موسوعة التفسير

سورةُ طه
الآيات (111-114)

ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ

غريب الكلمات:


وَعَنَتِ: أي: ذَلَّتْ واستَسلَمَت، وأصلُه: يدُلُّ على خُضوعٍ وذُلٍّ [947] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 282)، ((تفسير ابن جرير)) (16/172)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/146، 147)، ((المفردات)) للراغب (ص: 590)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 233)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 661). .
الْقَيُّومِ: أي: القائمِ بنفسِه؛ فلا يحتاجُ إلى مَن يُقيمُه بوجهٍ مِن الوجوهِ، المقيمِ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ؛ فلا قيامَ لغيرِه إلا بإقامتِه، وأصلُ (قوم): يدلُّ على انتِصابٍ وعَزمٍ [948] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 373)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 691)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/194)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/184)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 113). .
خَابَ: أي: خَسِرَ وفَاتَه الظَّفَرُ، وأصلُ (خيب): يدُلُّ على عَدَمِ فائدةٍ، وحِرمانٍ [949] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 212)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/232)، ((المفردات)) للراغب (ص: 300)، ((تفسير القرطبي)) (11/249). .
هَضْمًا: أي: نَقصًا وظُلمًا، وأصْلُ (هضم): يدُلُّ على كَسرٍ وضَغْطٍ [950] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 282)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 493)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/55)، ((المفردات)) للراغب (ص: 842)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 233)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 964). والفرقُ بين الظلمِ والهضمِ أنَّ الظلمَ المنعُ مِن الحقِّ كلِّه، والهضمُ المنعُ مِن بعضِه، والهضمُ ظلمٌ وإن افترقا مِن وجهٍ. ((تفسير الماوردي)) (3/428). .
وَصَرَّفْنَا: أَيْ: نَوَّعْنا، وبَيَّنَّا، والصَّرفُ: ردُّ الشَّيءِ مِن حالةٍ إلى حالةٍ، وأصلُه: يدُلُّ على رَجعِ الشَّيءِ [951] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/178)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/342)، ((المفردات)) للراغب (ص: 482)، ((تفسير القرطبي)) (11/250). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى: وخَضَعَت وجوهُ الخلائِقِ وذلَّت لخالِقِها، ذي الحياةِ الكاملةِ، الذي لا يَموتُ، القائِمِ على تدبيرِ كلِّ شيءٍ، المُستغني عمَّن سِواه. وقد خَسِرَ يومَ القيامةِ مَن أشرَكَ مع اللهِ أحدًا مِن خَلقِه، أو عَمِلَ بمَعصيتِه.
ثمَّ يبشِّرُ الله تعالى عبادَه المؤمنينَ، فيقولُ: ومَن يعمَلْ مِن صالحاتِ الأعمالِ وهو مؤمِنٌ برَبِّه، فلا يخافُ ظُلمًا بزيادةِ سَيِّئاتِه، ولا هَضمًا بنَقصِ حَسَناتِه.
ثمَّ يذكرُ الله تعالى اختصاصَ هذا الكتابِ بكونِه عربيًّا، ويبيِّنُ بعضَ الحكمِ مِن إنزالِه، فيقول: وكذلك أنزَلْنا هذا القُرآنَ باللِّسانِ العَرَبيِّ؛ لتُفهَمَ معانيه، وفصَّلنا فيه وكرَّرْنا أنواعًا مِن الوَعيدِ؛ رجاءَ أن يتَّقوا رَبَّهم، أو يُحدِثَ لهم هذا القرآنُ تَذكِرةً.
ثمَّ يقولُ تعالى مثنيًا على ذاتِه: فتنزَّه اللهُ -سبحانَه- وارتفَعَ وتقدَّسَ عن كُلِّ نَقصٍ، المَلِكُ الذي قهَرَ سلطانُه كلَّ ملكٍ وجبَّارٍ، وله وَحدَه الأمرُ والنَّهيُ، وهو الحَقُّ المطلقُ مِن كلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ.
