موسوعة التفسير

سورةُ النَّحلِ
الآيات (5-9)

ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ

غريب الكلمات :


تُرِيحُونَ: أي: تَرُدُّونَها بالعَشِيِّ مِن مراعيها إلى مَبارِكِها التي تأوي إليها؛ ومنه الرَّواحُ؛ رَواحُ العَشِيِّ: وهو مِن الزَّوالِ إلى اللَّيلِ، وأصلُ (روح): يدُلُّ على سَعةٍ وفُسحةٍ واطِّرادٍ [61] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/168)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/454)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 192)، ((تفسير البغوي)) (5/9)، ((المصباح المنير)) للفيومي (1/243). .
تَسْرَحُونَ: أي: تُخرِجُونَها بالغداةِ إلى مَراعِيها، وأصلُ (سرح): يدُلُّ على انطِلاقٍ [62] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/157)، ((المفردات)) للراغب (ص: 406)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 192)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 259). .
بِشِقِّ الْأَنْفُسِ: أي: بمشقَّتِها، والشِّقُّ: المشقَّةُ، والانكسارُ الذي يلحقُ النَّفسَ، والبدنَ، وأصلُ (شقق) يدُلُّ على انصداعٍ في الشَّيءِ [63]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 241)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 459)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 208). .
لَرَءُوفٌ: أي: شديدُ الرَّحمةِ، والرؤوفُ: ذو الرأفةِ، والرأفةُ أعلَى معاني الرحمةِ وأرقُّها، وأصلُ (رأف): يدُلُّ على رِقَّةٍ ورحمةٍ [64] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/654) (3/595)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 235، 240)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/471)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 244). .
قَصْدُ السَّبِيلِ: أي: الطَّريقُ القاصِدُ المُستقيمُ الذي لا اعوِجاجَ فيه؛ يقال: طَريقٌ قَصدٌ وقاصِدٌ: إذا أدَّاك إلى مَطلوبِك، وقصَدَ بك ما تريدُ، وأصلُ (قصد): يدُلُّ على إتيانِ شَيءٍ وأَمِّه [65] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/177)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/95)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 192)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 260). .
جَائِرٌ: أي: عادِلٌ عن القَصدِ مائِلٌ، وأصلُ (جور): يدلُّ على مَيلٍ عن الطَّريقِ [66] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 242)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/493)، ((البسيط)) للواحدي (13/23)، ((المفردات)) للراغب (ص: 211)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 192). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً
 وَالْخَيْلَ: معطوفٌ مَنصوبٌ على (الأنعام) في قَولِه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، أي: وخلقَ الخيلَ. لِتَرْكَبُوهَا: منصوبٌ بأن مُضمَرة، والمصدرُ المؤوَّلُ مجرورٌ باللامِ متعلِّقٌ بالفعلِ (خلق) المقَدَّر، وَزِينَةً: مفعولٌ لأجلِه مَنصوبٌ، وهو مَعطوفٌ على محلِّ المصدَرِ المؤوَّلِ، أي: للرُّكوبِ وللزِّينةِ [67] إنَّما وُصِلَ الفِعلُ إلى الأوَّلِ باللامِ في قَولِه: لِتَرْكَبُوهَا وإلى وَزِينَةً بنفسِه؛ لاختلالِ شَرطٍ في الأوَّلِ وهو عدمُ اتِّحاد الفاعلِ؛ فإنَّ الخالقَ اللهُ، والراكِبَ المُخاطَبون، بخلافِ الثاني؛ لأنَّ فاعِلَ الخَلقِ والتَّزيينِ هو اللهُ تعالى. يُنظر: ((شرح قطر الندى)) لابن هشام (ص: 229)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/86). . وقيل: وَزِينَةً منصوبٌ على إضمارِ فِعلٍ، والتَّقديرُ: وجعَلَها زينةً. وقيل غيرُ ذلك [68] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/417)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/790)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/195)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (14/285). .

المعنى الإجمالي:


يقول تعالى: والإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ خلَقَها اللهُ لكم- أيُّها النَّاسُ- وجعَلَ لكم فيها دِفئًا مِن البَردِ؛ من الثيابِ المأخوذةِ من أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها، ومنافِعَ أُخَرَ من نسلِها وألبانِها ورُكوبِها وبَيعِها وغيرِ ذلك، ومِن لحومِها تأكلونَ، ولكم فيها زينةٌ تجلِبُ السُّرورَ لكم عندما تَرجِعونَها إلى مَنازِلِها في المَساءِ، وعندما تُخرِجونَها في الصَّباحِ إلى المراعي، وتحمِلُكم هذه الأنعامُ وأمتِعتَكم في سَفَرِكم إلى بلادٍ بعيدةٍ، لم تكونوا مُستَطيعينَ الوُصولَ إليها إلَّا بجَهدٍ شَديدٍ ومشَقَّةٍ بالغةٍ؛ إنَّ رَبَّكم لَرؤوفٌ رَحيمٌ بكم؛ حيث سخَّر لكم هذه الأنعامَ، وخلق اللهُ لكم أيضًا الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ؛ لكي تَركَبوها، وجعَلَها اللهُ لكم زينةً، ويخلُقُ لكم ما لا عِلْمَ لكم به، وإلى اللهِ ينتهي الطَّريقُ المُستَقيمُ فيُوصِلُ إليه- سُبحانَه- وإلى مَرضاتِه، ومِن الطُّرُقِ ما هو مائِلٌ مُعْوَجٌّ لا يُوصِلُ إلى اللهِ، ولو شاء اللهُ هدايتَكم لهداكم جميعًا للإيمانِ.

