موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (97 - 100)

ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ

غريب الكلمات:


قِيَامًا: أي: قِوامًا لهم، يقومُ به معاشُهم ومعادُهم، ودِينهم ودُنياهم وأمْنُهم، وأصلُ (قوم): مراعاةُ الشيءِ والحفظُ له، والانتصابُ والعزمُ [1813] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 691)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 89). .
وَالْقَلَائِدَ: أي: ما قُلِّد من الهَدْيِ، وكانوا يُقلِّدون البعيرَ مِن لِحاءِ شَجرِ الحرَمِ، فيأمَن بذلك حيثُ سلك، والقَلْد الفَتْل، وأصل (قلد): يدلُّ على تعليقِ شيءٍ على شيءٍ ولَيِّه به، وعلى حَظٍّ وَنَصِيبٍ [1814] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 139)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/19)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147). .
أُولِي الْأَلْبَابِ: أي: أصحاب العُقولِ السَّليمة، ومفرد ألباب: لُبٍّ، وأصل اللُّبِّ: الخُلوصُ والجودةُ، والشَّيءُ المنتقى [1815] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 51)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/199)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 102). .

مشكل الإعراب:


قوله: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا.
ذَلِكَ: اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ في محلِّ رفْعٍ، على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوف، والتقدير: الأمرُ ذلك، أو الحُكمُ الذي حَكمْناه ذلِك لا غيرُه، أو يكون مبتدأً وخبرُه محذوفٌ، والتقدير: ذلك الحُكمُ هو الحقُّ لا غيرُه. ويجوز أنْ يكون في محلِّ نصْب على أنَّه مفعولٌ به لفِعل مُقدَّر يدلُّ عليه السِّياقُ، وبه تتعَلَّقُ اللَّامُ فيلِتَعْلَمُوا، والتقدير: شَرَعْنا ذلِك لتعلموا. وقيل: ذَلِكَ: إشارةٌ إلى الجَعْلِ المأخوذِ مِن قَوْلِه:جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ ولامُ التَّعليل في لِتَعْلَمُوامتعَلِّقَةٌ بـ جَعَلَ، وتوسُّطُ اسمِ الإشارةِ بينهما هنا شَبيهٌ بتوسُّطِ ضَميرِ الفَصْلِ؛ فلذلك كان الكلامُ شَبيهًا بالمستأنَفِ، وليس هو بمُستأنَفٍ، فلم يكُن في هذا الكَلامِ شيءٌ جَديدٌ غيرُ التَّعليلِ، والمعنى: جَعَلَ اللهُ الكعبةَ قيامًا للنَّاسِ؛ لتَعْلَموا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ... إلخ [1816] يُنظَر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/238)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/463)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/433) ((تفسير ابن عاشور)) (7/59). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه جعَل الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِوامًا للنَّاس، تقومُ به مَصالحُهم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، وكذلك الشهرُ الحرامُ، والهَديُ الذي يُساقُ إلى الحرمِ من بهيمةِ الأنعامِ؛ وخصوصًا ما يُقلَّد منه، كلُّ ذلك جعَلَه الله ممَّا تقومُ به مصالحُ النَّاسِ؛ ذلك من أجْلِ أنْ يَعلمَ النَّاسُ أنَّه تعالى يَعلمُ ما في السَّموات والأرض، ومِن ذلك عِلمُه بما يَصلُح لعبادِه في دِينهم ودُنياهم، وأنَّ الله بكلِّ شيءٍ عليمٌ.
ثم خوَّف الله تعالى مِن عقابِه، ورغَّب في ثوابِه، فأمَرَ النَّاسَ أنْ يَعلموا أنَّه عزَّ وجلَّ شديدٌ عِقابُه إذا أَنْزلَه بمَن عصاه، وأنَّه غفورٌ يَستُرُ ذنوبَ مَن تاب إليه، ويَتجاوز عن المؤاخذةِ عليها، رحيمٌ سبحانه بعبادِه.
