأَرْضِ حين الذَّبْحِ أو بَعْدَه؛ أي: فهو الضَّأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ؛ لأنَّها تُذبَح. وفي «اللِّسان» عن أبي إسحاق: أجمَعَ أهلُ اللُّغَة على أنَّ الفَرْشَ هو صِغارُ الإِبِلِ. زاد في «الكشَّاف»: «أو الفَرْش: ما يُنْسَجُ مِنْ وَبَرِه وصُوفِه وشَعَره الفَرْشُ» يريدُ أنَّه كما قال تعالى: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل: 80]. وقال: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ [النحل: 5- 7] الآية، ولأنَّهم كانوا يَفْتَرِشون جلودَ الغَنَمِ والمَعْزِ للجُلُوسِ عليها. ولفْظُ (فَرْشًا) صالحٌ لهذه المعاني كُلِّها، ومَحامِلُه كُلُّها مناسِبَةٌ للمَقامِ، فينبغي أن تكونَ مقصودةً من الآيَةِ، وكأنَّ لَفْظَ الفَرْشِ لا يُوازِنُه غيرُه في جَمْعِ هذه المعاني، وهذا من إعجازِ القُرآنِ مِن جانِبِ فَصاحَتِه، فالحَمُولةُ الإبِلُ خاصَّةً، والفَرْشُ يكونُ مِنَ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ على اختلافِ معاني اسْمِ الفَرْشِ الصَّالحةِ لكلِّ نَوعٍ مع ضَمِيمَتِه إلى كلمة (مِن) الصَّالحةِ للابتداءِ. فالمعنى: وأَنْشَأَ من الأنعامِ ما تَحْمِلون عليه وتَرْكَبونه، وهو الإبِلُ الكبيرةُ، والإبِلُ الصَّغيرةُ، وما تأكلونَه، وهو البَقَرُ والغَنَم، وما هو فَرْشٌ لكم وهو ما يُجَزُّ منها، وجُلودُها) ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/125-126). وقال الشنقيطيُّ: (حَمُولَةً أي: ما يَحْمِلون عليه أَثْقَالَهم كالإِبِل، وربَّما دَخَلَ البَقَرُ في بَعْضِ الأقطارِ. وقوله: وَفَرْشًا الفَرْشُ هنا فيه أقوالٌ متقارِبَةٌ للعُلماءِ: حَكَى الفَرَّاءُ إجماعَ أهْلِ اللُّغَةِ على أنَّ الفَرْشَ صِغارُ الإِبِلِ، وهي الفُصْلانُ. وقال بعضُ العلماءِ: الفَرْشُ: الغَنَمُ. والتَّحقيقُ: أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ كلَّ ذلك، وأنَّ الأنعامَ منها رَكُوبةٌ كالإبِلِ، ومنها فَرْشٌ، وهو ما يُؤْكَل، ويُشْرَبُ مِن لَبَنِه، مع أنَّه ليس صالحًا للرُّكُوب، فيدخُلُ في الفَرْشِ: الغَنَم، وفِصالُ الإبِلِ، وعَجاجيلُ البَقَر؛ لأنَّ وَلَدَ البَقَرَة يقال له: عِجْلٌ. ويُجمَع على: عَجاجِيلَ، على غير قياسٍ، فالغَنَمُ، وفِصالُ الإِبِل، وعجاجيلُ البَقَر؛ كلُّها يَدْخُلُ في الفَرْشِ. قيل: وإنَّما سُمِّيَتْ هذه الصِّغارُ: (فَرْشًا) لقُرْبِها مِنَ الفِراشِ والمِهادِ الذي هو التُّراب؛ لأنَّها صغيرةٌ قِصارٌ قريبةٌ من الأَرْضِ. هكذا قالوا، واللهُ أعلَمُ. وعلى كلِّ حالٍ؛ فجميعُ الأقوالِ راجِعَةٌ إلى أنَّ اللهَ أَنْشَأَ الأنعامَ، وجَعَلَ فيها مِنَّةَ الرَّكوبِ والأَكْل. أمَّا قَوْلُ من قال: (فَرْشًا) فإنَّه لا يتناوَلُ إلَّا ما يُصْنَعُ منه الفِراشُ؛ كالضَّأنِ الذي يُصْنَعُ من صُوفِها الفِرَاشُ، والمَعْزِ الذي يُصْنَع من بعْضِ شَعَرِها الفِرَاش، ونحو ذلك، وأنَّ الفَرْشَ هو ما يستمِدُّه الخَلْقُ من جلودِ الأَنعامِ، وأصوافِها، وأَشْعارِها، وأَوْبَارِها- كما يأتي في سُورةِ النَّحل- فهذا قولٌ غيرُ مُتَّجِه؛ لأنَّ المنَّةَ تكون بمجَرَّدِ الأَصواف، والأوْبار، والأَشْعار، والجُلُود، لا بنَفْسِ الأنعامِ، والمعروفُ في القُرآنِ- وإنْ ذُكِرَ المنَّةُ بالأصوافِ والأوبارِ، والأشْعارِ والجُلُود في قولِه: وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا [النحل: 80] وفي قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ الآية [النحل: 80]؛ إلَّا أنَّ المرادَ هنا: الامتنانُ بها جميعًا، وأعْظَمُ أنواعِه: الأكْلُ منها، وهذا المعروفُ في القرآنِ؛ كقولِه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: 71، 72] وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [النحل: 5] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [غافر: 79] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ؛ فتَبَيَّنَ أنَّ المنَّة في الرَّكُوبِ وغَيْرِه من الأكْلِ، وغيرِ ذلك مِنَ النِّعَم؛ يعني: هذا الذي أَنْشَأ لكم الأنعامَ- حَمُولَتَها وفَرْشَها- هو اللهُ جلَّ وعلا) ((العذب النمير)) (2/335-337). .
كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ.
أي: كُلُوا ممَّا أباحَه اللهُ تعالى لكم مِنَ الثِّمارِ والزُّروعِ والأَنْعامِ؛ فكُلُّها قد خَلَقَها اللهُ تعالى، وجَعَلَها رِزقًا لكم [2144] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/623)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351). .
وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.
أي: لا تَسْلُكوا طُرُقَ الشَّيطانِ، التي منها تحريمُ بعضِ ما رَزَقَكم اللهُ عزَّ وجلَّ، كما اتَّبَعها المشْرِكونَ الَّذين حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالى؛ فالشَّيطانُ لكم- أيُّها النَّاسُ- عدُوٌّ بيِّنٌ ظاهِرُ العَدَاوةِ، لا يأمُرُكم إلَّا بما فيه ضَرَرُكم وشقاؤُكم الأَبَدِيُّ [2145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/623)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/337-340). .

الفوائد التربوية:


1- قولُه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ... فيه التَّذكيرُ بمِنَّةِ اللهِ تعالى على النَّاسِ بما أنشَأَ لهم في الأَرْضِ مِمَّا ينفَعُهم [2146] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/117). .
2- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فيه التَّحذيرُ من الإِسْرافِ، وهو مجاوزَةُ الحَدِّ، والاعتداءُ كذلك، وذلك إمَّا شرعيٌّ، كتَجَاوُزِ الحَلالِ من الطَّعامِ والشَّرابِ وما يتعلَّق بهما إلى الحَرامِ، وإمَّا فطريٌّ طبَعِيٌّ، وهو تجاوُزُ حَدِّ الشِّبَعِ إلى البِطْنَةِ الضَّارَّة [2147] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/121-122). .
