موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيتان (11-12)

ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ

غريب الكلمات:


طُغْيَانِهِمْ: أي: عُتُوِّهِمْ وتكبُّرِهم. وأصلُ الطُّغيانِ: مُجاوزةُ الحدِّ [148] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 41)، ((تفسير ابن جرير)) (1/321)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 321)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 52). .
يَعْمَهُونَ: أي: يتردَّدونَ ويتَحيَّرونَ. وأصلُ (عمه): يدلُّ على حَيرةٍ، وقِلَّةِ اهتداءٍ [149] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 41)، ((تفسير ابن جرير)) (1/321)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 321)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4 /133)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 14)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 52). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ اللهُ تعالى أنَّه لو يعَجِّلُ للنَّاسِ الشَّرَّ كاستِعجالِهم بالخَيرِ، لَهَلكوا، ويَترُكُ اللهُ الذينَ لا يَرجُونَ لِقاءَه في الآخرةِ في ضَلالِهم متحَيِّرينَ مُتَردِّدينَ.
وإذا مَسَّ الإنسانَ الضُّرُّ دعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، في جميعِ أحوالِه: مُضطجِعًا على جَنْبِه أو قاعدًا أو قائِمًا، فلمَّا كشَفَ اللهُ عنه ضُرَّه، استمَرَّ على ما كان عليه مِنَ الكُفرِ أو المعاصي، ونَسِيَ أو تناسى ما كان عليه مِن الشِّدَّةِ، ولم يشكُرِ اللهَ الذي فرَّجَ عنه، وكأنَّه لم يَدْعُه إلى رَفْعِ ما أصابَه، كذلك زُيِّنَ للكافرين المُجاوِزينَ الحَدَّ في الكُفرِ والعِصيانِ ما كانوا يَعملونَ.

تفسير الآيتين:


وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا وصَفَ الكُفَّارَ بأنَّهم لا يرَجُونَ لِقاءَ اللهِ، ورَضُوا بالحياةِ الدُّنيا واطمَأنُّوا بها، وكانوا عن آياتِ الله غافلينَ- بَيَّنَ أنَّ مِن غَفلَتِهم أنَّ الرَّسولَ متى أنذَرَهم استعجَلوا العذابَ؛ جهلًا منهم وسَفَهًا [150] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/218). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ الله عَجَبَ النَّاسِ مِن إيحائِه تعالى إلى رَجُلٍ منهم، وكان فيما أُوحِيَ إليه الإنذارُ والتَّبشيرُ، وكانوا يستهِزئونَ بذلك، ولا يعتَقِدونَ حُلولَ ما أنذَروه بهم، ثمَّ استطرَدَ مِن ذلك إلى وحدانيَّتِه تعالى، وذِكْرِ إيجادِه العالَمَ، ثم إلى تقسيمِ النَّاسِ إلى مؤمِنٍ وكافرٍ، وذِكْرِ منازِلِ الفريقينِ- رجع إلى أنَّ ذلك المُنذَرَ به الذي طلَبوا وقوعَه عَجَلًا، لو وقَعَ لَهَلكوا، فلم يكُن في إهلاكِهم رجاءُ إيمانِ بَعضِهم، وإخراجُ مُؤمنٍ مِن صُلبِهم، بل اقتضَتْ حِكمتُه ألَّا يُعجِّلَ لهم ما طَلَبوه؛ لِمَا ترتَّبَ على ذلك [151] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/19). .
وأيضًا هذه الجُملةَ مَعطوفةٌ على جملةِ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا الآية، فحيث ذَكَرَ عذابَهم الذي هم آيِلونَ إليه، ناسَبَ أن يبَيِّنَ لهم سبَبَ تأخيرِ العذابِ عنهم في الدُّنيا؛ لتُكشَفَ شُبهةُ غُرورِهم، ولِيَعلَمَ الذين آمنوا حكمةً مِن حِكَمِ تصَرُّفِ اللهِ في هذا الكَونِ [152] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/106). .
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ.
أي: ولو يُعجِّلُ الله للنَّاسِ الشرَّ إذا دَعَوْا به، كاستعجالِهم بالخيرِ [153] ذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ قَولَه تعالى: اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ يعني تعجيلَ اللهِ الخيرَ لهم. أي: ولو يعجِّلُ الله للنَّاسِ إجابةَ دُعائِهم فيما فيه عليهم مضَرَّةٌ، كتعجيلِه لهم الإجابةَ في الخيرِ إذا دَعَوه به. وممن اختار ذلك: ابنُ جريرٍ، وابنُ كثيرٍ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/129)، ((تفسير ابن كثير)) (4/251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359). وجعل بعضُ المفَسِّرينَ الاستعجالَ مِن فِعلِ العبادِ، كما قال تعال: وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [الإسراء: 11]. ومنهم: ابنُ قتيبةَ، والواحديُّ، والبغويُّ، وابنُ عطيةَ. يُنظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 226)، ((البسيط)) للواحدي (11/134)، ((تفسير البغوي)) (2/412)، ((تفسير ابن عطية)) (3/108). ، لهلَكوا [154] يُنظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 225، 226)، ((تفسير ابن جرير)) (12/129)، ((البسيط)) للواحدي (11/133-136)، ((تفسير البغوي)) (2/412)، ((تفسير ابن عطية)) (3/108)، ((تفسير ابن كثير)) (4/251)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359). قال الواحدي: (قولُه تعالى: لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ، قال عامة المفَسِّرين: أي: لَماتوا وهلكوا جميعًا وفُرِغَ مِن هلاكهم، وقال أبو عبيدةَ: لفُرِغَ عن أجَلِهم، والتقدير: لفُرغَ مِن أجلهم ومدَّتِهم المضروبةِ للحياة، فإذا انتهت مدّتُهم المضروبةُ للحياة هلكوا، ومعنى الفراغِ مِن المدة: انقضاؤها، والشَّيءُ إذا انقضى فُرِغَ منه). ((البسيط)) (11/136). وقال ابنُ جُزي: (نزلت الآيةُ- عندَ قومٍ- في دعاءِ الإنسانِ على نفسِه ومالِه وولده، وقيل: نزلَتْ في الذينَ قالوا: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ). ((تفسير ابن جزي)) (1/353). وقال ابنُ عطيةَ: (حُذف بعدَ ذلك مِن القولِ جملةٌ يتضمَّنُها الظاهرُ، تقديرُها: «ولا يفعلُ ذلك، ولكن يذرُ الذين لا يَرْجون...» فاقتضَب القولَ، وتوصَّل إلى هذا المعنَى بقولِه: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فتأملْ هذا التقديرَ تجِدْه صحيحًا). ((تفسير ابن عطية)) (3 /108). .
عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( لا تَدْعُوا على أنفُسِكم، ولا تَدْعُوا على أولادِكم، ولا تَدعُوا على أمْوالِكم؛ لا تُوافِقوا مِن اللهِ ساعةً يُسألُ فيها عطاءً، فيستجيبَ لكم)) [155] أخرجه مسلم (3009). .
فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
أي: فنَترُكُ الذين لا يُؤمِنونَ بلِقائِنا، فلا يخافونَ عِقابَنا، ولا يَطمَعونَ في ثَوابِنا، نَترُكُهم في تَمَرُّدِهم مُترَدِّدينَ مُتحَيِّرينَ، لا يَهتَدونَ إلى الحَقِّ [156] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/130)، ((تفسير ابن عطية)) (3/109)، ((تفسير القرطبي)) (8/316)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/256)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/108). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل: 4]
