موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (38-44)

ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ

غَريبُ الكَلِماتِ:


عِفْريتٌ: العِفريتُ: المارِدُ الشَّديدُ، النَّافِذُ في الأمرِ، المبالِغُ فيه مع خُبثٍ ودَهاءٍ، وأصلُ (عفر) هنا: يدُلُّ على شِدَّةٍ وقُوَّةٍ [577] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 324)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 346)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/62)، ((البسيط)) للواحدي (17/235)، ((المفردات)) للراغب (ص: 573). .
يَرْتَدَّ: أي: يَرجِعُ، والارتِدادُ: الرُّجوعُ [578] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 324)، ((تفسير ابن جرير)) (18/72)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 275). .
طَرْفُكَ: أي: بصَرُك ونظرُك، والطَّرْفُ: تحريكُ الجَفنِ، وعُبِّرَ به عن النَّظرِ؛ إذ كان تحريكُ الجَفنِ لازِمُه النَّظَرُ [579] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 324)، ((المفردات)) للراغب (ص: 517)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 275)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 254). .
نَكِّرُوا: أي: غيِّروا، وتَنكيرُ الشَّيءِ: جَعلُه بحيثُ لا يُعرَفُ، وأصلُ (نكر): يدُلُّ على خِلافِ المعرفةِ التي يَسكُنُ إليها القَلبُ [580] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 325)، ((تفسير ابن جرير)) (18/76)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/476)، ((المفردات)) للراغب (ص: 823)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 275). .
الصَّرْحَ: أي: القَصْرَ، وكُلُّ بناءٍ عالٍ: فهو صَرحٌ [581] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 325)، ((تفسير ابن جرير)) (18/82)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/348)، ((المفردات)) للراغب (ص: 482)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 543). .
لُجَّةً: أي: غَمرةً عَظيمةً مِن ماءٍ، واللُّجَّةُ: الماءُ المجتمعُ كالبحرِ، ولُجَّةُ البحرِ: تردُّدُ أمواجِه، وأصلُه مِنَ اللَّجَجِ: وهو تردُّدُ الشَّيءِ بعضِه على بعضٍ [582] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/84)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/201)، ((المفردات)) للراغب (ص: 736)، ((تفسير ابن جزي)) (2/103). .
مُمَرَّدٌ: أي: مُمَلَّسٌ، مِن قَولِهم: شَجرةٌ مَرداءُ: إذا لم يكُنْ عليها وَرَقٌ، وأصلُ المرودةِ: المَلاسةُ والاستواءُ [583] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 325)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 446)، ((المفردات)) للراغب (ص: 764)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/171). .
قَوَارِيرَ: أي: زُجاجٍ [584] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/85)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 254)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 740). .

المعنى الإجماليُّ:


يقول الله تعالى: قال سُلَيمانُ للمَلَأِ مِن حَولِه: يا أيُّها الأشرافُ، أيُّكم يأتيني بكرسيِّ مُلْكِ مَلِكةِ سَبَأٍ قبلَ أن تحضُرَ إلينا هي وقَومُها موحِّدينَ طائِعينَ؟ قال مارِدٌ مِن الجِنِّ: أنا أُحضِرُ لك عَرْشَها قبل أن تقومَ مِن مجلِسِك، وإنِّي لَقويٌّ عليه أمينٌ على ما فيه. قال الذي عنده علمٌ بكتابِ الله: أنا أُحضِرُ لك العَرشَ قبل أن يرجِعَ إليك بَصَرُك إذا نظَرْتَ إلى شيءٍ! فأتاه بالعَرشِ بقُدرةِ اللهِ.
فلمَّا رآه سُلَيمانُ مُستقِرًّا بين يديه، قال: هذا الذي أنا فيه مِن عَطاءِ ربِّي؛ لِيَختبِرَني أأشكُرُ نِعمَتَه أم أكفُرُها، ومَن شَكَرَ نعمةَ اللهِ عليه فإنَّما ينفَعُ نَفسَه بذلك الشُّكرِ، ومن كَفَرَ نعمةَ اللهِ عليه فإنَّ ربِّي غنيٌّ عن شُكرِه، كريمٌ متفضِّلٌ بإنعامِه.
قال سُلَيمانُ: غيِّروا معالمَ عَرشِها؛ لِننظُرَ أتعرِفُ أنَّه عَرشُها أم لا؟ فلمَّا جاءت مَلِكةُ سَبأٍ إلى سُلَيمانَ قيل لها: أعرشُكِ مثلُ هذا العَرشِ؟! قالت: كأنَّه هو. فقال سُلَيمانُ: قد آتانا اللهُ العِلمَ مِن قَبلِها وكنَّا طائعينَ مُسلِمين لله تعالى، ومنَعَها عن الإسلامِ عِبادتُها الشَّمسَ مِن دونِ اللهِ؛ لأنَّها كانت من قومٍ كافرينَ بالله تعالى.
وقيل لملِكةِ سَبأٍ: ادخُلي هذا البناءَ العاليَ، فلمَّا رأَتْه وقد صُنِعَت أرضُه مِن زُجاجٍ شفَّافٍ، حَسِبَته ماءً، وأظهَرَت ساقَيها حتى تخوضَ في الماءِ دونَ أن تبتلَّ ثيابُها. قال سليمانُ لها: ليس هذا ماءً، بل هو بناءٌ مملَّسٌ مبنيٌّ مِن زُجاجٍ! قالت ملِكةُ سَبَأٍ: ربِّ إني ظلمتُ نفسي بعبادةِ غَيرِك، وانقَدْتُ واستسلمْتُ مع سُلَيمانَ، طائعةً لك وَحدَك.

تفسيرُ الآياتِ:


قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38).
أي: قال سُلَيمانُ لجُلَسائِه الحاضرينَ عِندَه من الجِنِّ والإنسِ: يا أيُّها الأشرافُ، أيُّكم يُحضِرُ لي كرسيَّ المـُـلْكِ لملِكةِ سبأٍ قبل أن تحضُرَ إلينا هي وقَومُها مسلِمينَ [585] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/63، 65، 66)، ((تفسير السمرقندي)) (2/582)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/163)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/270). قال ابنُ عطية: (ظاهِرُ هذه الآياتِ أنَّ هذه المقالةَ مِن سليمانَ عليه السلام بعد مجيءِ هديَّتِها وردِّه إيَّاها، وقد بعث الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهورُ المفسِّرينَ). ((تفسير ابن عطية)) (4/260). قال البيضاوي: (أراد بذلك أن يُريَها بعضَ ما خصَّه اللهُ تعالى به مِن العجائِبِ الدالَّةِ على عِظَمِ القُدرةِ، وصِدقِه في دعوى النبوَّةِ؛ ويختِبرَ عَقلَها بأن ينكِّرَ عَرشَها فينظُرَ أتعرِفُه أم تُنِكُره؟). ((تفسير البيضاوي)) (4/160). وقيل غيرُ ذلك في غرضِ سليمانَ عليه السَّلامُ من إحضارِ عرشِها. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/65)، ((تفسير الماوردي)) (4/211)، ((تفسير الرازي)) (24/556)، ((تفسير ابن كثير)) (6/192). واختلف أهلُ التفسير في قوله: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ؛ فقال بعضُهم: معناه: قبْلَ أن يأتوني مُستَسلِمينَ طَوعًا. وقال آخَرون: بل معنى ذلك: قبْلَ أن يأتوني مسلمينَ الإسلامَ الَّذي هو دينُ الله. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/64). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: مُسْلِمِينَ: مؤمنينَ موحِّدينَ: مقاتلُ بن سليمان، والزجاج، والسمرقندي، والثعلبي، البغوي، والبيضاوي، والشربيني، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/306)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/120)، ((تفسير السمرقندي)) (2/582)، ((تفسير الثعلبي)) (7/209)، ((تفسير البغوي)) (3/505)، ((تفسير البيضاوي)) (4/160)، ((تفسير الشربيني)) (3/60)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). وممَّن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ جُرَيج، وعطاء الخراساني، والسُّدِّيُّ، وزهير بن محمد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/65)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2884)، ((تفسير ابن كثير)) (6/192). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المراد: منقادينَ طائعينَ مُستَسلِمينَ: ابنُ جرير، والسمعاني، وجلال الدين المحلي، والبقاعي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/65)، ((تفسير السمعاني)) (4/98)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 499)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/163)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 203). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/65)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/359). قال ابن جرير: (أولَى التَّأويلينِ في قولِه قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ... قولُ ابنِ عبَّاسٍ... أنَّ معناه طائعينَ، لأنَّ المرأةَ لم تأتِ سليمانَ إذْ أتَتْه مسلِمةً، وإنَّما أسلَمَتْ بعدَ مَقْدَمِها عليه، وبعدَ مُحاوَرةٍ جَرَتْ بيْنَهما ومُساءَلةٍ). ((تفسير ابن جرير)) (18/65). ؟
قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39).
قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ.
أي: قال مارِدٌ قَوِيٌّ وشديدٌ مِن الجِنِّ: أنا أُحضِرُ لك عَرْشَها قبل أن تنهَضَ مِن مجلِسِك [586] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/66، 67)، ((تفسير ابن كثير)) (6/192)، ((تفسير أبي السعود)) (6/286)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). قال السعدي: (الظَّاهِرُ أنَّ سُلَيمانَ إذ ذاك في الشَّامِ، فيكونُ بيْنَه وبين سبأٍ نحوُ مسيرةِ أربعةِ أشهُرٍ: شهرانِ ذَهابًا، وشهران إيابًا، ومع ذلك يقولُ هذا العِفريتُ: أنا ألتزِمُ بالمجيءِ به -على كِبَرِه وثِقَلِه وبُعْدِه- قبل أن تقومَ مِن مجلِسِك الذي أنت فيه. والمعتادُ مِن المجالِسِ الطويلةِ أن تكونَ مُعظَمَ الضُّحى نحوَ ثُلُثِ يَومٍ، هذا نهايةُ المعتادِ، وقد يكونُ دونَ ذلك أو أكثَرَ). ((تفسير السعدي)) (ص: 605). .
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ.
أي: وإنِّي قَوِيٌّ على حَملِ العَرشِ، أمينٌ على ما فيه [587] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/68)، ((تفسير السمعاني)) (4/99)، ((تفسير ابن عطية)) (4/260). .
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40).
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ.
أي: قال الذي عنده [588] قال ابن عطية: (اختلف المفسِّرون في الذي عندَه عِلمٌ من الكتابِ مَن هو: فجمهورُ النَّاسِ على أنَّه رجلٌ صالحٌ من بني إسرائيلَ اسمه آصف بن برخيا). ((تفسير ابن عطية)) (4/261). وقال ابن تيميَّة: (أتَتْهُ به الملائِكةُ، كذلك ذكره المفسِّرون عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه: أنَّ الملائكةَ أتته به أسرعَ ممَّا كان يأتي به العِفريتُ). ((النبوات)) (2/1066). ويُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/363). وقال السَّعدي: (قال المفسِّرون: هو رجلٌ عالمٌ صالحٌ عند سليمانَ يقالُ له: آصف بن برخيا، كان يعرِفُ اسمَ الله الأعظَمَ الذي إذا دعا اللهَ به أجاب، وإذا سأل به أُعطيَ... أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ بأن يدعوَ الله بذلك الاسمِ فيَحضُرَ حالًا، وأنَّه دعا اللهَ فحضرَ). ((تفسير السعدي)) (ص: 605). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/69، 70). قال أبو حيان بعد أن ذكَر الخلافَ في اسمِه: (وهذه أقوالٌ مضطربةٌ، وقد أبهَم الله اسمَه، فكان ينبغي ألَّا يُذكرَ اسمُه حتَّى يُخبِرَ به نبيٌّ). ((تفسير أبي حيان)) (8/240). علمٌ بكتابِ اللهِ [589] قال البقاعي: (كأنَّه الذي كان شهيرًا في ذلك الزمان، ولعلَّه التَّوراةُ والزَّبورُ). ((نظم الدرر)) (14/164). : أنا أُحضِرُ لك العَرشَ قبل أن يَرجِعَ إليك بَصَرُك إذا نظَرْتَ إلى شيءٍ مدَّ بصرِك [590] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/68، 73)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/121)، ((تفسير ابن عطية)) (4/260، 261)، ((تفسير ابن جزي)) (2/102)، ((تفسير ابن كثير)) (6/192). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المعنى: قبْلَ أن يَرجِعَ بصرُك إذا نظرتَ إلى شَيءٍ مدَّ بصرِك: ابنُ جرير، والرسعني، وابن جُزَي، وابن كثير، وجلال الدين المحلي، والبقاعي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/73)، ((تفسير الرسعني)) (5/471)، ((تفسير ابن جزي)) (2/102)، ((تفسير ابن كثير)) (6/192)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 499)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/165)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/271)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 215). قال ابن عاشور: (وارتِدادُ الطَّرْفِ حقيقتُه: رُجوعُ تحديقِ العَينِ مِن جِهةٍ منظورةٍ تُحُوِّلَ عنها لحظةً). ((تفسير ابن عاشور)) (19/271). وقال البيضاوي: (الطَّرفُ: تحريكُ الأجفانِ للنظَّرِ، فوُضِع مَوضعَه، ولَمَّا كان الناظرُ يوصَفُ بإرسالِ الطَّرفِ... وُصِف بِرَدِّ الطَّرفِ، والطَّرْفُ بالارتدادِ، والمعنى: أنَّك تُرسِلُ طَرْفَك نحوَ شَيءٍ فقَبْلَ أن تَرُدَّه أُحضِرُ عرشَها بيْنَ يدَيْك، وهذا غايةٌ في الإِسراع، ومَثَلٌ فيه). ((تفسير البيضاوي)) (4/161). وقيل: الطَّرفُ: تحريكُ الأجفانِ وفتحُها للنَّظرِ إلى شَيءٍ، وارتدادُه: انضمامُها. وممَّن اختاره: أبو السعود، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/287)، ((تفسير الشوكاني)) (4/161). وقيل: قولُه: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ معناه: قبل أن يَنتهيَ إليك الذي وقَع عليه مُنتهى بصَرِك وهو جاءٍ إليك، وبعبارةٍ أخرى: قبْلَ أن يَصِلَ إليك مَن كان منك على مَدِّ بصَرِك. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: مقاتلُ بن سليمان، والسمرقندي، ومكِّي، وابن أبي زمنين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/307)، ((تفسير السمرقندي)) (2/583)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5433)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/302). قال ابن الجوزي: (وفي قولِه تعالى: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أربعةُ أقوالٍ؛ أحدُها: قبْلَ أن يأتيَك أقصى ما تنظُرُ إِليه، قاله سعيد بن جُبَير. والثاني: قبل أن ينتهيَ طَرْفُك إذا مدَدْتَه إلى مداه، قاله وَهْبٌ. والثَّالث: قبْلَ أن يَرتَدَّ طَرْفُك حسيرًا إذا أدمْتَ النَّظرَ، قاله مجاهد. والرَّابع: بمقدارِ ما تفتَحُ عَيْنَك ثمَّ تَطرِفُ، قاله الزَّجَّاجُ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/363). .
فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ.
أي: فأتى العرشُ بقُدرةِ اللهِ، فلمَّا رآه سُلَيمانُ ثابتًا ثُبوتًا حقيقيًّا بينَ يدَيه، قال: هذا التمَكُّنُ والمُلكُ والسُّلطانُ الذي أنا فيه حتى حُمِلَ إليَّ العَرشُ في قَدْرِ ارتدادِ الطَّرفِ- مِن عَطاءِ رَبِّي عليَّ؛ لِيَختبرَني أأشكُرُ نِعمَتَه، أم أكفُرُها فلا أشكُرُه [591] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/73، 74)، ((البسيط)) للواحدي (17/244، 245)، ((تفسير ابن عطية)) (4/261)، ((تفسير القرطبي)) (13/206)، ((تفسير ابن كثير)) (6/193)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/165)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 220). .
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.
أي: ومَن شَكَرَ نعمةَ اللهِ عليه فإنَّما ينفَعُ نَفسَه في دُنياه وآخِرتِه [592] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/75)، ((تفسير القرطبي)) (13/206)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). قال القرطبي: (لا يَرجِعُ نَفعُ ذلك إلَّا إلى نفْسِه؛ حيث استوجَبَ بشُكرِه تمامَ النِّعمةِ ودوامَها والمزيدَ منها). ((تفسير القرطبي)) (13/206). .
كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].
وقال سُبحانَه: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [الروم: 44، 45].
وقال عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت: 46].
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.
