موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (151-153)

ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ

غريب الكلمات:


إِمْلَاقٍ: فَقْرٍ وجُوعٍ، وأصلُ الإِمْلاقِ: إتلَافُ المَالِ حَتَّى يُحْوِجَ؛ يُقال: أَمْلَقَ الرَّجُلُ، فهو مُملِق: إذا افتَقَر، وقيل: اشتقاقُه مِن (المَلَقات)، وهي الحجارةُ العِظامُ الملسُ السُّود، وأملق: لم يبقَ تحتَ يدِه إلَّا الجبالُ والصُّخورُ العظامُ التي لا يَقدِرُ أن يحصِّلَ منها شيئًا، وأصلُ (ملق) يَدُلُّ على تَجَرُّدٍ فِي الشَّيءِ ولِينٍ [2290] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 103)، ((تفسير ابن جرير)) (9/658)، ((تفسير ابن عطية)) (3/451)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/351)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 188)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/469). .
الْفَوَاحِشَ: جمعُ فاحِشَةٍ: وهي الفعْلَةُ المتناهِيَةُ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، والفَحْشاءُ: ما عظُم قُبْحُه وفَحُشَ؛ مِن الأفعالِ والأقوالِ، وأصلُ الفُحْشِ: كلُّ شيءٍ مُستقْبَح ومُسْتَشْنَع؛ من قولٍ أو فِعْلٍ [2291] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/361)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 626)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/38- 60)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 701). .
يَبْلُغَ أَشُدَّهُ: أي: يتناهَى في الثَّبَاتِ إلى حدِّ الرِّجالِ، أو يبلغُ مُنْتَهى شَبابِه وقُوَّتِه، والأَشُدُّ قيل: جمعٌ لا واحدَ له، وقيل: مفردُه شَدٌّ، وأَصْلُ (شدد): يدلُّ على قوَّةٍ في الشَّيءِ [2292] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 64)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/180)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 540). .
وُسْعَهَا: أي: طاقَتَها وقُدْرَتَها؛ فالوُسْعُ: الجِدَةُ وَالطَّاقةُ، وأَصْلُ (وسع): يدلُّ على خِلافِ الضِّيقِ والعُسْرِ [2293] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 89)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/109)، ((المفردات)) للراغب (ص: 870). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...
ما: موصولةٌ بمعنى الذي في محلِّ نصبٍ؛ مفعولٌ به، والعائِدُ محذوفٌ؛ أي: الذي حرَّمَه. وعَلَيْكُمْ من بابِ التَّنازُعِ؛ فيجوز أن تتعَلَّقَ بـحَرَّمَ، أو بـأَتْلُ.
أَلَّا تُشْرِكُوا: فيه أوجُهٌ؛ الأول: أنَّ (أنْ) في قوله أَلَّا تَفْسيريَّة؛ لأنَّه تقدَّمها ما هو بمعنى القَوْلِ دون حُرُوفِه، وهو أَتْلُ و(لا) ناهِيَةٌ، وتُشْرِكُوا مجزومٌ بها. الثاني: أنْ تكونَ (أنْ) مصدريَّةً ناصِبَةً للفعلِ بعدَها، وهي وما في حيِّزها في محلِّ نَصْبٍ؛ بدَلٌ مِن مَا، أو مِنَ العائِدِ المحذوف في حَرَّمَ؛ إذ التقدير: ما حَرَّمَه، و(لا) على هذين الوجهينِ زائدةٌ؛ لئلَّا يَفْسُدَ المعنى. الثالث: أنْ تكونَ (أن) النَّاصِبَة وما في حيِّزِها منصوبةً على الإغراءِ بـعَلَيْكُمْ، و (لا) نافِية، ويكون الكلامُ الأوَّلُ قد تمَّ عند قَوْلِه: رَبُّكُمْ، ثم ابتدَأَ فقال: عليكم ألَّا تُشركوا، أي: الْزَموا ترْكَ الشِّرْكِ [2294] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/277)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/546)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/213-218). .
2- قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي: (أنَّ) واسمُها وخَبَرُها مصدرٌ مُؤوَّلٌ في مَحلِّ نصبٍ أو جَرٍّ على تَقديرِ لامٍ لِلعِلَّةِ محذوفةٍ مُتعلِّقةٍ بالفعل اتَّبِعُوهُ؛ أي: ولأجْلِ استقامَتِه فاتَّبِعوه، كقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]، أي: ولِأَنَّ المساجِدَ للهِ فلا تَدْعُوا مع اللهِ أحدًا، ويُقَوِّي هذا الوجهَ قراءةُ: وَإنَّ هَذَا بِكَسْرِ الهَمزةِ على الاستئنافِ المفيد للتَّعليلِ. وقيل: إنَّ المَصْدَر المؤوَّل في محلِّ نصبٍ بالعَطْفِ على مَا في قَوْلِه: أَتْلُ مَا حَرَّمَ، أي: أتْلُ ما حَرَّمَ، وأَتْلُ أنَّ هذا صِرَاطي. وقيل غيرُ ذلك [2295] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/277)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/549)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/223). .

المعنى الإجمالي:


أَمَرَ اللهُ نَبِيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَطْلُبَ من هؤلاءِ المُشركينَ أن يُقْبِلُوا إليه؛ ليُخْبِرَهم بما حَرَّمَه اللهُ عليهم يقينًا، وليس ظنًّا كقَوْلِهم على اللهِ الكَذِبَ، أَوْصاهم ألَّا يُشْرِكوا به شيئًا، وأنْ يُحْسِنُوا إلى الوالِدَينِ، وألَّا يَقْتُلوا أولادَهم بسبَبِ الفَقْرِ؛ فإنَّ اللهَ هو من يَرْزُقُهم ويرزُقُ أَوْلادَهم، ونهاهم عَنْ قِربانِ الفَواحِشِ ما كان منها علانِيَةً أو كان سِرًّا، وألَّا يَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ عليهم قَتْلَها إلَّا بالطَّريقِ الحَقِّ الموجِبِ لقَتْلِها شَرْعًا، ذلك وصَّاهم به اللهُ تعالى؛ لعَلَّهُم يَعْقِلونَ.
