موسوعة التفسير

سورةُ ص
الآيات (27-29)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ

غريب الكلمات:


فَوَيْلٌ: وَيلٌ: كَلِمةٌ تُقالُ عندَ الهَلَكةِ، والويلُ: الحزنُ والهلاكُ والمشَقَّةُ مِن العذابِ، وقيل: الوَيلُ: وادٍ في جَهنَّمَ [405] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/164)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 888)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (5/236). قال الراغب: (ومَن قال: «ويلٌ»: وادٍ في جهنَّمَ، فإنَّه لم يُرِدْ أنَّ «ويلًا» في اللُّغةِ هو موضوعٌ لهذا، وإنَّما أراد مَن قال الله تعالى ذلك فيه فقد استحقَّ مقرًّا مِن النَّارِ، وثبَت ذلك له). ((المفردات)) (ص: 888). .
مُبَارَكٌ: البَرَكَةُ: مِن الزِّيادةِ والنَّماءِ، وهي ثُبوتُ الخَيرِ الإلهيِّ في الشَّيءِ، والمُبارَكُ ما فيه ذلِك الخَيرُ، وأصل (برك): يدُلُّ على ثباتِ الشَّيءِ [406] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/227، 230)، ((المفردات)) للراغب (ص: 119)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 248). .
لِيَدَّبَّرُوا: أي: لِيَتأمَّلوا في معانيه، ويَتبصَّروا ما فيه؛ يُقال: تدبَّرتُ الأمرَ، أي: نظرتُ في عاقبتِه، والتَّدبيرُ: قَيْسُ دُبُرِ الكلامِ بقُبُلِه، ثمَّ جُعِل كلُّ تمييزٍ تدبيرًا، وأصلُ (دبر): آخِرُ الشَّيءِ وخَلْفُه، خِلافُ قُبُلِه [407] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 524)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/324)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 382)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 287). .
الْأَلْبَابِ: أي: العقولِ الزَّكيَّةِ، مُفردُها لُبٌّ، وأصْلُ اللُّبِّ: الخُلُوصُ والجَودةُ، والشَّيءُ المُنتقَى [408] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 51)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/199)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى مُنزِّهًا نفْسَه عن العبثِ ومتوعِّدًا الكفَّارَ الَّذين يَظنُّونَ ذلك: وما خلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما خَلْقًا باطِلًا لا حِكمةَ فيه، ذلك ظَنُّ الَّذين كَفَروا، فوَيلٌ للَّذين كَفَروا مِن عذابِ النَّارِ في الآخِرةِ.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه أنَّ حِكمتَه اقتضَتْ عدمَ المساواةِ بيْنَ الأخيارِ والأشرارِ، فيقولُ: بل أنجعَلُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ كالَّذين يُفسِدونَ في الأرضِ؟!
بل أنجعَلُ المتَّقينَ كالَّذينَ يَنتَهِكونَ حُرُماتِ الله؟ كلَّا؛ لا يَستَوونَ عندَ اللهِ.
ثمَّ يُثْني الله سبحانَه على القرآنِ الكريمِ، ويُبيِّنُ حكمةَ إنزالِه، فيقولُ: هذا القُرآنُ أنزَلْناه إليك -يا مُحمَّدُ- مُبارَكٌ، كَثيرُ النَّفعِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ لِيتدَبَّرَ النَّاسُ آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ.

تفسير الآيات:


وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا جَرَى في خِطابِ داودَ عليه السَّلامُ ذِكرُ نِسيانِ يَومِ الحِسابِ وترتيبُ العذابِ الشَّديدِ على إنكارِه، وكان أقصى غاياتِ ذلك النِّسيانِ جحودُ وُقوعِه -لِأنَّه يُفْضي إلى عَدَمِ مُراعاتِه ومُراقَبَتِه أبَدًا-؛ اعتُرِضَ بيْنَ القِصَّتَينِ بثَلاثِ آياتٍ لِبَيانِ حِكمةِ اللهِ تَعالى في جَعلِ الجَزاءِ ويَومِه احتِجاجًا على مُنكِريهِ مِنَ المُشرِكين [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/246). .
وأيضًا بعدَ أنْ ذكَر أنَّ الَّذين يَضِلُّونَ عن سَبيلِ اللهِ لهم العذابُ الشَّديدُ يومَ الحِسابِ؛ لِظَنِّهم أنَّه ليس بكائنٍ- أعقَبَ هذا ببيانِ أنَّ هذا اليومَ آتٍ لا رَيْبَ فيه؛ لأنَّه سُبحانَه لم يَخلُقِ الخَلقَ عَبَثًا، بل خلَقَهم لعبادتِه وتوحيدِه، ثمَّ يَجمَعُهم يومَ الجَمعِ فيُثيبُ المُطيعينَ، ويُعذِّبُ الكافِرين [410] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (23/113). .