تفسير الآيات:


وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى خلْقَ الإنسانِ؛ ذكرَ ما امتَنَّ به عليه في قِوامِ مَعيشتِه، فذكرَ أوَّلًا أكثَرَها منافِعَ، وألزَمَ لِمَن أُنزِلَ القرآنُ بلُغتِهم، وذلك: الأنعامُ [69] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/506). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا صار التَّوحيدُ بذلك كالشَّمسِ، وكان كلُّ ما في الكونِ- مع أنَّه دالٌّ على الوحدانيَّةِ- نِعمةً على الإنسانِ يجِبُ عليه شُكرُها؛ شرعَ يعَدِّدُ ذلك تنبيهًا له على وُجوبِ الشُّكرِ بالتبَرُّؤِ من الكُفرِ، فقال مُقَدِّمًا الحيواناتِ؛ لأنَّها أشرَفُ مِن غَيرِها، وقدَّمَ منها ما ينفَعُ الإنسانَ؛ لأنَّه أجلُّ مِن غَيرِه، مُبتَدِئًا بما هو أَولاها بالذِّكرِ؛ لأنَّه أجَلُّها منفعةً في ضروراتِ المَعيشةِ، وألزَمُها لِمَن أُنزِلَ الذِّكرُ بلِسانِهم [70] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/107-108). .
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا.
أي: وخلَقَ اللهُ الإبِلَ والبقَرَ والغنَمَ، فسخَّرها لِمصالِحكم أيُّها النَّاسُ [71] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/165)، ((تفسير القرطبي)) (10/68)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436). قال الواحدي: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا؛ يعني: الإبلَ والبقَرَ والغنَمَ، ثم ابتدأ فقال: لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ، ويجوزُ أن يكون تمامُ الكلامِ عند قوله: لَكُمْ ثمَّ يبتدِئُ فيقول: فِيهَا دِفْءٌ). ((الوسيط)) (3/56). وقال الرازي: (قال صاحبُ النظمِ [أبو علي الجرجاني]: أحسَنُ الوَجهينِ أن يكونَ الوَقفُ عند قَولِه: خَلَقَهَا والدَّليلُ عليه أنَّه عطَف عليه قولَه: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ والتقديرُ: لكم فيها دفءٌ، ولكم فيها جَمالٌ). ((تفسير الرازي)) (19/175). .
لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان أوَّلَ ما يُمكِنُ أن يَلقَى الإنسانُ عادةً مِن نِعَمِها اللِّباسُ؛ بدأ به، فقال تعالى [72] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/108). :
لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ.
أي: لكم- أيُّها النَّاسُ- في أصوافِ الأنعامِ وأوبارِها وأشعارِها مَلابِسُ وفُرُشٌ، وأغطيةٌ وأبنيةٌ تُدَفِّئُكم من البَردِ، ولكم فيها فوائِدُ كثيرةٌ مِن نَسلِها وألبانِها ودُهونِها، وبالحَرثِ بها، والسَّقيِ عليها، ورُكوبِها وبَيعِها، وغيرِ ذلك مِن مَنافِعِها [73] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/165)، ((الوسيط)) للواحدي (3/56)، ((تفسير ابن عطية)) (3/379)، ((تفسير الرازي)) (19/175)، ((تفسير القرطبي)) (10/69، 70)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/332).    .
كما قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل: 80].
وقال سُبحانه: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون: 21-22].
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ.
أي: ومِن لُحومِ الأنعامِ تأكُلونَ [74] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/165)، ((الوسيط)) للواحدي (3/56)، ((تفسير البغوي)) (3/72).    .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: 71 - 73].
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6).