ونَهاهم سُبحانَه وتَعالى عن قِرْبانِ مالِ اليَتِيمِ إلَّا بِما يكونُ أَصْلَحَ له، حَتَّى يبْلُغَ أَشُدَّه فيَدْفَعُوا له مالَه، وأَمَرَهم بإيفاءِ الكَيْلِ والميزانِ بالعَدْلِ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، وأَمَرَهم تعالى بالعَدْلِ في القَوْلِ، ولو كان على ذي قَرابَةٍ، وأن يُوْفُوا بعَهْدِ اللهِ تعالى، ذلك وَصَّاهم به تعالى؛ لعَلَّهم يتَذَكَّرونَ.
وبيَّنَ جلَّ وعلا أنَّ هذا الذي وصَّاهم به هو طريقُه القَويمُ، ودِينُه المُوصِلُ إليه، فلْيَتَّبِعْه العبادُ، ولا يَتَّبِعوا الطُّرُقَ المخالِفَةَ لهذا الطَّريقِ؛ فتُضِلَّهم عنه، ذَلِك وصَّاهم اللهُ به؛ لعَلَّهم يتَّقونَ.

تفسير الآيات:


قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى فيما قَبْلَ هذه الآياتِ حُجَّتَه البالِغَةَ على المشركينَ الَّذين حَرَّموا على أنفُسِهم ما لم يُحَرِّمْه عليهم ربُّهُم، ودَحَضَ شُبْهَتَهم التي احتَجُّوا بها على شِرْكِهم به، وافترائِهم عليه؛ بَيَّنَ في هذه الآياتِ أُصُولَ المُحَرَّماتِ ومَجامِعَها في الأعمالِ والأقوالِ، وما يُقابِلُها من أصولِ الفَضائِلِ والبِرِّ [2296] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/161). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/177). ، فقال تعالى:
قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.
أي: قل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: هلمُّوا وأَقْبِلوا أُخْبِرْكم بما حَرَّمَ ربُّكم عليكم حَقًّا، يَقينًا لا ظَنًّا، كَقَوْلِكم على اللهِ الكَذِبَ، بل وحيًا منه إليَّ، وتنزيلًا أنزَلَه عليَّ [2297] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/656)، ((تفسير ابن كثير)) (3/359)، ((تفسير السعدي)) (ص: 279)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/445-450). .
أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
أي: أَوْصاكم ألَّا تُشْرِكوا بالله شيئًا مِن خَلْقِه لا قليلًا ولا كَثيرًا، وأَوْصاكم وأَمَرَكم أن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إحسانًا [2298] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/656-657)، ((تفسير ابن كثير)) (3/360-361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 279)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/544). .
كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة: 83].
وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23].
وقال سبحانه: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14].
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا أَوْصَى تعالى بِبِرِّ الآباءِ والأَجْدادِ؛ عَطَفَ على ذلك الإحسانَ إلى الأَبْناءِ والأَحْفادِ [2299] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/361). . وأيضًا لَمَّا أوصى بالسَّبَبِ في الوجودِ: الوالِدَينِ، نهى عن التَّسَبُّب في الإعدامِ، وهو القَتْلُ، وبدأ بأشَدِّه: قتلِ الوَلَدِ [2300]  ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/317). ، فقال تعالى:
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.
أي: ولا تَقْتُلوا أَوْلادَكم ذُكورًا وإناثًا؛ بسَبَبِ فَقْرِكم الحاصِلِ، وضِيقِكم مِن رِزْقِهم؛ فقد تَكَفَّلْنا برِزْقِ الجَميعِ، فلَسْتُم الَّذينَ تَرْزُقونَ أَوْلادَكم، بل ولا أَنْفُسَكم؛ فليس عليكم إذَنْ منهم ضِيقٌ [2301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/657-658)، ((تفسير ابن كثير)) (3/362)، ((تفسير السعدي)) (ص: 279). .
وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
أي: تَبَاعَدُوا عن ارْتِكابِ كُلِّ خَصْلةِ سُوءٍ مُتَناهِيَةٍ في القُبْحِ مِنْ كُلِّ مَعصيَةٍ خَسِيسةٍ، واجْتَنِبوا مُقدِّماتِها ووسائِلَها المُوصِلَةَ إليها، سواءٌ كان ذلك عَلَنًا يراه النَّاسُ، أو سِرًّا مِن غَيْرِ اطِّلاعِهم [2302] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/657-659)، ((تفسير السعدي)) (ص: 279-280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/482-483). قال السعدي: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ وهي: الذُّنُوب العِظَام المُسْتَفْحِشَة، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ أي: لا تَقْرَبوا الظَّاهِرَ منها والخَفِيَّ، أو المتعَلِّق منها بالظَّاهِر، والمتَعَلِّق بالقَلْبِ والباطن) ((تفسير السعدي)) (ص: 279-280). .
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: 33].