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا.
أي: وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما عَبَثًا ولَعِبًا ولَهْوًا بلا غايةٍ ولا حِكمةٍ [411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/78)، ((تفسير القرطبي)) (15/191)، ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 59)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/252، 253)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/371)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 132، 133). قال ابنُ القيِّم: (اتَّفَق المفَسِّرون على أنَّ الحَقَّ الذي خُلِقَت به السَّمَواتُ والأرضُ هو الأمرُ والنَّهيُ، وما يترتَّبُ عليهما من الثَّوابِ والعِقابِ؛ فمن جَحَد ذلك وجَحَد رسالةَ الرُّسُلِ، وكَفَر بالمعادِ، وأحال حوادِثَ العالَمِ على حَرَكاتِ الكواكِبِ؛ فقد زعم أنَّ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرضِ أبطَلُ الباطِلِ، وأنَّ العالَمَ خُلِقَ عَبَثًا، وتُرِكَ سُدًى، وخُلِّيَ هَمَلًا! وغايةُ ما خُلِقَ له أن يكونَ مُتمَتِّعًا باللَّذَّاتِ الحِسِّيَّةِ، كالبهائمِ، في هذه المدَّةِ القصيرةِ جِدًّا، ثمَّ يُفارِقُ الوجودَ، وتُحدِثُ حَرَكاتُ الكواكِبِ أشخاصًا مِثلَه هكذا أبدًا؛ فأيُّ باطِلٍ أبطَلُ مِن هذا؟! وأيُّ عَبَثٍ فوقَ هذا؟!). ((مفتاح دار السعادة)) (2/201). .
كما قال اللهُ سبحانه وتعالى: مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر: 85].
وقال عزَّ وجلَّ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: 115 - 117].
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
أي: الظَّنُّ بأنَّا خَلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما باطِلًا: هو ظَنُّ الَّذين كفَروا باللهِ واليومِ الآخِرِ، فلم يَعرِفوا عَظَمةَ اللهِ وحِكمَتَه [412] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/78)، ((تفسير القرطبي)) (15/191)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/341). .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.
أي: فوَيلٌ للَّذين كَفَروا مِن عذابِ النَّارِ في الآخِرةِ [413] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/78)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/372)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/248، 249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 132، 133). .
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّه لَمَّا بَيَّن اللهُ تعالى على سَبيلِ الإجمالِ: أنَّ إنكارَ الحَشرِ والنَّشرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكمةِ اللهِ تعالى؛ بيَّنَ ذلك على سَبيلِ التَّفصيلِ؛ فإنَّنا نرَى في الدُّنيا مَن أطاع اللهَ، واحتَرَز عن مَعصيتِه: في الفَقرِ والزَّمانةِ وأنواعِ البَلاءِ، ونرَى الكَفَرةَ والفُسَّاقَ في الرَّاحةِ والغِبطةِ؛ فلو لم يكُنْ حَشرٌ ونَشرٌ ومَعادٌ، فحينَئذٍ يكونُ حالُ المطيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصي، وذلك لا يَليقُ بحِكمةِ الحَكيمِ الرَّحيمِ، وإذا كان ذلك قادِحًا في الحِكمةِ ثَبَت أنَّ إنكارَ الحَشرِ والنَّشرِ يُوجِبُ إنكارَ حِكمةِ اللهِ [414] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/388). .
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ.
أي: بلْ أنجعَلُ الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: كالَّذين يُفسِدونَ في الأرضِ بالكُفرِ والشِّركِ والمعاصي [415] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/79)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/249)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 133). ؟!
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.
أي: بلْ أنجعَلُ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعذابَه، بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه: كالَّذينَ يَنتَهِكونَ حُرُماتِه؟ كلَّا؛ فأولئك لا يَستَوونَ عندَ اللهِ، ولا بُدَّ أن يُجازيَ كُلًّا منهم بما يَستَحِقُّه [416] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/79)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/373)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/250). قال الشنقيطي: («أَمْ» في قَولِه تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ، وقولِه: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ: كِلْتاهما مُنقَطِعةٌ. و«أم» المُنقطِعةُ فيها لعُلَماءِ العَربيَّةِ ثلاثةُ مَذاهِبَ: الأوَّلُ: أنَّها بمعنى همزةِ استِفهامِ الإنكارِ. الثَّاني: أنَّها بمعنى «بل» الإضرابيَّةِ. والثَّالثُ: أنَّها تَشملُ معنى الإنكارِ والإضرابِ مَعًا، وهو الَّذي اختاره بعضُ المحقِّقينَ، وعليه فالإضرابُ بها هنا انتقاليٌّ لا إبطاليٌّ، ووجْهُ الإنكارِ بها عليهم واضِحٌ؛ لأنَّ مَن ظَنَّ بالله الحَكيمِ الخَبيرِ أنَّه يُساوي بيْنَ الصَّالحِ المُصلِحِ، والمفسِدِ الفاجِرِ، فقد ظنَّ ظنًّا قَبيحًا جديرًا بالإنكارِ). ((أضواء البيان)) (6/343، 344). .