أي: ولكم- أيُّها النَّاسُ- في الأنعامِ حُسْنٌ وجَمالٌ [75] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/217-218). يَجلِبُ لكم السُّرورَ والسَّعادةَ، وذلك حين تَرجِعونَها مَساءً مِن المَرعَى إلى مَنازِلِها، وحين تَذهَبونَ بها صَباحًا إلى مَراعيها [76] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/168)، ((تفسير القرطبي)) (10/70، 71)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557).    قال الواحدي: (كما قال: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46]، والمالُ ليس يخُصُّ الوَرِقَ والعَينَ، وأكثَرُ مالِ العرَبِ الإبلُ، كما أنَّ أكثَرَ أموالِ أهلِ البصرةِ النَّخلُ). ((البسيط)) (13/16). وقال الرازي: (اعلَمْ أنَّ وجهَ التجمُّلِ بها: أنَّ الراعيَ إذا روَّحَها بالعَشيِّ وسَرَّحها بالغداةِ تزيَّنَت عند تلك الإراحةِ والتَّسريحِ الأفنيةُ، وتجاوَبَ فيها الثُّغاءُ والرُّغاءُ، وفَرِحَت أربابُها، وعظُمَ وقعُهم عندَ الناسِ؛ بسببِ كونِهم مالكينَ لها). ((تفسير الرازي)) (19/176). وقال القرطبي: (جمالُ الأنعامِ والدوابِّ مِن جمالِ الخِلقةِ، وهو مرئيٌّ بالأبصارِ موافِقٌ للبصائِرِ. ومِن جمالِها كَثرتُها وقَولُ النَّاسِ إذا رأَوها: هذه نَعَمُ فلانٍ، قاله السُّدِّي، ولأنَّها إذا راحت توفَّرَ حسنُها وعَظُم شأنُها وتعلَّقت القلوبُ بها؛ لأنَّها إذ ذاك أعظَمُ ما تكون أسنِمةً وضروعًا، قاله قتادة). ((تفسير القرطبي)) (10/71). .
كما قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46].
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7).
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.
أي: وتَحمِلُ الأنعامُ [77] قال القرطبي: (منَّ الله- سُبحانه- بالأنعامِ عُمومًا، وخصَّ الإبلَ هنا بالذِّكرِ في حَملِ الأثقالِ على سائرِ الأنعامِ؛ فإنَّ الغنَمَ للسَّرْح والذَّبح، والبقَرَ للحَرثِ، والإبِلَ للحَملِ). ((تفسير القرطبي)) (10/72). وقال ابنُ عاشور: (الضميرُ عائدٌ إلى أشهَرِ الأنعام عندهم وهي الإبلُ). ((تفسير ابن عاشور)) (14/105). وقيل: المرادُ: الإِبلُ والبقرُ؛ فالبقرُ تُطيقُ كما تُطيقُ الإبلُ، وفي بعضِ الأقطارِ يحملونَ الأحمالَ الثقيلةَ على ذكورِ البقرِ إلى بلادٍ بعيدةٍ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/460)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (2/396)، ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/389)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/334). أبدانَكم وأمتِعتَكم في أسفارِكم مِن بلدٍ إلى آخَرَ لم تكونوا واصِلينَ إليه- مِن دُونِ الأنعامِ- إلَّا بجَهدٍ شَديدٍ مِن أنفُسِكم، ومَشقَّةٍ كبيرةٍ [78] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/169)، ((تفسير القرطبي)) (10/71)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557)، ((تفسير أبي السعود)) (5/97)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/105، 106).    .
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر: 79-80].
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
أي: إنَّ ربَّكم- الذي خلقَ الأنعامَ، وسخَّرها لِمَصالِحكم- لَذو رأفةٍ ورَحمةٍ بكم [79] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/172)، ((تفسير ابن كثير)) (4/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436).   .
كما قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: 12-13].
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى منافِعَ الحَيواناتِ التي ينتَفِعُ الإنسانُ بها في المنافِعِ الضَّروريَّةِ والحاجاتِ الأصليَّةِ؛ ذكَرَ بعدَه منافِعَ الحيواناتِ التي ينتَفِعُ بها الإنسانُ في المنافِعِ التي ليست بضروريَّةٍ [80] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/177). .
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً.
أي: وخلَقَ اللهُ لكم- أيُّها النَّاسُ- الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ؛ لِتَركبوا على ظُهورِها، وجعَلَها اللهُ زينةً لكم [81] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/172)، ((تفسير البغوي)) (3/72)، ((تفسير الرازي)) (19/177)، ((تفسير البيضاوي)) (3/220)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/107).   .
