موسوعة التفسير

سورةُ الحَجِّ
الآيات (30-33)

ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ

غريب الكلمات:


الرِّجْسَ: هو اسمٌ لكُلِّ ما استُقذِرَ مِن عَمَلٍ، وكُلُّ قَذَرٍ رِجسٌ، وأصلُه يدُلُّ على الخُبثِ والقَذارةِ [517] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/490)، ((الغريبين)) للهروي (3/717)، ((البسيط)) للواحدي (15/379). ((المفردات)) للراغب (ص: 342)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245). .
  الزُّورِ: أي: الكَذِبِ والفِرْيَةِ على اللهِ، وأصلُ (زور): يدُلُّ على المَيلِ والعُدولِ [518] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/535)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/36)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 245)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 485). .
حُنَفَاءَ: جمعُ حَنيفٍ، وهو المُقبلُ على اللهِ، المُعرضُ عمَّا سِواه، وقيل: الحنيفُ: هو المسلمُ المستقيمُ [519] وذلك بِناءً على قولِ مَن قال: إنَّ الحنيفَ هو المستقيمُ مِن كلِّ شيءٍ، والحنفَ الاستقامةُ، وجعلوا الرَّجلَ الَّذي تُقبلُ إحدَى قَدَميه على الأُخرى، إنَّما قِيل له: أحنفُ، على جهة التفاؤلِ، كما قِيل للمَهْلَكةِ مِن البلادِ: المفازَةُ، بمعنَى الفوزِ بالنَّجاةِ منها والسَّلامةِ؛ وكما قِيل لِلَّديغِ: السَّليمُ؛ تفاؤلًا له بالسَّلامةِ مِن الهلاكِ، وما أشبهَ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/591)، ((تفسير الماوردي)) (2/353)، ((تفسير ابن عطية)) (3/146). قال القرطبي: (ولفظةُ حُنَفَاءَ مِن الأضدادِ؛ تقعُ على الاستقامةِ، وتقعُ على الميلِ). ((تفسير القرطبي)) (12/55). ، وقيل: المائلُ عن الشركِ والدِّينِ الباطلِ إلى التوحيدِ، والدِّينِ الحقِّ المستقيمِ، وأصلُ الحنفِ: الميلُ عن الشيءِ بالإقبالِ على آخَرَ، فالحنفُ ميلٌ عن الضلالةِ إلى الاستقامةِ، وأصلُه ميلٌ في إبهاميِ القدمينِ، كل واحدةٍ على صاحبتِها [520] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 64)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 184)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 291)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (9/319)، ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (1/269)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 359). .
خَرَّ: أي: سَقَط على وَجهِه، وأصلُه يدُلُّ على اضطرابٍ وسُقوطٍ مع صَوتٍ [521] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 355)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 211)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/149)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 343). .
سَحِيقٍ: أي: بَعيدٍ، وأصلُ (سحق): يدُلُّ على بُعدٍ [522] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/538)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 265)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/139)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 302)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 520). .
شَعَائِرَ: جمْعُ شَعيرَةٍ، وهي ما جعَله اللهُ تعالى عَلَمًا لطاعتِه، وأصل (شعر): هنا يدلُّ على عِلْمٍ وعَلَمٍ [523] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/193)، ((المفردات)) للراغب (ص: 456)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 24)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 98).   .
مَحِلُّهَا: المَحِلُّ: الموضِع الذي يَحلُّ فيه نَحْر الهدْي، وقيل: هو وَقتُ النَّحْرِ ومكانُه، وأصلُ (حلل): فَتْحُ الشَّيْءِ [524] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 78)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/20)، ((تفسير السمعاني)) (3/438)، ((المفردات)) للراغب (ص: 251)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 246)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ذلك الذي أمَرَ اللهُ به مِن قَضاءِ التَّفَثِ والوَفاءِ بالنُّذورِ والطَّوافِ بالبَيتِ: هو ما أوجَبَه اللهُ عليكم؛ فعَظِّموه، ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ -ومنها مَناسِكُه- بأدائِها كامِلةً خالِصةً لله؛ فهو خيرٌ له في الدُّنيا والآخرةِ. وأحلَّ اللهُ لكم أكلَ الأنعامِ إلَّا ما حرَّمه فيما يُتلَى عليكم في القُرآنِ مِنَ المَيتةِ وغَيرِها، فاجتَنِبوه، وابتَعِدوا عن عِبادةِ الأصنامِ؛ فإنَّها قَذَرٌ، وعَنِ كُلَّ قَولٍ باطِلٍ، مُستَقيمينَ للهِ على إخلاصِ العَمَلِ له، مُقبِلينَ عليه بعِبادتِه وَحْدَه وإفرادِه بالطَّاعةِ، مُعرِضينَ عَمَّا سِواه بنَبذِ الشِّركِ؛ فإنَّه مَن يُشرِكْ بالله شَيئًا فمَثَلُه -في بُعْدِه عن الهُدى، وفي هلاكِه وسُقوطِه مِن رَفيعِ الإيمانِ إلى حَضيضِ الكُفرِ، وتخَطُّفِ الشَّياطينِ له مِن كُلِّ جانبٍ- كمَثَلِ مَن سَقَط مِنَ السَّماءِ؛ فإمَّا أن تخطَفَه الطَّيرُ فتُقَطِّعَ أعضاءَه، وإمَّا أن تُلقيَ الرِّيحُ أوصالَه المُمَزَّقةَ في مَوضِعٍ بَعيدِ العُمقِ.
ذلك ما أمَرَ اللهُ به مِن تَوحيدِه وإخلاصِ العبادةِ له، ومَن يَمتَثِلْ أمْرَ اللهِ ويُعَظِّمْ مَعالِمَ الدِّينِ، ومنها الهدايا، وذلك باستِحسانِها واستِسْمانِها وتَكميلِها مِن كُلِّ وَجهٍ؛ فهذا التَّعظيمُ مِن أفعالِ أصحابِ القُلوبِ المتَّصِفةِ بتَقوى اللهِ وخَشيَتِه.
لكم في هذه الهَدايا منافِعُ تَنتَفِعونَ بها مِنَ الصُّوفِ واللَّبَنِ والرُّكوبِ وغيرِ ذلك ممَّا لا يَضُرُّها، إلى وَقتِ ذَبحِها عندَ بُلوغِها البَيتَ العَتيقَ.

تفسير الآيات:


ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30).