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الجاثية: 21، 22].
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّه لَمَّا انتَفَت التَّسويةُ؛ بَيَّن ما تَصلُحُ به لِمُتَّبِعِه السَّعادةُ الأبَديَّةُ، وهو كِتابُ اللهِ تعالى [417] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/153). .
وأيضًا لَمَّا ثَبَت بما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورةِ إلى هنا ما ذُكِرَ في هذا الذِّكرِ مِن البراهينِ الَّتي لا يأْباها إلَّا مَدخولُ الفِكرِ، مُخالَطُ العَقلِ؛ ثَبَت أنَّه ذو الذِّكرِ والشَّرَفِ الأعظَمِ، فقال تعالى مُنَبِّهًا على ذلك: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ الآيةَ [418] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/374). .
وأيضًا بعدَ الإمعانِ في تَهديدِ المُشرِكينَ، وتَجهيلِهم على إعراضِهم عن التَّدبُّرِ بحِكمةِ الجَزاءِ ويَومِ الحِسابِ عليه، والاحتِجاجِ عليهم؛ أعرَضَ اللهُ عن خِطابِ المُشرِكين، ووَجَّهَ الخِطابَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالثَّناءِ على الكِتابِ المُنَزَّلِ عليه، وكان هذا القُرآنُ قد بَيَّنَ لهم ما فيه لهم مَقنَعٌ، وردَّ على شبهاتِهم، وأنَّه إنْ حَرَم المُشرِكونَ أنْفُسَهم مِنَ الانتِفاعِ به، فقد انتَفَعَ به أُولو الألبابِ، وهمُ المُؤمِنونَ [419] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/251). .
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ.
أي: هذا القُرآنُ أنزَلْناه إليك -يا مُحمَّدُ-، وهو دائِمُ الخَيرِ، غزيرُ العِلمِ، كثيرُ النَّفعِ في الدُّنيا والآخرةِ [420] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/79)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/374)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/251)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/344). .
كما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: 155].
لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ.
أي: أنزَلْناه؛ لِيَتدَبَّرَ النَّاسُ آياتِه، فيَتفَهَّموا ويَتتَبَّعوا ظواهِرَ ألفاظِه ويتأمَّلوها، ويُكثِروا مِن إمعانِ النَّظَرِ وإعادةِ الفِكرِ فيها؛ لِيَفهَموا ما وراءَها مِن المعاني والحِكَمِ والأسرارِ [421] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/79)، ((تفسير القرطبي)) (15/192)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/375)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/252)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/344)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 141، 142). .
كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24].
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.
أي: ولِيَتَذكَّرَ أصحابُ العُقولِ الصَّحيحةِ ما غَفَلوا عنه، فيَرتَدِعوا عن كُلِّ ضَلالةٍ، ويَهتَدوا إلى الرَّشادِ في كُلِّ أمرٍ [422] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/80)، ((تفسير القرطبي)) (15/192)، ((تفسير ابن كثير)) (7/63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/252، 253)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/344). .
كما قال تعالى: هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم: 52].

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ يدُلُّ على الحَثِّ على تَدبُّرِ القُرآنِ، وأنَّه مِن أفضَلِ الأعمالِ، وأنَّ القِراءةَ المُشتَمِلةَ على التَّدَبُّرِ أفضَلُ مِن سُرعةِ التِّلاوةِ الَّتي لا يَحصُلُ بها هذا المَقصودُ [423] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). . وأنَّ تحديقَ ناظِرِ القَلبِ إلى معاني القرآنِ، وجَمعَ الفِكرِ على تدَبُّرِه وتعَقُّلِه؛ هو المقصودُ بإنزالِه، لا مجرَّدُ تِلاوتِه بلا فَهمٍ ولا تدَبُّرٍ [424] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/449). ، وقد ذَمَّ الله تعالى الَّذين يَقرؤونه قراءةً لا تَتجاوَزُ ألفاظَه إلى معانيها ومَراميها، فقال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: 78]، أَمَانِيَّ: يعني قراءةً لفظيَّةً فقط، فوصَفَهم اللهُ بأنهم أُمِّيُّونَ؛ لأنَّهم لم يَنتفِعوا بالقرآنِ؛ إذْ لا يُمكِنُ أنْ يُنتفَعَ بالقرآنِ إلَّا بفَهمِ معانيه، فإذا لم تُفهَمْ معانيه صار العربيُّ والعجميُّ على حَدٍّ سواءٍ [425] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 146). . والله تعالى إنَّما أنزَل كتابَه لِيَتأدَّبَ عِبادُه بآدابِه، ويَتخلَّقوا بأخلاقِه، ويَتأمَّلوا ما فيه مِن الثَّناءِ على الله تعالى، وما لم يُتدبَّرْ ذلك حتَّى يُفهَمَ لا يُمكِنُ العملُ به؛ فإنَّه رسائلُ أرسَلَها الله إلى عِبادِه لِيُنفذوها، لا لِتُقرأَ عليهم فلا يَفهموها ولا يُقيموها [426] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 67). .
