موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيات (41-46)

ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ

غريب الكلمات:


صَافَّاتٍ: أي: باسِطاتٍ أجنِحتَهُنَّ، وأصلُ (صفف): يدُلُّ على استواءٍ في الشَّيءِ [1082] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 306)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 306)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 486)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 258). .
يُزْجِي: أي: يَسوقُ، والتَّزجيةُ: دَفعُ الشَّيءِ ليَنساقَ، وأصلُ (زجي): يدُلُّ على تَسييرِ الشَّيءِ [1083] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 306)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 534)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/48)، ((المفردات)) للراغب (ص: 378)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 258)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 988). .
يُؤَلِّفُ: أي: يَجمَعُ، وأصلُ (ألف): يدُلُّ على انضِمامِ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ [1084] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/131)، ((المفردات)) للراغب (ص: 81)، ((تفسير القرطبي)) (12/288)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72). .
رُكَامًا: الرُّكَامُ: ما يُجمَعُ ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ، وأصلُه يدُلُّ على تجمُّعِ الشَّيءِ [1085] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 179)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/430)، ((المفردات)) للراغب (ص: 365)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 129)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 313)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 991). .
الْوَدْقَ: أي: المطَرَ، وأصلُ (ودق): يدُلُّ على إتيانٍ [1086] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 306)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/96)، ((المفردات)) للراغب (ص: 861)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 258)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 313)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 950). .
بَرَدٍ: البَرَدُ: المطرُ الجامِدُ، ويُقالُ له: حَبُّ الغَمامِ، وأصلُ (برد) هنا: خِلافُ الحَرِّ [1087] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/241)، ((البسيط)) للواحدي (16/326)، ((المفردات)) للراغب (ص: 117)، ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 32). قال الراغب: (والبَرَدُ: ما يبردُ مِن المطرِ في الهواءِ فيصلبُ). ((المفردات)) (ص: 117). .
سَنَا بَرْقِهِ: أي: ضوءُ برقِه، والسَّنَا: الضَّوءُ السَّاطِعُ، وأصلُ (سنا): يدلُّ على رِفعةِ الضَّوءِ، وأصلُ (برق): يدُلُّ على لَمعانِ الشَّيءِ [1088] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 306)، ((تفسير ابن جرير)) (17/338)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 266)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/221) (3/104)، ((تفسير السمعاني)) (3/539)، ((المفردات)) للراغب (ص: 118، 429)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 313). .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى:   وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ
(مِنْ) الأُولى لابتِداءِ الغايةِ اتِّفاقًا، وأمَّا (مِن) الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ؛ أحدها: أنَّها لابتِداءِ الغايةِ أيضًا، فـ (جبال) بدلُ اشتِمالٍ مِن (السَّماء) بإعادةِ الجارِّ، والتقديرُ: وينَزِّلُ من جبالِ السَّماءِ، أي: مِن جبالٍ فيها. الثاني: أنَّها للتبعيضِ، وهي ومجرورُها في موضِعِ نصبٍ مَفعولُ (يُنَزِّلُ)، كأنَّه قال: وينَزِّلُ بعضَ جبالٍ. الثالثُ: أنَّها زائدةٌ على قَولِ الأخفَشِ، أي: ينزِّلُ مِن السَّماء جِبالًا. وأمَّا (مِن) الثالثةُ مِنْ بَرَدٍ ففيها أربعةُ أوجهٍ: الثَّلاثةُ المتقَدِّمةُ، والرَّابِعُ: أنَّها لبيانِ الجِنسِ، والتقدير: وينَزِّلُ مِن السَّماءِ بعضَ جبالٍ التي هي البَرَدُ، فالمنَزَّلُ برَدٌ؛ لأنَّ بعضَ البَرَدِ بَرَدٌ [1089] ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/513)، ((التبيان)) للعكبري (2/974)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/420)، ((تفسير الشوكاني)) (4/49)، ((الجدول)) لمحمود صافي (18/274). .

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: ألمْ ترَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ له وينَزِّهُه كُلُّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ مِن المَخلوقاتِ، والطَّيرُ باسِطاتٍ أجنِحَتَها في السَّماءِ حالَ الطَّيرانِ تُسَبِّحُ رَبَّها؟ كُلُّ مَخلوقٍ قد عَلِمَ صلاتَه وتَسبيحَه لله، وهو سُبحانَه عليمٌ بأفعالهم، لا يخفَى عليه شيءٌ منها، ولله وحْدَه مُلكُ السَّمواتِ والأرضِ، فهو المالِكُ والمتصَرِّفُ في الكونِ، وإليه مَرجِعُ الخلائِقِ يومَ القيامةِ.
ثمَّ يقولُ تعالى مبيِّنًا بعضَ مظاهرِ قدرتِه: ألم ترَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَسوقُ بقُدرتِه السَّحابَ إلى حيثُ يشاءُ، ثمَّ يجمَعُه بعدَ تفَرُّقِه، ثمَّ يجعَلُه مُتراكِمًا بعضُه فوقَ بَعضٍ، فترى المطَرَ يخرُجُ مِن بينِ السَّحابِ الكثيفِ؟
ويُنَزِّلُ اللهُ مِن السَّماء بَرَدًا مِن قِطَعِ سَحابٍ عَظيمةٍ كأمثالِ الجِبالِ، فيُصيبُ بذلك البَرَدِ مَن شاء مِن العبادِ، ويَدفَعُه عمَّن يشاءُ، يَكادُ ضَوءُ البَرقِ في السَّحابِ يَخطَفُ أبصارَ النَّاظِرينَ؛ مِن شِدَّةِ إضاءتِه، وقُوَّةِ لَمعانِه، يُقلِّبُ اللهُ تعالى اللَّيلَ والنَّهارَ، بمَجيءِ أحَدِهما بعدَ الآخَرِ، واختلافِهما طُولًا وقِصَرًا، وحرًّا وبردًا، ونورًا وظلمةً، وبما يقعُ فيهما مِن وقائعَ وأحداثٍ إلى غير ذلك، إنَّ في ذلك لَدلالةً واضِحةً، وعِظةً بليغةً لأصحابِ العُقولِ.