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
أي: ذلك الذي أمَرَ اللهُ به مِن قَضاءِ التَّفَثِ والوَفاءِ بالنُّذورِ والطَّوافِ بالبَيتِ العَتيقِ: هو ما أوجَبَه اللهُ عليكم -أيُّها النَّاسُ- في حَجِّكم؛ فعَظِّموه، ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ، فيَجتَنِبْ ما أمَرَه اللهُ باجتِنابِه؛ تَعظيمًا منه لحُدودِ اللهِ أن يُواقِعَها أو يَستَحِلَّها- فهو خَيرٌ له عِندَ رَبِّه في دِينِه ودُنياهُ وآخِرَتِه [525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/533)، ((تفسير القرطبي)) (12/54)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/73)، ((تفسير ابن كثير)) (5/419)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/251، 252). ممَّن قصَر معنى قولِه: يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ هنا على اجتنابِ ما أمَره اللَّهُ باجتنابِه في حالِ إحرامِه: ابنُ جرير، ومكِّيٌّ، وابن الجوزي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/533)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (7/4882)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/235). قال مقاتل بن سليمان: (حُرُمَاتِ اللَّهِ يعني أمرَ المناسِكِ كلِّها). ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/123). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بحُرُماتِ الله: مَعاصيه ومحارِمُه وما نهى عنه: البغوي، والخازن، وابن كثير، والعليمي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/338)، ((تفسير الخازن)) (3/256)، ((تفسير ابن كثير)) (5/419)، ((تفسير العليمي)) (4/424)، ((تفسير الشوكاني)) (3/534). وممَّن اختار العُمومَ: الزَّجَّاجُ، والسَّعدي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/424)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537). قال الزَّجَّاجُ: (وحُرُماتُ اللهِ: الحجُّ والعُمرةُ وسائِرُ المناسِكِ، وكُلُّ ما فَرَض اللهُ فهو مِن حُرُماتِ الله، والحُرمةُ ما وَجَب القيامُ به، وحَرُمَ تركهُ والتَّفريطُ فيه). ((معاني القرآن وإعرابه)) (3/424). وقال السعدي: (وحُرُماتُ اللهِ: كلُّ ما له حُرمةٌ وأُمِرَ باحترامِه بعبادةٍ أو غيرِها؛ كالمناسِكِ كُلِّها، وكالحَرَمِ والإحرامِ، وكالهدايا، وكالعباداتِ التي أمرَ اللهُ العبادَ بالقيامِ بها). ((تفسير السعدي)) (ص: 537). وقال ابنُ عطية: (والحُرُماتُ المقصودةُ هاهنا في أفعالِ الحَجِّ: المشارُ إليها في قَولِه: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، ويدخُلُ في ذلك تعظيمُ المواضِعِ. قاله ابنُ زيدٍ وغَيرُه،... ثمَّ لفظُ الآيةِ بعد ذلك يتناولُ كُلَّ حُرمةٍ لله تعالى في جميعِ الشَّرعِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/120). .
وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ.
أي: وأَحَلَّ اللهُ لكم -أيُّها النَّاسُ- الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ أن تأكُلوها إذا ذكَّيتُموها، إلَّا [526] قال الشنقيطي: (لم يُبَيِّنْ هنا هذا الذي يُتلَى عليهم المُستثنى مِن حِلِّيَّةِ الأنعامِ، ولكِنَّه بيَّنَه بقَولِه تعالى في سورة «الأنعام»: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145]، وهذا الذي ذكَرْنا هو الصَّوابُ، أمَّا ما قاله جماعاتٌ مِن أهل التفسيرِ مِن أنَّ الآيةَ التي بيَّنَت الإجمالَ في قَولِه تعالى هنا: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أنَّها قَولُه تعالى في المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ [المائدة: 3] الآيةَ؛ فهو غَلَطٌ؛ لأنَّ «المائدةَ» من آخِرِ ما نزَلَ مِن القرآنِ، وآيةُ «الحَجِّ» هذه نازلةٌ قبل نزولِ «المائدةِ» بكثيرٍ؛ فلا يَصِحُّ أن يُحالَ البَيانُ عليها في قَولِه تعالى: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، بل المُبَيِّنُ لذلك الإجمالِ آيةُ الأنعامِ التي ذكَرْنا؛ لأنَّها نازِلةٌ بمكَّةَ، فيَصِحُّ أن تكونَ مُبَيِّنةً لآيةِ الحَجِّ المذكورةِ، كما نبَّهَ عليه غيرُ واحدٍ). ((أضواء البيان)) (5/254). وقال ابن عاشور: (استثنَى منه ما يُتلَى تحريمُه في القرآنِ، وهو ما جاء ذكرُه في سورةِ «الأنعامِ» في قولِه: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145]، وما ذُكر في سورةِ «النحلِ»، وكلتاهما مكِّيتانِ سابقتانِ). ((تفسير ابن عاشور)) (17/253). ما يُتلى عليكم تحريمُه في القُرآنِ؛ كالمَيْتةِ، والدَّمِ، ولَحمِ الخِنزيرِ، وما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ به [527] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/534)، ((تفسير القرطبي)) (12/54)، ((تفسير ابن كثير)) (5/419)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537). قال القرطبي: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أي: في الكتابِ مِن المحرَّماتِ، وهي الميتةُ والموقُوذَةُ وأخَواتُها، ولهذا اتِّصالٌ بأمرِ الحجِّ؛ فإنَّ في الحجِّ الذبحَ، فبيَّن ما يحِلُّ ذبحُه، وأكلُ لحمِه. وقيل: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ). ((تفسير القرطبي)) (12/54). .
كما قال تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الأنعام: 145.
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا حَثَّ على تَعظيمِ حُرُماتِ اللهِ، وذكَرَ أنَّ تَعظيمَها خَيرٌ لِمُعَظِّمِها عندَ اللهِ؛ أتبَعَه الأمرَ باجتِنابِ الأوثانِ وقَولِ الزُّورِ؛ لأنَّ تَوحيدَ اللهِ ونَفْيَ الشُّركاءِ عنه، وصِدْقَ القَولِ؛ أعظَمُ الحُرُماتِ [528] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/504). .
وأيضًا لما أفْهَم قولُه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حلَّ السوائبِ وما معها، وتحريمَ المذبوحِ للأنصابِ، وكان سببُ ذلك كلِّه الأوثانَ؛ سبَّب عنه قولَه [529] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/42). :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ.
