موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيتان (1 - 2)

ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ

غريب الكلمات:


أَوْفُوا: أدُّوا مع التَّمامِ، وأصلُ الوفاء: تمامُ الشَّيءِ، وإتمامُ العَهدِ، والقيامُ بمقتضاه، وإكمالُ الشَّرط [13] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 878)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 70)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 209). .
بِالْعُقُودِ: بالعُهودِ الموثَّقَةِ، وأصل (عقد) يدلُّ على: شَدٍّ، وشِدَّةِ وُثوقٍ [14] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/86)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 146). .
بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: الإبلُ والبَقَر والغَنَم، والبَهِيمَةُ: كلُّ ما استَبْهَم عن الجَوابِ، أي: استَغلَق، وما لا نُطْقَ له؛ وإنما قيل للأنعامِ: بَهيمة؛ لأنَّها أبهمتْ عن أن تُميِّزَ، والأنعامُ: أصلُها الإبل، ثم استُعمِلَتْ للبقرِ والغَنَم، وأصل كلمة (نعم): يدلُّ على تَرفُّهٍ، وطِيبِ عَيشٍ، وصلاحٍ [15] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 138)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 119)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/447)، ((المفردات)) للراغب (ص: 149)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 146). .
الصَّيْدِ: أي: الاصطياد، والصَّيد: هو تناولُ ما يُظفَر به، أو ما كان مُمتنِعًا ولم يكُن له مالكٌ، وكان حلالًا أكْلُه، وأصلُه: ركوبُ الشَّيءِ رأسَه، ومُضيُّه غيرَ ملتفِتٍ ولا مائلٍ [16] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/325)، ((المفردات)) للراغب (ص: 496)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 153). .
حُرُمٌ: مُحرِمونَ، جمْع حَرامٍ، وهو بمَعْنَى مُحرِم، مِن: أَحْرم الرَّجلُ بالحجِّ؛ لأنَّه يَحرُم عليه ما كان حلالًا له من الصَّيدِ والنِّساءِ، وغير ذلك، وأصل (حرم): المنْع والتَّشديد [17] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 138)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/45)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78). .
شَعَائِرَ: وَاحِدُها شَعيرَة، وهي مَا جعَله الله تعالى عَلَمًا لطاعَتِه، والشَّعائِر: أعلامُ الحجِّ وأَعمالُه، ومشاعِرُ الحجِّ: مواضِعُ المناسِك [18] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3 /194)، ((المفردات)) للراغب (1 /456)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1 /24)، ((التبيان)) لابن الهائم (1 /98). .
الْهَدْيَ: مُختصٌّ- في هذا الموضِع- بما يُهْدَى إلى البَيتِ من الأنعامِ؛ قربةً إلى الله، والهَديَّة: كلُّ ما يُهدَى إلى ذِي مَوَدَّةٍ [19] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 839)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .
الْقَلَائِدَ: ما قُلِّد من الهَدْي، وكانوا يقلِّدونَ البعيرَ من لِحاءِ شَجرِ الحرمِ، فيأمنُ بذلك حيث سلَك، وأصل (قلد): الفَتْل، ويدلُّ على تعليقِ شيءٍ على شيءٍ، وَلَيِّه به [20] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 139)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/19)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147). .
آمِّينَ: قَاصِدينَ وعامِدِين إليه، جمْع آمٍّ، وأصل الأَمِّ: القصدُ المستقيم، أو التوجُّه نحو مقصودٍ [21] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 139)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 55)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21، 30)، ((المفردات)) للراغب (ص: 87)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147). .
فَضْلًا: عطاءً زائدًا؛ فأصلُ الفَضلِ الزِّيادةُ؛ وكلُّ عطيَّةٍ لا تلزَمُ مَن يُعطي يُقال لها: فضلٌ، والإفضال: الإحسان [22] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 19)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/508)، ((المفردات)) للراغب (ص: 639)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 72). .
حَلَلْتُمْ: خَرجتُم من إحرامِكم، أو خرجتُم مِن الحرَمِ، وأصل الحَلِّ: حَلُّ العُقدةِ، وفَتْح الشَّيءِ [23] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 139)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/20)، ((المفردات)) للراغب (ص: 251). .
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ: ولَا يَحمِلنَّكم، أو لا يَكْسِبنَّكم، وجَرَم أَيْ: كَسَبَ؛ لأنَّ الَّذي يَحوزُه فكأنَّه اقْتَطَعه، ويقال: جَرَمَ: إذا أَذْنَبَ وَاكْتَسَبَ الإِثمَ، ولا يكادُ يُقالُ في عامَّةِ كلامِهم للكسْبِ المحمودِ، وأصل (جرم) يدلُّ على القَطعِ [24] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 506)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((المفردات)) للراغب (ص: 192)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 977). .
