موسوعة التفسير

سورةُ الحَجِّ
الآيات (23-25)

ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ

غريب الكلمات:


أَسَاوِرَ: جمعُ أَسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمعُ سِوارٍ، والسِّوارُ: هو الذي يُلبَسُ في المِعصَم مِن ذَهَبٍ، وهو اسمٌ مُعَرَّبٌ عن الفارسيَّةِ [358] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 68)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/115)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 273)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/312). .
الْعَاكِفُ: أي: المُقيمُ المُلازِمُ، والعُكوفُ: الإقبالُ على الشَّيءِ ومُلازَمتُه على سَبيلِ التَّعظيمِ له، وأصلُ (عكف): يدُلُّ على الإقبالِ والحَبسِ [359] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 291)، ((تفسير ابن جرير)) (16/292)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/108)، ((المفردات)) للراغب (ص: 579)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 244)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 659). .
وَالْبَادِ: أي: الطَّارِئُ مِنَ البَدوِ، وأصلُ (بدو): يدلُّ على ظُهورِ الشَّيءِ، وسُمِّيَ خِلافُ الحَضَرِ بَدْوًا مِن هذا؛ لأنَّهم في بَرازٍ مِن الأرضِ، وليسُوا في قُرًى تَستُرُهم أبنِيَتُها [360] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 291)، ((تفسير ابن جرير)) (16/501)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/212)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 244)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 659). .
بِإِلْحَادٍ: أي: ظُلمٍ ومَيلٍ عن الحَقِّ، وأصلُ (لحد): يدُلُّ على مَيلٍ عن استِقامةٍ [361] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 291)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/236)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 244)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 175). .

مشكل الإعراب:


1-  يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا
قَولُه: وَلُؤْلُؤًا بالنَّصبِ، وفيه أوجُهٌ، أوَّلُها: أنَّه مَعطوفٌ على مَوضِعِ الجارِّ والمجرورِ مِنْ أَسَاوِرَ؛ لأنَّ مَوضِعَهما نصبٌ. والثَّاني: أنَّه مَنصوبٌ بفِعلٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليه الأوَّلُ، أي: ويُحَلَّونَ لُؤلؤًا. الثَّالثُ: أنَّه مَعطوفٌ على أَسَاوِرَ ومِنْ زائِدةٌ فيه عند الأخفَشِ، ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ الإنسان: 21.
وقُرِئَ وَلُؤْلُؤًا بالجَرِّ عَطفًا على ذَهَبٍ، ثمَّ يحتَمِلُ أمرينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ لهم أساوِرُ مِن ذَهَبٍ وأساوِرُ مِن لُؤلؤٍ، ويَحتَمِلُ أن تكونَ الأساوِرُ مُرَكَّبةً مِن الأمرَينِ معًا: الذَّهَبِ المُرَصَّعِ باللُّؤلؤِ. وقيل: مَجرورٌ عَطفًا على لَفظِ أَسَاوِرَ [362] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/419)، ((البسيط)) للواحدي (15/338)، ((تفسير ابن عطية)) (4/115)، ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 199)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/253). .
2- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
قَولُه: جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ: سَوَاءً مَفعولٌ به ثانٍ لـ (جعَلْنا)، ولِلنَّاسِ متعَلِّقٌ بـ (جَعَل)، والْعَاكِفُ فاعِلٌ بـ سَوَاءً؛ لأنَّه مصَدَرٌ بمعنى اسمِ الفاعِلِ، والمعنى: جعَلْناه مُستَويًا فيه العاكِفُ والبادِي. وإنْ قُلْنا (جعل) يتعدَّى لواحدٍ، كانت سَوَاءً حالًا مِن هاءِ جَعَلْنَاهُ. وقُرِئَ سَوَاءٌ بالرَّفعِ، على أنَّه خبَرٌ مُقَدَّمٌ، والْعَاكِفُ مُبتدأٌ مؤخَّرٌ، والجُملةُ في محلِّ نَصبٍ مَفعولٌ ثانٍ لـ (جعل)، أو حالٌ مِن الهاءِ. وخبَرُ إِنَّ محذوفٌ، تقديرُه: (نُذيقُهم مِن عَذابٍ أليمٍ)؛ لأنَّ قَولَه: نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ يَدُلُّ عليه.
وقَولُه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: بِإِلْحَادٍ جارٌّ ومَجرورٌ مُتعَلِّقٌ بـ يُرِدْ، وقد ضُمِّنَ يُرِدْ معنى (يَهُمُّ) أو (يتلبَّسُ)؛ فلذلك تعدَّى بالباءِ. وقيل: بِإِلْحَادٍ مَفعولٌ به لـ يُرِدْ، والباءُ زائِدةٌ في المفعولِ للتَّأكيدِ، أي: ومَن يُرد فِيهِ إلحادًا بظُلمٍ. وبِظُلْمٍ مُتعَلِّقٌ بـ يُرِدْ، والباءُ فيه للسَّبَبيَّةِ. وقيلَ غيرُ ذلك [363] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/420)، ((البسيط)) للواحدي (15/347)، ((تفسير أبي حيان)) (7/500)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/21)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/255). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: إنَّ اللهَ تعالى يُدخِلُ أهلَ الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ جَنَّاتٍ تجري مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها الأنهارُ، يُزَيَّنونَ فيها بأساوِرِ الذَّهَبِ وباللُّؤلؤِ، ولِباسُهم في الجنَّةِ الحَريرُ، رِجالًا ونساءً. وهداهم اللهُ إلى طَيِّبِ القَولِ، وهداهم إلى طَريقِ اللهِ المحمودِ في أسمائِه وصِفاتِه.
