موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (184-186)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ

غريب الكلمات:


جِنَّةٍ: أي: جُنونٍ، وَأصلُ (جنن): السَّترُ والتسَتُّر [2239] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/421)، ((المفردات)) للراغب (ص: 205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص:213، 306). .
مَلَكُوتِ: أي: مُلْكِ، وزيدَت فيه الواوُ والتاءُ، وبُنِي بناءَ جَبَروتٍ، وهو مختَصٌّ بمُلكِ اللهِ تعالى [2240] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1 /156)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /414)، ((المفردات)) للراغب (1 /775)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1 /97)، ((التبيان)) لابن الهائم (1 /158)، ((الكليات)) للكفوي (1 /880). .
طُغْيَانِهِمْ: أي: عُتُوِّهِمْ وتكبُّرِهم، أو غَيِّهم وكُفْرِهم، وأصلُ الطُّغيانِ: مجاوزةُ الحدِّ [2241] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/41)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/321)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 52). .
يَعْمَهُونَ: أي: يتَحيَّرون ويجورونَ عَن الطَّريقِ، وأصلُ العَمهِ: التردُّدُ في الأمْرِ، مِن التحيُّرِ [2242] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 41)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 321)، ((المفردات)) للراغب (ص: 588)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 14)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 52). .

المعنى الإجمالي:


أوَلم يتفكَّرْ هؤلاءِ المكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ، فيما جاءهم به مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّهم لا يخفى عليهم حالُه، فيعلَمُوا أنَّه ليس به جُنونٌ، وما هو إلَّا نذيرٌ مُبينٌ.
أوَلم ينظُرْ هؤلاءِ المكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ نظَرَ تأمُّلٍ واعتبارٍ، في ملكوتِ السَّمَواتِ والأرضِ، وفي جميعِ ما خلقَ اللهُ تعالى فيهما، فيعلَمُوا أنَّ خالِقَ ذلك كلِّه ومُدبِّرَه، هو المستحِقُّ وَحْدَه للعبادةِ، وينظرُوا في آجالهم التي عسَى أن تكونَ قد قربَتْ، فيَحذَروا ويُبادِرُوا إلى التَّوبةِ، فبأيِّ حديثٍ بعد القرآنِ يُصَدِّقونَ ويَنْقادون.
وأخبَرَ تعالى أنَّ مَن يَكتُب عليه الضَّلالةَ فلن يهْديَه أحدٌ، ويتركُهم اللهُ تعالى في كُفرِهم وضلالِهم يتحيَّرونَ، فلا يهتَدونَ للحَقِّ.

تفسير الآيات:


أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا كان تكذيبُ المُشركينَ بالآياتِ مُنبعِثًا عن تكذيبِهم مَن جاء بها، وناشئًا عن ظَنِّ أنَّ آياتِ اللهِ لا يجيءُ بها البشَرُ، وأنَّ مَن يدَّعي أنَّه مُرسَلٌ مِن الله مجنونٌ- عقَّبَ الإخبارَ عن المُكَذِّبينَ ووعيدِهم، بدَعوتِهم للنَّظَرِ في حالِ الرَّسولِ، وأنَّه ليس بمجنونٍ كما يزعمونَ [2243] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/193). .
وأيضًا لَمَّا بالغَ اللهُ تعالى في تهديدِ المُعرضينَ عن آياتِه، الغافلينَ عن التأمُّلِ في دلائِلِه وبيِّناتِه- عاد إلى الجوابِ عن شُبُهاتِهم [2244] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/419). ، فقال تعالى:
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
أي: أوَلم يُعمِلْ أولئك المكَذِّبونَ بآياتِنا فِكرَهم فيما جاءَهم به مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذي خالَطوه وعَرَفوه، ولا يخفى عليهم شيءٌ مِن حالِه، فيعلَمُوا أنْ ليس به أيُّ جنونٍ [2245] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/602)، ((تفسير الرازي)) (15/419)، ((تفسير القرطبي)) (7/330)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/9)، ((تفسير ابن كثير)) (3/517)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/366). و(ما) في قوله: مَا بِصَاحِبِهِمْ نافيةٌ، ويجوزُ أن تكونَ استفهاميةً، ويجوز أن تكونَ موصولةً، بمعنى (الذي)، وتقديره: (أو لم يتفكَّروا في الذي بصاحبِهم)، وعلى هذا يكونُ الكلامُ خرَج على زعمِهم. ينظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/525). ؟!
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ: 46].
وقال سبحانه: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 2].
وقال عزَّ وجلَّ: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور: 29].
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا نفى أن يكونَ به شَيءٌ ممَّا نَسَبوه إليه وافتَرَوْه عليه، فثبَتَت رسالتُه- حصَرَ أمْرَه في النِّذارةِ؛ لأنَّها النَّافِعةُ لهم [2246] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/180). ، فقال:
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي: ما محمَّدٌ إلا نذيرٌ يخوِّفُ الكفَّارَ مِن عِقابِ اللهِ إن لم يُؤمِنوا، يُبِينُ ما يُنذِرُهم به؛ ليكونَ إنذارًا واضحًا جليًّا، لا لبْسَ فيه ولا شَكَّ، ولا عُذرَ معه [2247] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/602)، ((تفسير ابن كثير)) (3/517)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/195)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/368، 370). قال الشِّنقيطي: (المبينُ: اسمُ فاعلِ (أبان يُبين)، قال بعضُ العلماءِ: هو مِن (أبان) المتعديةِ. وعليه فالمفعولُ محذوفٌ لعمومِه، والمعنى: مُبِينٌ نذارتَه، مصرحٌ لكم في غايةِ البيانِ بما ينذركم الله به، ويحذِّركم منه. وأكثرُ العلماءِ على أنَّ قولَه: مُّبِينٌ صفةٌ مشبهةٌ، هي الوصفُ مِن: (أبان) اللازمةِ ... فعلى القولِ الأولِ مُبِينٌ: أي: مُبِينٌ ما ينذِرُكم ويُحَذِّرُكم به، موضِّحٌ له بالتَّفصيلِ. وعلى الثَّاني: أنَّه الصِّفةُ المُشَبَّهة مِن: (أبانَ) اللَّازمةِ، فمعنى (مُبِينٍ): نذيرٌ بَيِّنُ الإنذارِ واضِحُه، لا إشكالَ في إنذارِه). ((العذب النمير)) (4/370). ويُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/195). .
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا حضَّهم اللهُ تعالى على التفكُّرِ في حالِ الرَّسولِ، وكان مُفرَّعًا على تقريرِ دليلِ التَّوحيدِ؛ أعقَبَ بما يدلُّ على التَّوحيدِ، ووجودِ الصَّانِعِ الحَكيمِ [2248] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/420)، (تفسير أبي حيان)) (5/235). ، فقال تعالى:
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
أي: أوَلم ينظُرِ المُكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ نظَرَ تأمُّلٍ واعتبارٍ في مُلكِ اللهِ الواسِعِ، وسُلطانِه العظيمِ، في السَّمواتِ وفي الأرضِ، وفيما خلَقَ مِن الأشياءِ كُلِّها، فيتفكَّروا في كلِّ ذلك، فيعلَموا أنَّ خالِقَ ذلك ومُدبِّرَه هو المُستحِقُّ للعبادة وَحْدَه، فيؤمِنوا به ويُصَدِّقوا رسولَه [2249] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/603)، ((البسيط)) للواحدي (9/491)، ((تفسير ابن عطية)) (2/483)، ((تفسير القرطبي)) (7/334)، ((تفسير ابن كثير)) (3/517)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/181)، ((تفسير أبي السعود)) (3/299)، ((تفسير الشوكاني)) (2/309)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/370، 371). ؟
وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ
أي: وينظُروا في احتمالِ دنُوِّ وَقتِ مَوتِهم وهم على كُفْرِهم، فيَحْذَروا ويبادِرُوا إلى التَّوبةِ قبل أن يصيروا إلى عذابِ اللهِ [2250] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/603)، ((تفسير الرازي)) (15/421)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/182)، ((تفسير أبي السعود)) (3/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/371). .
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
أي: فبأيِّ تخويفٍ وتحذيرٍ بعد القرآنِ يُصَدِّقون، إن لم يُصَدِّقوا بهذا الكتابِ الذي جاءَهم به مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِن عندِ الله تعالى [2251] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/603)، ((تفسير ابن كثير)) (3/517)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/372، 373). وممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ في بَعْدَهُ يعودُ على القرآنِ: ابنُ جَريرٍ، وابنُ كثيرٍ، والسعديُّ، والشِّنقيطي. يُنظَر: المصادر السابقة. وقيل: هو عائِدٌ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقيل: عائدٌ على الأجَلِ، وقيل غيرُ ذلك. يُنظَر: ((تفسير الزمخشري)) (2/182)، ((تفسير ابن عطية)) (2/483)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/174)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/527)، ((تفسير الشوكاني)) (2/309). ؟
كما قال عزَّ وجلَّ: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6].
وقال سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: 23].
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكر اللهُ تعالى إعراضَهم عن الإيمانِ، ذكرَ علَّةَ ذلك: فضَلالُهم أمْرٌ قَدَّرَ اللهُ دوامَه، فلا طمَعَ لأحدٍ في هَدْيِهم [2252] يُنظَر: ((تفسير الشربيني)) (1/542)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/199). ، فقال تعالى:
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ
أي: مَن كتبَ اللهُ عليه الضَّلالةَ، فلن يهدِيَه أحدٌ مِن بعدِ اللهِ [2253] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/603)، ((تفسير ابن كثير)) (3/518)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/199)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/373). .
كما قال تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: 41].
وقال سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23].
وقال جلَّ جلاله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 36].
وقال تبارك وتعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: 88].
  وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
أي: ويترُكُهم اللهُ في تمادِيهم في كفْرِهم وضلالِهم، يتحَيَّرون ويتردَّدونَ، فلا يهتدونَ إلى الحقِّ [2254] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/604)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/185)، ((تفسير أبي السعود)) (3/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 310)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/375). .
كما قال تعالى: فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [يونس: 11].
وقال جل جلاله: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15].
وقال تبارك وتعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110].
وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل: 4].