أي: فاجتَنِبوا -أيُّها النَّاسُ- عِبادةَ الأصنامِ؛ فإنَّها قَذَرٌ، ومِن ذلك الذَّبحُ إليها وعِندَها [530] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/535، 537)، ((تفسير ابن كثير)) (5/419)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/42)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/254، 255). وممن قال في الجملةِ بهذا المعنى المذكورِ، وأنَّ مِنَ هنا لبيانِ الجنسِ: ابنُ جرير، وابن كثير، والشنقيطي، وذكر السعدي بأنَّه رأيُ كثيرٍ مِنَ المفسِّرينَ. يُنظر: المصادر السابقة. ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 537). وقال ابن جرير: (ويجوزُ أن يكونَ مرادًا به: اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيُّها الناسُ مِن الأوثانِ بعبادتِكم إيَّاها). ((تفسير ابن جرير)) (16/537). وقيل: مِنَ للتبعيضِ لا لبيانِ الجنسِ، وأنَّ الرجسَ عامٌّ في جميعِ المنهياتِ المحرَّماتِ، فيكونُ منهيًّا عنها عمومًا، وعن الأوثانِ التي هي بعضُها خصوصًا. وممن قال بذلك السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 537، 538). قال ابن عطية: (والكلامُ يحتَمِلُ مَعنيَينِ: أحَدُهما: أن تكونَ مِنَ لبيانِ الجِنسِ، فيقَعُ نَهْيُه عن رِجسِ الأوثانِ، فيقَعُ نهيُها في غيرِ هذا الموضعِ. والمعنى الثاني: أن تكونَ مِنَ لابتداءِ الغايةِ، فكأنَّه نهاهم عن الرِّجسِ عامًّا، ثمَّ عَيَّن لهم مبدأَ الذي منه يَلحَقُهم؛ إذْ عبادةُ الوَثَنِ جامعةٌ لكُلِّ فَسادٍ ورِجسٍ، ويظهَرُ أنَّ الإشارةَ إلى الذَّبائحِ التي كانت للأوثانِ، فيكونُ هذا ممَّا يُتلى عليهم، ومَن قال مِنَ للتَّبعيضِ، قلَبَ معنى الآيةِ وأفسَدَه). ((تفسير ابن عطية)) (4/120). وقال القرطبي: (وسمَّاها رِجسًا؛ لأنَّها سببُ الرِّجزِ، وهو العذابُ. وقيل: وصفَها بالرجسِ، والرجسُ النجسُ؛ فهي نجسةٌ حُكمًا، وليست النجاسةُ وصفًا ذاتيًّا للأعيانِ، وإنما هي وصفٌ شرعيٌّ مِن أحكامِ الإيمانِ، فلا تُزالُ إلا بالإيمانِ، كما لا تجوزُ الطهارةُ إلا بالماءِ). ((تفسير القرطبي)) (12/54). وقيل: سمَّاها بذلك؛ لأنَّ وُجوبَ تجَنُّبِها أوكَدُ مِن وُجوبِ تجَنُّبِ الرِّجسِ، ولأنَّ عِبادَتَها أعظَمُ مِن التَّلوُّثِ بالنَّجاساتِ. أو وصفَها بذلك؛ استحقارًا واستِخفافًا. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/223). .
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.
أي: واجتَنِبوا -أيُّها النَّاسُ- كُلَّ قَولٍ باطِلٍ مائلٍ عن سَبيلِ الحَقِّ والاستِقامةِ، ومِن ذلك القَولُ على اللهِ بلا عِلمٍ؛ كتَحريمِ أكْلِ ما أحَلَّه اللهُ، أو تَحليلِ ما حرَّمَه [531] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/169)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 537)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/255). وممَّن ذهَبَ إلى العمومِ في معنى الزور هنا: ابنُ تيميَّة، والبِقَاعي، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. قال ابن الجوزي: (وفي المرادِ بقَولِ الزُّورِ أربعةُ أقوالٍ: أحَدُها: شهادةُ الزُّورِ. قاله ابنُ مَسعودٍ. والثَّاني: الكَذِبُ. قاله مجاهد. والثَّالثُ: الشِّركُ. قاله أبو مالك. والرَّابعُ: أنَّه قَولُ المُشرِكينَ في الأنعاِم: هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ. قاله الزَّجَّاجُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/235). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ الأعراف: 33.
وقال عزَّ وجلَّ: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الأنعام: 143- 145.
وقال سُبحانَه: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا الفرقان: 72.
وعن أبي بَكرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ألَا أنَبِّئُكم بأكبَرِ الكبائِرِ -ثلاثًا-؟ قالوا: بلى يا رَسولَ اللهِ، قال: الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَينِ. وجلس وكان متَّكِئًا، فقال: ألَا وقَولُ الزُّورِ، قال: فما زال يُكرِّرُها حتى قُلْنا: ليتَه سَكَت )) [532] رواه البخاري (2654) واللفظ له، ومسلم (87). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طَعامَه وشَرابَه)) [533] رواه البخاري (1903). .
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31).
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ.
أي: مُستقيمينَ لِلَّهِ على إخلاصِ التَّوحيدِ له، وإفرادِ الطَّاعةِ والعبادةِ له، مائِلينَ عن الباطِلِ إلى الحَقِّ، وعن الشِّركِ إلى التَّوحيدِ، مُقبِلينَ على اللهِ، مُعرِضينَ عن عبادةِ ما سِواه سُبحانَه [534] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/538)، ((تفسير القرطبي)) (12/55)، ((تفسير ابن كثير)) (5/420)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/254). وقال ابن عاشور: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ حالٌ مِن ضميرِ فَاجْتَنِبُوا؛ أي: تكونوا إن اجْتَنبتم ذلك حنفاءَ لله). ((تفسير ابن عاشور)) (17/254). .
كما قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ النحل: 120.
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى باجتِنابِ عِبادةِ الأوثانِ وقَولِ الزُّورِ؛ ضَرَب مثلًا للمُشرِكِ، فقال [535] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/505). :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ.
أي: ومَن يُشرِكْ باللهِ شَيئًا في عبادتِه، فمَثَلُه في هلاكِه وضَلالِه عن الهُدى والحَقِّ، وبُعدِه مِن ربِّه؛ كمَن سَقَط مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، فتمَزَّقَ جَسَدُه، فتُقَطِّعُه النُّسورُ سَريعًا، وتَستَلِبُ لَحمَه، فتأكُلُه ويتفَرَّقُ في حواصِلِها [536] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/126)، ((تفسير ابن جرير)) (16/538)، ((تفسير الشوكاني)) (3/534)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/256). .
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ.
أي: أو تُلقِي الرِّيحُ أوصالَه المُمَزَّقةَ في مَوضِعٍ بَعيدِ العُمقِ؛ لِشِدَّةِ هُبوبِها [537] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/538)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 733)، ((تفسير البيضاوي)) (4/71)، ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (2/179)، ((تفسير ابن كثير)) (5/420)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538). قال السَّمعاني: (معنى الآية: أنَّ مَن أشرك فقد هلَك، وبعُد عن الحقِّ بُعدًا لا يصِلُ إليه بحالٍ ما دام مُشركًا). ((تفسير السمعاني)) (3/437). وقال البيضاويُّ: (أَوْ للتخيير... أو للتنويعِ؛ فإنَّ مِن المشركين مَن لا خلاصَ له أصلًا، ومنهم مَن يُمكنُ خلاصُه بالتوبةِ، لكن على بُعْد. ويجوز أنْ يكونَ من التشبيهاتِ المركَّبةِ؛ فيكونَ المعنى: ومَن يُشركْ بالله فقد هلَكتْ نفْسُه هلاكًا يُشبهُ أحدَ الهلاكينِ). ((تفسير البيضاوي)) (4/71). .