أي: ومن كَفَرَ نِعمةَ اللهِ عليه ولم يَشكُرْ، فإنَّ ربِّي غَنيٌّ عن شُكرِه، ولا حاجةَ به إليه، كريمٌ في نفسِه وإن لم يُعبَدْ، فعظَمتُه لا تفتَقِرُ إلى أحدٍ؛ ومُتفَضِّلٌ بإنعامِه على جميعِ خَلقِه حتَّى على مَن يكفُرُ به [593] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/75)، ((تفسير القرطبي)) (13/206)، ((تفسير ابن كثير)) (6/193)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/272). قال ابن عثيمين: (قولُه: كَرِيمٌ أي: أنَّه قد يُبقي النِّعمةَ على مَن كَفَرها؛ تكرُّمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استِدراجًا...؛ لِقَولِه تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: 178]، وقَولِه تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 182]. وقد يُبقي اللهُ تعالى النِّعَمَ مع الكُفرِ تربيةً، بحيث إنَّ الإنسانَ يفتَحُ الله عليه التأمُّلَ فيَخجَلُ مِن الله عزَّ وجلَّ أن يكونَ هو يبادِرُ اللهَ تعالى بالمعاصي، والله تبارك وتعالى يُدِرُّ عليه النِّعَمَ، فيرتدِعُ، وهذا هو ظاهِرُ قَولِه: كَرِيمٌ؛ لأنَّ الكرمَ في مقابِلِ الكُفرِ لا يكونُ إلَّا حيث يكونُ ذلك الكرمُ من مصلحةِ الكافرِ بها، وإلَّا ما ظهر آثارُ الكرمِ، بل ظهر آثارُ الحِكمةِ، لو قال: حكيمٌ، صار هذا يشمَلُ مَن تدرَّج اللهُ به حتى أهلَكَه، لكِنْ كريمٌ: ما يَتِمُّ الكرمُ للكافِرِ بالنعمةِ إلَّا حيث كان إبقاءُ النِّعمةِ عليه مصلحةً له لأجلِ أن يعودَ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النمل)) (ص: 223، 224). .
كما قال تعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 176].
وقال سُبحانَه: وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 8].
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.
أي: قال سُلَيمانُ: غيِّروا مَعالِمَ وهيئةَ عَرْشِ ملِكةِ سَبَأٍ؛ لِنَنظُرَ: أتعرِفُ أنَّه عَرشُها أم تكونُ مِن الذين لا يَعرِفون أنَّه هو [594] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/75، 76)، ((البسيط)) للواحدي (17/246، 247)، ((تفسير السمعاني)) (4/100)، ((تفسير الزمخشري)) (3/369)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/167)، ((البحر المديد)) لابن عجيبة (4/198). قال ابن جُزَي: (أَتَهْتَدِي يحتملُ أن يريدَ: تهتدي لمعرفةِ عرشِها، أو للجوابِ عنه إذا سُئلَتْ، أو للإيمانِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/102). وقال الرازي: (واختَلفوا في أَتَهْتَدِي على وجهَينِ؛ أحدهما: أتَعرِفُ أنَّه عرشُها أمْ لا؟ ... الثَّاني: أتَعرِفُ به نُبُوَّةَ سُلَيمانَ أمْ لا؛ ولذلك قال: أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ، وذلك كالذَّمِّ، ولا يليقُ إلَّا بطريقةِ الدَّلالةِ، فكأنَّه عليه السَّلامُ أحَبَّ أن تَنظُرَ فتَعرِفَ به نُبوَّتَه مِن حيثُ صار متنقلًا مِن المكانِ البعيدِ إلى هناك، وذلك يدُلُّ على قدرةِ الله تعالى، وعلى صِدقِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، ويَعرِف بذلك أيضًا فضلَ عقلِها؛ لأغراضٍ كانت له، فعندَ ذلك سألها). ((تفسير الرازي)) (24/558). ؟
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42).
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ.
أي: فلمَّا جاءت مَلِكةُ سَبَأٍ إلى سُلَيمانَ، ورأت عَرْشَها بعدَ تغييرِه، قيلَ لها [595] قال الشوكاني: (القائِلُ هو سُليمانُ، أو غيرُه بأمرِه). ((تفسير الشوكاني)) (4/163). وقال ابنُ عثيمين: (ولم يبيَّنْ؛ لأنَّ المقصودَ معنى هذا القولِ دونَ قائلِه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 233). : هل عرشُكِ الذي تركتِهِ في بلادِك مِثلُ هذا العَرشِ الذي رأيتِهِ [596] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/78)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194)، ((تفسير الشوكاني)) (4/163)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 233، 234). ؟!
قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.
أي: قالت مَلِكةُ سَبَأٍ: هذا العَرشُ يُشبِهُ جِدًّا عرشي الذي تركتُه في بلادي [597] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/78)، ((تفسير القرطبي)) (13/207)، ((الانتصاف فيما تضمنه الكشاف)) لابن المُنَيِّر (3/369)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). !
وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ.
أي: قال سُلَيمانُ: وآتانا اللهُ العِلمَ مِن قَبلِ ملِكةِ سَبَأٍ، وكنَّا طائِعين ومُنقادِين له سُبحانَه [598] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/78)، ((تفسير السمرقندي)) (2/584)، ((تفسير السمعاني)) (4/101)، ((تفسير الزمخشري)) (3/369)، ((تفسير ابن جزي)) (2/103)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 235). قيل: قائلُ ذلك هو سليمانُ عليه السَّلامُ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابن جرير، والسمرقندي، والسمعاني، والزمخشري، وابن جزي، وابن كثير، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. وذهب إليه أيضًا مقاتلُ بنُ سليمان، يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/308). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: مجاهدٌ، وزهيرُ بنُ محمد. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2892)، ((تفسير ابن جرير)) (18/79).      قيل: المرادُ بالعلمِ هنا: العِلمُ بالله وبقدرتِه على فِعلِ ما يَشاءُ. وممَّن قال بذلك في الجملة: ابنُ جرير، ومكي، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/78)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5435)، ((تفسير الشوكاني)) (4/163)، ((تفسير القاسمي)) (7/493). وقيل: المعنى: علِمْنَا حالَها وأمْرَها وحالَ عَرشِها قبل أن تعلَمَ. وممَّن قال بذلك: السمعاني. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (4/101). وقيل: العِلمُ هنا: يشمَلُ العلمَ الشرعيَّ، ويشمَلُ العلمَ بقواعدِ المُلكِ ومثَبِّتاتِه، وما أشبَهَ ذلك. وممَّن قال بذلك: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 235). وقال ابن عاشور: (معنى: مِنْ قَبْلِهَا إنْ حُمِلَ على ظاهِرِه أنَّ قَومَهم بني إسرائيلَ كانوا أسبَقَ في معرفةِ الحِكمةِ وحضارةِ المُلكِ مِن أهلِ سبأٍ؛ لأنَّ الحِكمةَ ظهَرت في بني إسرائيلَ مِن عَهدِ موسى؛ فقد سَنَّ لهم الشريعةَ، وأقام لهم نظامَ الجماعةِ، وعَلَّمَهم أسلوبَ الحضارةِ بتَخطيطِ رُسومِ مَساكِنِهم وملابِسِهم، ونظامِ الجَيشِ والحَربِ، والمواسِمِ والمحافِلِ. ثم أخذَ ذلك يرتقي إلى أن بلغَ غايةً بعيدةً في مُدَّةِ سُلَيمان- فبهذا الاعتبارِ كان بنو إسرائيلَ أسبَقَ إلى علمِ الحِكمةِ قَبلَ أهلِ سبأٍ؛ وإن أريدَ بـ مِنْ قَبْلِهَا القبليَّةُ الاعتباريَّةُ، وهي الفَضلُ والتفوُّقُ في المزايا -وهو الأليقُ بالمعنى- كان المعنى: إنَّا أوسَعُ وأقوى منها عِلمًا... فكان الأرجَحُ أن يكونَ معنى مِنْ قَبْلِهَا أنَّا فائتونَها في العِلمِ، وبالِغون ما لم تبلُغْه. وزادوا في إظهارِ فَضلِهم عليها بذِكرِ الناحيةِ الدينيةِ، أي: وَكُنَّا مُسْلِمِينَ دونَها). ((تفسير ابن عاشور)) (19/274). وذهب الواحدي، وأبو السعود، وجوَّزه الزمخشري، وذكره السعدي احتِمالًا: إلى أن هذا من قَولِ الملِكة، أي: قالت: وأُوتينا العِلمَ بالله وقُدرتِه وصِحَّةِ نبوَّةِ سليمانَ مِن قبْلِ هذه الآيةِ التي رأيْناها في إحضارِ العَرشِ، وكنَّا مُنقادينَ له قبلَ مجيئِنا. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 804)، ((تفسير أبي السعود)) (6/288)، ((تفسير الزمخشري)) (3/369، 370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). وجوَّز ابنُ عاشور أنَّ هذا مِن قولِ الملأِ مِن بني إسرائيلَ مِن قَومِ سُليمانَ، أي: قال بعضُهم لبعضٍ: أُوتينا العِلمَ والحِكمةَ من قبْلِ أهلِ سبأٍ بما هو أكثَرُ مِمَّا أُوتوا، وكنَّا مُسلمينَ لله دونهم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/273، 274). وذهب الزمخشريُّ وابن جُزَي إلى أنَّ هذا مِن كلامِ سليمان وملَئِه. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/369)، ((تفسير ابن جزي)) (2/103). .