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
أي: ويَخلقُ ما لا يُحيطُ عِلمُكم به مِن المخلوقاتِ، غيرَ ما أخبَرَكم به، وعدَّدَه لكم [82] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/176)، ((تفسير البيضاوي)) (3/220)، ((تفسير الخازن)) (3/69)، (تفسير الشوكاني)) (3/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/110، 111). للمفسِّرين في معنى هذه الآيةِ أقوالٌ شتَّى؛ قال الشوكاني: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: يخلُقُ ما لا يحيطُ عِلمُكم به مِن المخلوقاتِ غيرَ ما قد عدَّده هاهنا. وقيل: المرادُ من أنواعِ الحشَراتِ والهوامِّ في أسافِلِ الأرض وفي البحرِ، مِمَّا لم يَرَه البشَرُ ولم يَسمَعوا به. وقيل: هو ما أعَدَّ الله لعباده في الجنَّةِ وفي النارِ مِمَّا لم تَرَه عينٌ، ولم تسمَعْ به أذُنٌ، ولا خطَرَ على قلبِ بشَرٍ... ولا وَجْهَ للاقتصارِ في تفسيرِ هذه الآية على نوعٍ مِن هذه الأنواع، بل المرادُ أنَّه سبحانه يخلُقُ ما لا يَعلَمُ به العبادُ، فيشمَلُ كُلَّ شيءٍ لا يحيطُ عِلمُهم به). ((تفسير الشوكاني)) (3/179). واختار ابنُ جريرٍ أنَّ المرادَ ما أعدَّه الله تعالى في الجنةِ لأهلِها، وفي النارِ لأهلِها، مما لم تره عينٌ، ولا سمِعته أذنٌ، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/176-177). وقال ابنُ عطيةَ: (وكلُّ مَن خصَّص في تفسيرِ هذه الآيةِ شيئًا، كقولِ مَن قال: سوسُ الثيابِ وغيرِ ذلك، فإنَّما هو على جهةِ المثالِ، لا أنَّ ما ذكَره هو المقصودُ في نفسِه). ((تفسير ابن عطية)) (3/380). وبعضُ المفسِّرينَ المعاصرين ألحقَ وسائِلَ المواصلاتِ المعاصرةِ في معنى الآيةِ. ومنهم: ابنُ عاشورٍ، والسَّعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/111)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436). ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/335). قال السعدي: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ممَّا يكونُ بعدَ نزول القرآنِ مِن الأشياءِ التي يركبُها الخلقُ في البَرِّ والبحر والجوِّ، ويستعملونَها في منافعِهم ومصالحهم؛ فإنَّه لم يذكُرْها بأعيانِها؛ لأنَّ الله تعالى لا يذكُرُ في كتابِه إلَّا ما يَعرفُه العِبادُ، أو يعرفونَ نظيرَه، وأمَّا ما ليس له نظيرٌ في زمانِهم فإنَّه لو ذُكرَ لم يعرفوه، ولم يفهَموا المرادَ منه، فيذكُر أصلًا جامعًا يدخلُ فيه ما يعلمون وما لا يعلمونَ، كما ذكر نعيمَ الجنَّة، وسَمَّى منه ما نعلمُ ونشاهِدُ نظيرَه، كالنخلِ والأعنابِ والرمَّانِ، وأجملَ ما لا نعرِفُ له نظيرًا في قولِه: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: 52] فكذلك هنا؛ ذكَر ما نعرفُه من المراكبِ كالخيل والبغال والحميرِ، والإبل والسفُن، وأجملَ الباقيَ في قوله: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). ((تفسير السعدي)) (ص: 436). .
كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: 36].
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى من الحيواناتِ ما يُسارُ عليه في السُّبُلِ الحِسِّيَّة، نبَّه على الطُّرُقِ المعنويَّةِ الدِّينيَّةِ، وكثيرًا ما يقَعُ في القرآنِ العُبورُ مِن الأمورِ الحسِّيَّةِ إلى الأمورِ المعنويَّةِ النَّافعةِ الدِّينيَّةِ، فلَمَّا ذكَر في هذه السُّورةِ الحيواناتِ مِن الأنعامِ وغَيرِها، التي يركبونَها، ويَبلُغونَ عليها حاجةً في صُدورِهم، وتحمِلُ أثقالَهم إلى البلادِ، والأماكنِ البَعيدةِ، والأسفارِ الشَّاقَّةِ؛ شرعَ في ذِكرِ الطُّرُقِ التي يَسلُكُها النَّاسُ إليه [83] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/560). .
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.
أي: وإلى اللهِ ينتهي طريقُ الحَقِّ المُستَقيمُ، فيُوصِلُ مَن سلَكه إلى اللهِ، ونَيلِ رِضاه وجَنَّتِه [84] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/57، 58)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/230)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/39)، ((تفسير ابن كثير)) (4/560)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/335، 336). وممَّن اختار هذا المعنى المذكورَ: الواحدي، وابنُ تيمية، وابنُ القيم، وابنُ كثير، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ: وعلى الله بيانُ طريقِ الحَقِّ المستقيمِ. وممن اختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ، وابنُ عطيةَ، والقرطبي، ونسَبه الواحدي إلى أكثرِ المفسِّرين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/177)، ((البسيط)) للواحدي (13/22-23)، ((تفسير ابن عطية)) (3/381)، ((تفسير القرطبي)) (10/81). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/335، 336). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، وابنُ زيدٍ، والضحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/177). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: 56].
وقال سبحانه: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر: 41].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: 12].
وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((خَطَّ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطًّا ثم قال: هذا سبيلُ اللهِ؛ ثم خَطَّ خُطوطًا عن يمينِه وعن شِمالِه؛ ثم قال: هذه سُبُلٌ- قال يَزيدُ هو ابنُ هارونَ أحدُ رواةِ الحديثِ: مُتَفَرِّقةٌ- على كُلِّ سبيلٍ منها شَيطانٌ يدعو إليه، ثمَّ قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] )) [85] أخرجه أحمد (4142) واللفظ له، والدارمي (202)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11174)، وابن حبان (7).  ذكر ابنُ القيِّم في ((طريق الهجرتين)) (152) أنَّه ثابتٌ، وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (6/89)، وصحَّحه ابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) (4/281)، والألباني في ((شرح الطحاوية)) (525). .