وعن المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، أنَّ سَعْدَ بنَ عُبادةَ قال: ((لو رأيتُ رَجُلًا مَعَ امرَأَتي لضَرَبْتُه بالسَّيْفِ غيرَ مُصْفِحٍ [2303] مُصْفِح أي: غيرَ ضاربٍ بِصَفْحِ السَّيفِ؛ وهو جانِبُه، بل أضرِبُه بحَدِّه؛ مِن صَفْحِ السَّيف أي: عَرْضُه وحَدُّه؛، فالضَّارِبُ مُصفِحٌ. والسَّيفُ مُصفَحٌ؛ فمن فتَحَ (الفاء) جعله وصفًا للسَّيفِ حالًا منه، ومَن كَسَر جَعَلَه وصفًا للضَّارِبِ وحالًا عنه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (10/131)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/2164). عنه، فبَلَغَ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: أَتَعْجبونَ مِنَ غَيْرَةِ سعدٍ؟ فواللهِ! لَأَنَا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ مني، من أجلِ غَيْرَةِ اللهِ حرَّمَ الفواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أغيَرُ مِنَ اللهِ... )) الحديث [2304] رواه مسلم (1499). .
وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ.
أي: ولا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ عليكم قَتْلَها؛ بأنْ جَعَلَها معصومةً مِن مؤمِنٍ أو كافرٍ معاهَدٍ أو ذِمِّيٍّ؛ فلا تَقْتُلوهَا إلَّا بالطَّريقِ الحَقِّ، المُوجِبَة لقَتْلِها شَرْعًا عندَ الله [2305] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/661-662)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/488-489). .
عن عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسْلِمٍ، يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ، إلَّا بإِحْدى ثلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثيِّبُ الزَّاني، والمُفارِقُ لدِينِه، التَّارِكُ للجَماعةِ )) [2306] رواه البخاري (6878) واللفظ له، ومسلم (1676). .
وعن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ [2307] لم يَرَحْ: أي: لم يَشَمَّ رائحةَ الجنَّةِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/272)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (6/2261).  رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجدُ من مَسيرةِ أربعينَ عامًا )) [2308] رواه البخاري (3166). .
وعن عرفَجَةَ بنِ أسعَدَ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَنْ أتاكُم، وأَمْرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريدُ أن يَشُقَّ عصاكُم، أو يُفَرِّقَ جَماعَتَكُم، فاقتُلُوهُ [2309] قال الشِّنقيطي بعد أنْ ذَكَر نصوصًا لأفعالٍ يُقتَل أصحابُها، واختلافَ أهْلِ العِلم في العَمَل بها: (فهذه أشياءُ دَلَّتْ عليها نصوصٌ أُخَر اختَلَف فيها العلماءُ، فمَن يقول: إنَّ صاحِبَها يُقتل. يقول: هي داخِلَةٌ في قوله: إِلَّا بِالْحَقِّ. ومن يقول: إنَّ صاحِبَها لا يُقتَل. يقول: لم تَدْخُل في قَوْلِه: إِلَّا بِالْحَقِّ لأنَّها عارَضَها ما هو أقوى منها، وهو حديثُ ابنِ مَسعودٍ المُتَّفَق عليه: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ...» الحديث) ((العذب النمير)) (2/499-500). ) [2310] رواه مسلم (1852). .
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أي: هذه الأُمورُ المذكورةُ في الآيَةِ قد عَهِدَ بها إليكم ربُّكم؛ لأَجْلِ أن تَعْقِلوا عنه وَصِيَّتَه هذه، فتَقُوموا بها [2311] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/662)، ((تفسير ابن كثير)) (3/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/500-502). .
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152).
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا كان المالُ عَديلَ الرُّوحِ، مِن حيثُ إنَّه لا قِوامَ لها إلا به؛ ابتدَأَ هذه الآيَةَ بالأموالِ بعد أنْ خَتَمَ الآيةَ التي قَبْلَها بالنَّهْيِ عن إزهاقِ الرُّوحِ، ولَمَّا كان أعظَمَ الأموالِ خَطَرًا وحُرْمَةً مالُ اليتيمِ؛ لِضَعْفِه، وقِلَّةِ ناصِرِه، ابتدأ به، فنَهَى عن قُرْبِه فضلًا عن أكْلِه أو شُرْبِه [2312] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/318). ، فقال تعالى:
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.
أي: ولا تَقْرَبوا مالَ اليتيمِ إلَّا بما يكونُ أَصْلَحَ له وأنفَعَ؛ بالمحافَظَةِ عليه، وتَنْمِيَتِه وتَثْميرِه في الوُجوهِ المأمونةِ التي يَغْلِبُ على الظَّنِّ- بِحَسَبِ العادَةِ- أنْ لا خَسَارةَ فيها، وذلك إلى وَقْتِ بُلوغِه، فإذا بَلَغَ وآنسْتُم منه رُشْدًا، وحُسْنَ تَصَرُّفٍ، فادْفَعُوا إليه مالَه [2313] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/662-665)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/506-512). .
كما قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء: 6].
وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ.
أي: وأَوْفُوا الكَيْلَ والميزانَ، فلا تَبْخَسُوا النَّاسَ الكَيْلَ إذا كِلْتُموهم، ولا تَبْخَسُوهم الوَزْنَ إذا وَزَنْتُموهم، ولكِنْ أَوْفُوهم حُقُوقَهم تامَّةً بالعَدْلِ في الأَخْذِ والإِعْطاءِ [2314] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/665)، ((تفسير ابن كثير)) (3/364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/547)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/513-517). .
كما قال تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء: 35].
لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان قَوْلُه: بِالْقِسْطِ قد يَشُقُّ بعضَ الأحيانِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَفُوتُه أن يُوَفِّيَ الكَيلَ أو الوَزْنَ أحيانًا؛ أعْقَبَ ذلك بقَوْلِه [2315] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/40). :
لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا.
أي: مَنِ اجتَهَدَ في أداءِ الحَقِّ، وأَخَذَه بالعَدْلِ، وحَرَصَ على الإيفاءِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، فأخطَأَ أو وَقَعَ منه نقْصٌ وتقصيرٌ بعد استفراغِ وُسْعِه، وبذْلِ جُهْدِه في ذلك؛ فلا حَرَجَ عليه [2316] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/517). .
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى.