ثمَّ أخْبَر تعالى أنَّه ما على رسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا أداءُ الرِّسالة التي أُرْسِلَ بها، وأنَّه ما قصَّر في أدائِها، وأنَّ الله تعالى يَعلمُ ما يُعْلِنُ الخَلقُ وما يُسرُّونه، وسيُجازيهم على أعمالِهم.
ثم أمَر الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يقولَ للنَّاس: إنَّه لا يَستوي الخبيثُ والطيِّب، ولو أُعْجبَ المرءُ بكثرةِ الخبيث، فاتَّقوا اللهَ يا أصحابَ العقولِ السَّليمة؛ لعلَّكم تَظْفَرون بما تَطلبونُه وتَرجُونه، وتنجونَ ممَّا تَحذرونه في دُنياكم وآخِرتِكم.

تفسير الآيات:


جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا حرَّم اللهُ تعالى في الآيةِ المتقدِّمةِ الاصطيادَ على الـمُحرِم، وبيَّن أنَّ الحرمَ كما أنَّه سببٌ لأَمْنِ الوحشِ والطير، فكذلك هو سببٌ لأمْن النَّاسِ عن الآفاتِ والمخافاتِ، وسببٌ لحصولِ الخيراتِ والسَّعادات في الدُّنيا والآخِرة [1817] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/439). ، فقال سبحانه:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ.
أي: صيَّر اللهُ تعالى حرَمَه قِوامًا للنَّاس، تقومُ به مصالحُ دِينهم، من صلاةٍ وحجٍّ وعمرةٍ، وغير ذلك، وتقومُ به أيضًا مصالحُ دُنياهم؛ بما يُجبَى إليها من ثمراتِ كلِّ شيءٍ رزقًا من عند اللهِ تبارَك وتعالى، وبما يَحصُل فيه مِن الأمْنِ، وبما يَحصُل فيه مِن اجتماعٍ للمسلمينَ، فيتعارَفون، ويتعاونون، ويتشاورونَ في مصالحِهم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة [1818] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/5-7)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/163)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/417). .
وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ.
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى ما به القوامُ من المكان، أتْبعَه ذلِك مِن الزمانِ [1819] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/306). ، فقال:
وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ.
أي: وصَيَّرَ اللهُ تعالى الأشهُرَ الحُرمَ قِوامًا للناسِ، تقومُ فيها مصالحُهم بما جَعَل الله تعالى فيها من الأمْنِ بتحريمِ القِتال والظُّلمِ فيها [1820] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/7، 9)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/417-418، 421-422). قال ابن عطية: (والشَّهْر هنا اسمُ جنسٍ، والمرادُ الأشهرُ الثلاثةُ بإجماعٍ مِن العربِ، وشهرُ مُضَر وهو رجبٌ) ((تفسير ابن عطية)) (2/243). .
وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ.
أي: صيَّرَ اللهُ تعالى الهدْيَ الذي يُهدَى إلى الحرمِ مِن إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى، والقلائدَ- وهي الهَدْيُ الذي تُجعَلُ له قلائدُ في عُنقه؛ إظهارًا لشعائرِ الله تعالى، ولغيرِ ذلِك من أسباب [1821] يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (1/508)، ((تفسير القرطبي)) (6/40)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/418). - صيَّرها الله سبحانه قِوامًا للنَّاس في دِينِهم بالثوابِ الذي يَنالونه مِن الله تعالى، وفي دُنياهم بالبيعِ والشِّراءِ والأكْل والانتفاعِ بالجلودِ، وغير ذلك [1822] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/418). .
ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
أي: إنَّ تصييرَه سبحانه الكعبةَ البيتَ الحرامَ والشَّهرَ الحرامَ والهديَ والقلائدَ قيامًا لكم- أيُّها الناس- كي تَعلموا أنَّ الله سبحانه يَعلمُ جميعَ ما في السَّموات وجميعَ ما في الأرض، ومِن ذلك عِلمُه بما يَصلُحُ لكم مِن مصالحَ دِينيَّةٍ ودُنيويَّة [1823] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/419). .
وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أي: ولِتَعلموا أيضًا أنَّه لا يَخفى عليه شيءٌ، ومِن ذلك أعمالُكم، فيُجازيكم بها [1824] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/11)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/420). .
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى أنواعَ رَحمتِه بعِبادِه، ذكَر بعدَه أنَّه شديدُ العِقاب؛ لأنَّ الإيمانَ لا يتمُّ إلَّا بالرَّجاء والخوف، ثم ذكَر عَقيبَه ما يدلُّ على الرحمةِ، وهو كونُه غفورًا رحيمًا، وذلك يدلُّ على أنَّ جانبَ الرَّحمة أغلبُ؛ لأنَّه تعالى ذَكَر فيما قَبلُ أنواعَ رحمتِه وكرمِه، ثم ذكَرَ أنَّه شديدُ العقابِ، ثم ذكَرَ عقيبه وصْفَينِ من أوصافِ الرَّحمةِ، وهو كونه غفورًا رحيمًا [1825] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/441). ، قال تعالى:
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
أي: اعْلموا- أيُّها الناس- أنَّ ربَّكم شديدُ الأخْذِ بالذنبِ إذا عاقَب مَن عصاه [1826] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/426). .
وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: واعْلَموا أيضًا أنَّه يَستُر ذُنوبَ مَن تاب إليه مِن عِبادِه، ويتجاوزُ عن مؤاخذتِه بها، رحيمٌ سبحانه، ومِن رحمتِه بعبادِه أنَّه لا يُكلِّفهم ما يشقُّ عليهم، وأنَّه يقبلُ توبتَهم إذا تابوا إليه [1827] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/426). .
مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لمَّا تقدَّم الترغيبُ والترهيبُ أخبَر تعالى أنَّه كلَّف رسولَه بالتبليغِ، وهو توصيلُ الأحكامِ إلى أُمَّته، وهذا فيه تشديدٌ على إيجابِ القيامِ بما أمَر به تعالى، وأنَّ الرَّسولَ قد فرَغ ممَّا وجَب عليه مِن التبليغِ، وقامتْ عليه الحجَّةُ، ولزِمتْكم الطاعةُ، فلا عذرَ لكم في التفريطِ [1828] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/374). .
مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ.
ليسَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي أرْسلناه إليكم- أيُّها الناسُ- سوى أداءِ رِسالتِنا إليكم، وأمَّا ما عدَا ذلك فليس له مِن الأمرِ شيءٌ [1829] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/11-12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/428). .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
أي: إنَّ أعمالَكم ليستْ مُوكَلةً إلى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإنَّما الذي يُجازيكم بها هو اللهُ تعالى وحْدَه، الذي يَعلمُ جميعَ ما تُظْهرونَه، وجميعَ ما تُخفونه [1830] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/429-430). .
قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا زجَر عن المعصيةِ ورغَّب في الطَّاعة بقولِه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثم أتْبعَه بالتكليفِ بقولِه: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ، ثمَّ أتْبعَه بالتَّرغيبِ في الطاعةِ والتنفيرِ عن المعصيةِ بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ، أتْبعَه بنوعٍ آخَرَ من الترغيبِ في الطاعةِ والتنفيرِ عن المعصيةِ [1831] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/442). ، فقال قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ....
وأيضًا لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى أنَّ عقابَه شديدٌ لِمَن عصَى، وأنَّه غفورٌ رحيمٌ لِمَن أطاع؛ بيَّن أنَّه لا يستوي المطيعُ والعاصي، وإنْ كان من العُصاةِ والكفَّار كثرةٌ؛ فلا تَمنعُه كثرتُهم من عقابِهم [1832] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/375). ، فقال تعالى:
قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ.