ثمَّ ينهَى نبيَّه عن التعجُّلِ بقراءةِ القرآنِ، ويأمرُه بسؤالِ المزيدِ مِن العلمِ، فيقولُ: ولا تعجَلْ -يا محمَّدُ- بمُسابقةِ جِبريلَ في تَلَقِّي القُرآنِ قبل أن يَفْرُغَ منه، وقُلْ: ربِّ زِدْني عِلمًا إلى ما عَلَّمتَني.

تفسير الآيات:


وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111).
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ.
أي: وخضَعت وذلَّت واستسلَمَت وجوهُ الخلائِقِ يومَ القيامةِ للهِ ذي الحياةِ الكامِلةِ -الذي لا يموتُ ولا ينامُ-، القائِمِ بنفسِه، المقيمِ لغيرِه [952] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/171)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (4/1329)، ((تفسير ابن كثير)) (5/318)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/312)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/101، 102). .
وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا.
أي: وقد خَسِر مَن أتَى يومَ القيامةِ وهو يحمِلُ شِركًا أو كُفرًا بالله، أو عمَلًا بمَعصيتِه [953] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/174)، ((تفسير الرازي)) (22/103)، ((تفسير القرطبي)) (11/249)، ((تفسير ابن كثير)) (5/318). قال ابنُ عطية: (الظُّلمُ يعُمُّ الشركَ والمعاصيَ، وخَيبةُ كلِّ حاملٍ بقَدرِ ما حَمَل من الظُّلمِ، فخيبةُ المُشرِك على الإطلاقِ، وخيبةُ العاصي مُقَيَّدةٌ بوقتٍ وحَدٍّ في العقوبةِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/65). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/174)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/101). .
كما قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254].
وقال سُبحانَه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: 72].
وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].
وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ )) [954] رواه البخاري (2447)، ومسلم (2579) واللفظ له. .
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا شرَحَ الله تعالى أحوالَ يومِ القيامةِ، ختَمَ الكلامَ فيها بشَرحِ أحوالِ المؤمنينَ، فقال [955] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/103). :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112).
أي: ومَن يعمَلْ مِن [956] قال القرطبي: (مِنَ في قوله مِنَ الصَّالِحَاتِ للتبعيض، أي: شيئًا مِن الصالحاتِ. وقيل: للجِنسِ). ((تفسير القرطبي)) (11/249). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/65)، ((تفسير البيضاوي)) (4/39). صالحاتِ الأعمالِ وهو مُؤمِنٌ باللهِ وبِوَعدِه ووَعيدِه، غيرُ مُشركٍ به؛ فلا يخافُ ظُلمًا بأن يُزادَ في سيئاتِه، ولا هَضمًا بأن يُنقَصَ من حَسَناتِه [957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/175)، ((تفسير القرطبي)) (11/249)، ((تفسير البيضاوي)) (4/39، 40)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/219)، ((تفسير ابن كثير)) (5/318)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/35)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .
كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40].
وقال سُبحانَه: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110].
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113).
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا.
أي: وكذلك [958] قال الواحديُّ: (قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ أي: وكما بينَّا في هذه السورةِ أَنْزَلْنَاهُ أنزلنا هذا الكتابَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ أي: بيَّنا فيه ضروبَ الوعيدِ وما فيه العقابُ). ((البسيط)) (14/538). وقال الزمخشري: (وَكَذَلِكَ عطفٌ على كَذَلِكَ نَقُصُّ أي: ومثلَ ذلك الإنزالِ، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآياتِ المضمنةَ للوعيدِ أنزلنا القرآنَ كلَّه على هذه الوتيرةِ، مكررين فيه آياتِ الوعيدِ). ((تفسير الزمخشري)) (3/89). أنزَلْنا القرآنَ بلُغةِ العَرَبِ واضِحًا؛ لتُفهَمَ معانيه [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/178)، ((البسيط)) للواحدي (14/538)، ((تفسير الزمخشري)) (3/89)، ((تفسير القرطبي)) (11/250)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .
وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ.