 واللهُ تعالى خلقَ كُلَّ ما يَدِبُّ على الأرضِ مِن ماءٍ؛ فمِن هذه الدوابِّ مَن يزحَفُ على بَطنِه، كالحيَّةِ والزَّواحِفِ؛ ومنهم مَن يمشي على رِجلينِ، كالإنسانِ والطَّيرِ؛ ومنهم مَن يمشي على أربَعٍ، كالبهائِمِ ونَحوِها، يخلُقُ اللهُ ما يشاءُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
 ثم يقولُ تعالى: لقد أنزَلْنا آياتِ القُرآنِ علاماتٍ واضِحاتٍ مُوضِحاتٍ للحَقِّ، واللهُ يُرشِدُ ويوَفِّقُ مَن يشاءُ إلى طريقِ الإسلامِ الواضِحِ المُستقيمِ.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى مَثَلَ المؤمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهما راجِعٌ إليه؛ أعقَبَ بذِكرِ الدَّلائِلِ على قُدرتِه وتوحيدِه [1090] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/55). .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ألم تَرَ [1091] ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقَولِه: أَلَمْ تَرَ أي: ألم تَعلَمْ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، والرازيُّ، والقرطبيُّ، والبيضاويُّ، والنسفيُّ، وابن جُزَي، والشوكانيُّ، وابنُ عثيمينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/203)، ((تفسير الرازي)) (24/401)، ((تفسير القرطبي)) (12/286)، ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير النسفي)) (2/510)، ((تفسير ابن جزي)) (2/72)، ((تفسير الشوكاني)) (4/47)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 284). ويُنظر: أيضًا: ((تفسير ابن جرير)) (17/333)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكِّي (8/5128). قال ابنُ عثيمين: (هل هذه الرُّؤيةُ بَصَريَّةٌ أو عِلميَّةٌ؟ ... الأَولى: أن تكونَ عِلميَّةً، يعني: ألمْ تَعلَمْ، سواءٌ كان عِلمُك عن طريقِ المُشاهَدةِ بالبَصَرِ، أو عن طريقِ السَّمعِ بالأُذُنِ، أو عن طريقِ الاستِنتاجِ بالعَقلِ والتَّفكيرِ، هذه الثَّلاثةُ هي طُرُقُ العِلمِ، كما قال الله عزَّ وجَلَّ: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36]). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 284). وقال الشوكاني: (والخطابُ لكلِّ مَنْ له أهليَّةُ النَّظرِ، أو للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسَلَّم، وقد عَلِمه مِنْ جهةِ الاستِدلالِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/47). ممَّن اختار أنَّ المُخاطَبَ هو النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ابنُ جرير، ومكي، والنسفي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/333)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5128)، ((تفسير النسفي)) (2/510). وممَّن اختار العُمومَ: القرطبيُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/286)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 284). قال ابنُ عثيمين: (قَولُه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ يعني: قد رأيتَ، لكِنْ هل الخِطابُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو لكُلِّ مَن يتأتَّى خِطابُه؟ الظَّاهِرُ: العُمومُ. أَلَمْ تَرَ أيُّها المخاطَبُ، لا أيُّها النبيُّ؛ لأنَّ ذلك أشمَلُ وأعَمُّ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النور)) (ص: 284). أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ له وينزِّهُه عن النَّقائِصِ كُلُّ مَن في السَّمَواتِ وكُلُّ مَن في الأرضِ؛ مِن الملائكةِ والنَّاسِ والجِنِّ، والحيواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ [1092] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/333)، ((تفسير القرطبي)) (12/286)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير القاسمي)) (7/398)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/552). قال ابنُ جُزَي: (والتَّسبيحُ: التَّنزيهُ والتَّعظيمُ، وهو مِنَ العُقلاءِ بالنُّطقِ، وأمَّا تَسبيحُ الطَّيرِ وغَيرِها مِمَّا لا يَعقِلُ، فقال الجُمهورُ: إنَّه حقيقيٌّ، ولا يَبعُدُ أن يُلهِمَها اللهُ التَّسبيحَ كما يُلهِمُها الأُمورَ الدَّقيقةَ التي لا يَهتدي إليها العُقَلاءُ. وقيل: تَسبيحُه: ظُهورُ الحِكمةِ فيه). ((تفسير ابن جزي)) (ص: 1239). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/188). وممَّن حَمَل التَّسبيحَ على حقيقتِه: الرسعنيُّ، وأبو حيان -لكِنْ خَصَّه بالمُطيعِ مِنَ الثَّقَلينِ-، والشوكانيُّ. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/175) (5/267)، ((تفسير أبي حيان)) (8/55)، ((تفسير الشوكاني)) (3/274) (4/47). وممَّن اختار في الجُملةِ أنَّ المرادَ: دَلالةُ هذه الأشياءِ على كَونِه تعالى مُنَزَّهًا عن النَّقائصِ، موصوفًا بنُعوتِ الجَلالِ، وأنَّ هذا التَّسبيحَ بلِسانِ الحال: الرازيُّ، والنيسابوري، والألوسي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/401)، ((تفسير النيسابوري)) (4/353)، ((تفسير الألوسي)) (9/379). وممَّن جمع بين المعنَيَينِ السَّابِقَينِ: البيضاويُّ، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 285). قال ابن عثيمين: (وهذا التَّسبيحُ يَشمَلُ التَّسبيحَ بالقَولِ وبالحالِ؛ بالقَولِ، مِثلُ: سُبحانَ الله، وبالحالِ: أنَّك إذا تأمَّلْتَ خَلْقَه وما جُبِلوا عليه عَلِمْتَ بذلك أنَّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن العَبَثِ وعن النَّقائِصِ، يُسَمَّى هذا التسبيحَ بالحالِ. إذا قُلْنا: إنَّ التَّسبيحَ بالمقالِ، فمِن المعلومِ أنَّ الكافِرَ لا يُسَبِّحُ اللهَ بمقالِه، يعني: لا يَقولُ: سُبحانَ اللهِ؛ لأنَّه يَصِفُ اللهَ تعالى بالعَيبِ، ويَجعَلُ مع اللهِ شَريكًا، لكِنَّه مُسَبِّحٌ لله بحالِه؛ فإنَّ حالَه وما جُبِلَ عليه، وانصِرافَه عن الحَقِّ مع وُضوحِه، وما أشبَهَ ذلك: كُلُّ ذلك ممَّا يدُلُّ على تنزيهِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، وعلى حِكمتِه). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 285). وقيل: المرادُ بالتَّسبيحِ الصَّلاةُ، وممَّن اختاره: ابنُ جرير، ومكِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/333)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5128). وقيل: معنى يُسَبِّحُ لَهُ أي: يَذكُرُه. قاله مقاتل بن سليمان. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/203). وممَّن جمع بيْن المعنَيَينِ السَّابِقَينِ -أي: أنَّ معنى يُسَبِّحُ لَهُ: يُصَلِّي له، ويَذكُرُه-: السمرقنديُّ. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/517). ؟
كما قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44].