عن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((... وإنَّ العَبدَ الكافِرَ إذا كان في انقِطاعٍ مِن الدُّنيا وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزل إليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكةٌ سُودُ الوُجوهِ، معهم المُسوحُ [538] المسوحُ: جَمعُ مِسحٍ، وهو اللِّباسُ الخَشِنُ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (3/1179). ، فيَجلِسونَ منه مَدَّ البَصَرِ [539] مَدَّ البَصَرِ: أي: قَريبًا منه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (3/1176). ، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوتِ، حتى يجلِسَ عندَ رأسِه، فيقولُ: أيَّتُها النَّفسُ الخبيثةُ، اخرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وغَضَبٍ، فتفَرَّقُ في جَسَدِه، فيَنتَزِعُها كما يُنتَزَعُ السَّفُّودُ مِن الصُّوفِ المَبلولِ [540] السَّفُّودُ: الحديدةُ التي يُشوى عليها اللَّحمُ، فيَبقَى معها بقيَّةٌ مِن المحروقِ فيَستصحِبُ عندَ الجذبِ شيئًا مِن ذلك الصُّوفِ مع قُوَّةٍ وشِدَّة. يُنظر: ((شرح الطيبي على مشكاة المصابيح)) (4/1381)، ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/328). ! فيأخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفةَ عَينٍ حتى يجعَلوها في تِلكَ المُسوحِ، ويَخرُجُ منها كأنتَنِ رِيحِ جيفةٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ! فيَصعَدونَ بها، فلا يَمُرُّونَ بها على ملأٍ مِنَ المَلائِكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخَبيثُ؟! فيقولونَ: فلانُ بنُ فُلانٍ، بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتى يُنتَهى به إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيُستَفتَحُ له فلا يُفتَحُ له، ثمَّ قرأ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ الأعراف: 40، فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: اكتُبُوا كِتابَه في سِجِّينٍ في الأرضِ السُّفلَى، فتُطرَحُ رُوحُه طَرحًا، ثمَّ قرأ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ الحج: 31 ...)) الحديثَ [541] أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (12059)، وأحمد (18534)، والحاكم في ((المستدرك)) (107) بألفاظٍ متقاربةٍ. صحَّح إسنادَه: ابنُ جرير في ((مسند ابن عمر)) (2/494)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1/300). وحسَّنَ الحديثَ: المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (4/280)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (150). وصَحَّحه ابنُ القيمِ في ((الروح)) (ص: 46)، والألبانيُّ في ((صحيح الترغيب)) (3558). .
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32).
أي: هذا الذي ذكرتُ لكم وأمرْتُكم به؛ مِن اجتِنابِ الرِّجسِ مِنَ الأوثانِ، واجتِنابِ قَولِ الزُّورِ، والالتِزامِ بتَوحيدِ اللهِ: مِن تَعظيمِ شَعائِرِه [542] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/539). قال القرطبي: (قَولُه تعالى: ذَلِكَ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ؛ قيل: يكونُ في موضِعِ رَفعٍ بالابتداءِ، أي: ذلك أمرُ اللهِ. ويجوزُ أن يكونَ في موضعِ رَفعٍ على خبرِ ابتداءٍ محذوفٍ. ويجوزُ أن يكونَ في مَوضِعِ نَصبٍ، أي: اتَّبِعوا ذلك). ((تفسير القرطبي)) (12/56). ، ومَن يُعَظِّمْ أعلامَ الدِّينِ الظَّاهرةَ، ومنها الهدايا، بإجلالِها والقيامِ بها، واستِسمانِها وتَكميلِها مِن كُلِّ وَجهٍ؛ فإنَّه يُبَرهِنُ بذلك على تَقواهُ وصِحَّةِ إيمانِه؛ فتَعظيمُها تابِعٌ لِتَعظيمِ اللهِ وإجلالِه، وتَعظيمُها مِن فِعلِ المتَّقينَ أصحابِ القُلوبِ المُخلِصةِ الوَجِلةِ مِن خَشيةِ اللهِ [543] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/539 - 542)، ((تفسير القرطبي)) (12/56)، ((تفسير البيضاوي)) (4/71)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/485)، ((تفسير ابن كثير)) (5/421)، ((تفسير الشوكاني)) (3/534، 535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/256، 257). .
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33).
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
أي: لكم -أيُّها الحُجَّاجُ- في البُدْنِ والهَدايا مَنافِعُ؛ مِن لَبَنِها وصُوفِها وأوبارِها وأشعارِها، ورُكوبِها وغيرِ ذلك، إلى وَقتِ نَحْرِها [544] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/547)، ((تفسير ابن عطية)) (4/121)، ((تفسير القرطبي)) (12/56، 57)، ((تفسير ابن كثير)) (5/423)، ((تفسير أبي السعود)) (6/106)، ((تفسير الشوكاني)) (3/535). وممَّن قال بهذا المعنى المذكور في الجملة: ابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/423)، ((تفسير أبي السعود)) (6/106)، ((تفسير الشوكاني)) (3/535)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538). قال الرازي: (قوله تعالَى: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لا يَلِيقُ إِلَّا بأنْ تُحْمَلَ الشَّعائِرُ على الهدْيِ الَّذي فيه منافعُ إلى وقْتِ النَّحرِ، ومَن يحمِلُ ذلك على سائِرِ الواجباتِ يقولُ: لَكُمْ فِيهَا أي: في التَّمسُّكِ بها منافِعُ إلى أجلٍ يَنْقَطِعُ التَّكليفُ عندَه. والأوَّلُ هو قولُ جمهورِ المفسِّرينَ، ولا شكَّ أنَّه أقربُ). ((تفسير الرازي)) (23/224). وقيل: مَرجِعُ الضَّميرِ في فِيهَا يعودُ إلى الشَّعائِرِ عُمومًا، فيدخُلُ فيها الهَديُ وغَيرُه من مناسِكِ الحَجِّ وأعمالِه. وممن قال بذلك: ابنُ جرير. وجعل المنافِعَ والأجَلَ المسمَّى تختَلِفُ بحَسَبِ العَمَلِ، فقال: (قد دلَّلْنا قبلُ على أنَّ قولَ الله تعالى ذِكرُه: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ [الحج: 32] معنيٌّ به كلُّ ما كان مِن عمَلٍ أو مكانٍ جعَلَه الله عَلَمًا لمناسِكِ حَجِّ خَلْقِه؛ إذ لم يُخصِّصْ مِن ذلك جلَّ ثناؤه شَيئًا في خبرٍ ولا عقلٍ، وإذ كان ذلك كذلك فمَعلومٌ أنَّ معنى قَولِه: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج: 33]: في هذه الشَّعائرِ منافعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى؛ فما كان مِن هذه الشَّعائِرِ بُدْنًا وهَدْيًا فمنافِعُها لكم مِن حينِ تَملِكونَ إلى أنْ أوجَبْتُموها هَدايا وبُدْنًا، وما كان منها أماكِنَ يُنسَكُ لله عندها فمنافِعُها التِّجارةُ لله عِندَها، والعَمَلُ بما أمَرَ به إلى الشُّخُوصِ عنها، وما كان منها أوقاتًا فأنْ يُطاعَ اللهُ فيها بعَمَلِ أعمالِ الحَجِّ، وبطَلَبِ المعاشِ فيها بالتِّجارةِ، إلى أن يُطافَ بالبَيتِ في بَعضٍ، أو يُوافَى الحرمُ في بعضٍ، ويُخرَجَ عن الحَرَمِ في بَعضٍ). ((تفسير ابن جرير)) (16/547). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/121)، ((تفسير ابن جزي)) (2/39). قال الماوردي: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فيه ثلاثةُ أقاويلَ: أحدُها: أنَّ المنافعَ: التجارةُ، وهذا قولُ مَن تأوَّل الشعائرَ بأنَّها مناسكُ الحجِّ، والأجلُ المسمَّى: العَودُ. والثاني: أنَّ المنافعَ: الأجرُ، والأجلُ المسمَّى: القيامةُ، وهذا تأويلُ مَن تأوَّلها بأنَّها الدِّينُ. والثالث: أنَّ المنافعَ: الركوبُ والدرُّ والنسلُ، وهذا قولُ مَن تأوَّلها بأنَّها الهَدْيُ، فعلى هذا في الأجلِ المسمَّى وجهانِ: أحدُهما: أنَّ المنافعَ قبْلَ الإِيجابِ وبعْدَه، والأجلُ المسمَّى هو النحرُ، وهذا قولُ عطاءٍ). ((تفسير الماوردي)) (4/24). .
ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
أي: ثمَّ يَحِلُّ نَحرُ تلك البُدْنِ عندَ بُلوغِها البَيتَ العَتيقَ [545] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/271)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/236)، ((تفسير ابن كثير)) (5/423)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). اختلف المفسِّرونَ في المُرادِ بالمحِلِّ هنا؛ تبعًا لاختلافِهم السابِقِ في مَرجِعِ الضَّميرِ في فِيهَا. وممَّن قال منهم بأنَّ المرادَ بالبيت العتيق: الحَرَمُ كُلُّه: مقاتل بن سليمان، والثعلبي، ومكِّي، والواحدي، وابن الجوزي، والرازي، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/126)، ((تفسير الثعلبي)) (7/22)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (7/4887)، ((الوسيط)) للواحدي (3/271)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/236)، ((تفسير الرازي)) (23/224)، ((تفسير السعدي)) (ص: 538)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). قال الزمخشريُّ: (مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ، أي: وُجوبُ نَحْرِها، أو وقتُ وجوبِ نَحرِها في الحَرَمِ مُنتهيَةً إلى البَيتِ، كقَولِه: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95]، والمرادُ: نَحرُها في الحَرَمِ الذي هو في حُكمِ البَيتِ؛ لأنَّ الحَرَمَ هو حريمُ البيتِ، ومِثلُ هذا في الاتِّساعِ قَولُك: بلَغْنا البلدَ، وإنَّما شارَفْتُموه واتَّصل مَسيرُكم بحُدودِه). ((تفسير الزمخشري)) (3/157). وممَّن ذهب إلى أنَّ المرادَ بالبيتِ هنا: الكعبةُ: ابنُ كثير، وابن عاشور، يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/423)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). قال ابن كثير: (محَلُّ الهَدْيِ وانتهاؤُه إلى البَيتِ العَتيقِ، وهو الكعبةُ، كما قال تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95]، وقال: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ). ((تفسير ابن كثير)) (5/423). وذكر ابنُ عاشور ما حاصِلُه أنَّ الله تعالى قال: إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، والكعبةُ لا يُنحَرُ فيها؛ وذلك أنَّ التقَرُّبَ بالهدايا يكونُ بواسطةِ تَعظيمِ الكعبةِ؛ لأنَّ الهدايا شُرِعَت تَكمِلةً لِشَرعِ الحَجِّ، والحَجُّ قَصدُ البَيتِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). وقال ابن الجوزي: (قولُه تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا أي: حيثُ يَحِلُّ نَحرُها إِلَى الْبَيْتِ يعني: عند البيتِ. والمرادُ به: الحَرَمُ كلُّه، لأنَّا نَعلَمُ أنَّها لا تُذبَحُ عند البيتِ، ولا في المسجدِ. هذا على القَولِ الأوَّلِ. وعلى الثَّاني: يكونُ المعنى: ثمَّ مَحِلُّ النَّاسِ مِن إِحرامِهم إِلى البيتِ، وهو أن يَطوفُوا به بعد قضاءِ المناسِكِ). ))تفسير ابن الجوزي)) (3/236). وقال القرطبي: (قَولُه تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ يريدُ أنَّها تنتهي إلى البيتِ، وهو الطَّوافُ. فقولُه: مَحِلُّهَا مأخوذٌ من إحلالِ المُحرِمِ. والمعنى: أنَّ شعائِرَ الحَجِّ كُلَّها من الوُقوفِ بعَرَفةَ، ورَميِ الجِمارِ، والسَّعيِ: تنتهي إلى طوافِ الإفاضةِ بالبيتِ العتيقِ. فالبيتُ على هذا التَّأويلِ مرادٌ بنَفْسِه. قاله مالكٌ في الموطَّأِ. وقال عطاءٌ: ينتهي إلى مكَّةَ. وقال الشافعي: إلى الحَرَمِ. وهذا بِناءً على أن الشَّعائِرَ هي البُدْنُ، ولا وجهَ لِتَخصيصِ الشَّعائِرِ مع عُمومِها، وإلغاءِ خُصوصيَّةِ ذِكرِ البيتِ. واللهُ أعلمُ). ((تفسير القرطبي)) (12/57). .
كما قال تعالى: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ البقرة: 196.
وقال سُبحانَه: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ المائدة: 95.

الفوائد التربوية:


1- تَعظيمُ حُرُماتِ اللهِ مِنَ الأمورِ المَحبوبةِ لله، المقَرِّبةِ إليه، التي مَن عَظَّمَها وأجَلَّها أثابَه اللهُ ثوابًا جَزيلًا، وكانت خيرًا له في دِينِه ودُنياه وأُخراهُ عِندَ رَبِّه؛ قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [546] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 537). .
2- أساسُ الطَّريقِ إلى اللهِ هو الصِّدقُ والإخلاصُ، وقد جمَعَ اللهُ بينهما في قَولِه تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، ونُصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعُ الأمَّةِ: دالٌّ على ذلك في مواضِعَ؛ كقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة: 119، وقَولِه تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ [547] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/77). الزمر: 32. وكذلك يَقرِنُ اللهُ بينَ الكَذِبِ والشِّركِ، ومِن ذلك قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [548] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (5/390). الأعراف: 152.
3- قال الله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فالإيمانُ بمَنزِلةِ السَّماءِ؛ مَحفوظةً مَرفوعةً، ومَن تَرَك الإيمانَ بمَنزِلةِ السَّاقِطِ منَ السَّماءِ عُرْضةٌ للآفاتِ والبَلِيَّاتِ، فإمَّا أن تَخطَفَه الطَّيرُ فتُقَطِّعَه أعضاءً، أوْ تَهوِيَ به الرِّيحُ في مَكانٍ بَعيدٍ، كذلك المُشرِكُ؛ إذا تَرَك الاعتِصامَ بالإيمانِ تخَطَّفَتْه الشَّياطينُ مِن كُلِّ جانبٍ ومَزَّقوه، وأذهبوا عليه دِينَه ودُنياه [549] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 538). !