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (12).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى حكى عن الكافرينَ أنَّهم يَستعجِلونَ في نزولِ العَذابِ، ثمَّ بيَّنَ في هذه الآيةِ أنَّهم كاذِبونَ في ذلك الطَّلَبِ والاستعجالِ؛ لأنَّه لو نزَلَ بالإنسانِ أدنى شَيءٍ يَكرَهُه ويُؤذيه، فإنَّه يتضَرَّعُ إلى اللهِ تعالى في إزالَتِه عنه، وفي دَفْعِه عنه، وذلك يدُلُّ على أنَّه ليس صادِقًا في هذا الطَّلَبِ [157] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/220). .
وأيضًا لَمَّا استدعَى الكافِرونَ حُلولَ الشَّرِّ بهم، وأنَّه تعالى لا يفعَلُ ذلك بطَلَبِهم، بل يترُكُ مَن لا يرجو لقاءَه يَعمَهُ في طُغيانِه؛ بَيَّنَ شِدَّةَ افتقارِ النَّاسِ إليه، واضطرارَهم إلى استمطارِ إحسانِه؛ مُسيئِهم ومُحسِنِهم، وأنَّ مَن لا يرجو لِقاءَه مُضطَرٌّ إليه حالةَ مَسِّ الضُّرِّ له، فكُلٌّ يلجأُ إليه حينَئذٍ، ويُفرِدُه بأنَّه القادِرُ على كَشفِ الضُّرِّ [158] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/20). .
وأيضًا فإنَّ هذه الآيةَ عَطفٌ على جُملةِ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَّرَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن كِلتَيهما، هو الاعتبارُ بذَميمِ أحوالِ المُشرِكينَ؛ تَفظيعًا لحالِهم، وتحذيرًا مِن الوقوعِ في أمثالِها، بقرينةِ تَنهيةِ هذه الآيةِ بِجُملةِ: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فلمَّا بَيَّنَ في الآية السَّابقةِ وَجْهَ تأخيرِ عَذابِ الاستئصالِ عنهم، وإرجاءِ جَزائِهم إلى الآخرةِ، بَيَّنَ في هذه الآيةِ حالَهم عِندَما يَمَسُّهم شيءٌ من الضُّرِّ، وعِندَما يُكشَفُ الضُّرُّ عنهم [159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/109). .
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا.
أي: وإذا أصابَ الإنسانَ الشِّدَّةُ والكَربُ اجتهَدَ في دعائِنا في جميعِ أحوالِه؛ مُضطَجِعًا على جَنْبِه، أو قاعدًا، أو قائمًا [160] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/132)، ((تفسير ابن عطية)) (3/109)، ((تفسير القرطبي)) (8/317)، ((تفسير ابن كثير)) (4/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/110)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/152). قال السعدي: (هذا إخبارٌ عن طبيعةِ الإنسانِ مِن حيث هو). ((تفسير السعدي)) (ص: 359). قال ابن عطية: (الضُّرُّ لَفظٌ لِجَميعِ الأمراضِ والرَّزايا في النَّفسِ والمالِ والأحبَّةِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/109). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/105). .
كما قال تعالى: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان: 32].
وقال سُبحانه: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: 51].
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ.
أي: فلمَّا فَرَّجْنا عن الإنسانِ المُضطَرِّ، واستجَبْنا دُعاءَه، استمَرَّ على ما كان عليه مِن الكُفرِ أو المعاصي، ونَسِيَ أو تناسى ما كان فيه مِن الشِّدَّةِ، ولم يتَّعِظْ بذلك، ولم يَشكُرِ، كأنَّه لم يَدْعُنا إلى رَفعِ ما أصابَه [161] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/132، 133)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/9)، ((تفسير ابن كثير)) (4/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359).
كما قال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 65-66].
وقال سُبحانه: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8].
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: كما زُيِّنَ للإنسانِ الدُّعاءُ عند البَلاءِ، والإعراضُ عند الرَّخاءِ، واستمرارُه على ما كان عليه مِن كُفرانٍ بعد كَشْفِ ضُرِّه، كذلك زُيِّنَ للكافرين المُجاوِزينَ الحَدَّ في الكُفرِ والعِصيانِ ما كانوا يَعملونَه من ذلك [162] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/133)، ((البسيط)) للواحدي (11/139، 140)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/319)، ((تفسير القرطبي)) (8/317)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/112). قال الشوكاني: (والتزيينُ هو إمَّا مِن جهةِ الله تعالى على طريقةِ [التخليةِ] وعدمِ اللطفِ بهم، أو مِن طريقِ الشيطانِ بالوسوسةِ، أو مِن طريقِ النفسِ الأمَّارة بالسوءِ).  ((تفسير الشوكاني)) (2/488). وقال ابنُ عطيةَ: (ولفظةُ التَّزيينِ قد جاءت في القرآنِ بهذينِ المَعنَيينِ: مِن فِعلِ الله تعالى، ومرَّةً مِن فِعلِ الشَّياطينِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/109). .

