موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيتان (33-34)

ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ

غريب الكلمات:


سُلْطَانًا: أي: حُجَّةً، وأصْلُ السُّلطانِ: القوَّةُ والقَهرُ، مِنَ التَّسلُّطِ؛ ولذلك سُمِّيَ السُّلطانُ سُلطانًا [378] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 247، 420، 724). .
أُمَّةٍ: أي: جماعةٍ، أو قَرْنٍ وجِيلٍ، وتُطلَقُ الأمَّةُ على المِلَّةِ والسُّنَّةِ والدِّينِ والحِينِ [379] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 81،202، 144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 83، 344)، ((تفسير ابن كثير)) (3/409). .
أَجَلٌ: أي: وَقْتٌ لِحُلولِ الهَلاكِ، والأجَلُ غايةُ الوَقتِ في مَحِلِّ الدَّينِ وغَيرِه، والمدَّةُ المضَروبةُ للشَّيءِ، كالمُدَّة المضروبةِ لحياةِ الإنسانِ؛ فيُقال: دنا أجَلُه، وهو عبارةٌ عن دُنوِّ المَوتِ، واستيفاءُ الأجَلِ، أي: مدَّةُ الحياةِ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/165)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1 /64)، ((المفردات)) للراغب (ص: 65). .
سَاعَةً: أي: وقتًا قليلًا مِنَ الزَّمانِ، وأصل (سوع): يدلُّ على استمرارِ الشَّيءِ ومُضيِّه [381] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/116)، ((المفردات)) للراغب (ص: 434). .

المعنى الإجمالي:


أمرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يخبِرَ المُشركينَ أنَّه عزَّ وجلَّ إنَّما حرَّمَ الذُّنوبَ التي تناهَتْ في القُبحِ، ما ظهرَ منها وما خَفِيَ، وحرَّمَ المعاصِيَ التي تتعلَّقُ بمن عصى نفسَه، وحرَّمَ التعدِّيَ على الغيرِ  بغيرِ حقٍّ، وحرَّمَ أن يُتَّخَذ معه شريكٌ في عبادَتِه، لم يجعَلِ اللهُ معه حُجَّةً تدلُّ على إشراكِه، وحرَّمَ عزَّ وجلَّ القَولَ عليه بلا علمٍ.
وأخبَرَ تعالى أنَّ لكلِّ أمَّةٍ مُكَذِّبةٍ وقتًا محددًا لحُلولِ العُقوبةِ عليهم، فإذا جاءَ الوقتُ الذي وقَّتَه اللهُ لإهلاكِهم هَلَكوا، ولا يتأخَّرونَ عنه ساعةً، ولا يتقدَّمونَ.

تفسير الآيتين:


قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا بَيَّنَ في الآيةِ الأولى أنَّ الذي حرَّمَه المشركونَ مِن الزَّينةِ وغَيرِها مِنَ الطَّيِّباتِ، ليس بحرامٍ، وانتهى من تَفنيدِ هذا الباطِلِ الذي يدَّعُونه ويَفتَرونَه- بَيَّنَ في هذه الآيةِ أنواعَ المُحَرَّمات، فحَرَّمَ أوَّلًا الفواحِشَ، وثانيًا الإثمَ [382] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/232)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/390). ، فقال:
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
أي: قُلْ- يا نبيَّ اللهِ- لهؤلاءِ المُشركينَ: إنَّ ربِّي لم يُحَرِّمْ ما تُحَرِّمونَه، وإنَّما حرَّمَ الذُّنُوبَ التي تناهَتْ في القُبحِ، ما كان منها علانِيَةً، وما كان منها في خفاءٍ [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/163)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/100)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/173- 175). وقيل: إنَّ ظاهرَ الإثمِ ما يفعلُه بالجوارحِ، وباطنَه ما يعتقدُه بالقلبِ، واختاره الماورديُّ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (2/161)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287). .
كما قال تعالى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120].
وقال عزَّ جلَّ: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام: 151].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا أحَدَ أغيَرُ مِنَ الله؛ ولذلك حَرَّمَ الفواحِشَ ما ظهَرَ منها وما بَطَنَ )) [384] رواه البخاري (4637) ومسلم (2760). .
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي: وحرَّمَ ربِّي الإثمَ، وهو المعاصِي المتعلِّقةُ بالفاعِلِ نَفسِه، وحرَّمَ البَغيَ، وهو التَّعدِّي على النَّاسِ في دمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم [385] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/163)، ((تفسير ابن كثير)) (3/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287). قال الشِّنقيطيُّ: (قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ لا يكونُ بغيٌ بحَقٍّ أبدًا؛ فكلُّ بغيٍ بغيرِ حَقٍّ لا شَكَّ، كما قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ومعلومٌ أنَّ النَّبيِّينَ لا يُقتلونَ بحَقٍّ أبدًا، فهو كالتوكيدِ، كقوله: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38] يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79]. وقال بعضُ العُلَماءِ: بِغَيْرِ الْحَقِّ كقولِه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: 40] لأنَّ مَن بُغِيَ عليه ثم انتَقَم، قد يسمَّى هذا بغيًا، كقوله:  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وكما سمَّى الانتقامَ اعتداءً، في قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] سمَّى جزاءَ الاعتداءِ: اعتداءً، وجزاءَ السَّيئةِ: سيئةً، وإن كان الانتقامُ ليس سيِّئةً، وليس اعتداءً). ((العذب النمير)) (3/175). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/233). .
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
أي: وحرَّمَ ربي اتِّخاذَ شَريكٍ له في عبادَتِه، لم يجعَلِ اللهُ معه حجَّةً تَدَلُّكم على إشراكِه [386] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/164)، ((تفسير ابن كثير)) (3/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/101)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/175). قال الشِّنقيطيُّ: (الإشراكُ باللهِ لا يُنَزَّلُ به سُلطانٌ ألبتَّةَ، كقوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون: آية 117] فمعلومٌ أنَّ الإلهَ الثَّانيَ لا يكونُ به برهانٌ ألبتَّةَ، وقد تقرَّرَ في علمِ الأصُولِ أنَّ النَّصَّ مِنَ الكِتابِ والسنَّةِ إذا جاء مُبَيِّنًا للحقيقةِ الواقعةِ لا يكون له مفهومُ مُخالفةٍ، والواقِعُ أنَّهم يُشركونَ باللهِ ما لم يُنَزِّلْ به سلطانًا، فجاءت الآيةُ مُبَيِّنةً للحقيقةِ الواقعةِ؛ ليكون النَّهيُ واقعًا على بيانِ الحقيقةِ الواقِعةِ). ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/176)، وينظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (4/280). .
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
أي: وحرَّمَ ربي عليكم القَولَ عليه بلا علمٍ؛ في أسمائِه وصفاتِه، وأفعالِه وشَرعِه [387] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/164)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/176). .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا نعى اللهُ على المشركينَ ضلالَهم وتمرُّدَهم- بعد أنْ دعاهم إلى الإيمانِ- وإعراضَهم عنه، بالمجادلةِ والتَّوبيخِ، وإظهارِ نقائِصِهم بالحُجَّة البيِّنةِ، وكان حالُهم حالَ مَن لا يُقلِعُ عمَّا هم فيه- أعقَبَ ذلك بإنذارِهم ووعيدِهم؛ إقامةً للحُجَّةِ عليهم، وإعذارًا لهم قبل حُلولِ العَذابِ بهم [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/102). .
وأيضا لَمَّا بَيَّنَ الله تعالى الحلالَ والحَرامَ، وأحوالَ التَّكليفِ، بَيَّنَ أنَّ لكُلِّ أحدٍ أجلًا مُعَيَّنًا لا يتقَدَّمُ ولا يتأخَّرُ، والغَرَضُ منه التَّخويفُ؛ ليَجِدَّ المرءُ في القيامِ بالتَّكاليفِ كما ينبغي [389] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/234). ، فقال تعالى:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
أي: ولكُلِّ أمَّةٍ مُكَذِّبةٍ وقتٌ محدَّدٌ لحلولِ العذابِ [390] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/165)، ((البسيط)) للواحدي (9/110)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/103)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/185). وقيل: المرادُ: لكلِّ قَرْنٍ وجيلٍ مِيقاتُه المُقَدَّر لانتهائِه. واختاره ابنُ كثيرٍ والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287). .
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
أي: فإذا جاء الوَقتُ الذي وقَّتَه اللهُ تعالى لهلاكِهم، هَلَكوا، ولا يتأخَّرونَ بالبَقاءِ في الدُّنيا عن ذلك الوَقتِ ساعةً، ولا يتقدَّمونَ عنه ساعةً [391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/165)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/105)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/188- 189). .