وإذا حَكَمْتُم بين النَّاسِ فتكَلَّمْتُم، فقُولوا الحَقَّ بينهم، واعْدِلوا وأَنْصِفوا ولا تَجُوروا، ولو كان الذي يتَوَجَّهُ الحَقُّ والحُكْمُ عليه ذا قَرابًةٍ لكم [2317] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/666)، ((تفسير ابن كثير)) (3/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/547). ومن المفسِّرين من عمَّمَ ذلك ولم يَقْصُرْهُ على الحُكْم كالشنقيطي. يُنظر: ((العذب النمير)) (2/518). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء: 135].
وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ.
أي: وبوصيَّةِ اللهِ التي أَوْصاكم بها فأَوْفُوا، وذلك بطاعَتِه سبحانه فيما أَمَرَكم به، واجتنابِ ما نَهاكم عنه، سواء فيما يتعَلَّقُ بحقُوقِ اللهِ تعالى، أو بحُقُوقِ العبادِ [2318] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/666)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/520-521). .
ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
أي: هذا [2319] ذهب ابنُ جريرٍ إلى أنَّ الموصى به هنا عائدٌ إلى ما في هذه الآية والَّتي قبلها. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/667). وذهب ابن عاشور والشنقيطي إلى أنَّ المراد ما في هذه الآية فحسب. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/170)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/522-523). الذي بيَّنَه لكم مِنَ الأَحْكامِ فأَمَرَكم به، ونهاكم عنه، عَهِدَ إليكم به لتَتَذَكَّروه وتَأْخُذوا به، وتتَذَكَّروا عواقِبَ أَمْرِكم، وخَطَأَ ما أنتم عليه، فتَنْزَجِروا عن ذلك، وتَقُوموا بأَحكامِ ربِّكم [2320] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/667)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/338)، ((تفسير ابن كثير)) (3/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/522-523). قال ابنُ عاشور: (جاء مع هذه الوَصِيَّة بقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ لأنَّ هذه المطالِبَ الأربعةَ عُرِفَ بين العَرَبِ أنَّها محامِدُ، فالأمرُ بها والتحريضُ عليها تذكيرٌ بما عَرَفوه في شَأْنِها، ولَكِنَّهم تناسَوْه بغَلَبَةِ الهوى وغشاوَةِ الشِّرْك على قُلُوبِهم) ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/170). .
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)  .
مُناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى في الآيتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَينِ ما وَصَّى به؛ أجْمَلَ في آخِرِه إجمالًا يقتضي دُخولَ ما تقَدَّمَ فيه، ودخولَ سائِرِ الشَّريعةِ فيه؛ فقال [2321] ينظر: ((تفسير الرازي)) (14/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240). :
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ.
أي: وهذا الذي وصَّاكم به رَبُّكم- أيُّها النَّاسُ- وأَمَرَكم بالوَفاءِ به، هو طريقُه ودِينُه المُوصِلُ إليه، وإلى دارِ كَرامَتِه؛ الذي ارْتَضاه لعبادِه، وجَعَلَه مختَصَرًا معتَدِلًا قويمًا لا اعْوِجاجَ به عن الحَقِّ، فاسْلُكوه [2322] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/669)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ رَضِيَ الله عنه قال: ((خَطَّ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطًّا ثم قال: هذا سبيلُ اللهِ؛ ثم خَطَّ خُطوطًا عن يمينِه وعن شِمالِه؛ ثم قال: هذه سُبُلٌ- قال يزَيدُ: مُتَفَرِّقةٌ- على كُلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153])) [2323] أخرجه أحمد (4142) واللفظ له، والدارمي (202)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11174)، وابن حبان (7).  قال البزارُ في ((البحر الزخار)) (5/251): وهذا الكلامُ قد رُوي عن عبد الله من غيرِ وجه نحوه أو قريبًا منه، وقال ابن القيِّم في ((طريق الهجرتين)) (152): ثابتٌ، وصحَّح إسناده أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (6/89)، وصحَّحه ابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) (4/281)، والألباني في ((شرح الطحاوية)) (525). .
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.
أي: ولا تَتَّبِعوا الطُّرُقَ المخالِفَةَ لهذا الطَّريقِ؛ فتُضِلَّكم عنه، وتُفَرِّقَكم وتُشَتِّتَكم عن طَريقِه، ودِينِه الذي شَرَعَه، وارْتَضَاه لكم [2324] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/669)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
أي: هذا الذي أَمَرَكم به ربُّكم مِنِ اتِّباعِ سَبيلِه، ونهاكم عن اتِّباعِ غَيْرِه؛ عَهِدَ به إليكم؛ كي تَتَّقُوا اللهُ عزَّ وجلَّ [2325] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/669-670)، ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أمرٌ لنبيِّه عليه السَّلامُ بأَنْ يَدْعُوَ المَعْنِيِّينَ بالخِطابِ إلى سَماعِ تلاوةِ ما حَرَّمَ اللهُ تبارك وتعالى، وهكذا يجبُ على العُلماءِ أن يُبَلِّغوا النَّاسَ، ويُبَيِّنوا لهم ما حُرِّمَ عليهم مِمَّا أُحِلَّ [2326] ينظر: ((تفسير القرطبي)) (7/131). .
2- قولُ اللهِ تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يُرشِدُ إلى الإِحْسانِ بهما إِحْسانًا تامًّا كاملًا لا يَدَّخِرُ فيه وُسْعًا، وهذا يستلْزِمُ تَرْكَ الإساءَةِ وإن صَغُرَتْ، فكيف بالعُقوقِ المقابِلِ لغايةِ الإحسانِ، وهو مِن أكبَرِ كبائِرِ المُحَرَّماتِ [2328] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/163). ؟
3- الواجِبُ على الوالِدِ القيامُ بحَقِّ الوَلَدِ وتربِيَتُه، والاتِّكالُ في أمْرِ الرِّزْقِ على اللهِ تعالى؛ فقد قال الله تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [2329] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/458). .