الفوائد التربوية:


قال اللهُ تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. المَقصودُ مِن هذه الآيةِ بيانُ أنَّ الإنسانَ قَليلُ الصَّبرِ عندَ نُزولِ البَلاءِ، قليلُ الشُّكرِ عندَ وِجدانِ النَّعماءِ والآلاءِ؛ فإذا مَسَّه الضُّرُّ أقبَلَ على التضَرُّعِ والدُّعاءِ، مُضطَجِعًا أو قائمًا أو قاعِدًا، مجتَهِدًا في ذلك الدُّعاءِ، طالبًا مِن اللهِ تعالى إزالةَ تلك المِحنةِ، وتبديلَها بالنِّعمةِ والمِنحةِ، فإذا كشَفَ تعالى عنه ذلك بالعافيةِ، أعرَضَ عن الشُّكرِ، ولم يتذَكَّرْ ذلك الضُّرَّ، ولم يَعرِفْ قَدْرَ الإنعامِ، وصار بمنزلةِ مَن لم يَدْعُ اللهَ تعالى لِكَشفِ ضُرِّه، وذلك يدُلُّ على ضَعفِ طبيعةِ الإنسانِ، وشِدَّةِ استيلاءِ الغَفلةِ والشَّهوةِ عليه، وإنَّما ذكَرَ الله تعالى ذلك؛ تنبيهًا على أنَّ هذه الطريقةَ مَذمومةٌ، بل الواجِبُ على الإنسانِ العاقِلِ أن يكونَ صابِرًا عند نزولِ البَلاءِ، شاكِرًا عند الفَوزِ بالنَّعماءِ، ومِن شَأنِه أن يكونَ كَثيرَ الدُّعاءِ والتضَرُّعِ في أوقاتِ الرَّاحةِ والرَّفاهيةِ؛ حتى يكونَ مُجابَ الدَّعوةِ في وقتِ المِحنةِ [163] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/220). وقال ابنُ عطيةَ: (قولُه تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ... الآية، هذه الآيةُ أيضًا عِتابٌ على سوءِ الخُلُقِ من بعضِ النَّاسِ، ومُضَمَّنُه النَّهيُ عن مِثلِ هذا، والأمرُ بالتَّسليمِ إلى الله تعالى والضَّراعةِ إليه في كلِّ حالٍ، والعِلمُ بأنَّ الخَيرَ والشَّرَّ منه، لا رَبَّ غَيرُه). ((تفسير ابن عطية)) (3/109). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ هو إجمالٌ يُنبئُ بأنَّ الله جعَلَ نِظامَ هذا العالَمِ على الرِّفقِ بالمخلوقاتِ، واستبقاءِ الأنواعِ إلى آجالٍ أرادَها، وجعَلَ لهذا البَقاءِ وَسائِلَ الإمدادِ بالنِّعَمِ التي بها دوامُ الحياةِ، فالخيراتُ المُفاضةُ على المخلوقاتِ في هذا العالَم كثيرةٌ، والشُّرورُ العارِضةُ نادرةٌ، ومُعظَمُها مُسبَّبٌ عن أسبابٍ مَجعولةٍ في نظامِ الكَونِ وتصَرُّفاتِ أهلِه، ومنها ما يأتي على خِلافِ العادةِ عند محَلِّ آجالِه التي قَدَّرَها الله تعالى بِقَولِه تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يونس: 49]، وقولِه تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/106). [الرعد: 38].
2- في قَولِ اللهِ تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ جاء (الضرُّ) بالألف واللام؛ لأنَّه إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من الشَّرِّ في قولِه تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ؛ فإنَّ الضُّرَّ والشَّرَّ واحِدٌ [165] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 139). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فائدةُ ذِكرِ هذه الأحوالِ أنَّ المضرورَ لا يزالُ داعيًا، لا يفتُرُ عن الدُّعاءِ، إلى أن يزولَ عنه الضُّرُّ، سواءٌ كان مُضطَجِعًا أو قاعدًا أو قائمًا [166] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/221). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قد أُسنِدَ التَّزيينُ هنا إلى المَفعولِ؛ لأنَّه المقصودُ بالعِبرةِ دونَ فاعِلِه [167] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/257). .