3- قولُه تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ المقصودُ منه الزَّجرُ؛ لأنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ لا يحبُّه اللهُ تعالى فهو من أهْلِ النَّارِ؛ والدَّليلُ عليه قولُه تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة: 18] فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ مَن أحَبَّه اللهُ فليس هو مِن أهْلِ النَّارِ، وذلك يُفيدُ مِن بعضِ الوُجوهِ أنَّ مَن لم يحِبَّه اللهُ فهو مِن أَهْلِ النَّارِ [2148] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/165). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال اللهُ تعالى في آيةٍ سابقةٍ: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام: 99] فأمَرَ تعالى هناك بالنَّظَرِ في أحوالِها والاستدلالِ بها على وجودِ الصَّانِعِ الحكيمِ، وذَكَرَ في هذه الآيَةِ: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ فأذِنَ في الانتفاعِ بها، وأَمَرَ بصرفِ جزءٍ منها إلى الفُقراءِ؛ فالذي حَصَل به الامتيازُ بين الآيتينِ: أنَّ هناك أَمَرَ بالاستدلالِ بها على الصَّانِعِ الحكيمِ، وهاهنا أَذِنَ في الانتفاعِ بها، وذلك تنبيهٌ على أنَّ الأمرَ بالاسْتِدلالِ بها على الصَّانِعِ الحكيم مُقَدَّمٌ على الإِذْنِ في الانتفاعِ بها؛ لأنَّ الحاصِلَ من الاستدلالِ بها سعادةٌ روحانيَّةٌ أبديَّة، والحاصِل من الانتفاعِ بهذه سعادةٌ جُسمانيَّةٌ سريعةُ الانقضاءِ، والأوَّلُ أَوْلى بالتقديمِ؛ فلهذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللهُ تعالى الأمْرَ بالاسْتِدلالِ بها على الإِذْنِ بالانتفاعِ بها [2149] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/162). .
2- قولُه تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ أُعيدَ في هذه الآيَةِ غالبُ ما ذُكِرَ في نظيرَتِها المتقَدِّمَةِ في قوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام: 99]، لكِنْ لَمَّا كان المقصودُ من الآيةِ الأُولى في التَّرتيبِ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ... [الأنعام: 99]، الاستدلالَ على أنَّه الصَّانِعُ، وأنَّه المنفرِدُ بالخَلْقِ، فكيف يُشْرِكونَ به غيرَه؛ ذَيَّلَها بِقَوْلِه: إنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 99]، وعَطَفَ عليها قولَه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ [الأنعام: 100] الآيات، ولَمَّا كان المقصودُ من هذه: الامتنانَ وإبطالَ ما ينافي الامتنانَ؛ ذُيِّلَتْ هذه بِقَوْلِه: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ [2150] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/117). .
3- قولُ اللهِ تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ يُفيدُ أنَّ أَوَّلَ وقتِ إباحةِ الأَكْلِ وَقْتَ إِطْلاعِ الشَّجَرِ الثَّمَرَ، والزَّرْعِ الحَبَّ؛ لئلَّا يُتَوَهَّم أنَّه لا يُباحُ إلَّا إذا أدرَكَ وأينَعَ؛ فشَجَرُ العِنَب يُنتفَعُ بثَمَرِه حِصْرِمًا فعِنَبًا فزَبيبًا، والنَّخْلُ يُؤكَلُ ثَمَرُه بُسْرًا فَرُطَبًا فتَمْرًا، والقَمْحُ يُؤكَل حَبُّه فَرِيكًا قبل يُبْسِه، وأَكْلِه بُرًّا مَطبوخًا، أو طَحْنِه وجَعْلِه خُبْزًا [2151] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/119). .
4- تمسَّكَ بعضُهم بِقَوْلِه: كُلُوا مِنْ ثَمَرِه إِذَا أَثْمَرَ بأنَّ الأَصْلَ في المنافِعِ الإباحةُ والإطْلاقُ؛ لأنَّ قولَه: كُلُوا خطابٌ عامٌّ يتناوَلُ الكُلَّ، فصار هذا جاريًا مَجْرى قولِه تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [2152] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/163). [البقرة: 29].
5- قولُ اللهِ تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، استدَلَّ به مَن أوْجَبَ الزَّكاةَ في كلِّ زرْعٍ وثَمَرٍ؛ خصوصًا الزيتونَ والرُّمانَ المنصوصَ عليهما [2153] ينظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 122). .
6- قولُ اللهِ تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، تقديمُ ذِكْرِ الأَكلِ على التَّصدُّقِ؛ لبيانِ أنَّ رعايةَ النَّفْسِ متقدِّمةٌ على الغَيرِ، ولبيانِ أنَّ الابتداءَ بالنِّعمةِ كان مِن فَضْلِه تعالى قبلَ التَّكليفِ [2154] ينظر: ((تفسير القرطبي)) (7/99)، ((تفسير ابن عادل)) (8/470). .
7- قولُ اللهِ تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ استُدِلَّ به على أنَّ الاقترانَ لا يُفيدُ التَّسويةَ في الأَحْكامِ؛ فاللهُ تعالى قَرَنَ الأكلَ- وليس بواجبٍ اتِّفاقًا- بالإيتاءِ المذكورِ، وهو واجِبٌ اتِّفاقًا [2155] ينظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 122). .