وَمِنْهَا جَائِرٌ.
أي: ومِن الطُّرُقِ المَسلوكةِ طُرُقٌ مُعوَجَّةٌ، غيرُ مُستقيمةٍ، لا تُوصِلُ سالِكَها إلى اللهِ، ونَيلِ رِضاه وجَنَّتِه [86] يُنظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 73)، ((تفسير ابن كثير)) (4/560)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/336).      .
وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان أكثَرُ الخَلقِ ضَالًّا، كان ربَّما توهَّمَ مُتوَهِّمٌ أنَّه خارِجٌ عن الإرادةِ، فنفَى هذا التوهُّمَ بقَولِه- عَطفًا على ما تقديرُه: فمَن شاء هَداه قَصْدَ السَّبيلِ، ومن شاء أسلَكَه الجائِرَ، وهو قادِرٌ على ما يُريدُ مِن الهدايةِ والإضلالِ [87] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/115-116). .
وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ.
أي: ولو شاء اللهُ لَهَداكم جميعًا- أيُّها النَّاسُ- إلى سُلوكِ الطَّريقِ المُستَقيمةِ، ولكِن اقتَضَت حِكمتُه أن يهديَ مَن يشاءُ بفَضلِه، ويُضِلَّ مَن يشاءُ بعَدلِه [88] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/180)، ((تفسير ابن عطية)) (3/381)، ((تفسير الشوكاني)) (3/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 436). .
كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [يونس: 99- 100].
وقال سُبحانه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118-119].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13].

الفوائد التربوية:



الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ عبَّرَ عن نَسلِها ودَرِّها بلَفظِ المَنفعةِ، وهو اللَّفظُ الدَّالُّ على الوَصفِ الأعَمِّ؛ لأنَّ النَّسلَ والدَّرَّ قد يُنتفَعُ به في الأكلِ، وقد يُنتفَعُ به في البَيعِ بالنُّقودِ، وقد يُنتفَعُ به بأن يُبدَّلَ بالثِّيابِ وسائرِ الضَّروريَّاتِ، فعبَّرَ عن جُملةِ هذه الأقسامِ بلَفظِ المَنافِعِ؛ ليتناولَ الكُلَّ [91] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/175). .
2- قَولُ الله تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ناسبَ الامتنانَ بهذه النِّعمةِ- مِن حَملِها الأثقالَ- الخَتمُ بصِفةِ الرَّأفةِ والرَّحمةِ؛ لأنَّ مِن رأفتِه تَيسيرَ هذه المصالحِ، وتَسخيرَ الأنعامِ لكم [92] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/508). .
3- قولُ اللهِ تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ فيه دليلٌ على جوازِ السَّفرِ بالدَّوابِّ وحملِ الأثقالِ عليها، ولكنْ على قدرِ ما تحتملُه مِن غيرِ إسرافٍ في الحملِ معَ الرِّفقِ في السَّيرِ [93] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/73). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ فيه دليلٌ على جوازِ الحَملِ على البَقَرِ ورُكوبِها [94] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:162). ، على اعتبارِ أنَّ الضميرَ يعودُ على الإبلِ والبقرِ.
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً فيه دليلٌ على أنَّ أفعالَ اللهِ تعالى مُعلَّلةٌ بالمَصالحِ والِحكَم؛ فظاهِرُ هذه الآيةِ يقتضي أنَّ هذه الحَيواناتِ مَخلوقةٌ لأجلِ المَنفعةِ المَذكورةِ [95] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/177). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ قرنَ الخيلَ بالبِغالِ والحَميرِ، وأخذ المالكيَّةُ من الاقترانِ المذكورِ ردًّا على الحنفيَّةِ في قَولِهم بوُجوبِ الزَّكاةِ فيها [96] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:162). ويُنظر: ((المقدمات الممهدات)) لابن رشد الجد (1/323)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/183). .
7- في قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً دليلٌ على جوازِ طَلَبِ العبدِ للجمالِ والزينةِ- إذا جُرِّدَ صاحبُها مِن الفخر والخيلاء؛ وأراد بهما إظهارَ نعمةِ اللهِ عليه- وأنَّه ليس بمؤَثِّرٍ في نُسكِ الناسكِ؛ وليس مِن الدنيا المذمومةِ؛ فقد جعلَه سبحانه في عِدَادِ النعمةِ على خَلْقِه [97] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/47). .
8- في قولِه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وقولِه سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29] دليلٌ على أنَّه يجوزُ لنا أنْ ننتفِعَ بالبهائمِ بجميعِ وجوهِ الانتفاعِ [98] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (13/529). .