 إنَّ الذين كَفَروا بالله، ويَمنَعونَ غَيرَهم مِنَ الدُّخولِ في دينِ اللهِ، ومِن المَسجِدِ الحرامِ -الذي جعَلْناه لجَميعِ المُؤمِنينَ سواءً المُقيمُ فيه والقادِمُ إليه- نذيقُهم مِن عذابٍ أليمٍ مُوجِعٍ، ومَن يُرِدْ في المَسجِدِ الحَرامِ الميْلَ عن الحَقِّ فيرتكِبْ ظُلمًا -وهو قاصِدٌ لذلك- نُذِقْه مِن عذابٍ أليمٍ مُوجِعٍ.

تفسير الآيات:


إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما لأحَدِ الخَصْمَينِ، وهم الكافِرونَ؛ أتبَعَه ما للآخَرِ، وهم المُؤمِنونَ [364] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/31). .
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
أي: إنَّ اللهَ يُدخِلُ الذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ- جناتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ أشجارِها وقُصورِها [365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/499)، ((تفسير ابن كثير)) (5/408)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: وَلُؤْلُؤًا قِراءتانِ:
1- قِراءةُ وَلُؤْلُؤًا بالنَّصبِ على معنى: ويُحَلَّونَ لُولُؤًا [366] قرأ بها نافع، وعاصم. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/326)، ((الكشف)) لمكي (2/117). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/419،420)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/178)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 474). .
2- قِراءةُ وَلُؤْلُؤٍ بالجَرِّ على معنى: يُحَلَّونَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ وأساوِرَ مِن لُؤلُؤٍ، أو على معنى: يحلَّونَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤلؤٍ، أي: يكونُ السِّوارُ الواحِدُ مُكَوَّنًا مِنَ الذَّهَبِ واللُّؤلؤِ معًا [367] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/326)، ((الكشف)) لمكي (2/118). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/420)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/178)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 474). .
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا.
أي: يُحَلِّي اللهُ المُؤمِنينَ في الجنَّةِ -رِجالًا ونساءً- أساوِرَ مِن ذَهَبٍ، ويُحلَّونَ فيها لُؤلؤًا [368] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/499)، ((تفسير ابن كثير)) (5/408)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). قال القرطبي: (قال القُشيري: والمرادُ ترصيعُ السوارِ باللؤلؤِ، ولا يبعدُ أن يكونَ في الجنةِ سوارٌ مِن لؤلؤٍ مصمتٍ. قلت: وهو ظاهرُ القرآنِ، بل نصُّه). ((تفسير القرطبي)) (12/29). .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ خليلي صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ((تَبلُغُ الحِليةُ [369] الحِليةُ: أي: البَياضُ. وقيل: الزِّينةُ في الجنَّةِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (1/351). مِن المُؤمِنِ حَيثُ يَبلُغُ الوُضوءُ)) [370] رواه مسلم (250). .
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ.
أي: ولِباسُ المُؤمِنينَ في الجنَّةِ ثِيابٌ مِن حَريرٍ [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((تفسير ابن كثير)) (5/408). .
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لا تلبَسوا الحريرَ؛ فإنَّه مَن لَبِسَه في الدُّنيا، لم يَلبَسْه في الآخِرةِ )) [372] رواه مسلم (2069). .
وعن حُذيفةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((لا تَلبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تَشرَبوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تأكُلوا في صِحافِها؛ فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرةِ )) [373] رواه البخاري (5426) واللفظ له، ومسلم (2067). .
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24).
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ.
أي: وهدى اللهُ المُؤمِنينَ إلى الأقوالِ الطيِّبةِ [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((تفسير القرطبي)) (12/30، 31)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). قيل: المرادُ بقوله: الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ: شهادة أنْ لا إله إلا اللهُ. وممَّن اختاره: مقاتل بن سليمان، وابنُ جرير، وابن أبي زَمَنِين، والثعلبي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/121)، ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/176)، ((تفسير الثعلبي)) (7/15). قال ابن جزي: (الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قيل: هو لا إلهَ إلَّا اللهُ. واللفظُ أعمُّ مِن ذلك). ((تفسير ابن جزي)) (2/37). وممن ذهب إلى العمومِ: السعديُّ، فقال: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ الذي أفضلُه وأطيبُه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيِّبة التي فيها ذِكرُ الله، أو إحسانٌ إلى عباد الله). ((تفسير السعدي)) (ص: 536). وقال ابنُ عطية: (الطيِّب من القولِ: لا إله إلا اللهُ، وما جرَى معها مِن ذِكرِ الله تعالى، وتسبيحِه وتقديسِه، وسائر كلامِ أهل الجَنَّة؛ من محاورةٍ وحديثٍ طيِّبٍ؛ فإنَّها لا تَسمعُ فيها لاغيةً). ((تفسير ابن عطية)) (4/115). وقيل: المعنى: أنَّ المؤمنين يُرشَدُون إلى المكان الذين يَسمعون فيه الأقوالَ الطيِّبةَ. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/408). قال ابنُ كثير: (وقولُه: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ كَقولِه: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [إِبْرَاهِيمَ: 23]، وقولِه: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْدِ: 23، 24]، وقولِهِ: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا [الواقعةِ: 25- 26]؛ فهُدوا إلى المكانِ الذي يَسمَعون فيه الكلامَ الطيِّبَ، وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان: 75]، لا كما يُهان أهلُ النارِ بالكلامِ الذي يُروَّعون به، ويُقرعون به؛ يُقالُ لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال: 50]، [الحج: 22]). ((تفسير ابن كثير)) (5/408). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/234). وقال ابنُ كثيرٍ أيضًا: (وقد قال بعضُ المفسِّرين في قولِه: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ أي: القرآنِ. وقيل: لا إلهَ إلَّا اللهُ. وقيل: الأذكارُ المشروعةُ،... وكلُّ هذا لا يُنافي ما ذَكرناه، واللهُ أعلم). ((تفسير ابن كثير)) (5/408). وقال الشوكاني: (وقد ورَدَ في القرآن ما يدلُّ على هذا القولِ المُجمَلِ هنا، وهو قولُه سبحانَه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ). ((تفسير الشوكاني)) (3/526). .
وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ.
أي: وهَدى المؤمِنينَ إلى طريقِ اللهِ المحمودِ في أسمائِه وصِفاتِه [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((تفسير القرطبي)) (12/31)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/235). قيل: المرادُ أنَّهم هُدوا في الدُّنيا إلى الإسلامِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جَرير، والسمرقندي، والسمعاني، والبغوي، والقرطبيُّ، والخازن، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((تفسير السمرقندي)) (2/454)، ((تفسير السمعاني)) (3/431)، ((تفسير البغوي)) (3/332)، ((تفسير القرطبي)) (12/31)، ((تفسير الخازن)) (3/253)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/235). وقال مكي: (ومعنى: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ أي: إذا صاروا إلى الآخرةِ، وهُدوا إلى صراطِ الجنَّةِ، وطريقِها، فهو صراطُ الله عزَّ وجلَّ، يسلكُه المؤمنونَ إلى الجنَّةِ، ويعدلُ عنه الكافرونَ والمنافقونَ إلى طريقِ النارِ). ((الهداية)) (7/4866). وقال ابن كثير: (وقولُه: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ أي: إلى المكانِ الَّذي يَحْمَدونَ فيه رَبَّهم، على ما أحْسَن إليهم، وأنْعَم به، وأسْداه إليهم، كما جاءَ في الصَّحيحِ: «إنَّهم يُلْهَمونَ التَّسبيحَ والتَّحميدَ، كما يُلْهَمونَ النَّفَسَ»). وذكَر أنَّ تفسيرَ صراطِ الحميدِ بالطَّريقِ المستقيمِ في الدُّنيا لا يُنافي ما اختاره. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/408). وممَّن اختار أنَّ الْحَمِيدِ صفةٌ لله: ابنُ جَرير، ومكي، والواحديُّ، والسمعاني، والبَغويُّ، وابنُ عطية، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/500)، ((الهداية)) لمكي (7/4866)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 731)، ((تفسير السمعاني)) (3/431)، ((تفسير البغوي)) (3/322)، ((تفسير ابن عطية)) (4/115)، ((تفسير القرطبي)) (12/31). وقيل: الْحَمِيدِ صِفةٌ للصراط، أي: الصراط المحمود. وممَّن قال بهذا المعنى: جلال الدين المحلي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 436)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536). قال ابن جزي: (ويحتملُ أن يريدَ الصراطَ الحميدَ، وأضاف الصفةَ إلى الموصوفِ، كقولِك: مسجدُ الجامعِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/37). وقال السعديُّ: (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ أي: الصراط المحمود؛ وذلك لأنَّ جميعَ الشرع محتوٍ على الحِكمةِ والحمدِ، وحُسن المأمور به، وقُبح المنهيِّ عنه، وهو الدِّين الذي لا إفراطَ فيه ولا تفريط، المشتمِل على العِلم النافع والعمَل الصالح). ((تفسير السعدي)) (ص: 536). .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى بعدَ أن فَصَل بينَ الكُفَّارِ والمؤمنينَ؛ ذكَرَ عِظَمَ حُرمةِ البَيتِ، وعِظَمَ كُفرِ هؤلاء [376] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/216). .
وأيضًا لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى ما للفَريقَينِ، وتَضَمَّنَ هذا البيانُ ما للفريقِ الثَّاني مِن أعمالٍ دالَّةٍ على صِدقِ إيمانِهم؛ كرَّرَ ذِكرَ الفريقِ الأوَّلِ؛ لبيانِ ما يَدلُّ على استمرارِ كُفرِهم، ويُؤكِّدُ بيانَ جزائِهم؛ فقال [377] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/33). :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ.