الفوائد التربوية:


قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فذكَر المُحَرَّماتِ التي اتَّفَقَتْ على تحريمِها الشَّرائِعُ والأديانُ، ولا تُباحُ بحالٍ، بل لا تكونُ إلا مُحَرَّمةً، وليسَتْ كالمَيتةِ والدَّمِ ولحْمِ الخِنزيرِ، الذي يباحُ في حالٍ دُونَ حالٍ. فإنَّ المُحَرَّماتِ نوعانِ: مُحَرَّمٌ لِذاتِه لا يُباحُ بحالٍ، ومُحَرَّمٌ تحريمًا عارِضًا في وقتٍ دونَ وقتٍ؛ قال الله تعالى في المُحَرَّمِ لِذَاتِه: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، ثم انتقَلَ منه إلى ما هو أعظَمُ منه، فقال: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، ثُمَّ انتقلَ منه إلى ما هو أعظَمُ منه، فقال: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، ثمَّ انتقَلَ منه إلى ما هو أعظَمُ منه، فقال: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، فهذا أعظَمُ المُحَرَّماتِ عند اللهِ، وأشَدُّها إثمًا، ولهذا ذُكِرَ في المرتَبةِ الرَّابعةِ مِنَ المُحَرَّمات المذكورةِ في هذه الآيةِ؛ فإنَّه يتضَمَّنُ الكَذِبَ على اللهِ، ونِسبَتَه إلى ما لا يليقُ به، وتغييرَ دِينِه وتَبديلَه، ونَفيَ ما أثبَتَه، وإثباتَ ما نفاه، وتحقيقَ ما أبطَلَه، وإبطالَ ما حَقَّقَه، وعداوةَ مَن والاه، ومُوالاةَ مَن عاداه، وحُبَّ ما أبغَضَه، وبُغضَ ما أحَبَّه، ووصْفَه بما لا يليقُ به في ذاتِه وصِفاتِه وأقوالِه وأفعالِه؛ فليس في أجناسِ المُحَرَّماتِ أعظَمُ عند اللهِ منه، ولا أشَدُّ إثمًا، وهو أصلُ الشِّركِ والكُفرِ، وعليه أُسِّسَتِ البِدَعُ والضَّلالاتُ، فكُلُّ بِدعةٍ مُضِلَّةٍ في الدِّينِ أساسُها القَولُ على الله بلا عِلمٍ [392] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/378). .
قال سبحانه: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فهذه الأنواعُ الأربعةُ هي التي حَرَّمَها تحريمًا مُطلقًا؛ فالفواحِشُ متعلِّقةٌ بالشَّهوةِ، والبَغيُ بغَيرِ الحَقِّ يتعلَّقُ بالغَضَبِ، والشِّركُ باللهِ فَسادُ أصلِ العَدلِ؛ فإنَّ الشِّركَ ظُلمٌ عَظيمٌ، والقَولُ على الله بلا علمٍ فَسادٌ في العِلمِ، فقد حَرَّمَ سبحانه هذه الأربعةَ؛ وهي: فَسادُ الشَّهوةِ، والغَضَبِ، وفسادُ العَدْلِ، والعِلمِ [393] يُنظر: ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) لابن تيمية (6/33). .
دخَلَ في قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ تحريمُ كُلِّ فاحِشةٍ ظَاهِرةٍ وباطِنةٍ، وكُلِّ ظُلمٍ وعُدوانٍ في مالٍ أو نَفْسٍ أو عِرْضٍ، وكُلِّ شِركٍ باللهِ، وإنْ دَقَّ؛ في قولٍ أو عَمَلٍ أو إرادةٍ، بأن يَجعلَ للهِ عَدْلًا بِغَيرِه في اللَّفظِ أو القَصدِ أو الاعتقادِ، وكلِّ قولٍ على الله، لم يأتِ به نَصٌّ عنه ولا عن رسولِه؛ في تحريمٍ أو تحليلٍ، أو إيجابٍ أو إسقاطٍ، أو خبرٍ عنه باسْمٍ أو صِفةٍ، نفيًا أو إثباتًا، أو خبرًا عن فِعلِه؛ فالقَولُ عليه بلا عِلمٍ حرامٌ في أفعالِه وصِفاتِه ودِينِه [394] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/252). .