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43).
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
أي: ومنَع ملِكةَ سَبَأٍ عن الإسلامِ عبادتُها الشَّمسَ مِن دونِ اللهِ [599] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/79)، ((تفسير السمرقندي)) (2/584)، ((تفسير البغوي)) (3/507)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). قال ابن جرير: (ولو قيل: معنى ذلك: وصدَّها سليمانُ ما كانت تعبدُ من دون الله، بمعنى: منَعها وحال بيْنَها وبيْنَه؛ كان وجهًا حسنًا. ولو قيل أيضًا: وصدَّها اللهُ ذلك بتوفيقِها للإسلامِ؛ كان أيضًا وجهًا صحيحًا). ((تفسير ابن جرير)) (18/80). !
إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ.
أي: لأنَّها كانت مِن قَومٍ راسِخينَ في الكُفرِ باللهِ، فنشَأتْ بينَهم على الشِّركِ بالله سبحانَه، وقلَّدَتْهم في دينِهم [600] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/80)، ((تفسير الشوكاني)) (4/163)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 237، 238). قال أبو السعود: (أي: أنَّها كانت من قومٍ راسخين في الكُفرِ؛ ولذلك لم تكُنْ قادرةً على إظهارِ إسلامِها وهي بيْنَ ظهرانَيْهم إلى أن دخَلَت تحتَ مملكةِ سُليمانَ عليه السَّلامُ). ((تفسير أبي السعود)) (6/288). .
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44).
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ.
أي: قيل لِملِكةِ سَبَأٍ: ادخُلي هذا البِناءَ المُرتَفِعَ [601] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/122)، ((معاني القرآن)) للنحاس (5/138)، ((غرائب التفسير)) للكرماني (2/852)، ((تفسير ابن كثير)) (6/194، 197)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). .
فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا.
أي: فلمَّا رأَتْه الملِكةُ -وهو مبنيٌّ بالزُّجاجِ وتحتَه ماءٌ- حَسِبَتْه ماءً، وأظهَرَت ساقَيها حتى تخوضَ في الماءِ مِن غيرِ أن تبتلَّ ثيابُها [602] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/83)، ((غرائب التفسير)) للكرماني (2/852)، ((تفسير ابن جزي)) (2/103)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/276). .
قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ.
أي: قال سُلَيمانُ لها: هذا الذي حَسِبْتِه لجَّةً إنَّما هو بناءٌ مملَّسٌ مبنيٌّ من زُجاجٍ [603] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/84)، ((تفسير السمرقندي)) (2/585)، ((تفسير ابن جزي)) (2/103)، ((تفسير ابن كثير)) (6/197)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 606). .
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي.
أي: قالت ملِكةُ سبأٍ: ربِّ إنِّي ظَلَمتُ نفسي بعبادةِ غَيرِك، والسُّجودِ للشَّمسِ مِن دونِك [604] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/85)، ((تفسير ابن كثير)) (6/197)، ((تفسير السعدي)) (ص: 606). قال ابنُ عاشور: (بهَرَها ما رأتْ مِن آياتٍ عَلِمَت منها أنَّ سُلَيمانَ صادِقٌ فيما دعاها إليه، وأنَّه مؤيَّدٌ من الله تعالى، وعلِمَتْ أنَّ دينَها ودينَ قَومِها باطِلٌ، فاعترفت بأنها ظَلَمَت نفسَها في اتِّباعِ الضَّلالِ بعبادةِ الشَّمسِ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/276). .
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أي: وأذعنتُ وانقدْتُ واستسلمْتُ مع سُلَيمانَ، طائعةً لله تعالى، متابِعةً لسُلَيمانَ ومُقتَدِيةً به في عبادةِ اللهِ وَحدَه لا شريكَ له، خالِقِ كُلِّ شَيءٍ ومالِكِه ومدبِّرِه [605] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/85)، ((تفسير الماوردي)) (4/217)، ((تفسير ابن كثير)) (6/197)، ((تفسير أبي السعود)) (6/289). قال ابن عاشور: (سكت القرآنُ عن بقيَّةِ خَبَرِها ورجوعِها إلى بلادِها، وللقصَّاصينَ أخبارٌ لا تصِحُّ... ولا أصلَ لِما يذكُرُه القصَّاصون وبعضُ المفسِّرينَ مِن أنَّ سُليمانَ تزوَّج بِلْقيسَ، ولا أنَّ له ولدًا منها). ((تفسير ابن عاشور)) (19/277). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ أنَّه يجوزُ للإنسانِ أنْ يَصِفَ نفْسَه بما اتَّصفَ به مِن صفاتِ الكمالِ؛ ترغيبًا، كقَولِه: وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ أو ترهيبًا، كقَولِه: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا بشَرطِ أنْ يكونَ ذلك حقيقةً، والأصلُ في ذلك أنَّه مباحٌ، والمباحُ تعتريه الأحكامُ الخَمسةُ؛ فقد يكونُ مَطلوبًا إمَّا وجوبًا وإما استِحبابًا إذا اقتَضَت الحالُ البيانَ؛ كأن يكونَ مِن أجلِ أن يمنَعَ مَن ليس بأهلٍ مِن مباشرةِ هذا العمَلِ، فحينئذٍ يجِبُ أن يبَيِّنَ نفسَه، أو يكونَ مِن بابِ التحَدُّثِ بنِعمةِ الله؛ وقد يكونُ مَذمومًا كأن يكونَ لغَرضٍ سَيِّئٍ، أو يكونَ مجَرَّدَ دعوى [606] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 208). .
2- أنَّ كلَّ وِلايةٍ وعَمَلٍ لا بُدَّ فيه مِن ركنينِ: القوَّةِ والأمانةِ: القُوَّةِ على ذلك العملِ، والأمانةِ فيه؛ فالعملُ الذي يَتطلَّبُ العلمَ لابُدَّ أنْ يكونَ المتولِّي له عالِمًا، والذي يعتَمِدُ قوةَ البدنِ لا بُدَّ أنْ يكونَ متولِّيه قويَّ البدنِ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ أمينًا؛ لأنَّ مَن ليس بأمينٍ لا يمكنُ أنْ يُنفِّذَ العملَ على الوجهِ المَرْضيِّ، ويدلُّ على هذينِ الركنينِ قولُ العفريتِ مِن الجِنِّ لسليمانَ عليه السلامُ لَمَّا قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [607] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/271). .
3- قال الله تعالى: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ في قَولِه: عِلْمٌ تنبيهٌ على أنَّه اقتدرَ على ذلك بقوَّةِ العلمِ؛ لِيفيدَ ذلك تَعظيمَ العلمِ والحثَّ على تعَلُّمِه، وبَيَّن أنَّ هذا الفَضلَ إنَّما هو للعِلمِ الشَّرعيِّ، فقال: مِنَ الْكِتَابِ [608] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/164). .
4- قال الله تعالى: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ لم يغترَّ عليه السَّلامُ بمُلكِه وسُلطانِه وقُدرتِه كما هو دأبُ الملوكِ الجاهلينَ، بل عَلِمَ أنَّ ذلك اختبارٌ مِن رَبِّه، فخاف ألَّا يقومَ بشُكرِ هذه النِّعمةِ [609] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 605). . فـلم يَشتغِلْ سليمانُ حين أُحضِرَ له العَرشُ بأن يبتهِجَ بسُلطانِه ولا بمقدرةِ رِجالِه، ولكِنَّه انصَرَف إلى شُكرِ الله تعالى على ما منَحَه من فضلٍ، وأعطاه مِن جُندٍ مُسخَّرين بالعِلمِ والقوَّةِ، فمزايا جميعِهم وفَضلُهم راجِعٌ إلى تفضيلِه [610] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/272). .
5- منفعةُ الشُّكرِ تَرجِعُ إلى العبدِ في الدُّنيا والآخِرة، لا إلى اللهِ. والعبدُ هو الذي ينتَفِعُ بشُكرِه، كما قال تعالى:   وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل: 40]، فشُكرُ العبدِ إحسانٌ منه إلى نفسِه في الدُّنيا والآخِرة؛ فلا يُذَمُّ ما أتَى به مِن ذلك، وإن كان لا يُحسِنُ مُقابَلةَ المُنعَمِ به، ولا يستطيعُ شُكرَه، فإنَّه إنما هو مُحسِنٌ إلى نفسِه بالشُّكرِ، لا أنَّه مُكافئٌ به لنِعَمِ الرَّبِّ، فالربُّ تعالى لا يستطيعُ أحدٌ أن يكافئَ نِعَمَه أبدًا، ولا أقَلَّها، ولا أدنَى نعمةٍ مِن نِعَمِه؛ فإنَّه تعالى هو المنعِمُ المتفَضِّلُ، الخالِقُ للشُّكرِ والشَّاكِرِ وما يَشكُرُ عليه، فلا يستطيعُ أحدٌ أن يحصِيَ ثناءً عليه؛ فإنه هو المحسنُ إلى عَبدِه بنِعَمِه، وأحسَنَ إليه بأن أوزَعَه شُكْرَها؛ فشُكرُه نِعمةٌ مِن اللهِ أنعم بها عليه، تحتاجُ إلى شكرٍ آخَرَ. وهلُمَّ جرًّا [611] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/241). .