شَنَآنُ: بَغضاءُ، أو شِدَّةُ البُغض والعداوة؛ يُقال: شَنِئْتُه، أي: تَقذَّرْتُه بُغضًا له [25] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 140)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 285)، ((المفردات)) للراغب (ص: 465)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 541). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
غَيْرَ: منصوبٌ على أنَّه حالٌ، واختُلِف في صاحبِ الحال؛ فقيل: هو الضمير المجرور في لَكُمْ، وهذا قولُ الجمهورِ، وهو مِثْلُ قولِك: أُحِلَّ لك هذا الشَّيءُ لا مُفَرِّطًا فيه ولا مُتَعَدِّيًا، والمعنى: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إلَّا أن تُحِلُّوا الصَّيدَ في حالِ الإحرامِ؛ فإنَّه لا يحِلُّ لكم ذلك إذا كنتم مُحْرمينَ. وقيل: الضَّميرُ المجرورُ في عَلَيْكُمْ، أي: إلَّا ما يُتْلى عليكم حالَ انتفاءِ كونكم مُحِلِّين الصَّيدَ. وقيل: هو ضميرُ الجمعِ في أَوْفُوا، والتقديرُ: أوْفُوا بالعقودِ في حالِ انتفاءِ كونِكم مُحِلِّينَ الصيدَ وأنتم حُرُم [26] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (1/298)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/217)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/415)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/178- 185)، ((تفسير الرازي)) (11/279). وقد أورد السَّمين الحلبي مناقشاتٍ كثيرةً في هذه الآية، ثم قال: (وقديمًا وحديثًا استشكل الناسُ هذه الآية؛ قال ابنُ عطيَّة: «وقد خلَط الناسُ في هذا الموضع في نصب (غير) وقدَّروا تقديماتٍ وتأخيرات، وذلك كله غيرُ مُرضٍ؛ لأنَّ الكلام على اطراده فيُمكن استثناء بعد استثناء»، وهذه الآية ممَّا اتضح للفصحاء البُلغاء فصاحتُها وبلاغتها، حتى يُحكَى أنَّه قيل للكندي: أيُّها الحكيم، اعملْ لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعَمْ أَعملُ لكم مِثلَ بعضه، فاحتجب أيَّامًا كثيرة، ثم خرج فقال: واللهِ لا يَقدِر أحدٌ على ذلك؛ إنَّني فتحتُ المصحف فخرجتْ سورة المائدة؛ فإذا هو قدْ نَطَق بالوفاء، ونَهَى عن النَّكث، وحلَّل تحليلًا عامًّا، ثم استثنى استثناءً بعدَ استثناءٍ، ثم أَخبَر عن قُدرته وحِكمته في سَطرين!). ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/184- 185)، وينظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/145). .
الصَّيْدِ: مجرورٌ لفظًا، منصوبٌ محلًّا من إضافةِ اسمِ الفاعِلِ إلى مفعولِه، وهو مَصدرٌ بمعنى المفعول، أي: الـمَصِيد، ويجوزُ أنْ يكون على بابِه هاهنا؛ أي: غَيرَ مُحلِّين الاصطيادَ في حالِ الإحرامِ [27] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/415)، ((إعراب القرآن)) للدعاس (1/241). .
قوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ: مبتدأٌ وخبر، والجملةُ في محلِّ نصبٍ حالٌ من الضَّميرِ المُسْتَكِنِّ في مُحِلِّي الصَّيدِ، كأنَّه قيل: أَحْلَلْنا لكم بعضَ الأنعام في حالِ امتناعِكم من الصيدِ وأنتم مُحْرِمون؛ لئلَّا تُحرجَ عليكم [28] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/601)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/217)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/185 - 186). .

المعنى الإجمالي:


أَمَرَ اللهُ تعالى المؤمنينَ أنْ يُتمُّوا العُهودَ التي بَيْنه وبَيْنهم، والعهودَ التي بينهم وبين الخَلقِ، والتي لا تُخالِف شَرْعَه، وأخبَرَهم تعالى أنَّه أحلَّ لهم الإبلَ والبقَرَ والغَنَمَ، إلَّا ما سيُقرأ عليهم تحريمُه منها، وهو ما بيَّنه في قولِه سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ...، كما يُستثنى أيضًا صَيدُ البَرِّ فيما لو كانوا داخلَ حدودِ الحرَمِ، أو كانوا مُحرِمينَ بحجٍّ أو عُمرةٍ، إنَّه سبحانه وتعالى يَحكُم بما شاءَ، ويَقضي بما أرادَ.