أي: إنَّ الذين كَفَروا باللهِ، ويَمنَعونَ النَّاسَ مِن الدُّخولِ في دينِه، ومِنَ المَسجِدِ الحرامِ -الذي ليس مِلكًا لهم ولا لآبائِهم، بل جعَلْناه للمُؤمِنينَ كافةً سَواءً المُقيمُ منهم فيه والقادِمُ إليه، فهم يسْتَوون في تعظيمِه وأحقيَّةِ أداءِ العباداتِ وإقامةِ الشَّعائِرِ فيه [378] قال البغويُّ: (اختَلفوا في معنى الآيةِ؛ فقال قومٌ: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ يعني: في تعظيمِ حُرمتِه، وقضاءِ النُّسُكِ فيه. وإليه ذهب مجاهدٌ والحسنُ وجماعةٌ، وقالوا: المرادُ منه نفْسُ المسجِدِ الحرامِ، ومعنى التَّسويةِ: هو التَّسويةُ في تعظيمِ الكَعبةِ، وفي فضْلِ الصَّلاةِ في المسجِدِ الحرامِ، والطَّوافِ بالبَيتِ. وقال آخَرونَ: المرادُ منه جميعُ الحَرَمِ، ومعنى التسويةِ: أنَّ المقيمَ والباديَ سَواءٌ في النُّزولِ به، ليس أحَدُهما بأحقَّ بالمَنزِلِ يكونُ فيه مِن الآخَرِ، غيرَ أنَّه لا يُزعَجُ فيه أحدٌ إذا كان قد سبَق إلى مَنزلٍ. وهو قولُ ابن عبَّاس، وسعيد بن جُبير، وقتادة، وابن زيد). ((تفسير البغوي)) (3/333). ممَّن اختار القولَ الأوَّلَ: ابن جرير، والسمرقندي، ومكي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/501)، ((تفسير السمرقندي)) (2/455)، ((الهداية)) لمكي (7/4867)، ((تفسير القرطبي)) (12/32)، ((تفسير الخازن)) (5/11)، ((تفسير أبي حيان)) (6/336). وقال القرطبي: (قوله تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قيل: إنَّه المسجدُ نفْسُه، وهو ظاهرُ القرآن؛ لأنَّه لم يُذكر غيرُه. وقيل: الحرمُ كلُّه؛ لأنَّ المشركين صدُّوا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه عنه عام الحُديبيَةِ، فنزَل خارجًا عنه؛ قال اللهُ تعالى: وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح: 25]). ((تفسير القرطبي)) (12/32). والقول الثاني نسبه الواحدي للأكثرين. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (15/344). وقال ابنُ القيِّم: (المسجِدُ الحرامُ هنا: المرادُ به الحَرَمُ كلُّه، كقَولِه تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: 28]، فهذا المرادُ به الحَرَمُ كُلُّه، وقَولِه سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: 1]، وفي الصَّحيحِ: «أنَّه أُسرِيَ به من بيتِ أمِّ هانئٍ»... فالحرمُ ومشاعِرُه -كالصَّفا والمروةِ والمَسعى، ومِنًى وعَرفةَ ومُزدلِفةَ- لا يختصُّ بها أحَدٌ دونَ أحدٍ، بل هي مُشتركةٌ بين النَّاسِ؛ إذ هي مَحلُّ نُسُكِهم ومُتعبَّدُهم؛ فهي مَسجِدٌ مِن الله وقَفَه ووضَعَه لخَلْقِه؛ ولهذا امتنعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُبنَى له بيتٌ بمنًى يُظِلُّه مِن الحرِّ، وقال: «مِنًى مُناخُ مَن سبَق»). ((زاد المعاد)) (3/381، 382). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (29/212، 213). وقال ابن عاشور: (ليس في هذه الآيةِ حُجَّةٌ لحُكمِ امتِلاكِ دُورِ مكَّةَ إثباتًا ولا نَفيًا؛ لأنَّ سياقَها خاصٌّ بالمسجدِ الحرامِ دونَ غَيرِه، ويَلحَقُ به ما هو مِن تمامِ مَناسِكِه؛ كالمسعى، والموقِفِ، والمشعَرِ الحرامِ، والجِمارِ... ولا خلافَ بين المُسلِمينَ في أنَّ النَّاسَ سَواءٌ في أداءِ المناسِكِ بالمَسجدِ الحرامِ وما يَتْبَعُه). ((تفسير ابن عاشور)) (17/238). وقال ابن عطية: (أجمَع الناسُ على الاستواءِ في نفْسِ المسجدِ الحرامِ، واختلفوا في مكَّةَ). ((تفسير ابن عطية)) (4/116). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/79). - أولئك الذين كَفَروا نُذيقُهم [379] قال الشنقيطي: (اعْلَمْ أنَّ خبرَ إِنَّ في قولِه هنا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا محذوفٌ كما ترَى. وَالَّذي تَدُلُّ عليه الآيةُ أنَّ التَّقديرَ: إنَّ الَّذينَ كفروا ويصُدُّونَ عن سبيلِ اللهِ، نُذيقُهم مِن عذابٍ أَلِيمٍ. كما دَلَّ على هذا قولُه في آخِرِ الآيةِ: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وخيرُ ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآنُ). ((أضواء البيان)) (4/292). وقيل: الخبرُ محذوفٌ مُقدَّرٌ عندَ قولِه: وَالْبَادِ، تقديرُه: خَسِروا أو هَلَكوا. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/31). مِن عذابٍ مُؤلمٍ مُوجِعٍ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/501)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/420)، ((تفسير القرطبي)) (12/32)، ((تفسير ابن كثير)) (5/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/235-239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/292، 293). .
كما قال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الفتح: 25.
وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.