6- قَولُ الله تعالى حِكايةً عن سُلَيمانَ: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ فيه أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يتحَدَّثَ بنعمةِ اللهِ تعالى عليه [612] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 236). .
7- في قَولِه تعالى:   إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ أنَّ البيئةَ لها تأثيرٌ؛ فهؤلاء القومُ أثَّروا عليها فصارتْ كافرةً تعبدُ مع اللهِ غيرَه [613] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 239). .
8- قولُه تعالى: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ فيه التَّحذيرُ مِن مُصاحبةِ الأشرارِ؛ حتى لو كانوا مِن أقارِبِك، فلا ينبغي أنْ تصاحِبَهم، وإذا كان لهم حقٌّ عليك بالقرابةِ فأعطِهم حقَّهم الذي لهم، ولكنْ لا تكُنْ مخالِطًا لهم ومُصاحِبًا لهم؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((المرءُ على دِينِ خليلِه؛ فلْينظرْ أحدُكم مَن يُخالِلُ )) [614] رواه أبو داود (4833)، والتِّرمذي (2378)، وأحمد (8417)، والحاكم (4/188) (7319)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. صححه الحاكم، وحسَّنه ابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (151)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4833)، وصحَّح إسناده النَّووي ((رياض الصالحين)) (177). ، وهذا شيءٌ واقعٌ يَشهدُ له التاريخُ السابقُ والحديثُ [615] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 239). .
9- قَولُه تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فيه فضلُ الاعتِرافِ بالذُّنوبِ، لعَلَّامِ الغُيوبِ، وهو استِكانةٌ موجِبةٌ لعطفِه ولُطفِه، بغَفْرِ الذُّنوبِ وسَترِ العُيوبِ، وهذا دأبُ المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِ الله؛ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص: 16]، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 87، 88]، وعلَّمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضيَ الله عنه دعاءً يدعو به في صلاتِه، قال: ((قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظلَمتُ نفْسي ظُلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنت، فاغفِرْ لي مغفرةً مِن عِندِكَ، وارحَمْني؛ إنَّك أنت الغفورُ الرَّحيمُ )) [616] رواه البخاري (834، 6326، 7387)، ومسلم (2705) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ لعائشةَ رضيَ الله عنها: ((إنَّ العبدَ إذا اعترَفَ بذَنْبِه، ثمَّ تاب؛ تاب اللهُ عليه)) [617] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 267). والحديث رواه البخاري (2661)، ومسلم (2770) من حديث عائشة رضي الله عنها. .
10- مَكانُ العِبرةِ مِن هذه القصَّةِ: الاتِّعاظُ بحالِ هذه الملِكةِ؛ إذ لم يَصُدَّها عُلوُّ شأْنِها وعَظَمةُ سُلطانِها -مع ما أُوتِيَتْه مِن سَلامةِ الفِطرةِ وذَكاءِ العقلِ- عن أنْ تَنظُرَ في دَلائلِ صِدْقِ الدَّاعي إلى التَّوحيدِ، وتُوقِنَ بفَسادِ الشِّركِ، وتَعترِفَ بالوَحدانيَّةِ للهِ، فما يكونُ إصرارُ المُشركينَ على شِرْكِهم بعدَ أنْ جاءهُم الهَدْيُ الإسلاميُّ إلَّا لِسَخافةِ أحلامِهم، أو لِعَمايتِهم عن الحقِّ، وتَمسُّكِهم بالباطلِ وتصَلُّبِهم فيه [618] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/277). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا دَليلٌ على جوازِ الاستعانةِ ببَعضِ الأتْباعِ في مقاصِدِ الملوكِ [619] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/239). .
2- جوازُ الخطابِ إلى المُبْهَمِ إذا كان يَتعيَّنُ بعدَ ذلك، يعني: يجوزُ الخطابُ إلى المُبهَمِ حُكمًا أو خَبرًا قبلَ أن يَتعيَّنَ الحُكمُ؛ لقولِه: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ما قال: ائتِني يا فلانُ. وهذا النوعُ مِن الخطابِ تترتبُ عليه فوائدُ كثيرةٌ حُكميَّةٌ وخَبَريَّةٌ؛ فمنها مثلًا: يجوزُ أنْ يقولَ: زوَّجْتُك إحدى ابنتيَّ هاتين، ثم يختار إحداهما، مِثلَما فَعَل صاحِبُ مَديَنَ مع موسى، ومنها: أنَّه يجوزُ أنْ يقولَ: بِعْتُك إحدى هاتينِ السِّلعتَينِ بكذا، فيختار إحداهما، ومنها: بِعتُك هذا بعشرةٍ نقدًا أو بعشرينَ نسيئةً، فيختارُ أحدَ الثمنين [620] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 204). .
3- في قَولِه تعالى: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا دليلٌ على أنَّه قد يُخَصُّ بعضُ أتْباعِ الأنبياءِ بشيءٍ لا يكونُ لغيرِهم [621] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/239). .
4- في قَولِه تعالى: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أنَّه يجوزُ للإنسانِ أمامَ عدوِّه أنْ يُظهِرَ العَظَمةَ؛ لأنَّ سُلَيمانَ أراد بإحضارِ هذا العرشِ إظهارَ عظمتِه وقُدرتِه، وأنَّه استطاع أنْ يأتيَ بعَرشِها المُحَصَّنِ بلا شكٍّ؛ لأنَّه -كما جرتِ العادةُ- قصورُ الملوكِ لا بُدَّ أنْ تكونَ مُحَصَّنَةٌ وعليها حَرَسٌ، لا سيما مِثلُ العرشِ [622] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 205). !
5- في تَقديمِ القُوَّةِ على الأمانةِ في قَولِه تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ دَليلٌ على أنَّها أهمُّ مِن الأمانةِ؛ لأنَّه كم مِن إنسانٍ أمينٍ ولا يُخشى منه الخِيانةُ أبدًا، لكِنَّه ضَعيفٌ لا يُنتِجُ ولا يُثمِرُ! وكم مِن إنسان قويٍّ في أداءِ عملِه، لكنه ضعيفٌ في أمانتِه، فالثاني أحسنُ لإقامةِ العَمَلِ؛ ولهذا تجدُ كثيرًا مِن الناسِ الذين لديهم قوةٌ وحَزمٌ وتصرُّفٌ، تجدُهم يُنتِجون مِن الأعمالِ أكثرَ بكثيرٍ مِن قَومٍ ضُعَفاءَ وعندَهم أمانةٌ [623] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/259). .
6- في قَولِ الله تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قوةُ الجِنِّ؛ لأنَّه سوف يأتي بهذا العرشِ العظيمِ يحمِلُه مِن سبأٍ مِن اليمنِ إلى الشامِ، وأيضًا فيه دليلٌ على سرعتِهم، وهي مِن أوصافِ القوةِ؛ لِقَولِه: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وهذه سرعةٌ فائقةٌ وعظيمةٌ، ومعلومٌ أنهم عندهم سرعةٌ عظيمةٌ، بدليلِ أنهم يَسترِقُونَ السمعَ مِن السماءِ، ولا يصلُ إلى السماءِ إلَّا مَن كان عنده سُرعةٌ هائلةٌ عظيمةٌ [624] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 208). فالآية فيها قدرةُ الجِنِّ -بإقدارِ اللهِ- على ما يَبعُدُ فِعلُه مِن الإنسِ [625] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/239). .
7- قَولُه: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ فيه أنَّ سُلَيمانَ عليه الصلاةُ والسلامُ قد رَتَّبَ شؤونَ حياتِه ورَتَّبَ أوقاتَه حتى أصبحتْ معلومةً للناسِ، فلا شكَّ أن قيامَه مِن مقامِه مُقَدَّرٌ بمدةٍ معلومةٍ، ولولا ذلك ما قيل مثلُ هذا الكلامِ، وما كان لذكرِه فائدةٌ [626] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 212). .
8- في قَولِه تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ إلى قَولِه سُبحانَه: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ هذه المناظرةُ بينَ العفريتِ مِن الجِنِّ والذي عنده علمٌ مِن الكتابِ تَرمُزُ إلى أنَّه يتأتى بالحِكمةِ والعِلمِ ما لا يتأتَّى بالقوَّةِ، وأنَّ الحِكمةَ مكتَسَبةٌ [627] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/271). .