أي: قلْ- يا محمَّد- للنَّاس: لا يَستوي الخبيثُ والطيِّب من كلِّ شيءٍ؛ مِن أشخاصٍ وأعمالٍ وغيرِ ذلك، فلا يَستوي المؤمنُ والكافرُ، ولا تَستوي الطاعةُ والمعصيةُ، ولا يَستوي الحلالُ والحرام [1833] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/12)، ((تفسير ابن كثير)) (3/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/433-434). .
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ.
أي: فلا تَعجبنَّ- أيُّها الإنسانُ- مِن كثرةِ الخبيث مِن أيِّ شيءٍ كان، فلا تُعجبْك كثرةُ مَن يَعصي الله؛ فإنَّ الفلاحَ لأهلِ الطاعةِ وإنْ قلُّوا، والقليلُ الحلالُ النافع خيرٌ من الكثيرِ الحرام الضارِّ [1834] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/12-13)، ((تفسير ابن كثير)) (3/203)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/434-435). .
قال تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة: 221].
فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
أي: يا أصحابَ العقولِ الصَّحيحةِ الرَّاشدة، اتَّقوا اللهَ سبحانه بامتثالِ ما أمرَكم به، واجتنابِ ما نهاكم عنه؛ كي تَظفَروا بما تَأمُلون، وتَنجُوا ممَّا تَحذرون في الدُّنيا والآخِرة [1835] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/13)، ((تفسير ابن كثير)) (3/203)، ((تفسير السعدي)) (ص: 245)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/435-436). .

الفوائد التربوية:


1- إثباتُ الحِكمةِ في أحكامِ الله عزَّ وجلَّ؛ لِقَوْلِه: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، واللامُ هنا للتعليلِ، ومِن أسماءِ الله تبارك وتعالى: الحكيم، وهو الذي يَضعُ الأشياءَ في مواضعِها، ويتفرَّع على هذه الفائدةِ العظيمة: أنْ نُؤمِن بأنَّ كلَّ ما شرَعه الله أو فَعَلَه الله فهو لحِكمةٍ، وحينئذٍ لا يَلْزَمُنا أن نَبحثَ عن الحِكمةِ، أو نتمحَّلَ حِكمةً بَعيدةً قد تكون غيرَ مرادةٍ لله عزَّ وجلَّ، إنْ تَبيَّنتْ لنا الحكمةُ بسُهولة، فلا شكَّ أنَّ هذا مِن نِعمةِ الله، ويَزيد الإنسانَ طُمأنينةً، وإنْ لم تَتبيَّن فإنَّنا نعلمُ أنَّها لحكمةٍ، لكنَّ عُقولَنا قاصرةٌ عن إدراك حِكمةِ الله عزَّ وجلَّ في كلِّ ما شرَع [1836] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/423). .
2- الحثُّ على معرفةِ صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لِقَوْلِه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، فينبغي البحثُ عن صِفاتِ اللهِ تبارَك وتعالى، سواءٌ الصِّفاتُ التي ليس لها أسماءٌ، أو الصِّفات التي تَتضمَّنها الأسماءُ؛ لأنَّه كلَّما ازدادتْ المعرفةُ بأسماءِ الله وصِفاته ازداد اليقين [1837] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/424). .
3- التَّحذيرُ مِن مخالفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتَرْكِ مراقَبَتِه سبحانه؛ وَجْهُه: إثباتُ العِلم في قولِه: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ يَهمُّ بمعصية، سواء كانتْ ترْكَ واجبٍ، أو فِعلَ مُحرَّمٍ إذا أَيقنَ أنَّ اللهَ عالمٌ به، فإنَّه يَخافُ ويُمسِك [1838] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/424). .
4- في قولِه تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يأمُر الله عِبادَه أنْ يكونَ هذان العِلمانِ موجودَينِ في قُلوبهم على وجهِ الجزم واليقين، فيَعلموا أنَّه شديدُ العقابِ العاجِلِ والآجِل على مَن عصاه، وأنَّه غفورٌ رحيمٌ لِمَن تاب إليه وأطاعَه، فيُثمِرَ لهم هذا العلمُ الخوفَ من عِقابِه، والرَّجاءَ لمغفرتِه وثوابِه، فيَعملوا على ما يَقتضيه الخوفُ والرَّجاء [1839] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 245). .