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ.
أي: والطَّيرُ مُصطَفَّاتِ الأجنحةِ في الهواءِ، تُسَبِّحُ لله أيضًا في حالِ طَيَرانِها [1093] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/333)، ((تفسير القرطبي)) (12/287)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570). .
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: 19].
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.
أي: كلُّ مخلوقٍ قد عَلِمَ صلاتَه وتَسبيحَه لله [1094] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/334)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/48، 49)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 72)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/551، 552). قال الماوردي: (    كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ... فيه قولانِ: أحدُهما: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد علِم صلاتَه وتسبيحَه. الثاني: أنَّ الله قد علِم صلاتَه وتسبيحَه). ((تفسير الماوردي)) (4/112). ممَّن اختار أنَّ المعنى: كلٌّ مِنَ المصَلِّينَ والمُسَبِّحِينَ قد عَلِم هو نفْسُه كيفيَّةَ صَلاتِه وتسبيحِه، على وَفقِ ما أرشدَه الله إليه: ابنُ كثير، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/551، 552)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 287). قال الشنقيطي: (كلامُ الأُصوليِّينَ في أنَّ اللَّفظَ إنِ احتَمَل التَّوكيدَ والتَّأسيسَ حُمِلَ على التَّأسيسِ... وإذا عَلِمْتَ ذلك فاعلَمْ أنَّ الأظهَرَ على مُقتضى ما ذكَرْنا عن الأُصوليِّينَ: أن يكونَ ضَميرُ الفاعِلِ المحذوفُ في قَولِه: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ راجِعًا إلى قَولِه: كُلٌّ، أي: كُلٌّ مِنَ المُصَلِّينَ قد عَلِمَ صَلاةَ نفْسِه، وكُلٌّ مِنَ المُسَبِّحينَ قد عَلِمَ تَسبيحَ نفْسِه، وعلى هذا القَولِ فقَولُه تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ تأسيسٌ لا تأكيدٌ. أمَّا على القَولِ بأنَّ الضَّميرَ راجِعٌ إلى اللهِ، أي: قد عَلِمَ اللهُ صَلاتَه، يكونُ قَولُه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ كالتَّكرارِ مع ذلك؛ فيكونُ مِن قَبيلِ التَّوكيدِ اللَّفظيِّ). ((أضواء البيان)) (5/551). وقال ابنُ عثيمين: (الصَّحيحُ أنَّ قَولَه: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ، أي: كُلٌّ مِن هؤلاء المُسَبِّحينَ قَدْ عَلِمَ هو نفْسُه صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، لكِنْ بأيِّ شَيءٍ عَلِمَ؟ أمَّا بالنِّسبةِ للبَشَرِ وكذلك الجِنُّ فقد عَلِموا عن طريقِ الرُّسُلِ، فالرُّسُلُ أرسلَهم اللهُ ليُعَلِّموا النَّاسَ كيف يُصَلُّونَ وكيف يُسَبِّحونَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ، وأمَّا البهائِمُ والحيواناتُ الأُخرى فإنَّها عَلِمَت صَلاتَها وتَسبيحَها بما ألهَمَها اللهُ عزَّ وجَلَّ، ولكُلٍّ منها صلاةٌ وتَسبيحٌ خاصٌّ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 287). وقال الشوكاني: (فائدةُ الإخبارِ بأنَّ كُلَّ واحدٍ قد عَلِمَ ذلك: أنَّ صدورَ هذا التَّسبيحِ هو عن عِلمٍ عَلَّمَها اللهُ ذلك، وألهَمَها إليه، لا أنَّ صُدورَه منها على طريقةِ الاتِّفاقِ بلا رَويَّةٍ، وفي ذلك زيادةُ دَلالةٍ على بديعِ صُنعِ الله سبحانَه، وعظيمِ شأنِه؛ كونُه جعَلَها مسبِّحةً له، عالِمةً بما يصدُرُ منها، غيرَ جاهلةٍ له). ((تفسير الشوكاني)) (4/48). وقيل: المعنى: قد عَلِمَ اللهُ صلاةَ كُلِّ مصَلٍّ منهم وتسبيحَه، وأنَّ الضميرَ في عَلِمَ للهِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والزجَّاج، والرسعني، وابنُ القيم، والعليمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/334)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/48، 49)، ((تفسير الرسعني)) (5/266)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 72)، ((تفسير العليمي)) (4/546). ممَّن حمل الصَّلاةَ والتَّسبيحَ على حَقيقتِهما: ابنُ القيم، والشوكاني، والشنقيطي. يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (ص: 72)، ((تفسير الشوكاني)) (4/48)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/552). قال الشوكاني: (قيلَ: والصَّلاةُ هنا بمعنَى التَّسبيحِ، وكُرِّر للتَّأكيدِ، والصَّلاةُ قد تُسَمَّى تسبيحًا. وقيلَ: المرادُ بالصَّلاةِ هنا الدُّعاءُ، أي: كلُّ واحدٍ قد عَلِم دُعاءَه وتسبيحَه). ((تفسير الشوكاني)) (4/48). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بالصَّلاةِ هنا: الدعاءُ: الزمخشريُّ، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/245)، ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير النسفي)) (2/510)، ((تفسير النيسابوري)) (5/202)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/258). قال الرسعني: (قال أكثرُ المفسِّرينَ: الصلاةُ لبني آدمَ، والتَّسبيحُ لِما سِواهم). ((تفسير الرسعني)) (5/267). ويُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/112). وقال مقاتل بن سليمان: (قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ مِنَ الملائكةِ والمُؤمِنينَ مِن الجِنِّ والإنسِ. ثمَّ قال عزَّ وجَلَّ: وَتَسْبِيحَهُ يعني: ويَذكُرُه كُلُّ مخلوقٍ بلُغتِه، غيرَ كُفَّارِ الإنسِ والجِنِّ). ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/203). وقيل: إنَّ هذا في الطَّيرِ، وإنَّ ضَرْبَ أجنِحَتِها صَلاةٌ، وإنَّ أصواتَها تَسبيحٌ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/112). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
أي: واللهُ ذو عِلمٍ بما يفعَلُ كُلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِهم، وهو مُجازيهم على ذلك [1095] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/334)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570). .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أخبَرَ اللهُ تعالى عمَّا في الكونَينِ بما يستلزِمُ المُلكَ على أنهَى وجوهِ التَّمامِ المُستلزِمِ للقُدرةِ على البَعثِ؛ أخبَرَ عنهما بالتَّصريحِ به [1096] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/291). .