4- في قَوْلِه: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ دقيقةٌ، وهي: أنَّ الإنسانَ إذا احتَرَزَ عن المعْصِيَةِ في الظَّاهِرِ، ولم يحتَرِزْ عنها في الباطِنِ؛ دَلَّ ذلك على أنَّ احترازَه عنها ليسَ لأَجْلِ عبودِيَّةِ اللهِ وطاعَتِه، ولكِنْ لأجْلِ الخَوْفِ من مذَمَّةِ النَّاسِ، وذلك باطِلٌ؛ لأنَّ من كان مَذَمَّةُ النَّاسِ عنده أعظَمَ وقْعًا من عقابِ اللهِ ونحوِه؛ فإنَّه يُخشَى عليه مِنَ الكُفْرِ؛ ومَنْ تَرَكَ المَعْصِيةَ ظاهرًا وباطنًا دلَّ ذلك على أنَّه إنَّما تَرَكَها؛ تعظيمًا لِأَمْرِ اللهِ تعالى، وخَوفًا مِن عذابِه، ورغبةً في عبودِيَّتِه [2330] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/178). .
5- ليس على المُكَلَّفِ- المبنيِّ أمْرُه على العَجْزِ للضَّعْفِ- إلَّا الجُهدُ والوُسْعُ، وما وراءَ الوُسْعِ مَعْفُوٌّ عنه؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [2331] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/319). .
6- قولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى يُرشِدُنا إلى العَدْلِ في القَوْلِ، سواءٌ في شَهادةٍ أو حُكمٍ على أحدٍ، ولو كان المَقولُ في حَقِّه ذلك القَوْلُ صاحِبَ قرابةٍ مِنَّا، فالعدْلُ واجِبٌ في الأقوالِ كما أنَّه واجِبٌ في الأفعالِ؛ لأنَّه هو الذي تَصْلُحُ به شُؤونُ النَّاسِ؛ فهو رُكْنُ العُمرانِ، وأَساسُ المُلْكِ، وقُطْبُ رَحَى النِّظامِ للبَشَرِ في جميع أُمُورِهم الاجتماعيَّة، فلا يجوزُ لمُؤْمِنٍ أن يحابِيَ فيه أحدًا لقرابَتِه ولا لِغَيْرِ ذلك [2332] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/319-320)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/169). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال: مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ولم يقُلْ: ما حَرَّمَ اللهُ؛ لأنَّ الرَّبَّ هنا أنسَبُ؛ حيثُ إنَّ الرَّبَّ له مُطْلَقُ التَّصَرُّف في المربوبِ، والحكمُ عليه بما تَقْتضيه حِكْمَتُه [2333] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/36). .
2- قولُ اللهِ تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، بدَأَ بالتَّوحيدِ في صريحِ البراءَةِ من الشِّرْكِ؛ إشارةً إلى أنَّ التَّخلِّيَ عن الرَّذائِلِ يكونُ قبل التَّحلي بالفَضائِلِ [2334] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/316). .
3- قولُ اللهِ تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، قَرَنَ بالتَّوحيدِ البِرَّ بالوالِدَينِ؛ وذلك لمناسَبَةٍ حسنةٍ: أنَّه مِن بابِ شُكْرِ المُنْعِم، فبَعْدَ أنْ وَصَّى بأوَّلِ واجِبٍ للمُنْعِمِ الأَوَّلِ المُوجِدِ مِنَ العَدَمِ؛ أتبَعَه ما لأَوَّلِ مُنْعِمٍ بعده بالتَّسبُّبِ في الوُجودِ، فنهى عن الإساءةِ إليهما في صورةِ الأَمْرِ بالإحسانِ بهما [2335] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/316). .
4- قولُ اللهِ تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الإِحْسانُ يتعَدَّى بـ (الباء) و (إلى) فيُقال: أحْسَنَ به، وأحْسَنَ إليه، والأُولَى أبْلَغُ، فهُو بالوالِدَينِ وذِي القُرْبى ألْيَقُ؛ لأنَّ مَن أحْسَنْتَ بِه هو مَن يتَّصِلُ به بِرُّكَ وحُسْنُ مُعامَلَتِك، ويلتصِقُ به مباشرةً على مَقْرُبةٍ منك، وعَدَمِ انفصالٍ عنك [2336] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/163). .
5- هذه الآياتُ تَدَلُّ على أنَّ الإنسانَ لا ينبغي له أنْ يَسْتَثْقِلَ كثرةَ الأولادِ؛ خوفًا من الجوعِ والفَقْرِ؛ لأنَّ خالِقَ السَّمواتِ والأرضِ يرزُقُ الجميعَ، وهذه مِن أَوْضَحِ الآياتِ على أنَّ ما يَتَلاعَبُ به الشَّيطانُ على من يَدْعُونَ إلى (تَحديد النَّسْل)؛ أنَّه جَهْلٌ واقتفاءٌ- في الجملة- لأهل الجاهليَّةِ؛ فهم مُشْترِكونَ في العِلَّة؛ لأنَّ اللهَ تعالى صَرَّحَ بأنَّ أهل الجاهليَّةَ إنَّما قَتَلُوهم مِن خَشْيَةِ الإملاقِ، وهؤلاء يُريدونَ تقليلَ عَدَدِهم مِن خَشْيَةِ الإملاقِ؛ فالعلَّة هي العلَّة، وكأنَّ قوله: نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لم يَطْرُقْ أسماعَهم أبدًا، فضمانُ خالِقِ السَّمواتِ والأرضِ لأرزاقِ الجَميعِ، كأنَّهم لم يَسْمَعوه، وكأنَّهم في جاهليَّةٍ جَهْلاءَ، وظُلْمةٍ ظَلماءَ؛ لأنَّ اللهَ ضامِنٌ رِزْقَ الجَميعِ، وكُلَّما كَثُرَ النَّسْلُ، وكَثُرَت الأيدي العامِلَةُ كَثُرَ الإنتاجُ، وكَثُرَت خيراتُ الله وأرزاقُه؛ لأنَّ الله يُنْزِلُ رِزْقَه بعَدَدِ خَلْقِه، وصَرَّحَ بهذا، وهو لا يُخْلِفُ الميعادَ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [2337] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/472، 473). .