أي: ومَنْ يَهُمَّ أن يَميلَ ويَحيدَ في المَسجِدِ الحَرامِ عن الحَقِّ، ويَنحَرِفَ عن الاستِقامةِ بارتِكابِ ظُلمٍ [381] ممن ذهَب إلى القول بعمومِ المرادِ بالظُّلمِ هاهنا: ابنُ جَرير، والقرطبيُّ، وابنُ كثير، وابن عاشور، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/510)، ((تفسير القرطبي)) (12/36)، ((تفسير ابن كثير)) (5/411، 412)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/294). قال ابنُ جَرير: (أَوْلى الأقوال التي ذَكرناها في تأويلِ ذلك بالصوابِ: القولُ الذي ذَكرناه عن ابن مسعودٍ، وابن عبَّاس، من أنه معنيٌّ بالظلم في هذا الموضع كلُّ معصية لله؛ وذلك أنَّ الله عمَّ بقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج: 25]، ولم يُخصَّص به ظلمٌ دون ظُلمٍ في خبرٍ ولا عقْل؛ فهو على عُمومِه). ((تفسير ابن جرير)) (16/510). وقال القرطبيُّ: (هذا الإلحادُ والظلمُ يَجمع جميعَ المعاصي من الكُفر إلى الصغائر، فلِعِظَمِ حُرمة المكان توعَّدَ الله تعالى على نيَّة السيِّئة فيه، ومَن نوَى سيِّئة ولم يَعملْها لم يُحاسَبْ عليها إلا في مكَّة؛ هذا قولُ ابن مسعودٍ وجماعةٍ مِن الصحابة وغيرِهم). ((تفسير القرطبي)) (12/36). وقال ابنُ كثير: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ، أي: يَهُمُّ فيه بأمرٍ فظيعٍ من المعاصي الكِبار. وقوله: بِظُلْمٍ، أي: عامدًا قاصدًا أنَّه ظُلْمٌ، ليس بمتأوَّل... وقال مجاهدٌ: بِظُلْمٍ: يعمل فيه عملًا سيِّئًا. وهذا من خُصوصية الحرَم، أنه يُعاقَبُ البادي فيه الشرَّ، إذا كان عازمًا عليه، وإنْ لم يُوقِعْه... وهذه الآثارُ، وإن دلَّتْ على أنَّ هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعمُّ من ذلك، بل فيها تنبيهٌ على ما هو أغلظُ منها؛ ولهذا لَمَّا همَّ أصحابُ الفيل على تخريب البيت أرسلَ الله عليهم طيرًا أبابيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: 4- 5]، أي: دمَّرهم وجعَلهم عبرةً ونكالًا لكلِّ مَن أراده بسوءٍ). ((تفسير ابن كثير)) (5/411، 412). وقال الشِّنقيطيُّ: (الذي يَظهَر في هذه المسألةِ أنَّ كلَّ مخالفةٍ بترك واجب، أو فِعل محرَّم تدخل في الظُّلْم المذكور، وأما الجائزات كعِتاب الرجُلِ امرأتَه، أو عبْدَه؛ فليس من الإلحاد، ولا مِن الظُّلم). ((أضواء البيان)) (4/294). وقال أيضًا: (قال بعضُ أهلِ العلمِ: مَن هَمَّ أنْ يعملَ سَيِّئَةً فِي مَكَّةَ، أذاقَه اللَّهُ العذابَ الأليمَ بسَبَبِ هَمِّه بذلك وإنْ لم يفعَلْها، بخلافِ غيرِ الحَرَمِ المكِّيِّ مِنَ البقاعِ، فلا يعاقَبُ فيه بالهمِّ... فهذه الآيةُ الكرِيمَةُ مُخَصِّصةٌ لعمومِ قولِه صَلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّم: «ومَنْ همَّ بِسَيِّئَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنَةٌ...» الحديثَ، وعليه فهذا التَّخصيصُ لشدَّةِ التَّغليظِ في المخالَفَةِ في الحَرَمِ المكِّيِّ، ووجهُ هذا ظاهِرٌ... ويحتملُ أنْ يكونَ معنى الإرادةِ في قولِه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ العزمَ المصَمِّمُ على ارتكابِ الذَّنْبِ فيه، والعزمُ المصَمِّمُ على الذَّنْبِ ذنبٌ يُعاقَبُ عليه في جميعِ بِقَاعِ اللَّهِ؛ مَكَّةَ وغيرِها). ((أضواء البيان)) (4/294). -وهو قاصِدٌ لذلك- نُذِقْه مِن عذابٍ مُؤلِمٍ مُوجِعٍ [382] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/505، 510)، ((تفسير ابن كثير)) (5/410 - 412)، ((تفسير السعدي)) (ص: 536)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/294، 295). قال الشنقيطي: (الظاهرُ أنَّ الضميرَ في قولِه: فِيهِ راجعٌ إلى المسجدِ الحرامِ، ولكنَّ حكمَ الحرمِ كلِّه في تغليظِ الذنْبِ المذكورِ كذلك). ((أضواء البيان)) (4/295). .
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يغزو جَيشٌ الكَعبةَ، فإذا كانوا ببَيداءَ [383] ببَيداءَ مِن الأرضِ: أي: بُقعةٍ ومفازةٍ واسعةٍ منها. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/1866). مِن الأرضِ يُخسَفُ بأوَّلِهم وآخِرِهم. قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، كيف يُخسَفُ بأوَّلِهم وآخِرِهم، وفيهم أسواقُهم [384] أسواقُهم: أي: أهلُ أسواقِهم، أو جَمعُ سُوقةٍ، وهي: الرَّعايا. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/1866). ومَن ليس منهم؟ قال: يُخسَفُ بأوَّلِهم وآخِرِهم، ثُمَّ يُبعَثونَ على نيَّاتِهم )) [385] رواه البخاري (2883) واللفظ له، ومسلم (2884). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، والعملُ الصالحُ مبنيٌّ على الإيمانِ، فعملٌ بلا إيمانٍ لا فائدةَ منه، فالمنافقون يعملون، ويذكرون الله، ويُصَلُّون، ويتصدَّقون، ولكن ليس عندَهم إيمانٌ؛ فلا ينفعُهم؛ ولهذا يقدِّمُ الله عزَّ وجلَّ الإيمانَ على العملِ الصالحِ [386] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/430). .
2- الإيمانُ وحْدَه لا يكفي، بل لا بدَّ مِن عملٍ، والعملُ وحْدَه لا يكفي، بل لا بدَّ مِن إيمانٍ، فلا يستحقُّ الجنةَ إلَّا مَن جمَع بينَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ؛ قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ، وإذا ذُكِر ثوابُ الجنةِ مقيَّدًا أو معلَّقًا بالإيمانِ وحْدَه، فالمرادُ بذلك الإيمانُ المتضمِّنُ للعملِ الصالحِ [387] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/252). .