ثمَّ نَهى سبحانه وتعالى عِبادَه المؤمنين أنْ يَتعدَّوا حُدودَه بتحليلِهم حُرُماتِه التي أُمِروا بتعظيمِها، والتي منها شعائرُ الحجِّ، ولا يَنتهِكوا حُرمةَ الأشهُرِ الحُرُم بابتداءِ القِتال فيها، أو التلبُّسِ فيها بظُلمٍ أو ارتكابِ مُحرَّماتٍ، كما نهاهم عن انتهاكِ ما يُهدَى إلى الحَرَمِ من الأنعامِ؛ بأنْ يَذبَحوها قبلَ بلوغِها مَحِلَّها، أو يَمنعوها من الوصولِ إلى محِلِّها، أو يَنتهكوا الهَديَ التي تُجعَلُ القلائدُ في أعناقِها، ونَهاهم أنْ يستحِلُّوا قِتالَ مَن قصَد البيتَ الحرامَ طلبًا لفَضْلِ اللهِ ورِضوانِه، ثم أباح لهم الصَّيدَ بعد الانتهاءِ من إحرامِهم، وإذا خرجوا مِن الحرَمِ، ثم نهاهم جلَّ وعلا أنْ يَحمِلَهم بُغضُهم وكراهيتُهم لأقوامٍ منعوهم من الوُصولِ للمسجدِ الحرامِ، على أنْ يَعْتدوا عليهم، ويقتصُّوا منهم ظلمًا وعدوانًا، وأمَرَهم أنْ يتعاونوا على البِرِّ والتقوى، وألَّا يتعاوَنوا على الإثمِ والعُدوان، وأمَرَهم بتقوى الله؛ فإنَّه شديدُ العقابِ.

تفسير الآيتين:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، قوموا بإتمامِ وإكمالِ جميعِ العُهودِ التي بينكم وبين الخالِق سبحانه، وجميعِ العهودِ التي بينكم وبين المخلوقينَ؛ ما لم تُخالِفْ شَرْعَ اللهِ تعالى [29] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/7). قال ابنُ جريرٍ: (اختلَف أهلُ التأويلِ في العقودِ التي أمَر الله جلَّ ثناؤُه بالوفاءِ بها بهذه الآيةِ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنَّ معنى العقودِ: العهودُ) ((تفسير ابن جرير)) (8/5). .
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ.
أي: قد أحلَّ اللهُ تعالى لأجْلِكم- أيُّها المؤمنون- الإبلَ والبَقر والغنَم؛ فضلًا منه ورحمةً [30] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/14-15)، ((تفسير ابن كثير)) (2/8)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/7-8). .
إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ.
أي: إلَّا ما سيُتلَى عليكم تحريمُه منها في قولِه سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ... [31] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/17)، ((تفسير ابن كثير)) (2/8)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/8). [المائدة: 3].
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
أي: ويُستثنى أيضًا مِن حِلِّ بهيمة الأنعامِ لكم صيدُها وأنتم في الحَرَم، أو وأنتم مُحرِمون بحَجٍّ أو عُمرةٍ [32] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/9)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/8-9). .
إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
أي: إنَّ الله تعالى يَقضي في خَلْقِه ما يشاءُ، ومن ذلك تحليلُ وتحريمُ ما يشاءُ، وهو الحكيمُ في جميعِ ما يُقدِّره ويَشْرَعُه من أحكامٍ [33] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/21)، ((تفسير ابن كثير)) (2/9)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/9-10). قال القرطبيُّ: (وهذه الآيةُ مما تلوحُ فصاحتُها وكثرةُ معانيها، على قلَّة ألفاظِها، لكلِّ ذي بصيرةٍ بالكلامِ؛ فإنَّها تضمَّنت خمسةَ أحكامٍ: الأولُ: الأمرُ بالوفاءِ بالعقود. الثاني: تحليلُ بهيمةِ الأنعامِ. الثالثُ: استثناءُ ما يلي بعدَ ذلك. الرابعُ: استثناءُ حالِ الإحرامِ فيما يُصادُ. الخامسُ: ما تقتضيه الآيةُ مِن إباحةِ الصَّيد لمَن ليس بمُحرمٍ). ((تفسير القرطبي)) (6/31). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
أنَّ الله تعالى لَمَّا حرَّم الصيدَ على المُحرِم في الآيةِ الأولى، أكَّدَ ذلك بالنهيِ في هذه الآيةِ عن مخالفَةِ تكاليفِ الله تعالى [34] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/279). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ.