وأيضًا لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى عبوديَّةَ المخلوقاتِ، وافتقارَهم إليه مِن جِهةِ العبادةِ والتوحيدِ؛ بيَّنَ افتِقارَهم مِن جِهةِ المُلكِ والتَّربيةِ والتَّدبيرِ، فقال [1097] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 570). :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ولله سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ ومُلكُهما وتدبيرُهما، فلا تنبغي الرَّهبةُ والرَّغبةُ والعبادةُ إلَّا له وحْدَه [1098] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/335)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570). .
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
أي: وإلى اللهِ وحْدَه مَرجِعُ عِبادِه، فيَبعَثُهم بعدَ مَوتِهم، ويُجازيهم على أعمالِهم؛ فلْيُحسِنوا عبادَتَه، ويجتَهِدوا في طاعتِه [1099] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/335)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 570). وقال ابن عثيمين: (ويحتَمِلُ أنَّ قَولَه: الْمَصِيرُ ليس المرادُ مَصيرَ النَّاسِ في الآخرةِ فقط، بل مصيرُ الأمورِ كُلِّها، يعني: المرجِعُ إلى اللهِ في كُلِّ شَيءٍ، كلُّ شَيءٍ صائِرٌ إلى الله؛ فهو سبحانَه وتعالى يدبِّرُ ويَفعَلُ ما شاء). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 292). .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا .
أي: ألم تَرَ [1100] ممَّن اختار أنَّ الرُّؤيةَ هنا بَصَريَّةٌ: ابنُ عطيَّة، وابن عادل، وأبو السعود، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/189)، ((تفسير ابن عادل)) (14/414)، ((تفسير أبي السعود)) (6/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). وممَّن اختار أنَّ الرُّؤيةَ عِلميَّةٌ: مقاتلُ بن سليمان، والرازيُّ (وعَبَّرَ عن ذلك بقَولِه: أَلَمْ تَرَ بعَينِ عَقلِك)، والقرطبيُّ (وعَبَّرَ عن ذلك بقَولِه: أَلَمْ تَرَ بعَينَي قَلبِك) ، والرسعني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/203)، ((تفسير الرازي)) (24/403)، ((تفسير القرطبي)) (12/288)، ((تفسير الرسعني)) (5/265، 267)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 293). قال ابنُ عثيمين: (فالرُّؤيةُ في قَولِه: أَلَمْ تَرَ بمعنى العِلمِ، وتفسيرُنا لها بالعِلمِ أعَمُّ مِن تفسيرِها بالرُّؤيةِ البَصَريَّةِ؛ لأجْلِ أن يَشمَلَ رُؤيةَ الإنسانِ ببَصَرِه -أي: عن طريقِ المُشاهَدةِ؛ لأنَّها تؤدِّي إلى العِلمِ-، ورُؤيةَ الإنسانِ بسَمْعِه بما يُخبَرُ به -لأنَّها تؤدِّي أيضًا إلى العِلمِ، ورؤيةَ الإنسانِ بقراءتِه عن هذا الأمرِ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى العِلمِ،... فتَفسيرُها بالعِلمِ أَولى؛ لأنَّه أشمَلُ وأعَمُّ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 293). أنَّ اللهَ يَسوقُ بقُدرتِه قِطَعَ السَّحابِ المتفَرِّقةَ، إلى حيثُ يريدُ [1101] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/335)، ((تفسير القرطبي)) (12/288)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (2/491)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). ؟
ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ.
أي: ثمَّ يجمَعُ اللهُ بينَ قِطَعِ السَّحابِ المتفرِّقةِ [1102] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/335)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا.
أي: ثمَّ يجعَلُ اللهُ قِطَعَ السَّحابِ المجموعةَ مُتراكِمةً؛ بَعضُها على بعضٍ، فتكونُ قويَّةً متَّصِلةً وكثيفةً [1103] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/335)، ((تفسير القرطبي)) (12/288)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72). .
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ.
أي: فتنظُرُ إلى المطَرِ يَخرُجُ مِن فُتُوقِ السَّحابِ نُقَطًا متفَرِّقةً [1104] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/336)، ((تفسير الزمخشري)) (3/245)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (2/491)، ((تفسير ابن كثير)) (6/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/261). قال ابن عاشور: (أكثَرُ المفَسِّرينَ على أنَّ الوَدْقَ هو المطَرُ، وهو الذي اقتصَرَت عليه دواوينُ اللُّغةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/261). وممَّن نسَبَ هذا القولَ للجمهورِ: الماوَرْديُّ، والقرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/113)، ((تفسير القرطبي)) (12/288). ويُنظر أيضًا: ((البسيط)) للواحدي (16/321). .
كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الروم: 48].
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ.
أي: ويُنَزِّلُ اللهُ البَرَدَ مِن جِهةِ السَّماءِ إلى الأرضِ، مِن قِطَعِ سَحابٍ عظيمةٍ كالجِبالِ [1105] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/292)، ((تفسير الشوكاني)) (4/49)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/261، 262). قال الرازي: (في هذه الآيةِ قولان؛ أحدُهما: أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ خلَقَها الله تعالى كذلك، ثمَّ يُنزِّلُ منها ما شاء. وهذا القَولُ عليه أكثَرُ المفَسِّرينَ، قال مجاهدٌ والكلبيُّ: جبالٌ مِن برَدٍ في السَّماءِ. والقولُ الثاني: أنَّ السَّماءَ هو الغَيمُ المرتفِعُ على رؤوسِ النَّاسِ؛ سُمِّيَ بذلك لسُمُوِّه وارتفاعِه، وأنَّه تعالى أنزلَ مِن هذا الغيمِ -الذي هو سماءٌ- البَرَدَ، وأراد بقولِه: مِنْ جِبَالٍ السَّحابَ العِظامَ؛ لأنَّها إذا عَظُمت أشبَهَت الجبالَ، كما يقالُ: فلانٌ يملِكُ جِبالًا مِن مالٍ، ووُصِفَت بذلك توسُّعًا. وذهبوا إلى أنَّ البَرَدَ ماءٌ جامِدٌ خلَقَه الله تعالى في السَّحابِ، ثمَّ أنزله إلى الأرضِ). ((تفسير الرازي)) (24/405). وممَّن ذهَب إلى القولِ الأوَّلِ وأنَّ هذه الجبالَ مِن بَرَدٍ: يحيى بنُ سلام، والزجَّاج، والواحدي، وأبو حيان، والعليمي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/455)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/49)، ((الوسيط)) للواحدي (3/324) ((تفسير أبي حيان)) (8/57)، ((تفسير العليمي)) (4/547)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 297). وممَّن ذهَب إلى القولِ الثاني في الجملةِ: البِقَاعيُّ، ومحمد رشيد رضا، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/292)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/416)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/261، 262). وقال محمد رشيد رضا: (لا مانِعَ مِنْ جَعْلِ السَّماءِ فيها عَيْنَ السَّحابِ، ولعلَّ الأظهَرَ أنْ يُرادَ بها جهةُ العلوِّ الَّتي يكونُ فيها السَّحابُ؛ كقولِه: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ [الروم: 48]). ((تفسير المنار)) (8/416). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/49). .
فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ.
أي: فيُصيبُ اللهُ بالبَرَدِ مَن يَشاءُ مِن عبادِه؛ عقوبةً لهم، فيَضُرُّهم في أنفُسِهم وأموالِهم، ويُتلِفُ ثمارَهم وزُروعَهم، ويَصرِفُ البَرَدَ عَمَّن يشاءُ مِن عبادِه؛ رَحمةً بهم، فلا يُصيبُهم ضَرَرُه [1106] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/338)، ((البسيط)) للواحدي (16/326)، ((تفسير ابن  كثير)) (6/73)، ((تفسير الألوسي)) (9/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/262). قال ابن كثير: (يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بقولِه: فَيُصِيبُ بِهِ أي: بما ينزِلُ مِن السَّماءِ مِن نوعَيِ البَرَدِ والمطرِ؛ فيكونَ قولُه: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ رحمةً لهم، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ أي: يُؤَخِّرُ عنهم الغَيْثَ. ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بقولِه: فَيُصِيبُ بِهِ أي: بالبَرَدِ؛ نِقْمَةً على مَن يشاءُ؛ لِمَا فيه مِنْ نَثْرِ ثِمارِهم، وإتلافِ زُروعِهم وأشجارِهم. ويَصْرِفُه عَمَّنْ يشاءُ؛ أي: رحمةً بهم). ((تفسير ابن كثير)) (6/73). ممَّن اختار أنَّ إصابةَ البَرَدِ هنا نِقمةٌ وضرَرٌ، وصَرْفَه رحمةٌ ونِعمةٌ: مقاتلُ بن سليمان، ويحيى بن سلام، وابن جرير، والبغوي، والقرطبي، والنسفي، والخازن. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/203)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/455)، ((تفسير ابن جرير)) (17/338)، ((تفسير البغوي)) (3/422)، ((تفسير القرطبي)) (12/290)، ((تفسير النسفي)) (2/511)، ((تفسير الخازن)) (3/301). قال ابن عثيمين: (يحتَمِلُ أن تكونَ مِن بابِ الامتنانِ؛ فإنَّ البَرَدَ قد يكونُ خَيرًا، وقد يَحصُلُ به رِيُّ الأرضِ ونباتُ الأشجارِ وغَيرُ ذلك؛ فيكونَ هذا من بابِ سياقِ الامتنانِ: يُصيبُ بهذا البَرَدِ مَن يشاءُ فيَنتَفِعُ به، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ فيَفوتُه الانتِفاعُ. ولا مانِعَ مِن أن يُستعمَلَ الصَّرفُ في صَرفِ الشَّيءِ النَّافِعِ، وإنْ كان الأكثَرُ أن يكونَ في صَرفِ الأشياءِ الضَّارَّةِ، لكِنْ قد يُستعمَلُ أيضًا في صَرفِ الأشياءِ التي تنفَعُ، وهذا من بلاغةِ القُرآنِ: أن تكونَ هذه الجُملةُ صالحةً للوَجهَينِ: وَجهِ العُقوبةِ، ووَجهِ الرَّحمةِ؛ فالإصابةُ بالبَرَدِ أحيانًا تكونُ عُقوبةً تَهلِكُ بها الزُّروعُ وتموت بها المواشي، وأحيانًا بالعَكسِ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 298). .
يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ.
أي: يُقارِبُ ضَوءُ بَرقِ السَّحابِ أن يُعمِيَ عُيونَ النَّاظِرينَ إليه؛ مِن شِدَّةِ ضَوئِه ولَمعانِه [1107] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/338)، ((تفسير القرطبي)) (12/290)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/241)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
كما قال تعالى: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [البقرة: 20].