3- العملُ لا ينفعُ صاحبَه إلَّا إذا كان صالحًا؛ قال تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، والعملُ الصالحُ هو: الخالصُ الصوابُ؛ أي: ما ابتُغِي به وجهُ الله، وكان على شريعةِ الله [388] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/253). .
4- قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ فيه أنَّ الأعمالَ بالنيَّاتِ، والأُمورَ بمقاصدِها [389] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 73). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ وهذا على سَبيلِ العُمومِ؛ فإنَّنا نَشهَدُ لكُلِّ مُؤمِنٍ عاملٍ للصَّالحاتِ أنَّه سيَدخُلُ الجنَّةَ، لكِنْ لا نُطَبِّقُ الشَّهادةَ هذه على جميعِ أفرادِ العُمومِ، بمعنى: أن نَخُصَّ واحِدًا بعَينِه إلَّا مَن شَهِدَ اللهُ له بذلك، أو شَهِدَ له رَسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم، أو أجمَعَت عليه الأمَّةُ [390] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/253). .
2- قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فيه الردُّ على الجبريةِ؛ إذ أضاف العملَ إليهم، والجبريةُ يقولونَ: إنَّ الإنسانَ لا يعملُ، ولا يضافُ العملُ إليه إلا مجازًا، وأنَّ عملَه ليس باختيارِه ولا بقصدِه [391] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/527). .
3- قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ في هذه الآيةِ الكَريمةِ وُجوبُ احتِرامِ الحَرَمِ، وشِدَّةِ تَعظيمِه، والتَّحذيرُ مِن إرادةِ المعاصي فيه وفِعْلِها [392] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 536). ، فالسَّيِّئةُ في الحَرَمِ أعظَمُ منها في غَيرِه، والهَمُّ بها فيه مأخوذٌ به [393] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 181). . فمِن خَواصِّ الحَرَمِ أنَّه يُعاقَبُ فيه على الهَمِّ بالسَّيِّئاتِ، وإنْ لم يفعَلْها، فتأمَّلْ كيف عَدَّى فِعْلَ الإرادةِ هاهنا بالباءِ، فقال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ، ولا يُقالُ: «أردتُ بكذا» إِلَّا لَمَّا ضُمِّنَ معنى فِعْلِ «هَمَّ»؛ فإنَّه يُقالُ: «همَمَتُ بكذا»، فتَوعَّدَ مَن هَمَّ بأنْ يَظلِمَ فيه بأنْ يُذيقَه العذابَ الأليمَ [394] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/51). .
4- المَعصِيةُ في مكانٍ فاضلٍ أعظَمُ مِنَ المَعصيةِ في مكانٍ مَفضولٍ؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [395] يُنظر: ((تفسير جزء عم)) لابن عثيمين (ص: 324). .
5- إنْ قال قائِلٌ: وهل تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ في الأمكِنةِ الفاضِلةِ والأزمِنةِ الفاضِلةِ؟
فالجوابُ: أمَّا في الكَّمِّيةِ فلا تُضاعَفُ؛ لِقَولِه تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الأنعام: 160، وهذه الآيةُ مَكِّيَّةٌ؛ لأنَّها مِن سورةِ (الأنعامِ)، وكُلُّها مكِّيَّةٌ، لكِنْ قد تُضاعَفُ السَّيِّئةُ في مكَّةَ مِن حَيثُ الكَيفيَّةُ، بمعنى أنَّ العقوبةَ تكونُ أشدَّ وأوجعَ؛ لِقَولِه تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [396] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (6/514)، ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/169). .
6- قال الله تعالى في الحَرَمِ: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ فسَمَّى اللهُ المعاصِيَ والظُّلْمَ إلحادًا؛ لأنَّها مَيلٌ عمَّا يَجِبُ أن يكونَ عليه الإنسانُ؛ إذ الواجِبُ عليه السَّيرُ على صِراطِ اللهِ تعالى، ومَن خالَفَ فقد ألحَدَ [397] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (10/907). .
7- يَقولُ اللهُ تبارك وتعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، ويَقولُ صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يَرويه عن رَبِّه تبارك وتعالى في آخِرِ الحَديثِ: ((وإنْ همَّ بسَيِّئةٍ فلم يَعمَلْها كتَبَها اللهُ تعالى عِندَه حَسَنةً كامِلةً)) [398] رواه البخاري (6491)، ومسلم (131) مِن حديثِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما. ، كيف نجمَعُ بين الآيةِ والحَديثِ؟
الجوابُ: الجَمعُ بينَ الآيةِ والحديثِ مِن أحَدِ وَجهَينِ:
 الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ قَولَه تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ، أي: مَن يَهُمَّ فيَفعَلْ؛ لِقَولِ الله تبارك وتعالى في سورةِ (الأنعامِ)، وهي مَكِّيَّةٌ: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا الأنعام:160، ولم يَقُلْ: ومَن هَمَّ، بل قال: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ الأنعام:160، فيكونُ المعنى: مَن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظُلْمٍ ويَفعَلْ. وعلى هذا؛ فلا تعارُضَ.