6- في قول اللهِ تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ بعدَ أن بدأ بالتَّوحيدِ في صريحِ البراءةِ مِن الشِّرك، وقرَن به البرَّ، أولاه القتلَ الذي هو أكبرُ الكبائرِ بعدَ الشِّرك، وبدأه بقَتْلِ الوَلَدِ؛ لأنَّه أفحَشُ القَتْلِ، وأفحَشُ مِن مُطْلَقِه فِعْلُه خَوْفَ القِلَّةِ [2338] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/316). .
7- قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ عَظَّمَ أمْرَ الفواحِشِ بالنَّهْيِ عن قُرْبِها، فضلًا عن الغِشْيانِ؛ لأنَّها ذاتُ إغراءٍ وجاذِبِيَّةٍ، فنهَى عن مجرَّدِ الاقترابِ؛ سدًّا للذَّرائِعِ، واتِّقاءً للجاذِبِيَّة التي تَضْعُف معها الإرادةُ [2339] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/317-318).
8- قولُه: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ لم يَقُلْ: لا تَأْتُوا؛ لأنَّ النَّهْيَ عن القُرْبِ أَبْلَغُ من النَّهْيِ عن الإتيانِ؛ لأنَّ النَّهْيَ عن القُرْبِ نَهْيٌ عنها، وعمَّا يكون ذريعةً إليها؛ ولذلك حَرَّمَ على الرَّجُلِ أن ينْظُرَ إلى المرأةِ الأجنبيَّةِ، وأنْ يَخْلُوَ بها، وأنْ تُسافِرَ المرأةُ بِلا مَحْرَمٍ؛ لأنَّ ذلك يُقَرِّبُ مِنَ الفَواحِشِ [2340] يُنظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/38). .
9- لا شكَّ أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ التي حرَّمَ اللهُ؛ داخِلٌ في الفواحِشِ؛ إنْ فَعَلَه عَلَنًا أمامَ النَّاسِ فهو داخِلٌ فيما ظَهَرَ، وإن قَتَلَه غِيلَةً من حيثُ لا يراهُ النَّاسُ؛ فهو داخِلٌ فيما بطَنَ؛ لأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ من الفواحِشِ، واللهُ جلَّ وعلا خصَّه مع أنَّه داخِلٌ في العُمومِ، وفي ذلك حِكْمتانِ:
الأولى: تفظيعُ القَتْلِ وتهويلُ أَمْرِه؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93].
الثانية: لأنَّه لا يتأتَّى الاستثناءُ بقولِه: إِلَّا بِالْحَقِّ إلَّا مِن القتلِ، لا مِن عمومِ الفواحشِ، فالقَتْلُ منه ما هو بِحَقٍّ، فلا بدَّ أن يُستَثْنى بقولِه: وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام: 151] والاستثناءُ الذي هو إِلَّا بِالْحَقِّ لا يُمكِنُ حتى يُخرَجَ القَتْلُ من عمومِ الفَواحِشِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ [2341] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/179)، ((تفسير أبي حيان)) (4/688)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/487، 488). .
10- قولُ اللهِ تعالى: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ خَتَمَ كُلَّ آيةٍ مِنَ الثَّلاثِ الآياتِ بالوَصِيَّة؛ وذلك لِيَكونَ آكَدَ في القَوْلِ؛ فيكونَ أَدْعَى للقَبُولِ [2342] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/321). .
11- قولُه تعالى: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ في هذا دليلٌ على أنَّ هذه الأُمورَ إذا التَزَمَ بها الإنسانُ، فهو عاقِلٌ رَشيدٌ، وإذا خالَفَها فهو سَفِيهٌ ليس بعاقِلٍ؛ وقد تَضَمَّنَتْ هذه الآيَةُ خَمْسَ وصايا: الأولى: تَوحيدُ الله، الثانية: الإحسانُ بالوالدين، الثالثة: ألَّا نَقْتُلَ أَوْلادَنا، الرابعة: ألَّا نَقرَبَ الفواحِشَ، الخامسة: ألَّا نَقْتُلَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ [2343] ينظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/39). .
12- قولُه تعالى: وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ دلَّتِ الآيةُ على أنَّه بحَسَبِ عَقْلِ العَبْدِ يكونُ قيامُه بما أَمَرَ اللهُ به [2344] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
13- قوله: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الحُسْنُ هنا يشمَلُ: الحُسْنَ الدُّنيويَّ، والحُسْنَ الدِّينيَّ؛ فالحُسْنُ الدُّنيويُّ؛ كَإذا لاحَ للوَلِيِّ تَصَرُّفانِ أَحَدُهما أكثَرُ رِبحًا، فالواجِبُ عليه أن يأخُذَ بما هو أكثَرُ رِبحًا؛ لأنَّه أحْسَنُ، والحُسْنُ الدِّينيُّ مِثْلُ إذا لاح تَصَرُّفانِ أحَدُهما أكثَرُ رِبحًا، وفيه رِبًا، والآخَرُ أقَلُّ ربحًا، وهو أسْلَمُ مِنَ الرِّبا، فنُقَدِّمُ الأخيرَ؛ لأنَّ الحُسْنَ الشَّرعيَّ مُقَدَّمٌ على الحُسْنِ الدُّنيويِّ المادِّيِّ [2345] ينظر: ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/40). .