4- التَّقوى أصلُها في القَلبِ، كما قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [550] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/276). ؛ لذا ذُكِرَت القلوبُ؛ لأنَّها مَراكِزُ التَّقوى التي إذا ثَبَتَت فيها وتمَكَّنَت، ظهَرَ أثَرُها في سائِرِ الأعضاءِ [551] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/157). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ فيه أنَّ تَعظيمَ شَعائِرِ اللهِ صادِرٌ مِن تَقوى القُلوبِ، فالمُعَظِّمُ لها يُبَرهِنُ على تقواهُ وصِحَّةِ إيمانِه؛ لأنَّ تعظيمَها تابِعٌ لِتَعظيمِ اللهِ وإجلالِه [552] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 538). .
6- قال تعالَى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ فالمقصودُ تَقْوَى القلوبِ لِلَّهِ، وهو عبادَتُها له وحْدَه دونَ ما سِواهُ بغايَةِ العبودِيَّةِ له، وهذا مما يُبيِّنُ أنَّ عبادةَ القلوبِ هي الأصلُ، كما قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ في الجسدِ مُضْغةً إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدت فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي ال قلبُ)) [553] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (17/485). والحديث أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ جَمَع الشِّركَ وقَولَ الزُّورِ في سِلكٍ واحدٍ؛ لأنَّ الشِّركَ مِن بابِ الزُّورِ؛ لأنَّ المُشرِكَ زاعِمٌ أنَّ الوَثَنَ تَحِقُّ له العِبادةُ، فكأنَّه قال: فاجتَنِبوا عِبادةَ الأوثانِ التي هي رأسُ الزُّورِ، واجتَنِبوا قَولَ الزُّورِ كُلَّه، ولا تَقرَبوا منه شَيئًا؛ لِتَماديه في القُبحِ والسَّماجةِ، وما ظَنُّك بشَيءٍ مِن قَبيلِه عِبادةُ الأوثانِ [554] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/223). ؟!
2- قَولُ اللهِ تعالى: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فيه تَشريعٌ لإباحةِ الانتِفاعِ بالهَدايا انتِفاعًا لا يُتلِفُها، وهو رَدٌّ على المُشرِكينَ؛ إذ كانوا إذا قَلَّدوا الهَدْيَ وأشعَروه، حَظَروا الانتفاعَ به؛ مِن رُكوبِه، وحَمْلٍ عليه، وشُربِ لَبَنِه، وغيرِ ذلك [555] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). ، فالآيةُ فيها دلالةٌ على أنَّ البُدْنَ إذا جُعِلَتْ شعائرَ لم يَحْرُمِ الانتفاعُ في الظَّهرِ والدَّرِّ إلى أنْ تُنْحَرَ [556] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/316). .
3- قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ هذا دَليلٌ على أنَّ الزيادةَ في السِّمَنِ، وكَثرةَ الثَّمَنِ في البُدْنِ: أفضَلُ مِن تكثيرِ اللَّحمِ بعَدَدِ المهازيلِ [557] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/316). !
4- في قَولِه تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ دَلالةٌ على أنَّ اسمَ البيتِ غَلَبَ على الحَرَمِ كلِّه فسُمِّيَ به؛ لأنَّ العِلْمَ يُحيطُ أنَّ الشَّعائِرَ لا تُنحَرُ عندَ البَيتِ نَفْسِه، إنَّما مَناحِرُها أرضُ مِنًى [558] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (2/316). .
5- مِمَّا يُحمَدُ به المَسجِدُ عِتْقُه، وكان السَّلَفُ يَرَونَ العَتيقَ أفضَلَ مِنَ الجَديدِ؛ لأنَّ العَتيقَ أبعَدُ عن أن يكونَ بُنِيَ ضِرارًا، مِنَ الجَديدِ الذي يُخافُ ذلك فيه؛ ولهذا قال تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وقال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ؛ فإنَّ قِدَمَه يَقتَضي كثرةَ العِبادةِ فيه أيضًا، وذلك يقتَضي زيادةَ فَضْلِه [559] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/469). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
- قولُه: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ اسمُ الإشارةِ مُستعمَلٌ هنا للفصْلِ بينَ كلامينِ، أو بين وَجْهينِ مِن كلامٍ واحدٍ، والقصْدُ منه: التَّنبيهُ على الاهتمامِ بما سيُذْكَرُ بعْدَه. وهو مِن أساليبِ الاقتضابِ في الانتقالِ. وأُوثِرَ في الآيةِ اسْمُ إشارةِ البعيدِ ذَلِكَ؛ للدَّلالةِ على بُعْدِ المَنزِلَةِ؛ كِنايةً عن تَعظيمِ مَضمونِ ما قبْلَه؛ فاسمُ الإشارةِ مُبتدأٌ حُذِفَ خبَرُه لظُهورِ تَقديرِه، أي: ذلك بَيانٌ، ونحوُه. وهو كما يُقدِّمُ الكاتِبُ جُملةً مِن كتابِه في بَعضِ الأغراضِ، فإذا أراد الخوضَ في غَرضٍ آخرَ، قال: هذا وقد كان كذا وكذا [560] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/154)، ((تفسير أبي حيان)) (7/504)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/251). .
- وجُملةُ: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ... إلخ مُعترِضةٌ عطفًا على جُملةِ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ الحج: 26؛ عطْفَ الغرَضِ على الغرضِ. وهو انتقالٌ إلى بَيانِ ما يجِبُ الحِفاظُ عليه مِن الحنيفيَّةِ، والتَّنبيهِ إلى أنَّ الإسلامَ بُنِيَ على أساسِها. والكلامُ مُوجَّهٌ إلى المُسلمينَ؛ تَنبيهًا لهم على أنَّ تلك الحُرماتِ لم يُعطِّلِ الإسلامُ حُرْمَتَها؛ فيكونُ الانتقالُ من غرَضٍ إلى غرَضٍ، ومِن مُخاطَبٍ إلى مُخاطَبٍ آخَرَ؛ فإنَّ المُسلمينَ كانوا يَعْتَمِرون ويَحجُّون قبْلَ إيجابِ الحجِّ عليهم [561] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/252). .
- قولُه: عِنْدَ رَبِّهِ فيه التَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضَميرِ (مَن)؛ لتَشريفِه والإشعارِ بعِلَّةِ الحُكْمِ [562] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/105). .
- وجُملةُ: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ اعتراضٌ جِيءَ به؛ تَقريرًا لِمَا قبْلَه مِن الأمْرِ بالأكْلِ والإطعامِ، ودَفْعًا لِمَا عسى يُتوهَّمُ أنَّ الإحرامَ يُحرِّمُه كما يُحرِّمُ الصَّيدَ [563] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/105). .
- وجِيءَ بالمُضارِعِ في قولِه: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ؛ ليَشمَلَ ما نزَلَ مِن القُرآنِ في ذلك ممَّا سبَقَ نُزولَ سُورةِ (الحجِّ) بأنَّه تُلِيَ فيما مَضى ولم يَزَلْ يُتْلى. وقيل: وليَشمَلَ أيضًا ما عسى أنْ يَنزِلَ مِن بعْدُ، مِثْلُ قولِه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ الآيةَ [564] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/253). المائدة: 103.