9- في قَولِه تعالى: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ دَلالةٌ على أنَّ الكراماتِ امتِحانٌ وابتلاءٌ -كالمُلْكِ والسُّلطانِ والمالِ- فالنِّعَمُ ابتلاءٌ مِن اللهِ وامتحانٌ يَظهَرُ بها شُكرُ الشَّكورِ وكُفرُ الكَفورِ [628] يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 155). .
10- في قَولِه: لِيَبْلُوَنِي إثباتُ التَّعليلِ لأحكامِ اللهِ سبحانه وتعالى الكونيَّةِ، كما ثَبَتَ ذلك في الأحكامِ الشرعيَّةِ؛ يؤخَذُ مِن (اللام) لأنَّها للتَّعليلِ، ويَتَفَرَّعُ على هذه الفائدةِ: الرَّدُّ على الجهميَّةِ الذين يقولون: إنَّ فِعْلَ اللهِ تعالى ليس مُعَلَّلًا، إنما يَفْعَلُ لمجرَّدِ المشيئةِ؛ إذا شاء فَعَلَ لحكمةٍ ولغيرِ حكمةٍ [629] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 227). !
11- قولُه تعالى حِكايةً عن سليمانَ: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ فيه اختبارُ المرءِ بما يُظْهِرُ حقيقةَ أمْرِه [630] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 227). .
12- في قَولِه: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ أنَّه يجوز اختبارُ الإنسانِ وإنْ كان المختبِرُ يعلمُ مآلَه، وبالنسبةِ للهِ فهذا أمرٌ واقعٌ، لكنْ بالنسبةِ للإنسانِ فهذا يُنظَرُ فيه إلى المصلحةِ، قد يكونُ مُحَرَّمًا كما لو أردتَ أنْ تُظهِرَ ضَعفَه أمامَ الناسِ وتُخجِّلَه، وقد يكونُ واجبًا كما لو كان إنسانًا داعيةً إلى ضَلالةٍ وأردتَ أنْ تختبرَه لِيتبيَّنَ أمرُه للنَّاسِ، وأنت تعرفُ أنه ليس عنده جوابٌ لِمَا اختبرْتَه به، لكنْ تريدُ أنْ تُظْهِرَ للناسِ أمْرَه؛ فهو بالنسبةِ للهِ سبحانه وتعالى ممدوحٌ كلُّه؛ لأنَّ اللهَ يَعْلَمُ المآلَ، لكنْ بالنسبةِ للإنسانِ فاختبارُه عمَّا يُعْلَمُ مآلُه: على حسبِ المصلحةِ والفائدةِ [631] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 228). .
13- قال الله تعالى: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ قد يُقالُ: أليس اللهُ تعالى يعلَمُ بما يَؤولُ إليه الأمرُ؟ إذن: ما فائِدةُ الاختبارِ وهو يَعلَمُ؟
الجوابُ: ليترتَّبَ الجزاءُ على ظاهِرِ الحالِ؛ لأنَّ الله لو جازى الإنسانَ على ما يَعلَمُ مِن حالِه قبل أن يبلُوَه، لكان ذلك ظُلمًا في ظاهِرِ الحالِ، فإذا ابتلاه فأطاع أو عصاه تبيَّن الأمرُ، فتكونُ الفائدةُ عَظيمةً، وهي ظهورُ أثَرِ هذا الشَّيءِ للنَّاسِ، وأنَّه ليس بظُلمٍ مِن الله تعالى إذا خالف، وأيضًا ظهورُ نعمةِ الله على العبدِ العامِلِ إذا أطاع حيث يشكُرُ اللهُ سَعيَه. فالحاصِلُ: أنَّ الابتلاءَ بمِثلِ هذه الأمورِ فائدتُه: أن يَجرِيَ الجزاءُ على ظاهرِ الحالِ، لا على عِلمِ الله [632] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 228). ، وإذا كان اللهُ سبحانه وتعالى -وهو أحكمُ الحاكمين- لا يَحْكُمُ بمجردِ العلمِ حتَّى تظهرَ الآثارُ؛ فالقاضي مِن بابِ أَولى، ولهذا ذَكَر أهلُ العلمِ أنه لا يجوزُ للقاضي أنْ يحكمُ بعِلْمِه؛ لقول النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنما أقضي بنحوٍ مما أسمعُ)) [633] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 229). والحديث أخرجه البخاري (6967)، ومسلم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. .
14- قولُه: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ فيه الرَّدُّ على الجَبْريةِ؛ لأنَّه أضافَ الشُّكرَ إلى نفْسِه [634] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 230). .
15- في قَولِه: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بيانُ أنَّ عَمَلَ الإنسانِ يعودُ نفعُهُ عليه، وأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الخَلْقِ [635] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (1/214). .
16- أنَّ الشَّاكرَ يُثابُ؛ لِقَولِه: فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ولم يَقُلْ: (عن نفْسِه)، فدلَّ ذلك على أنَّ للشاكرِ ثوابًا يُجازى به، وهو كذلك [636] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 229). .
17- قولُه: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا فيه امتحانُ الغيرِ بما يُعْرَفُ به ذكاؤه وفِطنتُه [637] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 231). ، واختبارُ الأفهامِ للمصالحِ جائزٌ؛ كاختِبارِ فَهْمِ اليتيمِ لحِفظِ مالِه والقيامِ بمصالِحه؛ فإنَّه وسيلةٌ إلى دفْعِ مالِه إليه، قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [638] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 278). [النساء: 6].
18- قَولُه: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا في هذا الامتحانِ إشارةٌ إلى أنها إذا كانت تعرِفُ عرْشَها مع تغييرِه، وتنكيرِه، فإنه لا شكَّ أنَّ مَعرفتَها بأنَّ اللهَ تعالى هو المستحِقُّ للعبادةِ مِن بابِ أَولى، فهذا وجهٌ مِن أوجهِ الاختبارِ في هذه القصَّةِ [639] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 231). .
19- في قَوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ التوريةُ في الكلامِ؛ وهو أنْ يُظْهِرَ الإنسانُ شيئًا غيرَ ما يريدُ؛ فإنَّ قولَهم: أَهَكَذَا توريةٌ، لأنَّ حقيقةَ الأمرِ أنَّ العرشَ الذي بين أيديهم هو عرْشُها، فكان مقتضى الاستفهامِ أنْ يقولوا: (أهذا عرْشُك؟) لكنْ أَتوا بصيغةِ التوريةِ لإبعادِ الأمرِ، لأنَّ كونَه عرْشَها قد تتسرعُ وتقولُ: لا؛ لأنها تستبعدُ أنْ يكونَ العرشُ قد حَضَرَ في هذه المدةِ وعليه الحرسُ وعليه المغاليقُ! فقيل لها: أَهَكَذَا عَرْشُكِ [640] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 236). .
20- قال الله تعالى: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ المذاهِبُ الفاسِدةُ والعقائدُ الباطلةُ تُسيطِرُ على عَقلِ العاقِلِ، وتُذهِبُ لُبَّ اللَّبيبِ وبصيرةَ قَلبِه حتى يُقَيَّضَ له من الأسبابِ المباركةِ ما يبيِّنُ له الحَقَّ، ويمُنُّ عليه باتِّباعِه، وإلَّا فقد كان لها مِن الذَّكاءِ والفِطنةِ ما به تَعرِفُ الحَقَّ مِن الباطِلِ [641] يُنظر: ((تيسير اللطيف المنان)) للسعدي (1/246)، ((تفسير السعدي)) (ص: 605). .
21- ما يُدْرَكُ بالحواسِّ قد يَقَعُ فيه الخطأُ، والرؤيةُ قد تكذِبُ؛ لقوله: حَسِبَتْهُ لُجَّةً؛ فإنَّ هذا -كما هو الواقعُ- صَرْحٌ ممرَّدٌ مِن قواريرَ، وتنظرُ إليه نَظَرَ العينِ ومع ذلك تحسبُه لُجَّةً! فدلَّ هذا على أنَّ ما يُدْرَكُ بالحواسِّ قد يَقَعُ فيه الخطأُ، قد يرى الإنسانُ الشيءَ المتحرِّكَ ساكنًا؛ والساكنَ متحرِّكًا، والأبيضَ أسودَ، والرجلَ امرأةً [642] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 248). !