9- قال الله تعالى عن الأنعام: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وقال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، فلم يَذكُرِ الأكلَ؛ لأنَّ البِغالَ والحُمُرَ مُحَرَّمٌ أكلُها، والخيلَ لا تُستعمَلُ- في الغالبِ- للأكلِ، فلم يذكُرْ مِن منافعِ الخيلِ الأكلَ معَ أنَّه جائزٌ أكلُه، فقد ثبَت في الصَّحيحَينِ [99] البخاري (5520)، ومسلم (1941) - واللفظ له- من حديث جابر رضي الله عنه. : ((أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أذِنَ في لُحومِ الخَيلِ ))، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّه لا ينبغي أنْ تُجْعَلَ الخيلُ للأكلِ، وإنما تُجْعَلُ للركوبِ، وللزينةِ، وللجهادِ في سبيلِ اللهِ، أمّا الأكلُ فهناك ما يكفي عنها - وهي الأنعامُ -، فالإبلُ أكبرُ منها أجسامًا، وأكثرُ منها لحومًا، والبقرُ، والغنمُ، ولأنها لو اتُّخِذَتْ للأكلِ لَفَنِيَتْ، وبَطَلَ الانتفاعُ بها في الجهادِ في سبيلِ اللهِ، فهذه هي الحكمةُ- واللهُ أعلمُ- في أنها قُرِنَتْ بالبغالِ والحَميرِ [100] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 436)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/30). .
10- قولُه تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ يُوحي بأنَّ هناك أشياءَ ستحدُثُ- لا نعْلَمُها- تُرْكَبُ، وهذا هو الواقعُ [101] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (11/235). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ.

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
- قولُه: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا يجوزُ أنْ يُعْطَفَ الْأَنْعَامَ عطْفَ المُفرَدِ على المُفرَدِ عطفًا على الْإِنْسَانَ؛ فيحصُلُ اعتبارٌ بهذا التَّكوينِ العجيبِ لِشَبَهِه بتكوينِ الإنسانِ، وتكونُ جُملةُ خَلَقَهَا بمُتعلِّقاتِها مُستأنَفةً؛ فيحصُلُ بذلك الامتنانُ. ويجوزُ أنْ يكونَ عطْفَ الجُملةِ على الجُملةِ، فيكونُ الكلامُ مُفيدًا للتَّأكيدِ؛ لقَصدِ تَقويةِ الحكمِ؛ اهتمامًا بما في الأنعامِ من الفوائدِ؛ فيكونُ امتنانًا على المُخاطَبينَ، وتعريضًا بهم [102] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/104). .
- قولُه: لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ الخِطابُ صالحٌ لشُمولِ المُشركينَ، وهم المقصودُ ابتداءً مِن الاستدلالِ، وأنْ يشمَلَ جميعَ النَّاسِ، ولا سيَّما فيما تضمَّنَه الكلامُ من الامتنانِ، وفيه الْتفاتٌ من طَريقِ الغَيبةِ الَّذي في قولِه تعالى: عَمَّا يُشْرِكُونَ باعتبارِ بعضِ المُخاطَبينَ [103] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/104). .
- وفي قولِه: لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ التَّعبيرُ بـ (مَنَافِعُ) عن دَرِّ الأنعامِ ورُكوبِها وحَملِها والحراثةِ بها وغيرِ ذلك؛ ليتناوَلَ الكلَّ مع أنَّه الأنسبُ بمَقامِ الامتنانِ بالنِّعمِ. وتَقديمُ الدِّفْءِ على المنافعِ؛ لرعايةِ أُسلوبِ التَّرقِّي إلى الأعلى [104] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/97). .
- وقدَّم الملبوسَ على المطعومِ؛ لأنَّ الملبوسَ أكثَرُ بقاءً مِن المطعومِ؛ فلهذا قَدَّمَه عليه في الذِّكرِ [105] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/175). .
- وخصَّ الدِّفْء بالذِّكرِ مِن بينِ عُمومِ المنافعِ؛ للعِنايةِ به [106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/105). ، وأفرَد منفعةَ الأكلِ بالذكرِ؛ لأنَّها معظمُ المنافعِ [107] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/70). ، فمَنفعةٌ الأكلِ ومنفعةُ الدِّفءِ مِن أعظَمِ المَنافِعِ [108] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/506). .
- قولُه: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ فيه: تقديمُ الظَّرفِ، وهو مُؤذِنٌ بالاختصاصِ، وقد يُؤْكَلُ مِن غيرِها؛ إلَّا أنَّ الأكلَ منها هو الأصلُ الَّذي يعتمِدُه النَّاسُ في معايشِهم، وأمَّا الأكلُ مِن غيرِها، فكغيرِ المُعتدِّ به، وكالجاري مَجْرى التَّفكُّهِ. ويحتملُ أنَّ طُعمتَكم منها؛ لأنَّكم تَحرُثون بالبقرِ، فالحبُّ والثِّمارُ الَّتي تَأكُلونها منها، وتكتسِبونَ بإكراءِ الإبلِ، وتَبيعونَ نِتاجَها وألبانَها وجُلودَها [109] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/594)، ((تفسير البيضاوي)) (3/220)، ((تفسير أبي السعود)) (5/97). ومن أهلِ العلمِ مَن رد القولَ بأنَّ التَّقديمَ يُفيدُ الاختصاصَ. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/506). . وقيل: تَقديمُ المجرورِ في قولِه تعالى: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ للاهتمامِ؛ لأنَّهم شَديدو الرَّغبةِ في أكلِ اللُّحومِ، وللرِّعايةِ على الفاصلةِ [110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/105). .