الوَجهُ الثَّاني: أن يُقالَ: إنَّ قَولَه: ((ومَن همَّ بسَيِّئةٍ فلم يَعمَلْها كُتِبَت له حَسَنةٌ) ) هذا في غيرِ مكَّةَ، وتكونُ مكَّةُ مُستَثناةً مِن ذلك، أي: أنَّه يُؤاخَذُ الإنسانُ فيها بالهَمِّ، وفي غَيرِها لا يؤاخَذُ [399] يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين، رقم اللقاء: (25). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ غُيِّرَ الأسلوبُ فيها بإسنادِ الإدخالِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكان مُقْتضى الظَّاهرِ أنْ يكونَ هذا الكلامُ معطوفًا بالواوِ على جُملةِ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ الحج: 19، بأنْ يُقالَ: والَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ يُدخِلُهم اللهُ جنَّاتٍ... إلى آخِرِه؛ فعُدِلَ عن ذلك الأسلوبِ إلى هذا النَّظمِ؛ لاسترعاءِ الأسماعِ إلى هذا الكلامِ إذ جاء مُبْتَدَأً به، مُسْتقِلًّا، مُفتتَحًا بحَرفِ التَّأكيدِ، ومُتوَّجًا باسمِ الجلالةِ؛ إيذانًا بكَمالِ مُباينةِ حالِهم لحالِ الكَفرةِ، وإظهارًا لمَزيدِ العنايةِ بأمْرِ المُؤمِنينَ، ودَلالةً على تَحقُّقِ مَضمونِ الكلامِ [400] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/68)، ((تفسير أبي السعود)) (6/102)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/231). .
- وكرَّرَ قولَه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ حُكْمَ أحدِ الخَصمينِ، وهو فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ، لم يكُنْ بُدٌّ مِن ذِكْرِ حُكْمِ الخَصمِ الآخرِ؛ لِمُقارَنتِه له، وإنْ تقدَّمَ ذِكْرُه [401] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 382). .
- في قولِه: أَسَاوِرَ أُشِيرَ بجمْعِ الجَمْعِ إلى التَّكثيرِ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/231). .
- و(مِن) في قولِه: مِنْ أَسَاوِرَ على القولِ بأنَّها زائدةٌ للتَّوكيدِ؛ فوَجْهُه: أنَّه لمَّا لم يُعْهَدْ تَحليةُ الرِّجالِ بالأساورِ، كان الخبَرُ عنهم بأنَّهم يُحلَّونَ أساورَ مُعرّضًا للتَّردُّدِ في إرادةِ الحقيقةِ؛ فجِيءَ بالمُؤكِّدِ لإفادةِ المَعْنى الحقيقيِّ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/232). .
- وقولُه: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ غُيِّرَ أُسلوبُ الكلامِ فيه، حيث عُبِّرَ بالجُملةِ الاسميَّةِ بعْدَ التَّعبيرِ بالفعليَّةِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ الحريرَ ثِيابُهم المُعتادةُ، أو للمُحافَظةِ على هَيئةِ الفواصلِ [404] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/69). .
وقيل: غُيِّرَ الأُسلوبُ للإيذانِ بأنَّ ثُبوتَ اللِّباسِ لهم أمْرٌ مُحقَّقٌ غَنِيٌّ عن البَيانِ؛ إذ لا يُمكِنُ عَراؤُهم عنه، وإنَّما المُحتاجُ إلى البَيانِ أنَّ لِباسَهم ماذا بخِلافِ الأساورِ واللُّؤلؤِ؛ فإنَّها ليستْ مِن اللَّوازمِ الضَّروريَّةِ؛ فجعَلَ بَيانَ تَحلِيَتِهم بها مَقصودًا بالذَّاتِ، ولعلَّ هذا هو الباعثُ إلى تَقديمِ بَيانِ التَّحليةِ على بَيانِ حالِ اللِّباسِ [405] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/102). .
وقيل: لمَّا كانتِ التَّحليةُ غيرَ اللِّباسِ، جِيءَ باسمِ اللِّباسِ بعْدَ يُحَلَّوْنَ بصِيغَةِ الاسمِ دونَ (يَلْبَسون)؛ لتَحصيلِ الدَّلالةِ على الثَّباتِ والاستمرارِ، كما دلَّتْ صِيغَةُ يُحَلَّوْنَ على أنَّ التَّحليةَ مُتجدِّدةٌ بأصنافٍ وألْوانٍ مُختلفةٍ، ومِن عُمومِ الصِّيغتينِ يُفْهَمُ تَحقُّقُ مِثْلِها في الجانبِ الآخَرِ؛ فيكونُ في الكلامِ احتباكٌ [406] الاحْتِباك: هو الحذفُ مِن الأوائلِ لدَلالةِ الأواخِرِ، والحذفُ مِن الأواخرِ لدَلالةِ الأوائلِ، إذا اجتمَع الحذفانِ معًا، وله في القرآنِ نظائرُ، وهو مِن إبداعاتِ القرآنِ وعناصرِ إعجازِه، وهو مِن ألطفِ الأنواعِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/204)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (1/347). ؛ كأنَّه قيل: يُحلَّون بها، وحِلْيَتُهم مِن أساوِرَ مِن ذهَبٍ، ولِباسُهم فيها حَريرٌ يَلْبَسونه [407] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/233). .
2- قَولُه تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ
- جُملةُ: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ مُعترِضةٌ، وهي كالتَّكملةِ لوصْفِ حُسْنِ حالِهم لمُناسَبةِ ذِكْرِ الهدايةِ في قولِه: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/234، 235). . وشُبِّهَ الإسلامُ بالصِّراطِ؛ لأنَّه مُوصِلٌ إلى رِضا اللهِ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/235). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ.