أي: وكرَّرنا في القُرآنِ آياتِ التَّخويفِ والتَّهديدِ بأساليبَ مُتَنوِّعةٍ [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/178)، ((تفسير القرطبي)) (11/250)، ((تفسير الخازن)) (3/213)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/350)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). قال الخازن: (يدخلُ تحتَ الوعيدِ بيانُ الفرائضِ والمحارمِ؛ لأنَّ الوعيدَ بهما يتعلَّقُ، فتكريرُه وتصريفُه يقتضي بيانَ الأحكامِ). ((تفسير الخازن)) (3/213). وقال السعدي: (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ أي: نوَّعناها أنواعًا كثيرةً؛ تارةً بذكرِ أسمائِه الدالةِ على العدلِ والانتقامِ، وتارةً بذكرِ المثلاتِ التي أحلَّها بالأممِ السابقةِ، وأمر أن تعتبرَ بها الأممُ اللاحقةُ، وتارةً بذكرِ آثارِ الذنوبِ، وما تكسبُه مِن العيوبِ، وتارةً بذكرِ أهوالِ القيامةِ، وما فيها مِن المزعجاتِ والمقلقاتِ، وتارةً بذكرِ جهنمَ وما فيها مِن أنوعِ العقابِ وأصنافِ العذاب، كلُّ هذا رحمةٌ بالعبادِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا.
أي: أنزَلْنا القرآنَ عربيًّا وصرَّفْنا فيه الوعيدَ للنَّاسِ؛ ليتَّقوا اللهَ أو لِيَتَذكَّروا [961] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/178)، ((تفسير القرطبي)) (11/250)، ((تفسير ابن كثير)) (5/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). قال ابنُ كثير: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يَتْرُكونَ المآثمَ والمحارِمَ والفواحشَ، أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا وهو إيجادُ الطَّاعةِ وفعلُ القرباتِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/319). وقال السمعاني: (وقولُه: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أي: يحدِثُ لهم القرآنُ اعْتِبارًا؛ فيعتبرونَ به. وقالَ بعضُهم: يحدِثُ لهم الوعيدُ ذكرَ العذابِ؛ فينزجرونَ عن المعاصي. وقال بعضُهم: أو يحدِثُ لهم ذكرًا أَي: شرفًا لإيمانِهم بِه). ((تفسير السمعاني)) (3/357). .
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)  .
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا عظَّمَ الله تعالى أمْرَ القرآنِ؛ أردَفَه بأن عظَّمَ نَفسَه؛ تنبيهًا على ما يلزَمُ خَلْقَه مِن تَعظيمِه، فقال [962] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/104). :
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.
أي: فتعاظَمَ اللهُ المستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، وارتفَعَ على جميعِ خَلْقِه، وتنزَّه وتقدَّسَ عن النَّقائِصِ، المَلِكُ الذي قهَرَ سلطانُه كلَّ ملكٍ وجبَّارٍ، وله وَحدَه الأمرُ والنَّهيُ، وهو الحَقُّ المطلقُ مِن كلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ، فذاتُه الحقُّ، وقولُه الحقُّ، ووعدُه الحقُّ، وأمرُه الحقُّ، وأفعالُه كلُّها حقٌّ، وجزاؤُه المستلزمُ لشرعِه ودينِه ولليومِ الآخرِ حقٌّ [963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/179)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/165)، ((تفسير ابن كثير)) (5/319)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). قال ابن القيم: (فكما أنَّ ذاتَه الحَقُّ، فقَولُه الحَقُّ، ووعدُه الحقُّ، وأمرُه الحقُّ، وأفعالُه كُلُّها حَقٌّ، وجزاؤُه المستلزِمُ لِشَرعِه ودينِه ولليومِ الآخِرِ حَقٌّ، فمن أنكر شيئًا من ذلك فما وصف اللهَ بأنَّه الحقُّ المطلَقُ مِن كُلِّ وَجهٍ وبكُلِّ اعتبارٍ؛ فكونُه حقًّا يستلزِمُ شَرعَه ودينَه وثوابَه وعقابَه، فكيف يُظَنُّ بالمَلِك الحقِّ أن يخلُقَ خَلقَه عبثًا، وأن يترُكَهم سُدًى لا يأمُرُهم ولا ينهاهم، ولا يثيبُهم ولا يعاقِبُهم؟!). ((بدائع الفوائد)) (4/165). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62].