5- ممَّا يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ أنَّ أهل العِلم الذين هم وَرَثةُ الأنبياء إذا بَلَّغوا بَرِئتْ ذِمَّتُهم [1840] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/432). .
6- أنَّه لا يَنبغي للإنسانِ أن يَعتبرَ أو يغترَّ بالكثرةِ، وإنَّما يَعتبر بالكيفِ لا بالكمِّ؛ لِقَوْلِه: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [1841] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/399)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/103)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/436). .
7- تفريعُ قَوْلِه: فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ على قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ مُؤذِنٌ بأنَّ اللهَ يُريد منَّا إعمالَ النَّظَرِ في تمييزِ الخبيثِ مِن الطيِّب، والبحثَ عن الحقائِقِ، وعدمَ الاغترارِ بالمظاهرِ الخلَّابة الكاذِبة؛ فإنَّ الأمرَ بالتقوى يستلزمُ الأمرَ بالنظر في تمييزِ الأفعالِ؛ حتى يُعرفَ ما هو تقوى دون غيرِه [1842] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/64). .
8- خَصَّ أُولي الألبابِ بالذِّكر في آخِرِ الآية في قولِه: فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بعدَ مخاطبةِ كلِّ مُكلَّفٍ في صدرِها؛ لأنَّ أهلَ البصيرةِ والرَّويَّةِ من العقلاءِ هم الذين يَعتبِرون بعواقبِ الأمورِ التي تدلُّ عليها أوائلُها ومُقدِّماتُها، بعد التأمُّلِ في حقيقتِها وصِفاتها، فلا يُصرُّون على الغرورِ بكثرةِ الخبيثِ بعدَ التنبيهِ والتَّذكيرِ، وأمَّا الأغرارُ والغافلون الذين لم يُمرِّنوا عقولَهم على الاستقلالِ في النَّظر، والاعتبارِ بالتجارِب، فلا يُفيدُهم وعظُ واعظٍ، ولا تذكيرُ مُذكِّر، بل لا يَعتبِرون بما يَرون بأعينِهم، ويَسمعون بآذانِهم من حوادثِ الأغنياءِ الذين ذهبَتْ أموالُهم الكثيرةُ المجموعةُ من الحرامِ، ولا مِن عواقبِ الأُممِ والدُّول التي اضمحلَّتْ كثرتُها العاطلةُ مِن فضيلتَيِ العلمِ والنِّظامِ، وكيف ورِثَ هؤلاء وأولئك مَن كانوا أقلَّ مالًا ورجالًا؛ إذ كانوا أفضلَ أخلاقًا وأعمالًا؛ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [1843] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/103). [الأعراف: 128].
9- أنَّ الذين يُخاطَبون بالتَّقوى وبمِثل هذه الأحكامِ العظيمةِ هم أصحابُ العقولِ؛ لِقَوْلِه: يَا أُولِي الأَلْبَابِ، والمرادُ بالعقولِ هنا: عقولُ الرُّشْد لا عقولُ الإدراك [1844] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/437). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه تعالى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ... تعظيمُ شأنِ الكعبة، حيث جعَلها قيامًا للنَّاسِ، تقوم بها أمورُ دِينهم ودُنياهم، هذه الكعبةُ التي حُرِّمت أرضُ الحَرَمِ لأجْل تعظيمِها، ويُستفادُ أيضًا التذكيرُ بنعمة الله على سُكَّانه بما جعَل لهم من الأمْنِ في عَلائقِها وشعائرِها [1845] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/54) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/420). .