أي: يا أيُّها المؤمنون، لا تَنتَهِكوا ما حرَّمَ الله تعالى عليكم، ولا تُضَيِّعوا فرائضَه، ومِن ذلك مناسِكُ الحجِّ [35] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/24)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/18). .
وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ.
أي: ولا تَنتهِكوا حُرمةَ الأشهُرِ الحُرُم بابتداءِ القِتالِ فيها، وبغيرِ ذلك من أنواعِ الظُّلْم والمحرَّماتِ [36] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/9)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/18). قال ابنُ كثير: (وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك منسوخ، وأنه يجوزُ ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجُّوا بقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5]، قالوا: والمراد أشهرُ التسييرِ الأربعة، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، قالوا: فلم يَستثنِ شهرًا حرامًا من غيره) ((تفسير ابن كثير)) (2/9). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (1/218-219). وقال ابن عثيمين: (أمَّا القتالُ في الشهر الحرام، فاختلَفَ فيه العلماء: فمنهم مَن يقول: إنَّه منسوخٌ، ومنهم مَن يقول: إنَّه مُحكَم وليس بمنسوخٍ؛ فالقائلون بأنَّه منسوخٌ يقولون: إنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلامُ قاتَلَ في الشَّهر الحرام؛ فإنَّه بعدَ فَتْح مكَّة- أي: في رمضان- خرَج إلى هوازنَ وثقيفٍ وقاتَلَهم في ذي القَعدة، وكذلك كانت غزوةُ تبوك في الشهر الحرام في مُحرَّمٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ القتالَ في الشهر الحرام نُسِخ تحريمُه، ولكنَّ الصَّحيحَ أنه باقٍ، وأنَّه لا يجوزُ القتالُ في الشَّهر الحرام ابتداءً، أمَّا إذا كان دفاعًا أو امتدادًا لغزوةٍ سابقةٍ؛ فإنَّ ذلك جائزٌ، وعليه تُحمَلُ قِصَّة هوازن وتبوك؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إنَّما غزاهم لأنَّه قيل له: إنَّهم قد جمَعوا له، فلا بدَّ من الدِّفاعِ) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/25). .
قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: 36].
وعن نُفَيعِ بنِ الحارثِ رَضِيَ الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهيئَتِه يومَ خلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ؛ السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرمٌ؛ ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القَعدةِ وذو الحِجةِ والمحَرَّمُ، ورجبُ مُضَرَ [37] ورجبُ مُضرَ: رجَب: هو اسم الشهر الذي بين جُمادى وشَعبان، من رَجِبْتُه، أي: هِبْتُه وعظَّمْتُه، فهو مرجوبٌ؛ ومنه سمِّيَ رجب؛ لأنَّهم كانوا يُعظِّمونه في الجاهليَّة ولا يستحلُّون فيه القِتال، ومضر: اسم قَبيلة، وإنَّما أضيف لهم فقيل: رجَبُ مُضَرَ؛ لأنَّه كان بين بني مُضَر وبين ربيعةَ اختلافٌ في رجب؛ فكانت مُضر تجعَلُ رجبًا هذا الشَّهرَ المعروف الآن، وهو الذي بين جُمادَى وشعبان، وكانوا مُتمسِّكين بتعظيمِه، وكانتْ ربيعةُ تجعلُه رمضانَ؛ فأُضيفَ إلى مُضرَ مبالغةً في إيضاحِه وإزالةً للْبَسْ عنه. وقيل: لأنَّهم كانوا أَشدَّ تَعظيمًا له مِن غيرِهم، فكأنَّهم اختُصُّوا به. ينظر: ((الصحاح)) للجوهري (1/133)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/197)، ((شرح النووي على مسلم)) (11/168)، ((فتح الباري)) لابن حجر (8/325). ، الذي بين جُمادى وشعبانَ )) [38] رواه البخاري (4662) واللفظ له، ومسلم (1679). .
وَلَا الْهَدْيَ.
أي: ولا تَنتهِكوا ما يُهدَى إلى الحَرَم من إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ تقرُّبًا إلى الله تعالى، فلا تذبحوه قبلَ بلوغِه مَحِلَّه، ولا تَحُولوا بينه وبين الوصولِ إلى محِلِّه، بل عَظِّموه [39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/26-30)، ((تفسير ابن كثير)) (2/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/19). .