2- ما أحَقَّ مَن عَلِم كِتابَ اللهِ أن يَزدَجِرَ بنواهيه، ويَتذكَّرَ ما شُرِحَ له فيه، ويَخشَى اللهَ ويتَّقِيَه، ويُراقِبَه ويَستحِييَه! فإنَّه حُمِّل أعباءَ الرُّسُلِ، وصار شهيدًا في القيامةِ على مَن خالَفَ مِن أهلِ المِلَلِ، ومَن أُوتيَ عِلمَ القُرآنِ فلم يَنتفِعْ، وزجَرَتْه نواهيه فلم يَرتَدِعْ، وارتكَبَ مِن المآثِمِ قَبيحًا، ومِنَ الجرائِمِ فُضُوحًا؛ كان القُرآنُ حُجَّةً عليه، وخَصمًا لَديه؛ فالواجِبُ على مَن خَصَّه اللهُ بحِفظِ كِتابِه أن يَتلوَه حَقَّ تِلاوتِه، ويَتدَبَّرَ حقائِقَ عِبارتِه، ويَتفَهَّمَ عَجائِبَه، ويَتبَيَّنَ غرائِبَه؛ قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ [427] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (1/1). .
3- قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ لا شَيءَ أنفَعُ للقَلبِ مِن قِراءةِ القُرآنِ بالتَّدبُّرِ والتَّفكُّرِ؛ فإنَّه جامِعٌ لجَميعِ منَازِلِ السَّائِرينَ، وأحوالِ العامِلينَ، ومَقاماتِ العارِفينَ، وهو الَّذي يُورِثُ المَحَبَّةَ والشَّوقَ، والخَوفَ والرَّجاءَ، والإنابةَ والتَّوكُّلَ، والرِّضا والتَّفويضَ، والشُّكرَ والصَّبرَ، وسائِرَ الأحوالِ الَّتي بها حياةُ القَلبِ وكَمالُه [428] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/187). .
4- في قَولِه تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ الحَثُّ على العِنايةِ بهذا الكتابِ والتِزامِه؛ لأنَّه إذا كان مُبارَكًا فإنَّ كُلَّ أحدٍ مِن البَشَرِ يريدُ أنْ يَنالَ بَركةَ هذا الشَّيءِ المُبارَكِ [429] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 145). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- إثباتُ الحِكمةِ في أفعالِ اللهِ؛ لِقَولِه تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا؛ إذْ لو انتفتِ الحكمةُ لأمْكَنَ أنْ تُخلَقَ السَّماءُ والأرضُ باطِلًا [430] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 136). !
2- قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا وقد بُنِيتْ هذه الحُجَّةُ على الاستِدلالِ بأحوالِ المُشاهَداتِ، وهي أحوالُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما، والمُشرِكونَ يَعلَمونَ أنَّ اللهَ هو خالِقُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما، فأُقيمَ الدَّليلُ على أساسِ مُقدِّمةٍ لا نِزاعَ فيها، فإذا استَقرَّتْ هذه المُقدِّمةُ تَعيَّنَ أنَّ إنكارَ البَعثِ والجَزاءِ يَلزَمُه أنْ يَكونَ مُنكِرُه قائِلًا بأنَّ خَلْقَ السَّماءِ والأرضِ وما بَيْنَهما شَيءٌ مِنَ الباطِلِ، وقد دَلَّتِ الدَّلائِلُ الأُخرى على أنَّه لا يَكونُ في خَلقِ ذلك شَيءٌ مِنَ الباطِلِ بقياسِ الخَفيِّ على الظَّاهِرِ؛ فبَطَلَ ما يُفْضي إلى القَولِ بأنَّ في خَلقِ بَعضِ ما ذُكِرَ شيئًا مِنَ الباطِلِ [431] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/246- 248). .
3- قَولُ الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا احتُجَّ به على كَونِه تعالى خالِقًا لأعمالِ العبادِ؛ فهذه الآيةُ تدُلُّ على كَونِه تعالى خالِقًا لكُلِّ ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرضِ، وأعمالُ العِبادِ حاصِلةٌ بيْنَ السَّماءِ والأرضِ؛ فوجَبَ أن يكونَ اللهُ تعالى خالِقًا لها [432] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/387). .
4- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّه لا أحدَ يَظُنُّ أنَّ ذلك باطِلٌ إلَّا الكافِرُ، وأنَّ مَن ظَنَّ ذلك فهو كافِرٌ، والفَرقُ بيْنَ الفائِدَتينِ: أنَّ الفائِدةَ الأُولى يكونُ الكُفرُ سابقًا على هذا الظَّنِّ، فيكونُ الكُفرُ سببًا لهذا الظَّنِّ. أمَّا الفائدةُ الثَّانيةُ: أنَّ هذا الظَّنَّ سابِقٌ على الكُفرِ؛ فيكونُ هذا الظَّنُّ سَببًا للكُفرِ [433] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 137). .
5- قَولُ الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ يدُلُّ على أنَّ مَن ظَنَّ باللهِ ما لا يَليقُ به -جَلَّ وعلا- فله النَّارُ [434] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/342). .
6- قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا قيل: وإذا كانوا مُقِرِّينَ بأنَّ اللهَ خالِقُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما -بدَليلِ قَولِه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25]- فبِمَ جُعِلوا ظانِّينَ أنَّه خَلَقَها لِلعَبَثِ، لا لِلحِكمةِ؟
فالجَوابُ عن ذلك: أنَّه لَمَّا كان إنكارُهم لِلبَعثِ والحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ مُؤَدِّيًا إلى أنَّ خَلْقَها عَبَثٌ وباطِلٌ؛ جُعِلوا كأنَّهم يَظُنُّونَ ذلك ويَقولونَه؛ لِأنَّ الجَزاءَ هو الَّذي سَبَقتْ إليه الحِكمةُ في خَلقِ العالَمِ، فمَن جَحَده فقد جَحَد الحِكمةَ مِن أصْلِها، ومَن جَحَد الحِكمةَ في خَلقِ العالَمِ فقد سَفَّهَ الخالِقَ، وظَهَر بذلك أنَّه لا يَعرِفُه ولا يَقدُرُه حَقَّ قَدْرِه، فكان إقرارُه بكَونِه خالِقًا كَلَا إقرارٍ [435] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/90)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/248). .
7-  في قَولِه تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصَّالحَ سَبَبٌ لصَلاحِ الأرضِ، وهذا يُؤيِّدُه آياتٌ كثيرةٌ؛ مِثلُ قولِه تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [436] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 138). [الأعراف: 96].
8- في قَولِه تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أنَّ المعاصِيَ سَبَبٌ للفَسادِ في الأرضِ؛ لأنَّه قابَلَ هذا بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، ويَشهَدُ لهذا قَولُه تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]؛ فكلُّ فَسادٍ يَحدُثُ في الأرضِ مِن جَدبٍ وفَقْرٍ ومَرَضٍ، وفَسادِ ثِمارٍ وغَيرِ ذلك؛ فإنَّه بسَبَبِ المعاصي بما كسَبَت أيدي النَّاسِ [437] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 138). .
9- قَولُ الله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ذكَرَ أعلَى أحوالِ الفَسادِ؛ إشارةً إلى أنَّه يَغفِرُ ما دونَ ذلك لِمَن يَشاءُ، وذكرَ أعلَى أحوالِ التَّقوى؛ إيماءً إلى أنَّه لا يُوصَفُ بها ويَستَحِقُّ جَزاءَها إلَّا الرَّاسِخُ فيها، تَرغيبًا للمُؤمِنِ في أنْ يَترقَّى إلى أوْجِها [438] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/374). .
10- في قَولِه تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أنَّ اللهَ تعالى لا يُمكِنُ أنْ يَجعَلَ المتَّقِينَ كالفُجَّارِ في مآلِهم؛ فالمُتَّقي في جَنَّاتِ النَّعيمِ، والفاجِرُ في عذابِ الجَحيمِ [439] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 138). .
11- قَولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ استدَلَّ به الفُقَهاءُ على استِحبابِ تدَبُّرِ القِراءةِ [440] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 222). وقال ابن عثيمين: (تَدَبُّرُ القرآنِ فَرْضٌ؛ لأنَّ العملَ بالقرآنِ فَرْضٌ؛ ولا يَتِمُّ العملُ إلَّا بالتَّدبُّرِ؛ وما لا يَتِمُّ الفرضُ إلَّا به فهو فرضٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 146). .
12- قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ فيه إثباتُ عُلُوِّ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لِقَولِه:
أَنْزَلْنَاهُ، والإنزالُ لا يكونُ إلَّا مِن العُلوِّ [441] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 144). .
13- قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ، ومِن بَرَكةِ القُرآنِ أنه يُستَشفَى به، كما دَلَّتْ على ذلك آياتٌ كثيرةٌ أخرى؛ يُستَشفَى به مِن أمراضِ القُلوبِ، ومِن أمراضِ الأبدانِ؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [442] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 145). [يونس: 57].
14- في قَولِه تعالى: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فَضيلةُ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ حيثُ كان أهلًا لِأَنْ يُنزَلَ عليه القُرآنُ، والقُرآنُ لا يُنزَلُ إلَّا على مَن هو أهلٌ لإنزالِه عليه؛ لِجَمعِه صِفاتِ الكَمالِ البَشَريَّةَ [443] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 145). .
15- قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ كُلُّ آياتِ القُرآنِ إمَّا مُرشِدةٌ إلى خَيرٍ، وإمَّا صارِفةٌ عن شَرٍّ وفَسادٍ، وذلك سَبَبُ الخَيرِ في العاجِلِ والآجِلِ، ولا بَرَكةَ أعظَمُ مِن ذلك [444] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/251). .
16- قَولُ الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ استدَلَّ به النُّحاةُ على جوازِ الوَصفِ بالجُملةِ أَنْزَلْنَاهُ قَبْلَ الوَصفِ بالمُفرَدِ مُبَارَكٌ، خِلافًا لِمَن مَنَعَه [445] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/519)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 222). .
17- قَولُ الله تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ فيه أنَّ مَن تَذَكَّرَ بالقرآنِ فهو صاحبُ عَقْلٍ، ومَن لم يَتَذَكَّرْ فليس له عَقْلُ رُشدٍ؛ وجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ جَعَل التَّذكُّرَ لِمَنِ اتَّصَفوا بالعقولِ [446] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 147). . وأنَّه بحَسَبِ لُبِّ الإنسانِ وعَقلِه يَحصُلُ له التَّذكُّرُ والانتِفاعُ بهذا الكِتابِ [447] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .
18- في قَولِه تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ نَزَلَ مَوعِظةً للنَّاسِ، كما قال اللهُ تعالى في آياتٍ أخرى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: 57]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: 58]؛ فالقُرآنُ نَزَل لِيُؤثِّرَ، ولم يَنزِلْ لِيتبَرَّكَ الإنسانُ بقِراءتِه، أو يَنالَ الأجرَ بقراءتِه فقط، ولكِنْ لا بُدَّ أنْ يُؤَثِّرَ تَذَكُّرًا ومَوعِظةً [448] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 147). .
19- في قَولِه تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ أنَّ لُبَّ الإنسانِ ورُوحَه هو العَقلُ؛ عَقلُ الرُّشْدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى سمَّى هذه العُقولَ ألبابًا [449] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 147). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالَى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
- قَولُه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا كَلامٌ مُستَأنَفٌ مُقرِّرٌ لِمَا قَبْلَه مِن أمْرِ البَعثِ والحِسابِ والجَزاءِ، أيْ: وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بَيْنَهما مِنَ المَخلوقاتِ على هذا النِّظامِ البَديعِ الَّذي تَحارُ في فَهمِه العُقولُ خَلقًا باطِلًا، أي: خاليًا عن الغايةِ الجَليلةِ، والحِكمةِ الباهِرةِ، بل مُنطَويًا على الحَقِّ المُبينِ، والحِكَمِ البالِغةِ [450] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/223، 224)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/354). .
- والفاءُ في قَولِه: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ لِإفادةِ تَرتُّبِ ثُبوتِ الوَيلِ لهم على ظَنِّهم الباطِلِ، كما أنَّه عَبَّرَ بالاسمِ المَوصولِ بَدَلًا مِن ضَميرِهم؛ لِمَا تُشيرُ إليه الصِّلةُ مِن أنَّهمُ استَحَقُّوا العِقابَ على سُوءِ اعتِقادِهم، وسُوءِ أعمالِهم، وأنَّ ذلك أيضًا مِن آثارِ انتِفاءِ الباطِلِ عن خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهما؛ لِأنَّهم كانوا على باطِلٍ في إعراضِهم عن الاستِدلالِ بنِظامِ السَّمَواتِ والأرضِ، وفي ارتِكابِهم مَفاسِدَ عَوائِدِ الشِّركِ ومِلَّتِه، وقد تَمَتَّعوا بالحياةِ الدُّنيا أكثَرَ ممَّا تَمتَّعَ بها الصَّالِحونَ؛ فلا جَرَمَ استَحَقُّوا جَزاءَ أعمالِهم [451] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/248، 249)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/354). .
- ولَفظُ (وَيْلٌ) يدُلُّ على أشَدِّ السُّوءِ، وكَلِمةُ (وَيْلٌ له) تُقالُ للتَّعجُّبِ مِن شِدَّةِ سُوءِ حالةِ المُتَحدَّثِ عنه، وهي هنا كِنايةٌ عن شِدَّةِ عَذابِهم في النارِ [452] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/249). .