2- كانتِ الكعبةُ قِيامًا للناسِ وهم العربُ؛ إذ كانتْ سببَ اهتدائِهم إلى التوحيدِ واتِّباع الحَنِيفيَّة، واستبْقَتْ لهم بقيَّةً من تلك الحنيفيَّة في مُدَّة جاهليَّتِهم كلِّها، لم يَعْدَموا عوائدَ نفْعِها، فلمَّا جاء الإسلامُ كان الحجُّ إليها من أفضلِ الأعمال، وبه تُكفَّرُ الذنوبُ، فكانتِ الكعبةُ من هذا قيامًا للنَّاس في أمورِ أُخراهم بمقدارِ ما يَتمسَّكون به ممَّا جُعِلَتِ الكعبةُ له قيامًا؛ قال تعالى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [1846] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/58). .
3- في قولِه تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ناسَب ذِكرُ اللهِ تعالى أنَّه جعَلَ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قِيامًا للناس ذِكْرَ الشَّهرِ الحرامِ والهَدْيِ والقلائِد؛ لأنَّ هذه الثلاثةَ إنَّما صارتْ سببًا لقِوامِ المعيشة؛ لانتسابِها إلى البيتِ الحرام، فكانَ ذلك دليلًا على عَظمةِ هذا البيتِ وغايةِ شَرفِه [1847] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/440، 441). .
4- في قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ خصَّ اللهُ القلائدَ بالذِّكر هنا، ووجْهُ تخصيصِها- وإنْ كانتْ هي مِن أقلِّ آثارِ الحجِّ- التنبيهُ على أنَّ جميعَ علائقِ الكعبةِ فيها قيامٌ للنَّاس، حتى أدْنَى العلائِقِ، وهي القلائدُ، فكيف بما عَداها؛ ولأنَّ القلائدَ أيضًا لا يخلو عنها هديٌ مِن الهدايا [1848] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/58، 59). .
5- تعظيمُ الأشهرِ الحُرم؛ لِقَوْلِه: وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وأنَّها قيامٌ للناس، وتعظيمُها جاءَ في القرآن والسُّنة؛ قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36]، وكذلك جاءَ في السُّنة، كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُقرِّرًا ذلك: ((إنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حَرامٌ كحُرْمةِ، يَومِكم هذا في، شَهرِكم هذا، في بلدِكم هذا )) [1849] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/421). والحديث أخرجه البخاري (7078) ومسلم (1679) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. .
6- تعظيمُ الهدْي والترغيبُ فيه؛ لِقَوْلِه: وَالْهَدْيَ يعني: أنَّ الله جعَلَه قيامًا للناس، والهَدْيُ غيرُ مرتبطٍ بالنُّسُك؛ إذ يجوزُ للإنسان أن يَبعثَ الهديَ إلى مكَّة وإنْ كان في بلدِه، كما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَفعلُ [1850] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/423). .
7- مشروعيَّة القلائِد؛ لِقَوْلِه: وَالْقَلَائِدَ وجه ذلك: أنَّ فيها إظهارًا لشعائرِ الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ كلَّ مَن رأى هذه النَّعَمَ المقلَّدةَ، عرَف أنَّها هديٌ، فعظَّمها واحترَمَها [1851] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/423). .
8- تَكرارُ الثَّناء على اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الله كرَّر عمومَ عِلمه بقولِه: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، ثم أكَّد العمومَ بما هو أعمُّ بقوله: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ لأنَّ هذا يعمُّ ما في السَّموات وما في الأرض ممَّا يكون بعدَ فَناءِ السَّماء والأرض [1852] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/424). .
9- قال تعالى هنا: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقال في موضعٍ آخَر: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحِجْر: 49- 50]؛ فجَعَل الرحمةَ صِفةً له مذكورةً في أسمائِه الحُسنى، وأمَّا العذابُ والعقابُ، فجَعَلَهما من مَفعولاتِه غيرَ مَذكورَينِ في أسمائِه [1853] يُنظر: ((مجموع الفتاوى))  لابن تيمية (15/295). .
10- لَمَّا ذَكَر تعالى أنواعَ رحمتِه لعبادِه، ذكَر بعدَه شِدَّة العقابِ فقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ لأنَّ الإيمانَ لا يتمُّ إلَّا بالرَّجاءِ والخوفِ [1854] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/540). .