وَلَا الْقَلَائِدَ.
أي: ولا تَنتهِكوا أيضًا الهَدْيَ الذي تُجعَل له قلائدُ في عُنقِه؛ وكانت الهدْيُ تُقلَّدُ إظهارًا لشعائِرِ الله تعالى، وحملًا للنَّاسِ على الاقتداءِ، فتَبعَث مَن يراه على الإتيانِ بمثلِه، وتعليمًا لهم للسُّنَّة، وليُعْرَفَ أنه هديٌ فيُحْتَرَم [40] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/26)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/19). .
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا.
أي: ولا تستحلُّوا قِتالَ القاصدين إلى بيتِ الله تعالى الحرامِ، الذي مَن دخَلَه كان آمنًا، والحالُ أنَّهم طالبونَ فَضلَ الله تعالى بالتِّجارةِ والمكاسِبِ المباحَةِ، أو راغبونَ في رِضوانِه بالحجِّ والعُمرةِ والطَّواف بالبيت، والصَّلاة وغيرِها من أنواعِ العباداتِ، فلا تَصدُّوهم ولا تتعرَّضوا لهم بسوءٍ، ولا تُهينوهم، بل عظِّموا الزَّائرينَ لبيتِ الله عزَّ وجلَّ [41] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/19-20). قال السعديُّ: (هذه الآية الكريمة مخصوصةٌ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا؛ فالمشرك لا يُمَكَّن من الدُّخول إلى الحرم) ((تفسير السعدي)) (ص: 219). .
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا.
أي: وإذا فرَغْتُم مِن إحرامِكم بالحجِّ أو العُمرةِ وأحللتُم منه، وخرجتُم من الحَرَم، فلا حَرَج عليكم في اصطيادِ ما كان محرَّمًا عليكم صيدُه [42] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/42-43)، ((تفسير ابن كثير)) (2/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/20-21). قال ابنُ جريرٍ: (يعني بذلك جلًّ ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتُكم أن تحلُّوه وأنتم حرمٌ، يقول: فلا حرجَ عليكم في اصطيادِه واصطادوا إن شئتُم حينئذٍ؛ لأنَّ المعنى الذي مِن أجلِه كنتُ حرَّمته عليكم في حالِ إحرامِكم قد زال، وبما قلنا في ذلك قال جميعُ أهلِ التأويلِ) ((تفسير ابن جرير)) (8/42-43). .
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا
القِراءاتُ ذاتُ الأَثَر في التَّفسيرِ:
في قوله تعالى: أَنْ صَدُّوكُمْ قِراءتان [43] قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (إِنْ صَدُّوكُمْ) بكَسْر الهمزة، وقرأ الباقون (أَنْ صَدُّوكُمْ) بفتحها. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 223). ويُنظر لمعنى القراءتين: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 220)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (4/192). :
1- قِراءة أَنْ صَدُّوكُمْ بالفتْح على أنَّها عِلَّة للشَّنَآنِ، والمعنى: لا يَحْمِلَنَّكم بغضُكم لقومٍ على الاعتداءِ عليهم؛ لأجْلِ صَدِّهم إيَّاكم عن المسجدِ الحرامِ.
2- قِراءة إِنْ صَدُّوكُمْ بـ (إن) الشرطيَّة، والمعنى: لا يحملنَّكم بُغضُ قومٍ على الاعتداءِ عليهم، إنْ صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ.
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا.
أي: ولا يَحملنَّكم- أيُّها المؤمنون- بُغضُ قومٍ على أن تَعْتَدوا عليهم فتقتَصُّوا منهم ظلمًا؛ طلبًا للاشتفاءِ منهم؛ لأجْل أنْ منعوكم من الوصولِ إلى المسجِدِ الحرام؛ فإنَّ العبدَ عليه أن يلتزمَ أمْرَ الله تعالى، ويَسلُكَ طريقَ العَدْلِ، ولو اعتُدِيَ عليه [44] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/44-51)، ((تفسير ابن كثير)) (2/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/21-23). .
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
أي: ولْيُعِنْ بعضُكم بعضًا- أيُّها المؤمنون- على فِعْل الطَّاعاتِ، وتَرْكِ المحرَّمات [45] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/52)، ((تفسير ابن كثير)) (2/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/23). .
وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
أي: ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا- أيها المؤمنونَ- على اقترافِ المعاصي، وارْتِكابِ الظُّلم، والاعتداءِ على حقوقِ الخَلْق [46] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/52)، ((تفسير ابن كثير)) (2/12-13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/23). .
وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
أي: وامْتَثِلوا ما أمَرَكم اللهُ تعالى به واجتنِبوا ما نهاكم عنه؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ذو عِقابٍ شديدٍ على مَن عصاه، وتجرَّأَ على محارمِه [47] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 219)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (1/24). .

الفوائد التربوية:


1- وُجوبُ الوفاءِ بالعقود؛ لقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ؛ لأنَّ الأصلَ في الأمرِ أنَّه للوجوبِ لا سيَّما إذا كان متعلِّقًا بحقِّ الآخَرينَ، والعَقْدُ متعلِّقٌ بحقِّ الآخرين؛ لأنَّه إبرامُ شيءٍ بينك وبين الآخر [50] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/11) .
2- قولُ الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ فيه التنبيهُ على الانقيادِ لله تعالى في جميعِ تكاليفِه وأوامِرِه ونواهيه، فلا يُسألُ عن تَخصيصٍ ولا عن تفضيلٍ، ولا غيرِه [51] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/7)، ((تفسير الشربيني)) (1/351). .
3- الإشارةُ إلى أنَّه لا يحلُّ للإنسانِ أن يعترضَ على الأحكامِ الشرعيَّةِ؛ وجهُ ذلك: أنَّ الله تعالى ختَمَها بقوله: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وذلك بعدَ أنْ ذكَرَ أنواعًا من الأحكامِ [52] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/7). .
4- الإرشادُ إلى احترامِ أعظمِ المكانِ: الحَرَمِ، وأكْرَمِ الزَّمان: الشَّهرِ الحرامِ، وما لابَسَهما؛ قال الله تعالى: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ [53] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/11). .
5- تعظيمُ الشَّعائرِ؛ لأنَّ اللهَ أضافها إلى نفْسِه، في قوله: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ، والمضافُ يَشرُف ويَعظُمُ بحسَبِ المضافِ إليه [54] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/25). .
6- جمَع بين التَّحْليَةِ والتَّخلِيَة في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ؛ إذ إنَّ التَّعاوُنَ على البِرِّ والتقوى مِن أركانِ الهدايةِ الاجتماعيَّةِ في القرآن؛ لأنَّه يُوجِبُ على النَّاسِ إيجابًا دِينيًّا أن يُعِينَ بعضُهم بعضًا على كلِّ عملٍ من أعمالِ البرِّ التي تنفَعُ النَّاسَ أفرادًا وأقوامًا في دِينهم ودُنياهم، وكلِّ عَملٍ من أعمالِ التقوى التي يدفعونَ بها المفاسِدَ والمضارَّ عن أنفُسِهم، فجَمَعَ بذلك بين التحلِيَة والتخْلِيَة، ولكنَّه قدَّم التحلِيَة بالبرِّ، وأكَّدَ هذا الأمْرَ بالنَّهيِ عن ضدِّه؛ وهو التعاونُ على الإثمِ بالمعاصي وكلِّ ما يعوقُ عن البِرِّ والخيرِ، وعلى العُدوانِ الذي يُغْري الناسَ بعضَهم ببعضٍ، ويجعلُهم أعداءً متباغِضينَ يتربَّصُ بعضُهم الدوائِرَ ببعضٍ [56] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/108). .
7- نَدَبَ اللهُ سبحانَه إلى التَّعاونِ على البِرِّ، وقَرَنَه بالتَّقوى له، فقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ لأنَّ في التَّقوى رِضا اللهِ تعالى، وفي البِرِّ رِضا النَّاسِ، ومَن جَمَعَ بين رِضا الله تعالى ورِضا النَّاسِ؛ فقد تمَّتْ سَعادَتُه، وعَمَّتْ نِعمَتُه [57] ينظر: ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي، ((تفسير القرطبي)) (6/47). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- وجوبُ الوفاءِ بالشُّروطِ المشترَطَةِ في العقدِ، فإذا عقَدَ رجلانِ بينهما عقدَ بيعٍ أو غيره، واشترطَا شروطًا، فالأصلُ وجوبُ الوفاءِ بالشُّروط؛ وذلك لأنَّ قولَه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يشمَلُ الوفاءَ بالعقدِ نفْسِه، وبأوصافِه التي هي شروطُه، فإذا اشترَطَ المتعاقدانِ شرطًا، وحصَل نِزاعٌ في هذا الشَّرطِ، فالصوابُ أنَّ هذا الشرطَ يصحُّ حتى يُقيمَ المانِعُ دليلًا على المنعِ [58] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/12). .
2- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أنَّ جميعَ العقودِ حلالٌ؛ وجهُ ذلك: أنَّ اللهَ أمَرَ بالوفاءِ بها، واللهُ تعالى لا يأمُرُ بالوفاءِ بالفحشاءِ أبدًا، ولكنَّ هذا ليس على عمومِه؛ إذ يُستثْنَى منها ما حَرَّمه الشَّرعُ؛ كبيعِ الغَرَر، والبيعِ بالرِّبا، والقِمارِ، وما أشْبَهَ ذلك [59] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/11). .
3- يُستَفاد مِنْ قَوْلِه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أنَّ العقودَ تنعقِدُ بما دلَّ عليها مِن قولٍ أو فِعلٍ، بلفظٍ أو إشارةٍ أو كتابةٍ؛ وجْهُ ذلك أنَّ الله جلَّ وعلا أطلَقَ العقدَ، فكلُّ ما كان عقْدًا بين النَّاسِ فهو عقْدٌ [60] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/11-12). .
4- قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ مُجمَلٌ؛ لأنَّ الإحْلالَ إنَّما يُضافُ إلى الأفعالِ، وهاهنا أُضيفَ إلى الذَّاتِ، فتعذَّر إجراؤُه على ظاهِرِه؛ فلا بُدَّ من إضمارِ فِعلٍ، وليس إضمارُ الأفعالِ أَوْلى من بعضٍ، فيَحتمِل أن يكون المرادُ إحلالَ الانتفاعِ بجِلْدِها، أو بعَظْمها، أو صُوفِها، أو لَحْمِها، أو المرادُ إحلالَ الانتفاعِ بالأكْلِ، فصارتِ الآيةُ مُجملةً، إلَّا أنَّ قولَه تعالى: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [النحل: 5] دلَّ على أنَّ المرادَ بِقَوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إباحةُ الانتفاع ِمِن كلِّ هذه الوجوهِ، والله أعلم [61] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/166). .
5- قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فيه تعظيمُ الإحرامِ، وأنَّه يحرُمُ على المُحْرِم الصَّيدُ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/17). .
6- تحريُم إحلالِ الشَّهرِ الحرامِ بالقتالِ، وكذلك أيضًا بالمعاصي؛ فإنَّها في هذه الأشهرِ الحُرُم أعظمُ من المعاصي في غيرها، قال تعالى: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [63] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/25). .
7- احترامُ الهَديِ وتحريمُ إحلالِه؛ لقوله: وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [64] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/25). .
8- في قوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ حثٌّ على احترامِ الحُجَّاجِ والعُمَّارِ، وهذا يُفيدُ أنَّ العُدوانَ عليهم أشدُّ مِنَ العُدوانِ على غَيرِهم [65] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/27). .
9- الإشارةُ إلى مِنَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ على هؤلاءِ الذين قَصَدوا البيتَ الحرامَ؛ وجْهُ ذلك أنَّ إضافةَ الربوبيَّةِ إليهم في قوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا دليلٌ على عنايَتِه تبارك وتعالى بهم، ومن ذلك أنْ وفَّقَهم للحضورِ إلى المسجِدِ الحرامِ، فالربوبيَّة نوعان: عامَّة، وخاصَّة، وإليهما الإشارةُ في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: 121- 122]، فقوله: رَبِّ العَالِمِينَ، ربوبيَّة عامَّة، وقوله: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ربوبيَّة خاصَّة [66] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/28). .
10- إثباتُ حُرْمة المسجِدِ الحرام؛ لقوله: أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أي: ذي الحرمةِ والتعظيمِ، وهو أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنَّاس ليتعبَّدوا الله فيه [67] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (1/22، 32). .

بلاغة الآيتين:


1- قوْلُه تعالى: أَوْفُوا بِالعُقُودِ: فيه تعريفُ (العقود) تعريفَ الجِنس؛ للاستغراقِ؛ فشَمِلَ العقودَ التي عاقَد المسلمونَ عليها ربَّهم، وشَمِل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها المشركينَ، ويشمَلُ العقودَ التي يتعاقَدُها المسلمونَ بينهم [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/74). .
2- قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ تمهيدٌ لِمَا سَيرِدُ بَعدَها من المنهيَّات: كقولِه: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، وفي الابتداءِ بذِكرِ بَعضِ المباحِ امتنانٌ وتأنيسٌ للمُسلِمين؛ ليتلقَّوا التكاليفَ بنفوسٍ مُطمئِنَّةٍ؛ فهي جملةٌ مستأنفةٌ استئنافًا ابتدائيًّا؛ لأنَّها تصديرٌ للكلام بعد عنوانِه، وهو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [69] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/77- 78). .