وقال سُبحانَه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: 1].
وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حريصًا على صلاحِ الأُمَّةِ شَديدَ الاهتمامِ بنجاتِهم، لا جَرَمَ خَطَرتْ بقلبِه الشَّريفِ عَقِبَ سماعِ تلكَ الآياتِ رغبةٌ أو طِلبَةٌ في الإكثارِ مِن نُزولِ القرآنِ وفي التَّعجيلِ به؛ إسراعًا بعظَةِ النَّاسِ وصلاحِهم؛ فَعَلَّمه اللَّهُ أنْ يَكِلَ الأمرَ إليه؛ فإنَّه أعلمُ بحيثُ يُناسِبُ حالَ الأُمَّةِ العامَّ [964] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/316). .
وأيضًا لمَّا ذَكَر القرآنَ وإنزالَه قال على سبيلِ الاستطرادِ طالِبًا منه التَّأَنِّيَ في تَحَفُّظِ القرآنِ [965] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/387). :
وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ.
أي: ولا تُبادِرْ -يا محمَّدُ- بتلاوةِ وحفظِ ما يَقرَؤُه عليك جبريلُ مِن قَبلِ أن يَنتهيَ مِن تلاوتِه عليك، بل استَمِعْ له حتى يفرُغَ مِن قِراءتِه؛ فإنَّ اللهَ قد ضَمِنَ لك جمعَه في صَدرِك، وقراءتَك إيَّاه [966] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/381)، ((تفسير ابن كثير)) (5/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 514). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (11/250). وممن اختار المعنى المذكور: ابن تيمية، وابن كثير، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. قال السمعاني: (المشهورُ ما ذكَره ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه، أنَّ النَّبيَّ كان إذا نزَل عليه جبريلُ بالقرآنِ، تلا أوَّلَ الآيةِ قبلَ أنْ يفرُغَ جبريلُ مِن الإبلاغِ مخافَةَ التفلُّتِ منه والنِّسيانِ؛ فأنزلَ الله تعالَى هذه الآيةَ). ((تفسير السمعاني)) (3/357). وقيل: المعنى: ولا تعجَلْ -يا محمَّدُ- بالقرآنِ فتُقرِئَه أصحابَك من قبل أن يُوحى إليك بيانُ معانيه. وممن ذهب إلى ذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/179). .
كما قال تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. [القيامة: 16 - 19].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: ((كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا نزَلَ عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه، يريدُ أن يحفَظَه، فأنزل الله: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16])) [967] رواه البخاري (4982)، ومسلم (3016) واللفظ له. .
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.
أي: وقُلْ -يا محمَّدُ-: يا رَبِّ، زِدْني عِلمًا إلى ما عَلَّمْتَني مِنَ الوَحيِ [968] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/181)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 706)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/877). قال ابن كثير: (قال ابنُ عيينةَ رحمه الله: ولم يزَلْ صلَّى الله عليه وسلَّم في زيادةٍ مِن العِلمِ حتى توفَّاه الله عزَّ وجلَّ). ((تفسير ابن كثير)) (5/319). .
عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقولُ إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يُسلِّمُ: ((اللهُمَّ، إني أسألُك عِلمًا نافِعًا، ورِزقًا طَيِّبًا، وعَمَلًا مُتَقبَّلًا)) [969] أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (9930)، وابن ماجه (925) واللفظ له، وأحمد (26602). حسَّنه ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (2/329)، وقال: وله شاهد. وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (2/350): رجاله ثقات لولا جهالةُ مولى أم سلمة. وصَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (925). وأخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (735)، والإسماعيلي في ((المعجم)) (255)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/464) من طريق آخر عن أم سلمة رضي الله عنها. وثَّق رجالَه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/114). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ يؤخَذُ مِن هذه الآيةِ الكريمةِ الأدَبُ في تلقِّي العِلمِ، وأنَّ المُستَمِعَ للعِلمِ ينبغي له أن يتأنَّى ويَصبِرَ حتى يَفرُغَ المُملي والمعَلِّمُ مِن كلامِه المتَّصِلِ بعضُه ببعضٍ، فإذا فرَغ منه سألَ إن كان عندَه سؤالٌ، ولا يُبادِرَ بالسُّؤالِ وقَطعِ كَلامِ مُلقِي العِلمِ؛ فإنَّه سبَبٌ للحِرمانِ، وكذلك المسؤولُ ينبغي له أن يستمليَ سُؤالَ السائِلِ، ويَعرِفَ المَقصودَ منه قبلَ الجَوابِ؛ فإنَّ ذلك سَبَبٌ لإصابةِ الصَّوابِ [970] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .
2- في قولِه تعالى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أدبُ طالب العلمِ، وأنه ينبغي له أن يتأنَّى في تدبرِه وتأملِه للعلمِ، ولا يستعجلَ بالحكمِ على الأشياءِ ولا يُعجَبَ بنفسِه، ويسألَ ربَّه العلمَ النافعَ والتسهيلَ [971] يُنظر: ((فتح الرحيم الملك العلام)) للسعدي (ص: 211). .
3- قَولُ الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أمَرَ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يسألَه زيادةَ العِلمِ؛ فإنَّ العِلمَ خَيرٌ، وكَثرةُ الخيرِ مَطلوبةٌ، وهي مِنَ الله، والطَّريقُ إليها الاجتِهادُ والشَّوقُ للعِلمِ، وسؤالُ اللهِ والاستعانةُ به، والافتِقارُ إليه في كُلِّ وَقتٍ [972] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا هذا مما يدلُّ على أنَّ اللهَ قادرٌ على الظلمِ؛ ولكنْ لا يفعلُه فضلًا منه وجودًا وكرمًا وإحسانًا إلى عباده [973] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/35). ، لأنَّه لو كان الظلمُ مستحيلًا، لا يمكنُ وجودُه؛ لم يكن لِعَدَمِ الخوفِ منه معنًى، ولا للأمْنِ مِن وقوعِه فائدةٌ [974] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/251). .
2- لما كان الإنسانُ محلَّ العجزِ وإن اجتَهد، قال الله تعالى: مِنَ الصَّالِحَاتِ أي: التي أمره الله بها بحسبِ استطاعتِه؛ لأنَّه لن يقدُرَ اللهَ أحدٌ حقَّ قدرِه، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلَبه [975] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/349). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ إنَّما وصَفَ مُلكَه بالحَقِّ؛ لأنَّ مُلكَه لا يزولُ ولا يتغَيَّرُ، وليس بمستفادٍ مِن قِبَلِ الغَيرِ، ولا غيرُه أولى به؛ ولهذا وُصِفَ بذلك [976] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/104). .
4- قال الله تعالى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ في هذا دليلٌ على أنَّ التأنِّيَ في العِلمِ بالتَّدبُّرِ وبإلقاءِ السَّمعِ أنفَعُ مِن الاستعجالِ المُتعِبِ للبالِ، المكَدِّرِ للحالِ، وأعوَنُ على الحِفظِ، فمن وعى شيئًا حقَّ الوعيِ حَفِظَه غايةَ الحِفظِ [977] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/353). .
5- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا لَمَّا كانت عجَلَتُه صلَّى الله عليه وسلَّم على تلقُّفِ الوَحيِ، ومبادرتُه إليه تدُلُّ على محبَّتِه التامَّةِ للعِلمِ، وحِرصِه عليه؛ أمَرَه الله تعالى أن يسألَه زيِادةَ العِلمِ [978] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 514). .
6- في قَولِه تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا دليلٌ على فَضْلِ العِلْمِ، فلم يَقُلْ -سُبحانَه- لِنَبِيِّه: «وقلْ ربِّ زدني مالًا»، بل قال له: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [979] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (5/415). ، فكفى بهذا شرفًا للعلم أنْ أمَرَ نبَّيه أن يسألَه المزيدَ منه [980] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1 50). . وقد قيل: (ما أمَر اللهُ رَسولَه بطَلَبِ الزِّيادةِ في شَيءٍ إلَّا في العِلمِ) [981] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/90). .