بلاغة الآيتين:


1- قولُه تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
- قولُه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ فيه وَضْعُ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ موضِعَ (تَعْجيلِه لهم الخَيرَ)- لأنَّ أصلَه: (ولو يُعجِّلُ اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ تَعْجيلَه لهم الخيرَ)-؛ إشعارًا بسُرعةِ إجابَتِه لهم، وإسعافِه بِطَلِبَتِهم، حتَّى كأنَّ استِعْجالَهم بالخَيرِ تعجيلٌ لهم [168] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/331- 332)، ((تفسير أبي حيان)) (6/19). وقيل: حقيقةُ قَولِك: عَجَّلتُ فُلانًا: طلبتُ عَجَلتَه، وكذلك عجلَّتُ الأمرَ: إذا أتيتَ به عاجلًا، كأنَّك طلبتَ فيه العَجَلةَ، والاستعجالُ أشهَرُ وأظهَرُ في هذا المعنى، وعلى هذا الوجهِ يَصيرُ معنى الآية: لو أراد اللهُ عَجَلةَ الشَّرِّ للنَّاسِ- كما أرادوا عجَلَةَ الخَيرِ لهم- لقُضِيَ إليهم أجَلُهم، وعلى هذا التقدير: فلا حاجةَ إلى العدولِ عن ظاهِرِ الآية. وقيل: إنَّ كُلَّ مَن عَجَّل شيئًا فقد طلب تعجيلَه، وإذا كان كذلك، فكلُّ من كان مُعَجِّلًا كان مُستعجِلًا، فيصير التقديرُ: ولو استعجل اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ استعجالَهم بالخيرِ. إلَّا أنَّه تعالى وصف نفسَه بتكوينِ العَجَلِة ووصَفَهم بطَلَبِها؛ لأنَّ اللائِقَ به تعالى هو التكوينُ، واللائقَ بهم هو الطَّلَبُ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/218-219). وذلك على أحدِ أوجهِ التأويلِ.
2- قولُه تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قولُه: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ وصفٌ للمُستقبَلِ، وقوله: فَلَمَّا كَشَفْنَا للماضي؛ للدَّلالةِ على أنَّه هكذا كان فيما مَضَى، وهكذا يَكونُ في المستقبَلِ؛ فدَلَّ ما في الآيةِ مِن الفعلِ المستقبَلِ على ما فيه مِن المعنى المستقبَلِ، وما فيها مِن الفِعْلِ الماضي على ما فيه مِن المعنى الماضي [169] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/21). .
- وزيادةُ قولِه: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا؛ لِقَصْدِ تعميمِ الأحوالِ وتَكْميلِها؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ الإطنابِ لِزِيادَةِ تمثيلِ الأحوالِ، أي: دَعانا في سائرِ الأحوالِ لا يُلْهيه عَن دُعائِنا شيءٌ [170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/109). .
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ؛ حيث ابتَدَأ بالحالةِ الشَّاقَّةِ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، وهي اضطِجاعُه وعَجْزُه عن النُّهوضِ، وهي أعظَمُ في الدُّعاءِ وآكَدُ، ثُمَّ بما يَليها، وهي حالةُ القُعودِ: أَوْ قَاعِدًا، وهي حالَةُ العَجزِ عن القيامِ، ثمَّ بما يَليها وهي حالةُ القيامِ: أَوْ قَائِمًا، وهي حالةُ العَجزِ عَن المشيِ، فتَراه يَضْطَرِبُ ولا يَنهَضُ للمَشيِ كحالَةِ الشَّيخِ الهَرِمِ [171] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/20). ، وذلك على أحدِ أوجهِ التأويلِ.
- قولُه: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ تذييلٌ يَعُمُّ ما تقَدَّم وغيرَه، والإشارةُ إلى التَّزيينِ المستَفادِ هنا، وهو تزيينُ إعراضِهم عن دُعاءِ اللهِ في حالةِ الرَّخاءِ [172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/112). .