22- أنَّ المرأةَ مِن قديمِ الزمانِ شيمَتُها التستُّرُ؛ لأنَّ قولَه: وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا دليلٌ على أنَّ الأصلَ أنَّها مَستورةٌ، وهو كذلك، بخلافِ الرجُلِ؛ فإنَّ ((إِزْرة المسلمِ إلى نصفِ السَّاقِ)) [643] أخرجه أبو داود (4093) واللَّفظُ له، والنَّسائي في ((السنن الكبرى)) (9717)، وابنُ ماجه (3573)، وأحمد (11397)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. صحَّحه ابنُ دقيق العيد في ((الاقتراح)) (116)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (4093)، وصَحَّح إسنادَه النووي في ((المجموع)) (4/457). ، أما في هذا العصر فقد أصبحَ الأمرُ بالعَكسِ عندَ كثيرٍ مِن المسلمينَ، فأصبحَ الرجالُ ثيابُهم مُسبَلَةٌ، والنِّساءُ ثيابهنُّ قصيرةٌ، وهذا خلافُ الفِطرةِ التي فَطَرَ اللهُ عليها الخلْقَ [644] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 248). !
23- في قَولِه تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قد يَهَبُ المرءَ ما يُوجِبُ له أنْ يُسلِمَ، بل قد يُيَسِّرُ له الأسبابَ التي تُوجِبُ إسلامَه بكلِّ سهولةٍ؛ فهذه المرأةُ -حسبَ القصةِ- ما وجدنا أنها دُعِيَتْ وأُكِّدَ عليها وبُيِّنَ لها الخطأُ إلَّا في قَولِه في أوَّلِ القصَّةِ: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 31]، لكنْ لَمَّا شاهدتْ ما شاهدتْ مِن عظمةِ مُلْكِ سليمانَ وقوَّتِه، عرَفَتْ أنَّه لا بُدَّ أنْ تُسلِمَ، وهي تتذكرُ كتابَه الذي قال فيه: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [645] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 249). .
24- في قَولِه تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دَلالةٌ على أنَّ دينَ الأنبياءِ كلِّهم الإسلامُ [646] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/265). .
25- في قَولِه تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أنَّ المعاصيَ ظلمٌ للنَّفْسِ، ووجهُ ذلك أنَّ الإنسانَ مؤتمَنٌ على نفْسِه؛ مِن حيثُ السلوكُ والسِّيرةُ، ومِن حيثُ التَّصرُّفُ في مالِه، ومِن حيثُ التَّصرُّفُ في بدَنِه؛ ولهذا نُهيَ عن إضاعةِ المالِ، ونُهيَ عن قتْلِ النَّفْسِ؛ قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29]، وقال تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]، وأُمِرَ بالأكلِ وبالشُّربِ وباللِّباسِ، وبالوقايةِ مِن الحَرِّ والوقايةِ مِن البرْدِ، كلُّ هذا مِن أجلِ حفْظِ النَّفْسِ التي هي أمانةٌ عندك؛ فالإنسانُ ليس حُرًّا يتصَرَّفُ كما يشاءُ في بدَنِه، أو في سُلوكِه، أو في مالِه، بل هو مُقَيَّدٌ [647] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 250). .
26- قولُه تعالى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اعتَرَفَتْ بأنَّها ظلَمَتْ نفْسَها في اتِّباعِ الضَّلالِ بعِبادةِ الشَّمسِ، وهذا دَرجةٌ أُولى في الاعتقادِ، وهو دَرجةُ التَّخليةِ، ثمَّ صَعِدَت إلى الدَّرجةِ الَّتي فوقَها، وهي درجةُ التَّحلِّي بالإيمانِ الحقِّ، فقالت: (أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فاعتَرَفَتْ بأنَّ اللهَ هو ربُّ جميعِ الموجوداتِ، وهذا مقامُ التَّوحيدِ، وفي قولِها: مَعَ سُلَيْمَانَ إيمانٌ بالدِّينِ الَّذي تَقلَّدَهُ سُليمانُ، وقد أرادتْ جمْعَ معاني الدِّينِ في هذه الكلمةِ؛ لِيَكونَ تَفصيلُها فيما تَتلقَّاهُ مِن سُليمانَ مِن الشَّرائعِ والأحكامِ [648] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/276، 277). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ لذِكْرِ بعضِ أجزاءِ القصَّةِ، وطُوِيَ خبَرُ رُجوعِ الرُّسلِ والهديَّةِ، وعَلِمَ سُليمانُ أنَّ ملِكةَ سبَأٍ لا يَسَعُها إلَّا طاعتُه ومَجيئُها إليه، أو ورَدَ له منها أنَّها عزَمَتْ على الحضورِ عندهُ عمَلًا بقولِه: وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 31] [649] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/270). ؛ ففي الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه: فرَجعَ المُرسَلُ إليها بالهديَّةِ، وأخبَرَها بما أقسَمَ عليه سُليمانُ، فتَجهَّزَت للمسيرِ إليه؛ إذ عَلِمَت أنَّه نَبِيٌّ، ولا طاقةَ لها بقتالِ نَبِيٍّ [650] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/238). .
- وتَقْييدُ الإتيانِ به بقولِه: قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ؛ لِمَا أنَّ ذلكَ أبدعُ وأغربُ وأبعدُ مِن الوقوعِ عادةً، وأدلُّ على عَظيمِ قُدرةِ اللهِ تعالى، وصِحَّةِ نُبوَّتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ولِيَكونَ اختبارُها وإطْلاعُها على بَدائعِ المُعجزاتِ في أوَّلِ مَجيئِها [651] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/286). .
2- قوله تعالى: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
- وجُملةُ قَالَ عِفْريتٌ واقعةٌ مَوقِعَ جوابِ المُحاورةِ؛ ففُصِلَت -أي: لم تُعطَفْ على ما قبْلَها- على أُسلوبِ المُحاوَراتِ [652] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/270). .
- قولُه: عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ لمَّا كان العِفريتُ قد يُوصَفُ به الإنسُ، خُصَّ هنا بقولِه: مِنَ الْجِنِّ [653] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/239). .
3- قوله تعالى: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
- جُملةُ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ... واقعةٌ مَوقِعَ جوابِ المُحاوَرةِ؛ ففُصِلَت -أي: لم تُعطَفْ على ما قبْلَها- على أُسلوبِ المُحاوَراتِ [654] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/270). ، أيضًا فُصِلَ عمَّا قبْلَه؛ للإيذانِ بما بيْنَ القائلينِ ومَقالَيْهما، وكيْفيَّتيْ قُدرتِهما على الإتيانِ به مِن كَمالِ التَّبايُنِ. أو لإسقاطِ الأوَّلِ عن دَرجةِ الاعتبارِ [655] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/286، 287). .
- وتَنكيرُ عِلْمٌ؛ للتَّفخيمِ [656] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/287). .
- قولُه: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ الطَّرْفُ: تَحريكُ الأجفانِ وفتْحُها للنَّظرِ إلى شَيءٍ، وارتدادُه: انضمامُها -على قولٍ في التفسيرِ-، ولكونِه أمرًا طبيعيًّا غيرَ مَنوطٍ بالقصْدِ، أُوثِرَ (الارتدادُ) على الرَّدِّ؛ فقال: يَرْتَدَّ، ولم يقُل: (يُرَدَّ). ولَمَّا لم يكُنْ بيْن هذا الوعدِ وإنجازِه مُدَّةٌ ما كما في وَعْدِ العِفْريتِ، اسْتُغْنِيَ عن التَّأكيدِ؛ فلم يُؤكِّدْه هنا بقولِه: وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، كما ذكَرَ العِفريتُ في وَعْدِه [657] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/287). .
- قولُه: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ طُوِيَ عندَ الحِكايةِ ذِكرُ الإتيانِ به؛ للإيذانِ بأنَّه أمرٌ مُتحقِّقٌ، غَنِيٌّ عنِ الإخبارِ بهِ، وجِيءَ بالفاءِ الفصيحةِ، لا داخلةٌ على جُملةٍ مَعطوفةٍ على جُملةٍ مُقدَّرةٍ دالَّةٍ على تَحقُّقِه فقطْ، كما في قولِه عَزَّ وجلَّ: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: 63] ونظائِرِه، بلْ داخلةٌ على الشَّرطيَّةِ، حيثُ قِيل: فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، أيْ: رأَى العرشَ حاضرًا لدَيْهِ، كما في قولِه عزَّ وجلَّ: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف: 31]؛ للدَّلالةِ على كَمالِ ظُهورِ ما ذُكِرَ مِن تَحقُّقِه واستغنائِه عن الإخبارِ به ببَيانِ ظُهورِ ما يَترتَّبُ عليه مِن رُؤيةِ سُليمانَ عليه السَّلامُ إيَّاهُ، واستغنائِه أيضًا عن التَّصريحِ به؛ إذِ التَّقديرُ: فأتاهُ به، فَرآهُ، فلمَّا رآهُ... إلخ، فحُذِفَ ما حُذِفَ لِمَا ذُكِرَ؛ وللإيذانِ بكَمالِ سُرعةِ الإتيانِ به؛ كأنَّه لم يَقَعْ بيْنَ الوعدِ به وبيْنَ رُؤيتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيَّاه شَيءٌ ما أصلًا. وفي تَقْييدِ رُؤيتِه باستقرارِه عندَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تأكيدٌ لهذا المَعْنى؛ لِإيهامهِ أنَّه لم يَتوسَّطْ بينَهما ابتداءُ الإتيانِ أيضًا، كأنَّه لم يَزَلْ مَوجُودًا عندَهُ، معَ ما فيه مِن الدَّلالةِ على دَوامِ قَرارِه عندَهُ مُنتظمًا في سِلكِ مُلْكِه [658] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/287). .