7- قال الله تعالى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا، العِلْمُ الذي أمَرَه سُبحانَه باستزادتِه، هو عِلْمُ الوَحيِ، لا عِلْمُ الكَلامِ والفَلسَفةِ والمَنطِقِ [982] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (3/877). !

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا
- قولُه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ خَصَّ الوُجوهَ؛ لشَرفِها، ولأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تظهَرُ في أوَّلِ الوُجوهِ [983] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/89)، ((تفسير البيضاوي)) (4/39)، ((تفسير أبي حيان)) (7/385)، ((تفسير أبي السعود)) (6/43)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/349)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/312). .
- والألِفُ واللَّامُ في الْوُجُوهُ ظاهِرُها يَقْتضي العُمومَ، أي: خضَعَ جميعُ النَّاسِ إجْلالًا للهِ تعالى. فتكونُ جملةُ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا احْتِراسًا؛ لبَيانِ اختلافِ عاقبةِ عَناءِ الوُجوهِ؛ فمَن حمَلَ ظُلمًا فقد خابَ يومئذٍ واستمَرَّ عَناؤه، ومَن عمِلَ صالِحًا عاد عليه ذلك الخوفُ بالأمْنِ والفرَحِ. ويَجوزُ أنْ يكونَ التعريفُ في الوجوهِ عِوضًا عن المضافِ إليه، ويُرادَ بها: وُجوهُ المُجْرِمين؛ فتكونُ اللَّامُ بدَلَ الإِضافةِ، ويُؤيِّدُه قولُه: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا، وعلى هذا تكونُ جملةُ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا جُملةً مُعترِضةً تُفِيدُ التَّعليلَ، والمعنى: إذ قد خاب كلُّ مَن حمَلَ ظُلْمًا، ويَحتمِلُ الحالَ والاستِئنافَ لبيانِ ما لأجْلِه عنَتْ وُجوهُهم [984] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/89)، ((تفسير البيضاوي)) (4/39)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/312). .
2- قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا صِيغَتْ هذه الجُملةُ في صِيغَةِ الشَّرطِ؛ تَحقيقًا للوعْدِ، وقولُه: فَلَا يَخَافُ بصِيغَةِ المرفوعِ بإثباتِ ألِفٍ بعدَ الخاءِ، على أنَّ الجُملةَ استئنافٌ غيرُ مَقصودٍ بها الجَزاءُ؛ كأنَّ انتفاءَ خوفِه أمْرٌ مُقرَّرٌ؛ لأنَّه مُؤمِنُ ويَعمَلُ الصَّالحاتِ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/312- 313). .
3- قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا عطْفٌ على جُملةِ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، والغرَضُ واحدٌ، وهو التَّنويهُ بالقُرآنِ؛ فابْتُدِئَ بالتَّنويهِ به جُزئيًّا بالتَّنويهِ بقَصصِه، ثمَّ عُطِفَ عليه التَّنويهُ به كُلِّيًّا على طَريقةٍ تُشبِهُ التَّذييلَ لِمَا في قولِه: أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا مِن معنَى عُمومِ ما فيه [986] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/314). .
- قولُه: أَنْزَلْنَاهُ، أي: القُرآنَ كلَّه، وإضمارُه من غيرِ سَبْقِ ذِكْرِه؛ للإيذانِ بنَباهةِ شأْنِه، وكونِه مَركوزًا في العُقولِ، حاضرًا في الأذهانِ [987] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/44). .
- قولُه: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا التَّنكيرُ يُفِيدُ الكَمالَ، أي: أكمَلَ ما يُقْرَأُ. وعَرَبِيًّا صِفَةُ قُرْآَنًا، وهذا وصْفٌ يُفِيدُ المدْحَ؛ لأنَّ اللُّغةَ العربيةَ أبلَغُ اللُّغاتِ، وأحسَنُها فَصاحةً وانْسِجامًا. وفيه تَعريضٌ بالامتنانِ على العرَبِ، وتَحميقٌ للمُشرِكين منهم حيث أعْرَضوا عنه، وكذَّبوا به [988] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/314). .