- والإتيانُ بالمُضارِعِ تَأْكُلُونَ؛ لأنَّ ذلك مِن الأعمالِ المُتكرِّرةِ [111] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/105). .
2- قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
- قوله: حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ خَصَّ هذَينِ الوَقتينِ؛ لأنَّ وجهَ التجمُّلِ بها: أنَّ الرَّاعيَ إذا روَّحَها بالعَشيِّ، وسَرَّحها بالغَداةِ تزيَّنَت عند تِلكَ الإراحةِ والتَّسريحِ الأفنيةُ، وتجاوَبَ فيها الثُّغاءُ والرُّغاءُ [112] الثُّغاء: صوتُ الشاءِ والماعزِ وما شاكَلهما. والرُّغاء: صوتُ ذواتِ الخُفِّ، كالإبل. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (6/2293) و(6/2359). ، وفَرِحَت أَربابُها، وعظُمَ وقعُهم عند الناسِ؛ بسَبب كونِهم مالكينَ لها، ولأنَّ هذَينِ الوَقتينِ هما وقتُ نَظَرِ النَّاظِرينَ إليها؛ لأنَّها عند استقرارِها في الحظائِرِ لا يَراها أحَدٌ، وعند كَونِها في مَراعيها هي متفَرِّقةٌ غيرُ مُجتَمِعةٍ؛ كُلُّ واحدٍ منها يَرعَى في جانبٍ [113] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/176)، ((تفسير الشوكاني)) (3/178). .
- وقُدِّمَت الإراحةُ على التَّسريحِ لوجوهٍ:
منها: أنَّ الجَمالَ في الإراحةِ أكثَرُ؛ لأنَّها تُقبِلُ وقد نالت حاجتَها من الأكلِ والشُّربِ، مَلأى البُطونِ، حافلةَ الضُّروعِ، أعظمُ ما تكونُ أسنمةً، مَرِحةً بمسَرَّةِ الشِّبَع، ومَحبَّةِ الرُّجوعِ إلى منازلِها مِن معاطِنَ ومَرابِضَ، ثم اجتَمَعت في الحظائِرِ حاضِرةً لأهلِها، قد توفَّر حسنُها، وعظُم شأنُها، وتعلَّقت القلوبُ بها؛ بخلافِ التَّسريحِ؛ فإنَّها عند خُروجِها إلى المرعى تخرُجُ جائِعةً عادِمةَ اللَّبنِ، ثم تأخُذُ في التفَرُّقِ والانتشارِ، فظهَر أنَّ الجَمالَ في الإراحةِ أكثَرُ منه في التَّسريحِ؛ لتكاملِ درِّها، وسرورِ النفسِ بها إذ ذاك [114] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/594)، ((تفسير الرازي)) (19/176)، ((تفسير القرطبي)) (10/70-71)، ((تفسير الشوكاني)) (3/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/105). .     
ومنها: أنَّ المنافِعَ منها إنَّما تُؤخَذُ بعد الرَّواحِ [115] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/160). .
- والإتيانُ بالمُضارعِ في تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ؛ لأنَّ ذلك مِن الأحوالِ المُتكرِّرةِ، وفي تَكرُّرِها تَكررُ النِّعمةِ بمَناظرِها [116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/106). .
3- قولُه تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ لعلَّ تغييرَ النَّظمِ الكريمِ السَّابقِ الدَّالِّ على كونِ الأنعامِ مَدارًا للنِّعمِ السَّابقةِ إلى الجُملةِ الفعليَّةِ المُفيدةِ لمُجرَّدِ الحُدوثِ؛ للإشعارِ بأنَّ هذه النِّعمةَ ليست في العُمومِ- بحسَبِ المنشَأِ وبحسَبِ المُتعلَّقِ، وفي الشُّمولِ للأوقاتِ والاطِّرادِ في الأحيانِ المعهودةِ- بمَثابةِ النِّعمِ السَّالفةِ؛ فإنَّها بحسَبِ المنشَأِ خاصَّةٌ بالإبلِ، وبحسَبِ المُتعلَّقِ: بالضَّاربينَ في الأرضِ، المُتقلِّبينَ فيها للتِّجارةِ وغيرِها في أحايينَ غيرِ مُطَّرِدةٍ، وأمَّا سائرُ النِّعمِ المَعدودةِ فمَوجودةٌ في جميعِ أصنافِ الأنعامِ، وعامَّةٌ لكافَّةِ المُخاطَبينَ دائمًا، أو في عامَّةِ الأوقاتِ [117] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/97). .