- و(مِنْ) في قَولِه: مِنَ النَّارِ تَعليليَّةٌ، كما في قَولِه: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: 79]، ونَظائِرِه، مُفيدةٌ لِعِلِّيَّةِ النَّارِ؛ لِثُبوتِ الوَيلِ لهم صَريحًا بَعدَ الإشعارِ بعِلِّيَّةِ ما يُؤدِّي إليها مِن ظَنِّهم وكُفرِهم، أيْ: فوَيْلٌ لهم بِسَببِ النَّارِ المُتَرتِّبةِ على ظَنِّهم وكُفرِهم، ويجوزُ أن تكونَ (مِنْ) ابتدائيةً أو بيانيةً [453] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/224)، ((تفسير الألوسي)) (12/180)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/249). .
2- قولُه تعالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
- قولُه: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ (أَمْ) مُنقَطِعةٌ، أفادَتْ إضْرابًا انتِقاليًّا، وهو ارتِقاءٌ في الاستِدلالِ على ثُبوتِ البَعثِ، وبَيانٌ لِمَا هو مِن مُقتَضى خَلقِ السَّماءِ والأرضِ بالحَقِّ، بَعدَ أنْ سِيقَ ذلك بوَجهِ الاستِدلالِ الجُمَلِيِّ، وقد كان هذا الانتِقالُ بِناءً على ما اقتَضاهُ قَولُه: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27]؛ فلِأجْلِ ذلك بُنيَ على استِفهامٍ مُقدَّرٍ بَعدَ (أَمْ)، وهو مِن لَوازِمِ استِعمالِها، وهو استِفهامٌ إنْكاريٌّ لإنكارِ التَّسويةِ بيْنَ الحِزبَينِ الَّتي هي مِن لَوازِمِ خَلقِها باطِلًا؛ لِيَدُلَّ على نَفيِه، والمَعنى: لو انتَفَى البَعثُ والجَزاءُ -كما تَزعُمونَ- لاستَوَتْ عِندَ اللهِ أحوالُ الصَّالِحينَ وأحوالُ المُفسِدينَ، ومَن سَوَّى بَيْنَهم كان سَفيهًا، ولم يَكُنْ حَكيمًا [454] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/90)، ((تفسير البيضاوي)) (5/28)، ((تفسير أبي حيان)) (9/153)، ((تفسير أبي السعود)) (7/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/249)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/354). .
- والتَّشبيهُ في قَولِه: كَالْمُفْسِدِينَ لِلتَّسويةِ، والمَعنى: إنكارُ أنْ يَكونوا سَواءً في جَعلِ اللهِ، أيْ: إذا لم يُجازَ كُلُّ فَريقٍ بما يَستَحِقُّه على عَمَلِه؛ فالمُشاهَدُ في هذه الحَياةِ الدُّنيا خِلافُ ذلك، فتَعيَّنَ أنْ يَكونَ الجَزاءُ في عالَمٍ آخَرَ، وهو الَّذي يُسلَكُ له النَّاسُ بَعدَ البَعثِ، وقد أُخِذَ في الاستِدلالِ جانِبُ المُساواةِ بيْنَ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ وبيْنَ المُفسِدينَ في الأرضِ؛ لِأنَّه يُوجَدُ كَثيرٌ مِنَ الفَريقَينِ مُتَساوونَ في حالةِ الحياةِ الدُّنيا في النِّعمةِ، أو في التَّوَسُّطِ، أو في البُؤسِ والخَصاصةِ، فحالةُ المُساواةِ كافيةٌ لِتَكونَ مَناطَ الاستِدلالِ على إبطالِ ظَنِّ الَّذين كَفَروا بقَطعِ النَّظَرِ عن حالةٍ أُخرَى أوْلَى بالدَّلالةِ؛ وهي المُقابَلةُ بيْنَ فَريقِ المُفسِدينَ أُولي النَّعمةِ، وفَريقِ الصَّالِحينَ أُولي البُؤسِ، وعن حالةٍ دونَ ذلك؛ وهي فَريقُ المُفسِدينَ أصحابِ البُؤسِ والخَصاصةِ، وفَريقُ الصَّالِحينَ أُولي النَّعمةِ؛ لأنَّها لا تَستَرعي خاطِرَ النَّاظِرِ [455] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/28)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/249، 250). .