- وفي قولِه: وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لم يَذكُرِ الوعْدَ؛ لأنَّ الآيةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّهديدِ، ولمُناسَبةِ قولِه قبْلَه: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [989] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/386)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/314). .
- وفي قولِه: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أسنَدَ ترَجِّيَ التَّقوى إليهم، وترَجِّيَ إحداثِ الذِّكْرِ للقُرآنِ؛ لأنَّ التَّقوى عبارةٌ عن انتفاءِ فعْلِ القبيحِ، وذلك استمرارٌ على العدَمِ الأصليِّ، فلم يُسْنَدْ للقُرآنِ، وأُسْنِدَ إحداثُ الذِّكْرِ إلى القُرآنِ؛ لأنَّه أمْرٌ حدَثَ بعْدَ أنْ لم يكُنْ [990] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/40)، ((تفسير أبي حيان)) (7/386)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/315). .
4- قوله تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
- جُملةُ: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ مُعترِضةٌ بين جُملةِ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ، وبينَ جُملةِ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ، وهذا إنشاءُ ثَناءٍ على اللهِ مُنزِّلِ القُرآنِ، وعلى مِنَّةِ هذا القُرآنِ، وتلْقينٌ لشُكْرِه على ما بيَّنَ لعِبادِه من وسائلِ الإصلاحِ، وحَمْلِهم عليه بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ، وتَوجيهِه إليهم بأبلَغِ كلامٍ، وأحسَنِ أُسلوبٍ؛ فهو مُفرَّعٌ على ما تقدَّمَ من قولِه: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا إلى آخِرِها. والتَّفريعُ بالفاءِ في فَتَعَالَى ... مُؤذِنٌ بأنَّ ذلك الإنزالَ والتَّصريفَ، ووسائلَ الإصلاحِ، كلُّ ذلك ناشِئٌ عن جَميلِ آثارٍ، يُشْعِرُ جميعُها بعُلوِّه وعظَمَتِه، وأنَّه المَلِكُ الحقُّ المُدبِّرُ لأُمورِ ممْلوكاتِه على أتَمِّ وُجوهِ الكَمالِ، وأنْفَذِ طُرقِ السِّياسةِ. وفي تَفريعِ ذلك على إنزالِ القُرآنِ إشارةٌ أيضًا إلى أنَّ القُرآنَ قانونُ ذلك المَلِكِ، وأنَّ ما جاء به هو السِّياسةُ الكاملةُ الضَّامِنةُ صَلاحَ أحوالِ مُتَّبِعيه في الدُّنيا والآخرةِ [991] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/315- 316). .
- والجمْعُ بين اسمِ الجَلالةِ (الله) واسْمِه (الملِك): إشارةٌ إلى أنَّ إعْظامَه وإجلالَه مُستحقَّانِ لِذاتِه بالاسمِ الجامِعِ لصفاتِ الكَمالِ، وهو الدَّالُّ على انحصارِ الإلهيَّةِ وكَمالِها، ثمَّ أُتْبِعَ بـ الْحَقُّ؛ للإشارةِ إلى أنَّ تَصرُّفاتِه واضحةُ الدَّلالةِ على أنَّ مُلْكَه مُلْكٌ حَقٌّ، لا تصرُّفَ فيه إلَّا بما هو مُقْتضى الحكمةِ [992] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/316). .
- والْحَقُّ: الَّذي ليس في مُلْكِه شائبةُ عجْزٍ، ولا خُضوعٍ لغَيرِه. وفيه تَعريضٌ بأنَّ مُلْكَ غيرِه زائفٌ، وأنَّ مُلْكَ غيرِه من المُتسمِّينَ بالمُلوكِ لا يَخْلو من نقْصٍ، كما قال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/316). [الفرقان: 26].