14- قولُه تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فيه دلالةٌ على أنَّ اليَتيمَ- قبل بُلُوغِ الأَشُدِّ - مَحْجورٌ عليه، وأنَّ وَلِيَّه يتصَرَّفُ في مالِه بالأَحَظِّ، وأنَّ هذا الحَجْرَ ينتهي ببلوغِ الأَشُدِّ [2346] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
15- قولُه تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ فيه تذكيرٌ لهم بالسَّخاءِ الذي يَتَمادَحون به؛ كأنَّه قيل لهم: أين سَخاؤُكم الذي تَتَنافَسونَ فيه؛ فهَلَّا تُظْهِرُونَه إذا كِلْتُم أو وَزَنْتُم؛ فتَزِيدوا على العَدْلِ بأنْ تُوَفِّروا للمُكتالِ كَرَمًا؛ فضلًا عَنْ أن تَسْرِقوه حَقَّه. وهذا تنبيهٌ لهم على اختلالِ أَخْلاقِهِم وعَدَمِ تَوازُنِها [2347] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/165). .
16- قولُه تعالى: لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا استدلَّ الأُصوليُّونَ بهذا على أنَّ الله لا يكلِّفُ أحدًا ما لا يُطيقُ، وعلى أنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ فيما أَمَرَ، وفَعَلَ ما يُمْكِنُه من ذلك، فلا حَرَجَ عليه فيما سِوَى ذلك [2348] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 280). .
17- قولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا خُصَّ العَدْلُ بالقَوْلِ، مع أنَّ الفِعْلَ إلى العدْلِ أحْوَجُ- فإنَّ الضَّرَرَ النَّاشِئَ مِنَ الجَوْرِ الفِعْليِّ أَقْوى مِنَ الضَّرَرِ النَّاشئِ مِنَ الجَوْرِ القَوْلِيِّ- وذلك ليُعْلَمَ وُجوبُ العَدْلِ في الفِعْلِ بالأَوْلى، كما في قَوْلِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [2349] ينظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 181). [الإسراء: 23].
18- قولُ اللهِ تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ وحَّدَ سبيلَه لأنَّه في نَفْسِه واحِدٌ، لا تعَدُّدَ فيه، وجَمَعَ السُّبُلَ المخالِفَةَ؛ لأنَّها كثيرةٌ مُتَعَدِّدةٌ [2350] ينظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (1/177). .
19- في قَوْلِه تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ جَعَلَ اللهُ الرَّجاءَ للتَّقْوى؛ لأنَّ هذه السَّبيلَ تَحْتَوي على تَرْكِ المُحَرَّمات، وتَزيدُ بما تَحْتَوي عليه مِن فِعْلِ الصَّالحاتِ، فإذا اتَّبَعَها السَّالِكُ فقد صار مِنَ المُتَّقِينَ؛ أي: الَّذين اتَّصَفوا بالتَّقْوى بمعناها الشَّرعيِّ؛ كقَوْلِه تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2351] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/174، 175). [البقرة: 2].

بلاغة الآيات:


1- قوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ للانتقالِ مِنْ إِبْطالِ تحريمِ مَا ادَّعَوْا تَحْريمَه مِنْ لُحُومِ الأَنْعامِ، إلى دَعْوَتِهم لِمَعْرِفَةِ المحرَّمات، التي عِلْمُها حَقٌّ، وهو أحَقُّ بأنْ يَعْلَمُوه مِمَّا اختَلَقُوا مِنِ افْتِرائِهم، ومَوَّهوا بِجَدَلِهم [2352] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/155). .
2- قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَضَعَه موضِعَ النَّهيِ عن الإساءَةِ إليهما؛ للمبالغَةِ، وللدَّلالَةِ على أنَّ تَرْكَ الإساءَةِ في شَأْنِهما غيرُ كافٍ بخلافِ غَيْرِهما، وللإيذانِ بأنَّ الإساءَةَ إليهما ليس مِن شَأْنِها أن تَقَعَ، فيُحْتاجَ إلى التَّصريحِ بالنَّهْيِ عنها؛ لأنَّها خِلافُ ما تَقْتَضي الفِطْرَةُ السَّليمةُ، والآدابُ المَرْعِيَّة عِنْد جَميعِ الأُمَمِ، وإنَّما عَدَلَ عن النَّهْيِ عنِ الإِساءَةِ إلى الأَمْرِ بالإحسانِ اعتناءً بالوالِدَينِ؛ لأنَّ اللهَ أرادَ بِرَّهُما، والبِرُّ إِحسانٌ، والأَمْرُ به يتضَمَّنُ النَّهْيَ عن الإِساءَةِ إليهما بِطَريِقِ فَحْوى الخِطابِ [2353] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/188)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/158)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/163). .
3- قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ بدأ هنا جلَّ وعلا برِزْقِ الوالِدَينِ، وفي سورةِ الإِسْراءِ بَدَأَ بِرِزْقِ الأَوْلادِ، والحكمةُ في ذلك أنَّه قال هنا: مِنْ إِمْلَاقٍ فالإملاقُ حاصِلٌ، فبَدَأَ بِذِكْرِ رِزْقِ الوَالِدَينِ اللَّذَينِ أَمْلَقَا، أي: ولا تَقتُلوهم مِن فَقْرِكم الحاصِلِ؛ ولهذا قال تعالى بعدَها: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإيَّاهُمْ فبَدَأَ برِزقِ المُخاطَبينَ؛ لأنَّه الأهَمُّ هاهنا، وهناك قال: خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ [الإسراء: 31] أي: خشيةَ حُصُولِ فَقرٍ في الآجِلِ، فهما غَنِيَّانِ، لكن يَخْشَيَانِ الفَقْرَ، فبَدَأَ بِرِزْقِ الأَوْلادِ قبلَ رِزْقِ الوَالِدَينِ؛ للاهتمامِ بهم، أي: لا تَخافوا مِن فَقْرِكم بِسَبَبِهم، فرِزْقُهم على الله [2354] ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/362)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/544)، ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) لابن عثيمين (1/37). .