11- أنَّه ليس على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يُجبِرَ الناسَ على أنْ يَهتدوا؛ لِقَوْلِه: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ، ويُؤيِّد هذا آياتٌ كثيرةٌ؛ منها: قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [1855] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/430). [يونس: 99].
12- قَوْلُه: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ بيانٌ لوظيفةِ الرَّسول في إثرِ بيانِ كونِ الجزاءِ بيدِ اللهِ العليم بكلِّ شيء، فالرسولُ من حيثُ هو رسولُ الله، ليس عليه إلَّا تبليغُ رسالةِ مَن أرسله؛ فهو لا يعلمُ جميعَ ما يُبديه المكلَّفون من الأعمالِ والأقوالِ، وما يَكتُمونه منها، فيكون أهلًا لحِسابِهم وجزائِهم على أعمالِهم، وإنَّما يعلم ذلك اللهُ وحْدَه [1856] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/102). .
13- الردُّ على الجبريَّة الذين يقولون: إنَّ الإنسانَ ليس له إرادةٌ، وهذا مأخوذٌ مِنْ قَوْلِه: تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ؛ فالإنسانُ يُريد أن يُبْديَ، ويُريد أن يَكتُم، وهذا هو إثباتُ الإرادةِ للعَبدِ [1857] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/431). .
14- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ أنَّه لا يستوي الخبيثُ والطيِّبُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ ولا عندَ أصحابِ العُقول، وهذا في مراتبِهم عندَ الله، وعند ذوي العُقول، أمَّا فيما يَعملون من أمورِ الدُّنيا، فإنَّه قد يكونُ الخبيثُ أكثرَ من الطَّيِّب عملًا، كما هو مُشاهَدٌ الآن؛ فإنَّ الدولَ الكافرةَ أقدمُ مِن الدُّوَل المسلِمة فيما يتعلَّق بأمورِ الدنيا [1858] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/436). .

بلاغة الآيات:


1- قَوْلُه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّه يَحصُل به جوابٌ عمَّا يَخطُر في نفْس السَّامعِ مِن البحثِ عن حِكمةِ تحريم الصَّيدِ في الحرم، وفي حالِ الإحرام، بأنَّ ذلك من تعظيمِ شأنِ الكعبةِ التي حُرِّمتْ أرضُ الحَرَم لأجْل تَعظيمها، وتذكيرٌ بنعمة الله على سُكَّانه بما جعَلَ لهم من الأمْن في علائقِها وشعائرِها [1859] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/54-55). .
- وقوله: الْبَيْتَ الْحَرَامَ بيانٌ للكعبة؛ قُصِد من هذا البيان التنويهُ والتعظيمُ؛ إذ شأنُ البيانِ أن يكونَ مُوضِّحًا للمبيَّن بأنْ يكون أشهرَ مِن المبيَّن، ولَمَّا كان اسمُ الكعبةِ مساويًا للبيت الحرامِ في الدَّلالةِ على هذا البيت، فقد عبَّر به عن الكعبةِ في قوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَاَمَ [المائدة: 2]، فتعيَّن أنَّ ذِكرَ البيانِ للتَّعظيم [1860] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/54-55). .
2- قَوْلُه: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
- قوله: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا... مرتبطٌ بالكلامِ الذي قبْلَه بواسطة لام التَّعليل في قوله: لِتَعْلَمُوا، وتوسُّط اسمِ الإشارة ذَلِكَ بين الكلامَين؛ لزيادةِ الرَّبطِ، مع التنبيهِ على تعظيمِ المشارِ إليه، وهو الجَعْلُ المأخوذ مِنْ قَوْلِه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ [1861] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/59). .
- وقَوْلُه: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيه تعميمٌ إثْرَ التَّخصيصِ الذي في قولِه: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ للتأكيدِ [1862] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/144)، ((تفسير أبي السعود)) (3/83). ، مع مَا فيه مِن تأكيدِ الخبرِ بـ (أنَّ) واسميَّة الجُملة.