الفوائد العلمية واللطائف:


النَّظَرُ إلى العَوْراتِ حَرامٌ داخِلٌ في قولِه تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ فإنَّ الفواحِشَ وإن كانَتْ ظاهرةً في المُباشَرةِ بالفَرجِ أو الدُّبُرِ وما يتبَعُ ذلك مِنَ المُلامَسةِ والنَّظَر وغيرِ ذلك، وكما في قِصَّةِ لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 80]، وقوله: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً[الإسراء: 32]، فالفاحشةُ أيضًا تتناوَلُ كشْفَ العَورةِ وإن لم يكُنْ في ذلك مُباشرةٌ، كما قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف: 28]، وهذه الفاحِشَةُ هي طَوافُهم بالبيتِ عُراةً [395] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/381). .
قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ دليلٌ على أنَّها فواحِشُ في نَفسِها، لا تَستَحسِنُها العُقولُ؛ فتعلَّقَ التحريمُ بها لفُحْشِها، فإنَّ ترتيبَ الحُكْمِ على الوَصفِ المُناسِبِ المُشتَقِّ؛ يدلُّ على أنَّه هو العلَّةُ المُقتَضِيةُ له، والعلَّةُ يجبُ أنْ تُغايرَ المَعلولَ، فلو كان كونُه فاحِشةً هو معنى كَونِه مَنهِيًّا عنه؛ كانت العلَّةُ عينَ المعلولِ! وهذا مُحالٌ [396] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/7). .
في قَولِه تعالى:قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فيه بيانُ أُصولِ المُحَرَّماتِ العامَّةِ التي حَرَّمَها لضررٍ ثابتٍ لازمٍ لها، لا لعلَّةٍ عارضةٍ، وكلُّها مِن أعمالِهم الكَسبيَّةِ، لا مِن مواهِبِه ونِعَمِه الخِلقيةِ؛ ليُعلَمَ أنَّه- له الحمدُ والشُّكرُ- لم يُحَرِّمْ على النَّاسِ إلَّا ما هو ضارٌّ بهم، دون ما هو نافِعٌ لهم [397] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/351). .
قولُ الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ، إنَّما ذُكِرَت (السَّاعة) وإن كان دُونَها كذلك؛ لأنَّها كانت أقلَّ اسمٍ للأوقاِت في العُرفِ [398] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/234)، ((تفسير الشربيني)) (1/473). .
قولُ الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ،  ذِكرُ عُمومِ الأُمَمِ في هذا الوعيدِ- مع أنَّ المقصودَ هم المُشركونَ مِنَ العَرَبِ الذين لم يُؤمنوا- إنَّما هو مبالغةٌ في الإنذارِ والوعيدِ، بتقريبِ حُصُولِه كما حصَلَ لِغَيرِهم مِنَ الأُمَمِ؛ على طريقةِ الاستشهادِ بشواهِدِ التَّاريخِ في قياسِ الحاضِرِ على الماضي، فيكونُ الوَعيدُ خَبَرًا معضودًا بالدَّليلِ والحُجَّةِ [399] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/103). .
قولُ الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ذَكَرَ (الأجل) هنا، دون أن يقولَ (لكُلِّ أمَّةٍ عذابٌ أو استئصالٌ)؛ إيقاظًا لعُقُولِهم من أن يَغُرَّهم الإمهالُ، فيحسَبُوا أنَّ اللهَ غيرُ مُؤاخِذِهم على تكذيبِهم [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/103). .