8- قولُه تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ فيه دليلٌ على وجوبِ الزَّكاةِ في الثِّمارِ، وأنَّه لا حَوْلَ لها، بل حَوْلُها حَصادُها في الزُّروعِ، وجَذاذُ النَّخيلِ، وأنَّه لا تتَكَرَّرُ فيها الزَّكاةُ، لو مَكَثَت عند العبدِ أحوالًا كثيرةً، إذا كانت لغَيرِ التِّجارةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يأمُرْ بالإخراجِ منه إلَّا وَقْتَ حَصادِه [2156] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 276). .
9- قولُ اللهِ تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ أمْرٌ بإيتاءِ حَقِّه يومَ الحصادِ؛ ليهتَمَّ به المُكَلَّفُ حينئذٍ؛ حتَّى لا يُؤَخِّرَه عن أوَّلِ وَقتٍ يُمكِنُ فيه الإيتاءُ [2157] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/453). .
10- في قَوْلِه تعالى: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ اقتصَرَ على الأَمْرِ بالأَكْلِ؛ لأنَّه المقصودُ من السياقِ؛ إبطالًا لتحريمِ ما حَرَّموه على أنفُسِهم، وتمهيدًا لقوله: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فالأمرُ بالأَكْلِ هنا مستعمَلٌ في النَّهيِ عن ضِدِّه، وهو عَدَمُ الأَكْلِ مِن بَعْضِها؛ أي: لا تُحَرِّموا ما أُحِلَّ لكم منها؛ اتِّباعًا لتغريرِ الشَّيطانِ بالوَسْوسةِ لزُعَماءِ المُشْركينَ الَّذينَ سَنُّوا لهم تلك السُّنَنَ الباطِلَةَ، وليس المرادُ بالأمرِ الإباحةَ فقط [2158] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/126). .
11- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ التعبيرُ بخُطُواتِ الشَّيطانِ يدلُّ على أنَّ شرائِعَه سريعةُ الاندراسِ، فلَوْلَا مزيدُ الاعتناءِ مِنَ الفَسَقَة بالتَّتبُّعِ في كلِّ خُطوةٍ حالَ تأثيرِها؛ لبادَرَ إليها المحوُ؛ لبُطلانِها في نَفْسِها، فلا أمْرَ مِنَ الله يُحييها، ولا كِتابَ يُبقِيها [2159] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/293). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَهُو الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ الظَّاهِرُ دخولُ قولِه: وَالنَّخْلَ وما بَعْدَه في قولِه: جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ فاندرَجَ في جنَّاتٍ، وخُصَّ بالذِّكْرِ وجُرِّدَ؛ تعظيمًا لمنفَعَتِه، والامتِنانِ به [2160] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/667). .
- وتعريفُ المُسنَد في قوله: وَهُوَ الَّذِي يفيدُ الاختصاصَ؛ أي: هو الذي أنشَأَ لا غيرُه، والمقصودُ مِن هذا الحَصْرِ إبطالُ أن يكونَ لغَيرِه حظٌّ فيها؛ لإبطالِ ما جَعَلوه مِنَ الحَرْثِ والأنعامِ مِن نَصيبِ أنصابِهم؛ مع أنَّ اللهَ أنشَأَه [2161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/117). .
2- قوله: وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا غيَّرَ أُسلوبَ الحِكايةِ عَن أحوالِ المُشْركينَ، فأقبَلَ على خطابِ المؤمنينَ بهذه المِنَّة وهذا الحُكْمِ، فهذه الجُمَلُ مُعترِضَةٌ، وهي تعريضٌ بتسفيهِ أحلامِ المُشركينَ؛ لِتَحريمِهم على أنفُسِهم ما مَنَّ اللهُ به عليهم [2162] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/119). .
- وتقديمُ المجرورِوَمِنَ الْأَنْعَامِ على المفعولِ حَمُولَةً الذي هو أَوْلى بالتَّقديمِ في ترتيبِ المتَعَلِّقاتِ؛ لقَصْدِ الاهتمامِ بأمْرِ الأَنعامِ [2163] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/125). .