- وأفاد قولُه: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ معنى: تحمِلُكم وتُبَلِّغُكم، بطَريقةِ الكِنايةِ القريبةِ من التَّصريحِ؛ ولذلك عقَّبَ بقولِه تعالى: لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [118] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/106). .
- وطابَقَ قولُه: لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ قولَه: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ، ولم يقُلْ: (لمْ تكونوا حامِليها إليه)؛ لأنَّ طِباقَه مِن حيثُ إنَّ معناه: وتحمِلُ أثقالَكم إلى بلدٍ بعيدٍ قد علِمْتُم أنَّكم لا تبلُغونَه بأنفُسِكم إلَّا بجَهدٍ ومشقَّةٍ، فضلًا أنْ تَحمِلوا على ظُهورِكم أثقالَكم. ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: لمْ تَكونوا بالِغيه بها إلَّا بشِقِّ الأنفُسِ. وقيل: أَثْقَالَكُمْ: أجرامَكم [119] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/595). .
- وجُملةُ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ تَعليلٌ لجُملةِ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، أي: خلَقَها لهذه المنافِعِ؛ لأنَّه رَؤوفٌ رَحيمٌ بكم [120] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/107). .
4- قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
- اقتصَرَ على الرُّكوبِ؛ لأنَّه أعظَمُ منافِعِها [121] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/508). .
- قولُه: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً لم يَرِدِ المعطوفُ زِينَةً والمعطوفُ عليه مَحَلُّ لِتَرْكَبُوهَا على سَننٍ واحدٍ، حيث لم يقُلْ: (ولتَتزيَّنوا بها)؛ لأنَّ الرُّكوبَ فِعْلُ المُخاطَبين، وأمَّا الزِّينةُ ففِعْلُ الزَّائنِ [122] ليس هذا مِن بابِ التسميةِ للهِ تعالَى؛ فأسماءُ الله توقيفيةٌ، إنَّما هو إخبارٌ عنه سبحانَه، وهو أوسعُ مِن بابِ الأسماءِ والصفاتِ. ، وهو الخالِقُ سُبحانَه وتَعالى [123] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/595). . وقيل: التَّحقيقُ فيه أنَّ الرُّكوبَ هو المعتبرُ في المقصودِ، بخلافِ الزينةِ، فكأنَّه سبحانَه قال: خلقتُها لتركَبوها؛ فتَدْفَعوا عن أنفسِكم بواسطتِها ضررَ الإعياءِ والمشقَّةِ، وأمَّا التَّزيُّنُ بها فهو حاصلٌ في نفسِ الأمرِ، ولكنَّه غيرُ مقصودٍ بالذَّاتِ [124]  يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/179). .
- وفيه تأخيرُ الزِّينةِ عن الرُّكوبِ؛ لكونِ الرُّكوبِ أهمَّ منه [125] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/98). .
- قولُه: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فيه العُدولُ إلى صِيغَةِ الاستقبالِ؛ للدَّلالةِ على الاستمرارِ والتَّجدُّدِ، أو لاستحضارِ الصُّورةِ، أو يخلُقُ لكم في الجنَّةِ غيرَ ما ذُكِرَ مِن النِّعمِ الدُّنيويَّةِ [126] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/98). . وقيل: إنَّ يَخْلُقُ مُضارعٌ مُرادٌ به زمنُ الحالِ لا الاستقبالِ، أي: هو الآن يخلُقُ ما لا تعلمونَ أيُّها النَّاسُ ممَّا هو مَخلوقٌ لنَفعِهم وهم لا يَشعُرون به، فكما خلَقَ لهم الأنعامَ والكُراعَ، خلَقَ لهم ويخلُقُ لهم خلائقَ أُخرى لا يَعلمونها [127] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/110). .
5- قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
- قولُه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ جُملةٌ مُعترِضةٌ؛ اقتضَتِ اعتراضَها مُناسبةُ الامتنانِ بنِعمةِ تَيسيرِ الأسفارِ بالرَّواحلِ والخيلِ والبغالِ والحميرِ، وإضافةُ قَصْدُ إلى السَّبِيلِ مِن إضافةِ الصِّفةِ إلى المَوصوفِ، وهي صِفةٌ مُخصِّصةٌ؛ لأنَّ التَّعريفَ في السَّبِيلِ للجنسِ [128] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/111- 112). .
- قولُه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ فيه إيثارُ حَرفِ الاستعلاءِ على أداةِ الانتهاءِ (إلى)؛ لتأكيدِ الاستقامةِ على وَجهٍ تَمثيليٍّ مِن غيرِ أنْ يكونَ هناك استعلاءٌ لشَيءٍ عليه سُبحانَه وتَعالى عنه عُلوًّا كبيرًا، كما في قولِه تَعالى: هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [129] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/100). [الحجر: 41].