- قولُه: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لمَّا ذكَرَ الفضلَ أضافَهُ إلى اللهِ بعُنوانِ كونِه ربَّه؛ لإظهارِ أنَّ فضْلَه عليه عظيمٌ؛ إذ هو عبْدُ ربِّه؛ فليس إحسانُ اللهِ إليه إلَّا فضْلًا مَحْضًا [659] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/272). .
- وفي العُدولِ عن الإضمارِ إلى الإظهارِ في قولِه: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ -دونَ أنْ يقولَ: (فإنَّه غنِيٌّ كريمٌ)-: تأكيدٌ للاعترافِ بتَمحُّضِ الفضْلِ المُستفادِ مِن قولِه: فَضْلِ رَبِّي [660] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/272). .
4- قولُه تعالى: قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ هذا مِن جُملةِ المُحاوَرةِ الَّتي جرَتْ بيْن سُليمانَ عليه السَّلامُ وبيْن مَلَئِه؛ ولذلك لم يُعْطَفْ على ما قبْلَه؛ لأنَّه جَرى على طريقةِ المُقاوَلةِ والمُحاوَرةِ [661] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/272). .
- وفي هذا محذوفٌ تقديرُه: فلمَّا جاء به قال: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا؛ لأنَّ تنكيرَه لم يكُنْ إلَّا بعدَ أنْ جِيء به إليه، وقد أغنَى عن المحذوفِ صدرُ الكلامِ وآخرُه، وكان ذلك دليلًا عليه [662] يُنظر: ((المثل السائر)) لابن الأثير (2/85). .
- قولُه: قَالَ، أي: سُليمانُ عليه السَّلامُ؛ كُرِّرَتِ الحِكايةُ مع كَونِ المَحْكيِّ سابقًا ولاحقًا مِن كلامِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ تَنْبيهًا على ما بيْن السَّابقِ واللَّاحقِ مِن المُخالَفةِ؛ لِمَا أنَّ الأوَّلَ مِن بابِ الشُّكرِ للهِ تعالى، والثَّانيَ أمْرٌ لِخَدَمِه [663] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/287). .
- وقولُه: مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ أبلَغُ في انتفاءِ الاهتداءِ مِن: (لا تَهْتدي)؛ لأنَّ ما عليه النَّظمُ الكريمُ فيه دَلالةٌ على انتظامِها في سِلْكِ المَوسومينَ بعَدمِ الهِدايةِ [664] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/273). .
5- قولُه تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ شُروعٌ في حِكايةِ التَّجرِبةِ الَّتي قصَدَها سُليمانُ عليه السَّلامُ [665] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/288). .
- ودلَّ قولُه: فَلَمَّا جَاءَتْ أنَّ المَلِكةَ لمَّا بلَغَها ما أجابَ به سُليمانُ رُسُلَها، أزْمَعَتِ الحُضورَ بنفْسِها لَدَى سُليمانَ داخلةً تحتَ نُفوذِ مَمْلكتِه، وأنَّها تَجهَّزتْ للسَّفرِ إليه بما يَلِيقُ بمِثْلِها؛ ففي الكلامِ حَذْفٌ إيجازًا [666] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/242)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/273). .
- وبُنِيَ فِعلُ قِيلَ للمفعولِ؛ إذ لا يَتعلَّقُ غرَضٌ بالقائلِ، والظَّاهرُ أنَّ الَّذي قال ذلك هو سُليمانُ عليه السَّلامُ [667] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/273). .
- قولُه: أَهَكَذَا عَرْشُكِ لم يأْتِ التَّركيبُ: (أهذا عَرْشُكِ)، بلْ جاء: حَرفُ التَّنبيهِ، وكافُ التَّشبيهِ، واسمُ الإشارةِ؛ لئلَّا يكونَ تلْقينًا لها [668] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/369)، ((تفسير أبي حيان)) (8/242)، ((تفسير أبي السعود)) (6/288). .
- وفي قولِها: كَأَنَّهُ هُوَ وعُدولِها عن مُطابَقةِ الجوابِ للسُّؤالِ، بأنْ تقولَ: (هكذا هو) نُكتةٌ حَسَنةٌ، ولعلَّ قائلًا يقولُ: كِلَا العِبارتينِ تَشبيهٌ؛ إذ كافُ التَّشبيهِ فيهما جميعًا، وإنْ كانت في إحداهما داخلةً على اسمِ الإشارةِ، وفي الأُخرى داخلةً على المُضْمَرِ، وكِلاهما -أي: اسمُ الإشارةِ والمُضمَرُ- واقعٌ على الذَّاتِ المُشبَّهةِ، وحينئذٍ تَسْتوي العبارتانِ في المعنَى، ويَفضُلُ قولُها (هكذا هو) بمُطابَقتِه للسُّؤالِ، فلا بُدَّ في اختيارِ كَأَنَّهُ هُوَ مِن حِكمةٍ!
 فالجوابُ: أنَّ حِكمتَه -واللهُ أعلَمُ-: أنَّ كَأَنَّهُ هُوَ عبارةُ مَن قَرُبَ عندَهُ الشَّبهُ حتَّى شكَّكَ نفْسَه في التَّغايُرِ بيْن الأمرينِ؛ فكادَ يقولُ: هو هو، وتلك حالُ بِلْقيسَ. وأمَّا (هكذا هو)، فعبارةُ جازمٍ بتَغايُرِ الأمرينِ، حاكمٍ بوُقوعِ الشَّبهِ بيْنهما لا غيرُ؛ فلهذا عدَلَتْ إلى العبارةِ المذكورةِ في التِّلاوةِ؛ لِمُطابَقتِها لحالِها [669] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- حاشية ابن المنير)) (3/369)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/534)، ((تفسير أبي حيان)) (8/242)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (19/174)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/217). .
- وفي ذِكْرِ فِعلِ الكونِ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ: دَلالةٌ على تَمكُّنِهم مِن الإسلامِ منذُ القِدَمِ [670] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/274). .
6- قوله تعالى: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ
- قولُه: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فيه حَذْفُ مُتعلَّقِ الصَّدِّ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه في قولِه: وَكُنَّا مُسْلِمِينَ، وما كانت تَعبُدُه هو الشَّمسُ [671] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/274). .
- وفي ذِكْرِ فِعلِ الكونِ مرَّتينِ في مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ: دَلالةٌ على تَمكُّنِها مِن عِبادةِ الشَّمسِ، وكان ذلك التَّمكُّنُ بسَببِ الانحدارِ مِن سُلالةِ المُشركينَ؛ فالشِّركُ مُنْطبِعٌ في نفْسِها بالوراثةِ؛ فالكُفْرُ قد أحاطَ بها بتَغلْغُلِه في نفْسِها وبنَشأَتِها عليه، وبكَونِها بيْن قومٍ كافرينَ؛ فمِن أين يَخلُصُ إليها الهُدى والإيمانُ [672] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/274، 275). ؟!
7- قوله تعالى: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- قولُه: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ استئنافٌ ابتدائيٌّ لِجُزءٍ مِن القصَّةِ، وطُوِيَ ذِكْرُ تَرحُّلِها إلى وُصولِها في ذِكْرِ ما يَدلُّ عليه؛ مِن حُلولِها أمامَ صَرْحِ سُليمانَ للدُّخولِ معه إليه، أو الدُّخولِ عليه وهو فيه [673] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/275). .
- قولُه: فَلَمَّا رَأَتْهُ في الكلامِ حَذْفٌ، تَقديرُه: فدَخَلتْه امتثالًا للأمْرِ [674] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/244). .
- وفي قولِها: لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْتفاتٌ إلى الاسمِ الجليلِ، ووَصْفُه برُبوبيَّةِ العالمينَ؛ لإظهارِ مَعرفتِها بأُلوهيَّتِه تعالَى وتَفرُّدِه باستحقاقِ العِبادةِ برُبوبيَّتِه لجميعِ المَوجُوداتِ، الَّتي مِن جُملتِها ما كانتْ تَعبُدُه قبْلَ ذلكَ مِن الشَّمسِ [675] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/289). .