- وقولُه: الْحَمِيدِ، قيل: أي: المحمودِ نفْسُه أو عاقبتُه، وهو الجنَّةُ؛ فوَجْهُ تأْخيرِ هذه الهدايةِ لرِعايةِ الفواصلِ. وقيل: المُرادُ بالحميدِ: الحَقُّ المُستحِقُّ لِذَاتِه لغايةِ الحمْدِ، وهو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وصِراطُه الإسلامُ، ووَجْهُ التَّأخيرِ حينئذٍ: أنَّ ذِكْرَ الحمْدِ يَسْتدعِي ذِكْرَ المحمودِ [410] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/102). . ويجوزُ أنْ يكونَ الْحَمِيدِ صِفَةً لـ صِرَاطِ، أي: المحمودُ لسالِكِه. فإضافةُ صراطٍ إليه مِن إضافةِ الموصوفِ إلى الصِّفةِ، والصِّراطُ المحمودُ هو صراطُ دينِ الله، وفي هذه الجُملةِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ: إيماءٌ إلى سَببِ استحقاقِ تلك النِّعمِ، وأنَّه الهدايةُ السَّابقةُ إلى دِينِ اللهِ في الحياةِ الدُّنيا [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/235). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التفسيرِ.
3- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
- قولُه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ هذا مُقابِلُ قولِه: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الحج: 24 بالنِّسبةِ إلى أحوالِ المُشركينَ؛ إذ لم يَسبِقْ لقولِه ذلك مُقابِلٌ في الأحوالِ المذكورةِ في آيةِ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ الحج: 19؛ فمَوقِعُ هذه الجُملةِ الاستئنافُ البَيانِيُّ. وفيه مع هذه المُناسَبةِ لِمَا قبْلَه: تَخلُّصٌ بَديعٌ إلى ما بعْدَه؛ مِن بَيانِ حَقِّ المُسلمينَ في المسجِدِ الحرامِ، وتَهويلِ أمْرِ الإلحادِ فيه، والتَّنويهِ به، وتَنزيهِه عن أنْ يكونَ مأْوًى للشِّرْكِ ورِجْسِ الظُّلمِ والعُدوانِ [412] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/235، 236). .
- وقولُه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... فيه تأْكيدُ الخبَرِ بحَرفِ التَّأكيدِ (إنَّ)؛ للاهتمامِ به. وصِيغةُ الماضي كَفَرُوا؛ لأنَّ ذلك الفِعْلَ صار كاللَّقبِ لهم، مثْلُ قولِه: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا [413] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/236). الحج: 23.
- وقولُه: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ والصَّدُّ عن المسجِدِ الحرامِ ممَّا شَمِلَه الصَّدُّ عن سَبيلِ اللهِ؛ فخُصَّ بالذِّكْرِ للاهتمامِ به، ولِيُنْتقَلَ منه إلى التَّنويهِ بالمسجِدِ الحرامِ، وذِكْرِ بِنائِه، وشَرْعِ الحجِّ له مِن عَهْدِ إبراهيمَ [414] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/236). .
- والفِعْلُ المُضارِعُ وَيَصُدُّونَ يُرادُ به استمرارُ الصَّدِّ منهم، وتَكرُّرُ ذلك منهم، وأنَّه دأْبُهم؛ ولذلك حسُنَ عطْفُه على الماضي كَفَرُوا [415] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/151)، ((تفسير البيضاوي)) (4/69)، ((تفسير أبي حيان)) (7/498)، ((تفسير أبي السعود)) (6/103). .
- وفي التَّعقيبِ بقولِه تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ عطْفًا على سَبِيلِ اللَّهِ على مِنوالِ العطْفِ السَّابقِ: تَتميمٌ ومُبالَغةٌ [416] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/467). .
- وفائدةُ وصْفِ المسجِدِ الحرامِ بقولِه: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ زيادةُ التَّشنيعِ للصَّادِّينَ عنه [417] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/103). ، وللإيماءِ إلى عِلَّةِ مُؤاخذةِ المُشركينَ بصَدِّهم عنه لأجْلِ أنَّهم خالَفوا ما أراد اللهُ منه؛ فإنَّه جعَلَهُ للنَّاسِ كلِّهم، يَسْتوي في أحَقِّيَّةِ التَّعبُّدِ به العاكِفُ فيه، أي: المُستقِرُّ في المسجِدِ، والبادي، أي: البعيدُ عنه إذا دخلَهُ [418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/237). .
- وفي قولِه: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ لم يُبيِّنِ الاستواءَ في ماذا؛ لظُهورِ أنَّ الاستواءَ فيه بصِفَةِ كونِه مَسجدًا إنَّما هي في العبادةِ المقصودةِ منه [419] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/237). . والعاكِفُ: هو المُلازِمُ له في أحوالٍ كثيرةٍ، قيل: هو كِنايةٌ عن السَّاكنِ بمكَّةَ، وفي ذِكْرِ العُكوفِ تَعريضٌ بأنَّهم لا يَستحِقُّون بسُكْنى مكَّةَ مَزيَّةً على غيرِهم، وبأنَّهم حين يَمْنعون الخارجينَ عن مكَّةَ مِنَ الدُّخولِ للكعبةِ قد ظَلَموهم باستئثارِهم بمكَّةَ [420] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/237). .
- قولُه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ تَذييلٌ للجُملةِ السَّابقةِ؛ لِمَا في (مَن) الشَّرطيَّةِ مِن العُمومِ [421] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/467)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/239). .
- والباءُ في بِإِلْحَادٍ زائدةٌ للتَّوكيدِ، كما في قولِه: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ المائدة: 6، أي: مَن يُرِدْ إلحادًا وبُعْدًا عن الحقِّ والاستقامةِ، وذلك صَدُّهم عن زِيارتِه، على قولٍ في التفسيرِ. والباء في بِظُلْمٍ للملابسةِ [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/239). . وقيل: ضُمِّنَ معنى فِعْلِ «هَمَّ»؛ فإنَّه يُقالُ: «همَمَتُ بكذا» [423] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/51). .