3- قَوْلُه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ استئنافٌ ابتدائيٌّ، وتذييلٌ لِمَا سبَق من حظْر الصَّيد للمُحرِم وإباحةِ صيدِ البحرِ، والامتنانِ بما جَعَل للكعبةِ مِن النِّعم عليهم، وافتتاح الجُملة بـاعْلَمُوا للاهتمامِ بمضمونها [1863] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/61). .
- وفيه: وعيدٌ لِمَن انتهك محارِمَه أو أصرَّ عليها، ووعدٌ لِمَن أقْلعَ عنه [1864] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/374)، ((تفسير البيضاوي)) (2/144). .
- وفيه مناسبةٌ حسنةٌ؛ حيث قال هنا: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقال في موضعٍ آخَر: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر: 49-50]، وبَينهما فرقٌ؛ فهذه الآية هنا ذُكرتْ عقيبَ أحكامٍ عظيمة قد يُخلُّ بها المرءُ؛ فقُدِّم فيها جانبُ التَّهديدِ، وأمَّا في آية الحِجر؛ فقولُه: نَبِّئْ أمرٌ من الله إلى الرسولِ بأنْ يُنبِّئَ الخلقَ، وقدَّم الوصفَ بالمغفرةِ والرَّحمةِ على العذابِ الأليم؛ لأنَّ المقصودَ الإخبارُ عن صفةِ الله عزَّ وجلَّ، فقدَّم الجانبَ الذي فيه اللُّطفُ والإحسان [1865] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/426). .
4- قَوْلُه: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ
جملةٌ معترِضة ذُيِّل بها التعريضُ بالوعيدِ والوعْد، والقَصرُ المستفاد هنا من (ما) و(إلَّا) ليس بحقيقيٍّ؛ لأنَّ على الرسولِ أمورًا أُخَرَ غير البَلاغ مثل التعبُّد لله تعالى، والخروجِ إلى الجهاد، والتكاليفِ التي كلَّفه الله بها، مِثْل قيامِ اللَّيل؛ فتعيَّن أنَّ معنى القصر: ما عليه إلَّا البلاغ، أي: دون إلجائِكم إلى الإيمانِ؛ فالقصرُ إضافيٌّ، فلا يُنافي أنَّ على الرسولِ أشياءَ كثيرةً [1866] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/61-62). .
5- قَوْلُه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ فيه: تعريضٌ بالوعيدِ والوعد؛ تذكيرًا بأنَّه لا يَخفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم؛ ظاهرِها وباطِنها؛ ففيه تهديدٌ بأنَّه تعالى مُطَّلِع على حالِ العبدِ ظاهرًا وباطنًا؛ فهو مُجازيه على ذلِك ثوابًا أو عقابًا، والمقصودُ مِنْ قَوْلِه: ما تُبْدُونَ التَّعميمُ والشُّمول [1867] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/375)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/61-62). ، وهو تحذيرٌ للمُبَلَّغِينَ من المخالفةِ؛ فإنَّ إخبارَه بعِلمه بعدَ أنْ قال: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ فيه التهديدُ والوعيدُ على مَن خالَفَ [1868] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/431). .
6- قَوْلُه: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ: تصديرُ الحُكم بـ قُلْ يدلُّ على العنايةِ به؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان مأمورًا أن يقولَ جميعَ القرآنِ للنَّاس ويُبلِّغه، لكن إذا نُصَّ على شيءٍ معيَّنٍ، دلَّ هذا على أخصِّيَّتِه؛ فهو كالتَّخصيصِ بعدَ التَّعميم [1869] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/433). .
- ولعلَّ نكتةَ تقديمِ الخبيثِ في الذِّكْرِ هي كونُ السِّياقِ للاهتمامِ بإزالةِ شُبهة المغترِّينَ بكثرتِه؛ ولذلك قال: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [1870] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/103). .