- وقولُه: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ غايةُ المُبالَغةِ في النَّهيِ عن تَعظيمِها، والتَّنفيرِ عن عِبادتِها [565] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/70). ، والفاءُ في فَاجْتَنِبُوا للتَّفريعِ، وهي جُملةٌ مُعترِضةٌ؛ للتَّصريحِ بالأمْرِ باجتنابِ ما ليس مِن حُرماتِ اللهِ. والأمْرُ باجْتنابِ الأوثانِ مُسْتعمَلٌ في طلَبِ الدَّوامِ، كما في قولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [566] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/253). النساء: 136.
- ووَصَفَ الأوثانَ بـ(الرِّجْسِ) وهو رِجْسٌ مَعنوِيٌّ؛ لكونِ اعتقادِ إلَهيَّتِها في النُّفوسِ بمَنزِلةِ تَعلُّقِ الخَبثِ بالأجسادِ؛ فإطْلاقُ الرِّجسِ عليها تَشبيهٌ بَليغٌ، وحين بيَّنَه بقولِه: مِنَ الْأَوْثَانِ عُلِمَ منه تَشبيهُ الأوثانِ به، وهو مِن التَّشبيهِ الواقِعِ على طَريقِ التَّجريدِ [567] التجريد: هو اعتقادُ أنَّ في الشيءِ مِن نفْسِه معنًى آخَرَ كأنَّه مباينٌ له، فيخرجُ ذلك إلى ألفاظِه بما اعتقَد ذلك؛ كقولِهم: لئن لقيتَ زيدًا لتلقيَنَّ معه الأسدَ؛ فظاهرُ هذا أنَّ فيه مِن نفْسِه أسدًا، وهو عينُه هو الأسدُ، لا أنَّ هناك شيئًا منفصلًا. ويُطلقُ عندَ البعضِ على عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ كأنَّ الخاصَّ جُرِّد مِن العامِّ، وأُفرِد بالذِّكرِ؛ تفضيلًا، كما في هذه الآيةِ. وله إطلاقاتٌ أخرى في البديعِ والمعاني. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/448)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 243، 244). ؛ فجُرِّدَ مِن الرِّجْسِ شَيءٌ يُسمَّى وثَنًا، وهو هو [568] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/154)، ((تفسير أبي حيان)) (7/504)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/478)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/253). .
- قولُه: مِنَ الْأَوْثَانِ بَيانٌ للرِّجْسِ وتَمييزٌ له؛ لأنَّ الرِّجْسَ مُبْهَمٌ يَتناوَلُ غيرَ شَيءٍ، كأنَّه قيل: فاجْتَنِبوا الرِّجسَ الَّذي هو الأوثانُ؛ فالرِّجْسُ أعَمُّ أُرِيدَ به هنا بعْضُ أنواعِه [569] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/155)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/253، 254). .
- قولُه: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ تَعميمٌ بعْدَ تَخصيصٍ؛ فإنَّ عِبادةَ الأوثانِ رأْسُ الزُّورِ، كأنَّه لمَّا حَثَّ على تَعظيمِ الحُرماتِ أتْبَعَه ذلك؛ رَدًّا لِمَا كانت الكَفرةُ عليه مِن تَحريمِ البحائرِ والسَّوائبِ، وتَعظيمِ الأوثانِ، والافتراءِ على اللهِ تعالى بأنَّه حكَمَ بذلك [570] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/70)، ((تفسير أبي السعود)) (6/105). .
- قولُه: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وقولُه: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ تَعريضٌ وإيماءٌ إلى بَيانِ نَوعينِ مِن قبائحِ المُشركينَ؛ أحدُهما: تَحريمُهم السَّوائِبَ والحامِيَ والوصيلةَ، وتَحليلُ الميتةِ والدَّمِ وغيرِهما. وثانيهما: عُكوفُهم على عِبادةِ الأوثانِ، فأَتى بهما تَخصيصًا بعْدَ تَعميمٍ؛ ليُؤْذِنَ بأنَّهما مِن أعظَمِ أنواعِ المُحرَّماتِ، ثمَّ ضَمَّ مع عِبادةِ الأوثانِ قولَ الزُّورِ، ولم يَعْطِفْ عليه، بل أعاد الفِعْلَ؛ ليَكونَ مُستقِلًّا في الاجتنابِ عنهُ، وما اكْتَفى بذلك، بل جعَلَ التَّعريفَ للجِنْسِ؛ ليَكونَ مِن بابِ عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ [571] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/477، 478). .
2- قَولُه تعالى: حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
- قولُه: حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ زاد معنى حُنَفَاءَ بيانًا بقولِه: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [572] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/254). .
- قولُه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ... جُملةٌ مُبتدأةٌ مُؤكِّدةٌ لِمَا قبْلَها مِن الاجتنابِ عن الإشراكِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ (الله) في مَقامِ الإضمارِ؛ لإظهارِ حالِ قُبْحِ الإشراكِ [573] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/105). .
- قولُه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ يَجوزُ في هذا التَّشبيهِ أنْ يكونَ مِن المُركَّبِ والمُفرَّقِ؛ فإنَّ كان تَشبيهًا مُركَّبًا، فكأنَّه قال: مَن أشرَكَ باللهِ فقد أهلَكَ نفْسَه إهلاكًا ليس بعْدَه نِهايةٌ؛ فيكونُ قد شَبَّهَ مَن أشرَكَ باللهِ وعبَدَ معه غيرَه برجُلٍ قد تَسبَّبَ إلى هَلاكِ نَفْسِه هَلاكًا لا يُرْجى معه نَجاةٌ، بأنْ صَوَّرَ حالَهُ بصُورةِ حالِ مَن خَرَّ مِن السَّماءِ، فاختطَفَتْهُ الطَّيرُ، فتَفرَّقَ مُزَعًا في حواصِلِها، أو عصَفَتْ به الرِّيحُ حتَّى هوَتْ به في بعضِ المطارِحِ البعيدةِ، وعلى هذا لا تَنظُر إلى كلِّ فَرْدٍ من أفرادِ المُشبَّهِ ومُقابِلِه مِن المُشبَّهِ به. وإنْ كان مُفرَّقًا: فقد شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّه بالسَّماءِ، والَّذي ترَكَ الإيمانَ وأشرَكَ باللهِ بالسَّاقطِ مِن السَّماءِ، والأهواءَ الَّتي تتوزَّعُ أفكارَهُ بالطَّيرِ المُختطِفةِ، والشَّيطانَ الَّذي يُطوِّحُ به في وادي الضَّلالةِ بالرِّيحِ الَّتي تَهْوِي بما عصَفَتْ به في بعْضِ المهاوي المُتلِفَةِ؛ فيُقابَلُ كلُّ واحدٍ مِن أجزاءِ المُمثَّلِ بالمُمثَّلِ به، وعلى هذا فيكونُ قد شَبَّهَ الإيمانَ والتَّوحيدَ في عُلُوِّه وسَعَتِه وشَرَفِه بالسَّماءِ الَّتي هي مصْعَدُه ومَهْبَطُه؛ فمنها هبَطَ إلى الأرضِ، وإليها يَصعَدُ منها، وشَبَّهَ تارِكَ الإيمانِ والتَّوحيدِ بالسَّاقطِ مِن السَّماءِ إلى أسفَلِ سافِلينَ، مِن حيثُ التَّضييقُ الشَّديدُ والآلامُ المُتراكِمةُ، والطَّيرُ الَّتي تتَخطَّفُ أعضاءَهُ وتُمزِّقُه كلَّ مُمزَّقٍ، هي الشَّياطينُ الَّتي يُرسِلُها اللهُ سُبحانَه وتعالى عليه وتَؤزُّهُ أزًّا، وتُزعِجُه وتَدفَعُه إلى مَظانِّ هَلاكِهِ؛ فكلُّ شَيطانٍ له مُزْعَةٌ مِن دِينِه وقَلْبِه، كما أنَّ لكلِّ طَيرٍ مُزْعةً مِن لَحمِه وأعضائِه، والرِّيحُ الَّتي تَهْوِي به في مَكانٍ سَحيقٍ هو هواهُ الَّذي حمَلَهُ على إلْقاءِ نَفْسِه في أسفَلِ مَكانٍ وأبعَدِه مِن السَّماءِ [574] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/155)، (( تفسير أبي حيان)) (7/505)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/138)، ((تفسير أبي السعود)) (6/106)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/254، 255). .