الفوائد التربوية:


1- الحَثُّ على الفِكرِ والتأمُّلِ والتدبُّرِ، والترَوِّي لطَلَبِ معرفةِ الأشياءِ كما هي، عِرفانًا حقيقيًّا تامًّا؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ اللهِ تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا [2255] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/419). .
2- يجِبُ على العاقِلِ المُبادرةُ إلى التفكُّرِ والاعتبارِ، والنَّظرِ المؤدِّي إلى الفَوزِ والنَّعيمِ الدَّائمِ؛ قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [2256] يُنظَر: ((تفسير الشربيني)) (1/542). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ نبَّهَ على الفِكرِ في اقترابِ الأجَلِ؛ لعلَّهم يُبادِرونَ إليه، وإلى طلَبِ الحَقِّ وما يُخَلِّصُهم من عذابِ الله، قبل مُقانَصةِ الأجَلِ [2258] يُنظَر: ((تفسير ابن حيان)) (5/235). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا حَذفُ مَعمولِ التفَكُّرِ يؤذِنُ بِعُمومِ ما يدلُّ عليه المقامُ ممَّا تقتضيه الحالُ [2259] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/381). .
في قَولِه تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ دليلٌ على أنَّ مُحمَّدًا خاتَمُ الرُّسُلِ، وأنَّ الوَحيَ ينقطِعُ بعد القُرآنِ [2260] يُنظَر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (9/492). .
قَولُ اللهِ تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيه أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِن اللهِ تعالى [2261] يُنظَر: ((تفسير الرازي)) (15/422). .

بلاغة الآيات:


أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لإنكارِ عَدمِ تفكُّرِهم في شأنِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وجَهلِهم بحقيقةِ حالِه، المُوجِبةِ للإيمانِ به وبما أُنزِلَ عليه مِن الآياتِ التي كذَّبوا بها، والهمزةُ في أَوَلَمْ استفهاميَّةٌ للإنكارِ والتَّعجيبِ والتَّوبيخِ [2262] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/298). .
ودخولُ (مِن) على النَّكرةِ في قولِه: مِنْ جِنَّةٍ؛ لتوكيدِ العمومِ في النَّفي [2263] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/193)، وينظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/577). ، فيوجب ألَّا يكونَ به نوعٌ مِن أنواعِ الجنونِ [2264] يُنظر: ((التفسير البسيط)) للواحدي (9/490). .
والتَّعبيرُ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصاحِبِهم؛ للإيذانِ بأنَّ طولَ مُصاحَبتِهم له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ممَّا يُطْلِعُهم على نزاهَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن شائبةِ ما ذُكِرَ، ففيه تأكيدٌ للنَّكيرِ، وتشديدٌ له [2265] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/298). قال محمد رشيد رضا: (وقد عَبَّر عنه في هاتينِ الآيَتَيْنِ، وفي آيةِ التَّكْويرِ بالصَّاحِبِ لهم؛ لتَذْكيرِهم بأَنَّهم يعرفونه مِن أَوَّلِ نشأتِه إلى أَنْ تَجاوَز الأربعين مِن عُمْرِه، فما عليهم إلَّا أَنْ يَتَفَكَّروا حَقَّ التَّفكُّرِ في سيرَتِه الشَّريفةِ المعقولةِ؛ ليعلموا أَنَّ الشُّذوذَ ومجافاةَ المعقولِ ليس مِن دَأْبِه، ولا ممَّا عُهِدَ عنه، وكذلك الكذبُ كما قال بعضُ زعمائِهم مِنْ أهلِ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا لم يكذبْ قط على أحدٍ مِنَ الناسِ أفيكذِبُ على الله؟ وقد قال تعالَى في أُولئك الزعَماءِ: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33]). ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/381). .
وقَولُه تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ جملةٌ مُقَرِّرةٌ لِمَضمونِ ما قَبلَها، ومبيِّنةٌ لحقيقةِ حالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أي: ما هو إلَّا مُبالغٌ في الإنذارِ، مُظهِرٌ له غايةَ الإظهارِ؛ إبرازًا لكمالِ الرَّأفةِ، ومبالغةً في الإعذارِ [2266] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/298-299)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/195). .
القَصرُ المُستفادُ مِن النَّفيِ والاستثناءِ في قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ قَصرُ مَوصوفٍ على صفةٍ، وهو يقتضي انحصارَ أوصافِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النِّذارةِ والبَيانِ، وذلك قَصرٌ إضافيٌّ، هو قَصرُ قَلبٍ، أي هو نذيرٌ مُبِينٌ، لا مجنونٌ كما يزعمونَ، وفي هذا استغباءٌ أو تسفيهٌ لهم بأنَّ حالَه لا يلتبِسُ بحالِ المَجنونِ؛ لِلْبَونِ الواضحِ بين حالِ النِّذارةِ البيِّنةِ، وحال هَذَيانِ المجنونِ؛ فدعواهم جُنونَه: إمَّا غباوةٌ منهم، بحيث التَبَسَت عليهم الحقائِقُ المتمايِزةُ، وإمَّا مكابرةٌ وعنادٌ وافتراءٌ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [2267] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/195-196). .
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
قولُه تعالى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ... ترَقٍّ في الإنكارِ والتَّعجيبِ مِن حالِهم في إعراضِهم عن النَّظرِ في حالِ رَسولِهم، إلى الإنكارِ والتَّعجيبِ مِن إعراضِهم عن النَّظَرِ فيما هو أوضَحُ من ذلك وأعَمُّ، وهو مَلَكوتُ السَّمواتِ والأرضِ، وما خلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ ممَّا هو آياتٌ مِن آياتِ وحدانيَّة اللهِ تعالى، التي دعاهم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الإيمانِ بها [2268] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/196). .
وعُدِّيَ فِعلُ النَّظرِ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى مُتعلِّقِه بحَرفِ الظَّرفيَّةِ (في)؛ لأنَّ المرادَ التأمُّلُ بتدبُّرٍ، وهو التفَكُّرُ، فدلَّ بحَرفِ الظَّرفيَّةِ على أنَّ هذا التفكُّرَ عَميقٌ مُتغلغِلٌ في أصنافِ الموجوداتِ [2269] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/196). .
قَوْلُه: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ معطوفٌ على وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وصِيغَ الكلامُ على هذا النَّظمِ؛ لإفادةِ تَهويلِ الأمرِ عليهم وتخويفِهم، بجَعْلِ متعَلِّقِ النَّظرِ مِن معنى الإخبارِ؛ للدَّلالةِ على أنَّه أمرٌ مِن شأنِه أن يخطُرَ في النُّفوسِ، وأن يتحَدَّثَ به النَّاسُ، وأنَّه قد صار حديثًا وخَبرًا، فكأنَّه أمرٌ مُسلَّمٌ مُقَرَّرٌ [2270] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/197). .
قَولُه فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ استفهامٌ تعجيبيٌّ، مَشوبٌ باستبعادٍ للإيمانِ بما أبلَغَ إليهم اللهُ بلِسانِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما نصَبَ لهم من الآياتِ في أصنافِ المَخلوقاتِ؛ فإنَّ ذلك كُلَّه قد بلغ مُنتهى البَيانِ قَولًا ودلالةً، بحيث لا مَطمَعَ أن يكونَ غيرُه أدلَّ منه [2271] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/198). .
قولُه: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ هذه الجملةُ تعليلٌ للإنكارِ في قَولِه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ لإفادةِ أنَّ ضَلالَهم أمرٌ قَدَّرَ اللهُ دوامَه، فلا طَمَعَ لأحدٍ في هَدْيِهم [2272] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/199). .