- وفي قولِه نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ: استئنافٌ مَسُوقٌ لتَعْليلِ النَّهْيِ عن قَتْلِهم، وإِبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوه سَبَبًا [2355] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/198)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/159). .
4- قوله: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ فيه: نَهْيٌ عن اقترافِ الآثامِ، وقد نهى عن القُرْبِ منها، وهو أبلَغُ في التَّحذيرِ مِنَ النَّهْيِ عن مُلابَسَتِها؛ للمبالَغَةِ في الزَّجْرِ عنها [2356] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/198)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/159). .
5- قوله: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فيه: تَوجيهُ النَّهْيِ إلى قِرْبانِه؛ لِمَا مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عن أَكْلِه؛ ولإخراجِ القِرْبانِ النَّافعِ عن حُكْمِ النَّهْيِ بطريقِ الاستِثْناءِ [2357] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/199). .
6- قوله: وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولو كانَ ذَا قُرْبَى قوله: وَلَوْ وصْلِيَّةٌ تفيدُ المبالغَةَ في الحالِ التي مِنْ شَأْنِها أنْ يَظُنَّ السَّامِعُ عَدَمَ شُمُولِ الحُكْمِ إيَّاها؛ لاخْتِصَاصِها مِن بينِ بَقِيَّةِ الأَحْوالِ التي يَشْمَلُها الحُكْمُ [2358] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/167). .
7- قوله: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا فيه: تقديمُ المجرورِ على عامِلِه أَوْفُوا؛ للاهتمامِ بِأَمْرِ العَهْدِ، وصَرْفِ ذِهْنِ السَّامِعِ عنده؛ ليتَقَرَّرَ في ذِهْنِه ما يَرِدُ بَعْدَه مِنَ الأَمْرِ بالوَفَاءِ [2359] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور))  (8-أ/170). .
8- قوله: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ استئنافٌ جِيءَ به تجديدًا للعَهْدِ وتأكيدًا له [2360] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/199- 201). ، وقد كَرَّرَ التَّوْصِيَةَ على سَبيلِ التَّوْكِيدِ [2361] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/692). .
- وقد خَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِه: تَعْقِلُونَ، والثانيةَ بقولِهِ: تَذَكَّرُونَ، والثَّالثَةَ بِقَوْلِه: تَتَّقُونَ؛ وذلك لمناسبَةٍ حَسَنَةٍ؛ فالآيةُ الأولى اشتَمَلَتْ على خمسةِ أشياءَ عِظامٍ، والوصيَّةُ فيها أبْلَغُ منها في غَيْرِها، فخَتَمَها بما في الِإنسانِ مِن أَعْظَمِ السَّجَايا، وهو «العَقْل» الذي امتازَ به على سائِرِ الحيوانِ. والثانية: اشتَمَلَتْ على خَمْسَةِ أشياءَ يَقْبُحُ ارتكابُها، والوصيَّةُ فيها تَجْري مَجْرى الزَّجْر والوَعْظِ، فخَتَمَها بِقَوْلِه: تَذَكَّرونَ أي: تَتَّعِظونَ. والثالثة: اشتَمَلَتْ على ذِكْرِ الصِّراطِ المستقيمِ، والتَّحريضِ على اتِّباعِه واجتنابِ مُنافِيه، فخَتَمَها بالتَّقْوى التي هي مِلاكُ العَمَلِ، وخَيْرُ الزَّادِ [2362] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/181-182). .
وقيل: لعلَّ السَّبَبَ في ذلك أنَّ الخِلالَ الخَمْسَ المذكورةَ في الآيةِ الأُولى أمورٌ ظاهِرةٌ جلِيَّةٌ، يُدرِكُ العَقْلُ قُبْحَها شَرعًا؛ فأُتْبِعَت بترجِّي التعقُّلِ، لأنَّ السَّلامةَ منها لا تكونُ مع وضوحِ أَمْرِها إلَّا بتوفيقِ اللهِ تعالى، في حين أنَّ الخَمْسَ التَّاليةَ لها خفيَّةٌ وغامضةٌ، لا بدَّ فيها مِنَ الاجتهادِ والفِكْرِ حتى يقِفَ المرءُ على موضِعِ الاعتدالِ فيها؛ إذ هي مما تُؤَثِّرُ فيه الشَّهواتُ والأهواءُ، وذلك مما يُعْمِي وَيُصِمُّ؛ ولذا أُتبِعَتْ برجاءِ التذكُّرِ؛ لأنَّ مَن تذكَّرَ أبصَرَ فعَقِلَ فامتَنَع، ولَمَّا كان مجموعُ هذه المُرتَكَباتِ العَشْرِ ممَّا اتَّفَقت عليه الشرائِعُ، ولم تُنسَخْ في ملَّةٍ مِنَ المِلَلِ، وأنَّ مَن أخَذَ بها كان سالكًا الصِّراطَ المستقيمَ الذي لا عِوَجَ فيه ولا أمْتَ- عَقَّبَ بقَوْلِه تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ؛ إذ إنَّ الأمرَ فيه عامٌّ لكافَّةِ الخَلْقِ، ثمَّ قال تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ وأتبَعَه بقوله: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد ترتَّبَ حاصلًا مِن مضمونِ الآياتِ الثلاثِ أنَّه مَن عَقِلَ وتذكَّرَ اتَّقى [2363] يُنظر: ((ملاك التأويل)) للغرناطي (1/174).  .