- وإضافة البهيمة إلى الأنعامِ للبيانِ مِن إضافةِ العامِّ للخاصِّ، وهي الإضافةُ التي بمعنى «مِن»، ومعناه: البَهيمةُ مِن الأنعام، وفائدتُها: الإشعارُ بعِلَّة الحُكم المشترَكة بين المضافينِ؛ كأنَّه قيل: أُحلَّت لكم البهيمةُ الشَّبيهةُ بالأنعامِ التي بُيِّن إحلالُها فيما سبَق، المماثِلَةُ لها في مَناطِ الحُكم [70] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/600)، ((تفسير البيضاوي)) (2/112)، ((تفسير أبي السعود)) (3/2)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/78). .
- وفي آية أخرى: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [الحج: 30]، فالفائدةُ في زِيادة لفظ (البهيمة) في هذه الآية: التأكيدُ؛ إذ المرادُ بالبهيمة وبالأنعام شيءٌ واحد [71] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/277). .
- وتقديم الجارِّ والمجرور لَكُمْ على القائمِ مقام الفاعلِ بَهِيمَةُ؛ لإظهارِ العناية بالمقدَّم؛ لِمَا فيه من تَعجيلِ المسرَّةِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ، فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّرَ تبقى النَّفسُ مترَقِّبةً إلى ورودِه، فيتمكَّن عندها تَمكُّنًا زائدًا [72] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/2). .
3- قوله: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ فيه: النَّهيُ عن إحلالِها؛ مبالغةً في النهيِ عن التعرُّضِ للهَدْي [73] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/112). ، فلمَّا حرَّم الصيدَ على المُحرِم في الآية الأولى أكَّد ذلك بالنَّهي في هذه الآيةِ عن مخالفةِ تكاليفِ اللهِ تعالى [74] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/27). .
- وإضافة قوله: شَعَائِرَ إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لتشريفِها، وتهويلِ الخَطْب في إحلالِها [75] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/3). .
- وقوله: وَلَا الْقَلَائِدَ: عُطِفَت ذواتُ القلائِد مِن الهَدْي على الهَدْيِ؛ مبالغةً في التوصيةِ بها؛ لأنَّها أشرفُ الهَدْيِ، ويُحتَمَل أن يكون النَّهيُ عن التعرُّضِ لنفْسِ قَلائِدِ الهَدي؛ مبالغةً في النَّهيِ عن التعرُّضِ للهَدْي، على معنى: لا تُحِلُّوا قلائِدَها، فضلًا عن أن تُحِلُّوها [76] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/280)، ((تفسير أبي حيان)) (4/166)، ((تفسير أبي السعود)) (3/3)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/82). .
4- قوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا فيه: تنكيرُ قوله: فَضْلًا، ووَرِضْوَانًا؛ للتفخيمِ، وإضافةُ الربِّ إلى ضميرِ الآمِّينَ في قوله: رَبِّهِمْ؛ للإيماءِ إلى اقتصارِ التشريف عليهم، وحرمانِ المخاطَبين عنه، وعن نَيْلِ المبتغَى، وفي ذلك من تعليلِ النَّهيِ وتأكيدِه، والمبالغةِ في استنكارِ المنهيِّ عنه؛ ما لا يَخفَى [77] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/4). .
5- قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فيه: تصريحٌ بمفهومِ قَولِه: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ لقَصْدِ تأكيدِ الإباحةِ [78] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/85). .
6- قوله: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فيه: تأكيدٌ لمضمون قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ لأنَّ الأمرَ بالشيءِ وإنْ كان يتضمَّن النهيَ عن ضدِّه، فالاهتمامُ بحُكم الضدِّ يَقتضي النهيَ عنه بخصوصِه [79] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/88). .
7- قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ كرَّر الأمْر بالتقوى مُطلقةً فيه، وإنْ كان قد أمَر بها في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ تأكيدًا لأمْرِها، وإشارةً إلى أنَّها الحاملةُ على كلِّ خيرٍ [80] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/170)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/10). .
8- قوله: إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ فيه: تعريضٌ بالتَّهديدِ والوعيدِ [81] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/283)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/88). ، مع ما فيه من تأكيدِ الخبرِ بـ (إنَّ)، واسميَّةِ الجملةِ.