- وقيل: شَبَّهَ الإيمانَ بالسَّماءِ؛ لعُلُوِّه، والإشراكَ بالسُّقوطِ منها؛ فالمُشرِكُ ساقِطٌ مِن أَوْجِ الإيمانِ إلى حَضيضِ الكُفْرِ، وهذا السُّقوطُ إنْ كان في حَقِّ المُرتَدِّ فظاهِرٌ، وهو في حَقِّ غيرِه باعتبارِ الفطرةِ؛ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ؛ فإنَّ الأهواءَ المُرْدِيةَ تُوَزِّعُ أفكارَهُ، وفي ذلك تَشبيهُ الأفكارِ المُوَزَّعةِ بخَطْفِ جَوارحِ الطَّيرِ [575] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/142، 143). .
- وقولُه: أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ (أو) للتَّخييرِ في نَتيجةِ التَّشبيهِ، أو للتَّنويعِ؛ أشارتِ الآيةُ إلى أنَّ الكافرينَ قِسمانِ: قِسْمٌ شِرْكُه ذَبْذبةٌ وشَكٌّ؛ فهذا مُشبَّهٌ بمَن اختطَفَتْه الطَّيرُ، فلا يَستولي طائرٌ على مُزْعةٍ منه إلَّا انتهَبَها منه آخَرُ، فكذلك المُذَبذَبُ؛ متى لاحَ له خَيالٌ اتَّبَعَه وترَكَ ما كان عليه. وقِسْمٌ مُصمِّمٌ على الكُفْرِ، مُستقِرٌّ فيه، فهو مُشبَّهٌ بمَن ألْقَتْه الرِّيحُ في وادٍ سَحيقٍ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ مِن المُشركينَ مَن شِرْكُه لا يُرْجَى منه خلاصٌ، كالَّذي تَخطَّفَتْه الطَّيرُ، ومنهم مَن شِرْكُه قد يَخلُصُ منه بالتَّوبةِ، إلَّا أنَّ تَوبَتَهُ أمْرٌ بَعيدٌ عسيرُ الحُصولِ؛ فالتَّشبيهُ مُركَّبٌ تَمثيليٌّ [576] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/71)، ((تفسير أبي السعود)) (6/106)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/255)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/428). .
- قولُه: فَتَخْطَفُهُ فيه التَّعبيرُ بمُضاعَفِ (خطَفَ) -على قراءةِ فتحِ الخاءِ وتشديدِ الطاءِ المفتوحةِ [577] قرأ بها نافع وأبو جعفر، وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء. يُنظر: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 476)، ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/326). -؛ للمُبالَغةِ [578] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/255). . وفي إيثارِ المُضارِع فَتَخْطَفُهُ إشعارٌ باستحضارِ تلك الحالةِ العجيبةِ في مشاهَدةِ المُخاطَبِ؛ تَعجيبًا له [579] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/481)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/429،430). .
3- قَولُه تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
- قولُه: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ تَكريرٌ لنَظيرِه السَّابقِ؛ ولكنْ مَضمونُ جُملةِ: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ... أخَصُّ مِن مَضمونِ جُملةِ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ...، وذُكِرَ الأخَصُّ بعْدَ الأعمِّ؛ للاهتمامِ [580] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/256). .
- قولُه: فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ على القولِ بأنَّ (مِن) للتَّبعيضِ، فيكونُ فيه إيجازٌ بالحذْفِ، أي: فإنَّ تَعظيمَها مِن أفعالِ ذَوي تَقْوى القُلوبِ. وإنْ جُعِلَت (مِن) للابتداءِ، لم يُحْتَجْ إلى إضمارِ (أفعال)، ولا (ذوي)؛ إذ المعنى: فإنَّ تَعظيمَها ناشِئٌ مِن تَقْوى القُلوبِ [581] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/156)، ((تفسير البيضاوي)) (4/71)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/483)، ((تفسير أبي حيان)) (7/506)، ((تفسير أبي السعود)) (6/106). ، ولأنَّ المُنافِقَ يُظهِرُ التَّقوى وقَلْبُه خالٍ عنها، فلا يكونُ مُجِدًّا في أداءِ الطَّاعاتِ، والمُخلِصُ التَّقوى للهِ في قَلْبِه، فيُبالِغُ في أدائِها على سَبيلِ الإخلاصِ [582] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/506) .
4- قَولُه تعالى: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
- قولُه: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي: إلى مَوضِعِ النَّحرِ، فذكَرَ البيتَ؛ لأنَّه أشرَفُ الحرَمِ، وهو المقصودُ بالهدْيِ وغيرِه [583] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/507). وقال ابنُ عاشور: (لأنَّ الهدايا إنما شُرعت تكملةً لشرع الحج، والحجُّ قصدُ البيت؛ قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: 97]؛ فالهدايا تابعةٌ للكعبة؛ قال تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95]، وإن كانتِ الكعبةُ لا يُنحَر فيها، وإنما المناحِر: مِنًى، والمروة، وفِجاج مكَّةَ، أي: طُرُقُها بحسَب أنواع الهدايا، وتبيينُه في السُّنة). ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). . وفيه: كِنايةٌ عن نِهايةِ أمْرِها، ونِهايةُ أمْرِها النَّحرُ أو الذَّبحُ [584] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/258). .
- ولمَّا كانت هذه المنافعُ دُنيويَّةً، وكانت مَنفعةُ نَحْرِها إذا أُهْدِيَت دِينيَّةً؛ أشار إلى تَعظيمِ الثَّاني بأداةِ التَّراخي، فقال: ثُمَّ مَحِلُّهَا [585] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/46). .
- وقد جاء في قولِه تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ رَدُّ العَجُزِ على الصَّدرِ باعتبارِ مَبدأِ هذه الآياتِ، وهو قولُه تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [586] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/259). الحج: 26.