بلاغة الآيتين:


قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فيه قصرٌ إضافيٌّ؛ لأنَّه لَمَّا كانَتِ المُحَرَّماتُ المذكورةُ في الآيةِ غيرَ محصورةٍ في هذه الأشياءِ؛ دلَّ ذلك على أنَّ القَصرَ المفاد مِن إنَّمَا قَصرٌ إضافيٌّ، مَفادُه أنَّ اللهَ حَرَّمَ الفَواحِشَ وما ذُكِرَ معها، لا ما حَرَّمْتُموه مِنَ الزِّينةِ والطَّيِّباتِ، فأفاد إبطالَ اعتقادِهم، ثم هو يُفيدُ بطَريقِ التَّعريضِ أنَّ ما عَدَّه اللهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الثَّابتِ تحريمُها قد تلبَّسوا بها؛ لأنَّه لَمَّا عدَّ أشياءَ، وقد عَلِمَ النَّاسُ أنَّ المُحَرَّماتِ ليستْ محصورةً فيها؛ عَلِمَ السَّامِعُ أنَّ ما عيَّنَه مقصودٌ به تعيينُ ما تلبَّسوا به، فحَصَل بصيغةِ القصرِ ردٌّ عليهم مِن جانَبَيْ ما في صِيغة (إِنَّمَا) من إثباتٍ ونفيٍ [401] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/99). .
وقوله: وَالْإِثْمَ هو كُلُّ ذَنبٍ، فهو أعَمُّ مِنَ الفَواحِشِ؛ فيكون ذِكرُ الفَواحِشِ قَبلَه للاهتمامِ بالتَّحذيرِ منها قبلَ التَّحذيرِ مِن عُمومِ الذُّنوبِ؛ فهو مِن ذِكرِ الخاصِّ قبلَ العامِّ للاهتمام، كذِكرِ الخاصِّ بعد العامِّ، إلَّا أنَّ الاهتمامَ الحاصِلَ بالتَّخصيصِ مع التَّقديمِ أقوى؛ لأنَّ فيه اهتمامًا مِن جِهَتينِ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/100). .
وعطفُ البَغيِ على الإثمِ في قولِه: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ مِن عَطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتمامِ به؛ لأنَّ البغيَ كان دأْبَهم في الجاهليَّةِ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/101). .
قوله: وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أي الظُّلمُ أو الكِبرُ؛ أُفرِدَ بالذِّكرِ؛ للمُبالغةِ في الزَّجرِ عنه [404] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/11)، ((تفسير أبي السعود)) (3/224). .
وقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ متعلِّقٌ بالبَغي مُؤَكِّدٌ له معنًى [405] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/11). .
قوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
قُدِّم الظَّرفُ في قوله: وَلِكُلِّ على عامِلِه أَجَلٌ؛ للاهتمامِ به؛ ليتأكَّدَ بذلك التقديمِ معنى التَّعليقِ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/105). .
وفي قوله: فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ أظهرَ لفْظ (أَجَل) في قوله: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ، ولم يَكتفِ بضَميرِه؛ لزيادةِ تقريرِ الحُكمِ عليه، ولتكونَ هذه الجملةُ مُستقلَّةً بنفسِها، غيرَ مُتوقِّفةٍ عن سماعِ غيرها؛ لأنَّها بحيثُ تَجرِي مَجرَى المَثَل، وإرسالُ الكلامِ الصَّالِحِ لأنْ يَكونَ مَثَلًا طريقٌ من طُرُقِ البلاغة [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/105). ، والإضافةُ إلى الضَّميرِ؛ لإفادةِ أكملِ التَّمييز، أي: إذا جاءَها أجلُها الخاصُّ بها [408] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/225). .
والسين والتاء في قوله: يَسْتَأْخِرُونَ، ويَسْتَقْدِمُونَ للتأكيدِ؛ إذ هما بمعنى: يَتأخَّرون ويَتقدَّمون؛ مِثل اسْتَجاب [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/105). .
وفي هذِه الآيةِ مُناسَبةٌ حسنة؛ حيثُ قال تَعالى هنا في سُورةِ الأعراف: فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ،  وكذلك في سُورة النَّحل: فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ... [النحل: 61]،  فعَطَفَ بالفاءِ، وأمَّا في سورة يونس فقال: إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: 49]؛ وذلك لأنَّ ما هنا في سورةِ الأعرافِ وكذلك ما في سُورةِ النَّحلِ: جُملةٌ عُطِفتْ على جملةٍ أُخرى مصدَّرةٌ بالواوِ بينهما اتِّصالٌ وتَعقيب؛ فكان الموضعُ موضِعَ الفاء، فحسُنَ الِإتيانُ بالفاءِ الدَّالةِ على التعقيبِ، بخِلافِ ما في يُونَس [410] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:119)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/191-192). .