- و(أَمْ) في قَولِه: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ مُنقَطِعةٌ أيضًا، ومُفادُها إضرابُ انتِقالٍ عن تَقريرِ أمْرِ البَعثِ والحِسابِ والجَزاءِ بما مَرَّ مِن نَفيِ خَلقِ العالَمِ خَاليًا مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، إلى تَقريرِه وتَحقيقِه، ولِلارتِقاءِ في الاستِدلالِ على أنَّ الحِكمةَ الرَّبَّانيَّةَ بمُراعاةِ الحَقِّ وانتِفاعِ الباطِلِ في الخَلقِ تَقتَضي الجَزاءَ والبَعثَ لِأجْلِه [456] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/250). .
- قَولُه: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ مَعنى الاستِفهامِ الَّذي تَقتَضيه (أَمْ) الإنكارُ، وهذا الارتِقاءُ في الاستِدلالِ؛ لِقَصدِ زِيادةِ التَّشنيعِ على مُنكِري البَعثِ والجَزاءِ، بأنَّ ظَنَّهم ذلك يَقتَضي أنْ جَعَلَ اللهُ المُتَّقينَ مُساوينَ لِلفُجَّاِر في أحوالِ وُجودِ الفَريقَيْنِ، فأنكَرَ التَّسويةَ بيْنَ الفَريقَينِ، ونَفاها على أبلَغِ وَجهٍ وآكَدِه، أيْ: بلْ أنَجعَلُ المُؤمِنينَ المُصلِحينَ كالكَفَرةِ المُفسِدينَ في أقطارِ الأرضِ؟! كما يَقتَضيهِ عَدَمُ البَعثِ، وما يَترتَّبُ عليهِ مِنَ الجَزاءِ؛ لِاستِواءِ الفَريقَينِ في التَّمتُّعِ بالحَياةِ الدُّنيا، بلِ الكَفَرةُ أوفَرُ حَظًّا منها مِن المُؤمِنينَ، لكِنَّ ذلك الجَعلَ مُحالٌ؛ فتَعيَّنَ البَعثُ والجَزاءُ حَتمًا؛ لِرَفعِ الأوَّلينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ورَدِّ الآخَرينَ إلى أسفَلِ سافِلينَ [457] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/28)، ((تفسير أبي السعود)) (7/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/250). .
- وفي قَولِه: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ إطنابٌ مَقصودٌ منه زِيادةُ التَّهويلِ والتَّفظيعِ على الَّذين ظَنُّوا ظَنًّا يُفْضي إلى أنَّ اللهَ خَلَقَ شَيئًا مِنَ السَّماءِ والأرضِ وما بَيْنَهما باطِلًا؛ فإنَّ في الانتِقالِ مِن دَلالةِ الأضعَفِ إلى دَلالةِ الأقوَى، وفي تَكريرِ أداةِ الإنكارِ: شأنًا عَظيمًا مِن فَضحِ أمْرِ الضَّالِّينَ [458] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/250). .
3- قولُه تعالَى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ
- قَولُه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ استِئنافٌ مُعتَرَضٌ، وفي هذا الاستِئنافِ نَظَرٌ إلى قَولِه في أوَّلِ السُّورةِ: وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: 1]؛ إعادةً لِلتَّنويهِ بشأنِ القُرآنِ، كما سَيُعادُ ذلك في قَولِه تعالى: هَذَا ذِكْرٌ [459] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/251). [ص: 49].
- وتَنكيرُ كِتَابٌ لِلتَّعظيمِ؛ لِأنَّ الكِتابَ مَعلومٌ، فما كان تَنكيرُه إلَّا لِتَعظيمِ شَأنِه [460] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/251). .
- وفي قَولِه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ تَعريضٌ بأنَّ الَّذين لم يَتذَكَّروا بالقُرآنِ لَيسوا مِن أهلِ العُقولِ، وأنَّ التَّذكُّرَ مِن شأْنِ المُسلِمينَ الَّذين يَستَمِعونَ القَولَ فيَتَّبِعونَ أحسَنَه؛ فهُمْ مِمَّن تَدبَّروا آياتِه فاستَنبَطوا مِنَ المَعاني ما لم يَعلَموا، ومَن قَرَأهُ فتَذكَّرَ به ما كان عَلِمَه وتَذكَّر به حَقًّا كان عليه أنْ يَرعاهُ، والكافِرونَ أعرَضوا عنِ التَّدبُّرِ؛ فلا جَرَمَ فاتَهُمُ التَّذكُّرُ [461] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/253). .
- وأسنَدَ التَّدبُّرَ إلى الجَميعِ في قَولِه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، وهو التَّفكُّرُ في الآياتِ، والتَّأمُّلُ الَّذي يُفْضي بصاحِبِه إلى النَّظَرِ في عَواقِبِ الأشياءِ، وأسنَدَ التَّذكُّرَ إلى أُولي العُقولِ؛ لِأنَّ ذا العَقلِ فيه ما يَهديه إلى الحَقِّ، وهو عَقلُه، فلا يَحتاجُ إلَّا إلى ما يُذكِّرُه فيَتذَكَّر [462] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/153). .