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
أي: يُعقِّبُ اللهُ اللَّيلَ والنَّهارَ؛ فيأتي بأحَدِهما بعْدَ الآخَرِ، ويتصَرَّفُ فيهما بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ويغَيِّرُ حالَهما بالحَرِّ والبَردِ، والظُّلمةِ والنُّورِ إلى غيرِ ذلك، ويُديلُ الأيامَ بينَ عبادِه، ويَرفعُ أقوامًا ويضعُ آخرينَ إلى غيرِ ذلك [1108] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/339)، ((تفسير القرطبي)) (12/290)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/264). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بتقلُّبِ اللَّيلِ والنَّهارِ: اختِلافُهما؛ فيأتي باللَّيلِ ويَذهبُ بالنهارِ، ثمَّ يأتي بالنهارِ ويَذهبُ باللَّيلِ: مقاتلُ بن سليمان، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، والثعلبيُّ، والواحديُّ، وابنُ عطيَّة، وابنُ الجوزي، والخازنُ، وابنُ جُزَي، وجلالُ الدِّينِ المحلِّيُّ، والشوكانيُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/204)، ((تفسير ابن جرير)) (17/339)، ((تفسير السمرقندي)) (2/517)، ((تفسير الثعلبي)) (7/112)، ((الوسيط)) للواحدي (3/324)، ((تفسير ابن عطية)) (4/190)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/301)، ((تفسير الخازن)) (3/301)، ((تفسير ابن جزي)) (2/73)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 466)، ((تفسير الشوكاني)) (4/50). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2619). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: أخْذُ كلِّ واحِدٍ منهما مِن صاحِبِه: يحيى بنُ سلام، وابن أبي زمنين، وابن كثير. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/455)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/241)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: يُعاقِبُ بيْن اللَّيلِ والنهارِ، ويُخالِفُ بيْنهما بالطُّولِ والقِصَرِ: الزمخشريُّ، والنسفي، والعليمي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/246)، ((تفسير النسفي)) (2/511)، ((تفسير العليمي)) (4/548). وممَّن اختار ما هو أعَمُّ مِن التقليبِ الحِسِّيِّ: ابنُ تيميَّةَ، والسعديُّ، وابنُ عثيمين: قال ابنُ عثيمين: (المرادُ ما هو أعَمُّ مِن التَّقليبِ الحِسِّيِّ، والتقليبُ الحِسِّيُّ أنَّ اللهَ يُقَلِّبُ الأرضَ: بَدلًا مِن أنْ كانت ضياءً ونهارًا إلى لَيلٍ، ثمَّ إلى نهارٍ، وهكذا... والتَّقليبُ المعنويُّ: ما يحصُلُ في هذه الأيامِ مِن الحوادِثِ والتغَيُّراتِ، والعِزِّ والنَّصرِ، والإذلالِ والخِذلانِ، كما قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140]). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 301). وقال ابن تيميَّةَ: (تقليبُه اللَّيلَ والنَّهارَ: تحويلُ أحوالِ العالَمِ بإنزالِ المطَرِ الذي هو سبَبُ خلقِ النَّباتِ والحيوانِ والمَعدِن، وذلك سبَبُ تحويلِ النَّاسِ مِن حالٍ إلى حالٍ، المتضَمِّنِ رَفْعَ قومٍ وخَفْضَ آخَرينَ). ((مجموع الفتاوى)) (2/492). وقال السعدي: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مِن حرٍّ إلى بردٍ، ومِن بردٍ إلى حرٍّ، مِن لَيلٍ إلى نهارٍ، ومِن نهارٍ إلى لَيلٍ، ويُديلُ الأيامَ بينَ عبادِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
أي: إنَّ في ذلك [1109] ممَّن اختار أنَّ معنى قولِه: ذَلِكَ أي: الذي ذكرتُ مٍن هذه الأشياءِ، مما تقدَّم ذِكرُه: الثعلبيُّ، والرازي، والبيضاوي، والخازن، وأبو حيان، والبقاعي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/112)، ((تفسير الرازي)) (24/406)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((تفسير الخازن)) (3/301)، ((تفسير أبي حيان)) (8/59)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/293)، ((تفسير الشوكاني)) (4/50). قال ابن جرير: (يقولُ: إنَّ في إنشاءِ اللهِ السَّحابَ، وإنزالِه منه الوَدْقَ، ومِن السَّماءِ البَرَدَ، وفي تقليبِه اللَّيلَ والنَّهارَ). ((تفسير ابن جرير)) (17/339). وممَّن اختار أنَّ المعنى: إنَّ في ذلكَ التَّقليبِ: السمرقنديُّ، والواحدي، وابن الجوزي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/517)، ((الوسيط)) للواحدي (3/324)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/301)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/264)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 302). قال ابن عاشور: (والإشارَةُ الواقعةُ في قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنه فعلُ يُقَلِّبُ مِن المصدرِ. أي: إنَّ في التَّقليبِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/264). لَعِظةً لأصحابِ العُقولِ النَّافذةِ، الذين يعتَبِرونَ بالنَّظَرِ إليه، فيَستَدِلُّونَ بذلك على وُجودِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه وعظَمتِه وتوحيدِه [1110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/339)، ((تفسير القرطبي)) (12/290)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
كما قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 164].
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا استدلَّ أوَّلًا بأحوالِ السماءِ والأرضِ، وثانيًا بالآثارِ العُلويةِ؛ استدلَّ ثالثًا بأحوالِ الحيواناتِ [1111] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/406). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى أوَّلًا أحوالَ الخافِقَينِ [1112] الخافِقَينِ: أي: المَشرِق والمَغرِب، أو أُفُقَيهما. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (25/244). دليلًا على وَحدانيَّتِه، وفصَّلَ منها الآثارَ العُلويَّةَ، فذكَرَ ما يَسقي الأرضَ؛ ذكَر أحوالَ ما يتكوَّنُ به مِن الحيواناتِ دَليلًا ظاهِرًا على الإعادةِ، وبُرهانًا قاهِرًا على المُنكِرينَ لها، فقال تعالى [1113] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/293). :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ.
أي: واللهُ خلَقَ كلَّ كائنٍ حَيٍّ يمشي على الأرضِ، مِن ماءٍ [1114] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/301)، ((تفسير القرطبي)) (12/291)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266). قال ابنُ الجوزي: (وفي الماءِ قولان؛ أحَدُهما: أنَّ الماءَ أصلُ كُلِّ دابَّةٍ. والثَّاني: أنَّه النُّطفةُ، والمرادُ به: جميعُ الحيوانِ المشاهَدِ في الدُّنيا). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/301). والقَولُ الأوَّلُ هو ظاهِرُ قَولِ السمعانيِّ، وابنِ كثيرٍ، واختاره ابنُ رجب، والسعديُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/540)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 23)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 304). والقَولُ الثَّاني -أنَّ المرادَ بالماءِ النُّطفةُ- عزاه الشوكانيُّ للجمهور. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/50). وممَّن اختاره: ابنُ جرير، والسمرقنديُّ، وابن أبي زمنين، والثعلبي، ومكِّي، والواحدي، والبغوي، والخازن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير السمرقندي)) (2/518)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/241)، ((تفسير الثعلبي)) (7/113)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5134)، ((الوسيط)) للواحدي (3/324)، ((تفسير البغوي)) (3/423)، ((تفسير الخازن)) (3/301). قال ابنُ رجب: (وقَولُ مَن قال: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطفةُ التي يُخلَقُ منها الحيواناتُ- بَعيدٌ). ((لطائف المعارف)) (ص: 23). وقال ابنُ عثيمين: (كَلِمةُ مِنْ مَاءٍ أعَمُّ مِن كَلِمةِ نُطفةٍ، والواجِبُ إبقاءُ الآيةِ على عُمومِها). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 304). وقال الشوكاني: (وقيل: في الآيةِ تَنزيلُ الغالِبِ مَنزِلةَ الكُلِّ، على القَولِ الأوَّلِ -أي: أنَّ المرادَ بالماءِ: النُّطفةُ-؛ لأنَّ في الحيواناتِ مَن لا يتولَّدُ عن نُطفةٍ، ويخرُجُ من هذا العُمومِ الملائِكةُ؛ فإنَّهم خُلِقوا مِن نورٍ، والجانُّ؛ فإنَّهم خُلِقوا مِن نارٍ). ((فتح القدير)) للشوكاني (4/50). .
كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30].
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ.
أي: فمِنَ الحَيواناتِ المَخلوقةِ مِنْ ماءٍ مَنْ يَمشي زَحفًا على بَطنِه؛ كالحيَّةِ [1115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ.
أي: ومِنهم مَن يمشي قائِمًا على رِجلَينِ؛ كالإنسانِ والطَّيرِ [1116] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ.
أي: ومنهم مَن يمشي على أربَعِ قوائِمَ؛ كالبهائِمِ [1117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير السمرقندي)) (2/518)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73). .
يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
أي: يُحدِثُ اللهُ بقُدرتِه في كُلِّ وَقتٍ ما يشاءُ مِن المَخلوقاتِ المتنَوِّعةِ، ويجعَلُها على ما يَشاءُ مِن الصِّفاتِ المُختَلِفةِ [1118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير الثعلبي)) (7/113)، ((تفسير ابن كثير)) (6/73)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266). .
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أي: إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قادِرٌ، ومِن ذلك قدرتُه على خلْقِ ما يشاءُ، ودخولُ كلِّ مخلوقاتِه تحتَ قدرتِه، فهو سبحانه لا يُعجِزُه شَيءٌ [1119] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير السمرقندي)) (2/518)، ((تفسير القرطبي)) (12/292)، ((تفسير الشوكاني)) (4/50). .
لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا اتَّضحَ بما ذُكِرَ مِن الدَّلائِلِ ما لله تعالى مِن صِفاتِ الكَمالِ، والتنَزُّهِ عن كُلِّ شائِبةِ نَقصٍ، وقامت أدِلَّةُ الوحدانيَّةِ على ساقٍ، واتَّسَقت براهينُ الألوهيَّةِ أيَّ اتِّساقٍ؛ قال تعالى مُترجِمًا لتلك الأدِلَّةِ [1120] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/294). :
لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ.
أي: لقد أنزَلْنا آياتِ القُرآنِ عَلاماتٍ واضِحاتٍ مُوضِحاتٍ للحَقِّ ولِما يحتاجُ النَّاسُ إلى بيانِه مِن مَعارِفَ وعُلومٍ، وآدابٍ وأحكامٍ [1121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير الألوسي)) (9/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/267). قال ابن عطية: (قَولُه: آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ يعُمُّ كُلَّ ما نصَبَ الله تعالى من آيةٍ وصَنعةٍ للعِبرةِ، وكُلَّ ما نصَّ في كتابِه مِن آيةِ تنبيهٍ وتذكيرٍ). ((تفسير ابن عطية)) (4/191). وقال ابنُ عاشور: (المرادُ بالآياتِ هنا آياتُ القرآنِ، كما يقتضيه فِعلُ أَنْزَلْنَا؛ ولذلك لم تُعطَفْ هذه الجملةُ على ما قبْلَها). ((تفسير ابن عاشور)) (18/267). .
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أي: واللهُ يُرشِدُ ويُوفِّقُ مَن يشاءُ مِن عبادِه مِمَّن هو أهلٌ للهِدايةِ، إلى طريقِ الإسلامِ المُستَقيمِ الواضِحِ، المُوصِلِ إلى رِضاه وجَنَّتِه [1122] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/340)، ((تفسير السمرقندي)) (2/518)، ((تفسير الخازن)) (3/302)، ((تفسير السعدي)) (ص: 571). قال ابنُ عثيمين: (يعني: على الرَّغمِ مِن كَونِ الآياتِ مُبَيِّنَاتٍ واضِحةً مُبَيِّنةً، على الرَّغمِ مِن ذلك، فليس كلُّ أحدٍ يَهتدي بها، وإنَّما الله تعالى يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 312). .

الفوائد التربوية:


في قَولِه تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ تنبيهٌ على أنَّه سُبحانَه وتعالى مالِكٌ للأوَّلِ والآخِرِ، فـ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ابتداءٌ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ انتهاءٌ؛ ففيه -واللهُ أعلمُ- إشارةٌ إلى أنَّه إذا كان المُلكُ للهِ والمرجِعُ إليه، فإنَّه لا يَحِلُّ لنا أنْ نتصَرَّفَ إلَّا حسَبَ ما شُرِعَ لنا ما دُمْنا مِلكًا للهِ عزَّ وجلَّ، ومصيرُنا إلى اللهِ، وما دُمْنا نَعلمُ أنَّ مصيرَنا إليه فلا بُدَّ أنْ نستعدَّ لهذا المصيرِ؛ لأنَّه سوف يُحاسبُنا [1123] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 291). .
قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ فالبصيرُ ينظُرُ إلى هذه المخلوقاتِ نظَرَ اعتِبارٍ وتفَكُّرٍ وتدَبُّرٍ لِما أُريدَ بها ومنها، والمُعرِضُ الجاهِلُ نَظَرُه إليها نظَرُ غَفلةٍ، بمنزلةِ نظَرِ البَهائمِ [1124] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 571). !
قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تأمَّلْ كيف نبَّه سُبحانَه باختلافِ الحيواناتِ في المشيِ مع اشتراكِها في المادَّةِ على الاختِلافِ فيما وراءَ ذلك من أعضائِها وأشكالِها، وقُواها وأفعالِها، وأغذيتِها ومساكِنِها؛ فنبَّه على الاشتراكِ والاختِلافِ، فنُشيرُ إلى يسيرٍ منه: فالطَّيرُ كُلُّها تشتَرِكُ في الريشِ والجَناحِ، وتتفاوتُ فيما وراءَ ذلك أعظَمَ تفاوُتٍ، واشتراكُ ذواتِ الحوافِرِ في الحافِرِ، كالفَرَسِ والحِمارِ والبَغلِ، وتفاوُتُها في ما وراءَ ذلك، واشتراكُ ذواتِ الأظلافِ في الظِّلفِ، وتفاوتُها في غيرِ ذلك، واشتراكُ ذواتِ القُرونِ فيها، وتفاوتُها في الخَلقِ والمنافِعِ والأشكالِ، واشتراكُ حَيواناتِ الماء في كونِها سابحةً تأوي فيها وتتكوَّنُ فيها، وتفاوتُها أعظَمُ تفاوُتٍ عَجَز البشرُ إلى الآنَ عن حَصْرِه، واشتراكُ الوحوشِ في البُعدِ عن النَّاسِ، والنِّفارِ عنهم وعن مساكنِهم، وتفاوتُها في صفاتِها وأشكالِها وطبائِعِها وأفعالها أعظَمُ تفاوُتٍ يَعجِزُ البشَرُ عن حصرِه، واشتراكُ الماشي منها على بطنِه في ذلك، وتفاوتُ نَوعِه، واشتراكُ الماشي على رِجلَين في ذلك، وتفاوُتُ نوعِه أعظَمُ تفاوتٍ؛ وكلٌّ من هذه الأنواعِ له عِلمٌ وإدراكٌ وتحيُّلٌ على جَلبِ مصالِحِه ودَفعِ مَضارِّه، يعجِزُ عن كثيرٍ منها نوعُ الإنسانِ، فمِن أعظَمِ الحِكَمِ الدَّلالةُ الظاهرةُ على مَعرفةِ الخالِقِ الواحدِ المُستولي بقوَّتِه وقُدرتِه وحِكمتِه على ذلك كُلِّه، بحيث جاءت كُلُّها مطيعةً مُنقادةً مُنساقةً إلى ما خلَقَها له على وَفقِ مَشيئتِه وحكمتِه، وذلك أدَلُّ شيءٍ على قوَّتِه القاهرةِ، وحِكمتِه البالِغةِ، وعِلمِه الشَّامِلِ، فيُعلَمُ إحاطةُ قُدرةٍ واحدةٍ، وعلمٍ واحدٍ، وحِكمةٍ واحدةٍ -أعني: بالنوع- مِن قادرٍ واحدٍ، عالِمٍ واحدٍ، حَكيمٍ واحدٍ، بجميعِ هذه الأنواعِ وأضعافِها مِمَّا لا تعلَمُه العُقولُ البشريَّةُ، كما قال: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [1125] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 231، 232). [النحل: 8].
في قَولِه تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّه لا ينبغي للإنسانِ أن يعتَمِدَ على نفْسِه في الهدايةِ، بل يسألُ اللهَ دائمًا أنْ يهديَه ثم يُثَبِّتَه ما دامَ أنَّ اللهَ هو الذي يهدي [1126] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 313). ! فالله تعالى عَمَّم البيانَ التَّامَّ لجميعِ الخَلقِ، فقال: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ، وخَصَّص بالهدايةِ مَن يشاءُ، فهذا فَضلُه وإحسانُه، وما فَضلُ الكريمِ بمَمنونٍ -أي: بمقطوعٍ-، وذاك عَدلُه [1127] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 571). .

الفوائد العلمية واللطائف:


مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ الله تعالى عَلِمَ في الجماداتِ وسائِرِ الحيواناتِ سِوى العُقلاءِ عِلمًا لا يَقِفُ عليه غيرُه، فلها صلاةٌ وتَسبيحٌ وخَشيةٌ، كما قال جلَّ ذِكرُه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]، وقال: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [الحج: 18] الآيةَ؛ فيَجِبُ على المرءِ الإيمانُ به، ويَكِلُ عِلمَه إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى [1128] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (1/132). .
قال تعالى: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ إنَّ إعطاءَ الله سبحانه للأجرامِ الثَّقيلةِ ما تتمكَّنُ مِن الوُقوفِ في الجَوِّ والحركةِ كيف تشاءُ مِن الأجنحةِ والأذنابِ الخَفيفةِ، وإرشادَها إلى كيفيَّةِ استعمالِهما بالقبْضِ والبسْطِ: حُجَّةٌ نيِّرةٌ واضحةُ المَكنونِ، وآيةٌ بيِّنةٌ لقومٍ يعقِلون، دالَّةٌ على كَمالِ قُدرةِ الصَّانعِ المجيدِ، وغايةِ حِكمةِ المُبدئِ المُعيدِ [1129] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير أبي حيان)) (8/56)، ((تفسير أبي السعود)) (6/183). .
قَولُ الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ إنَّما دخلَتْ (بينَ) على مفردٍ، وهي إنما تَدخُلُ على المثَّنى فما فوقَه؛ لأنَّه إمَّا أن يُرادَ بالسَّحابِ الجِنسُ، فعاد الضَّميرُ عليه على حُكمِه، وإمَّا أن يُرادَ حَذفُ مُضافٍ، أي: بيْن قِطَعِه؛ فإنَّ كلَّ قِطعةٍ سَحابةٌ [1130] يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/419). .
قولُه تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ جعَلَ نُزولَ البرَدِ إصابةً؛ لأنَّ الإصابةَ إذا أُطْلِقَت في كلامِهم دلَّتْ على أنَّها حُلولُ مَكروهٍ، ومِن ذلك سُمِّيَتِ المُصيبةُ: الحادثةَ المكروهةَ، فجعَلَ نُزولَ البرَدِ إصابةً؛ لأنَّه يُفسِدُ الزَّرعَ والثَّمرةَ [1131] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/262). .
في قَولِه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا نصٌّ صريحٌ أنَّ ذلك ليس مِن تَفرقةِ الرِّيحِ كما يزعُمُ أهلُ الطبيعةِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى ذَكَرَ بعدَ ذلك أنَّه هو الذي يُصرِّفُه فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ، وقد نصَّ تعالى أنه هو المُصَرِّفُ له في آيةٍ أخرى، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان: 48-50]، وهذا مِن لُطْفِ اللهِ وحِكمتِه؛ فإنَّه لو لم يجعَلْ للمطَرِ فُتوقًا وفُروجًا يَنزِلُ منها مُفَرَّقًا، فأنزلَه دَفعةً واحدةً إلى الأرضِ لأهلكَ الناسَ والدَّوابَّ، ولأفسدَ الأرضَ وخرَّبَها، وهذا يرُدُّ على عُلَماءِ الطبيعةِ الذين لا يَعتَبِرونَ لهذا الكونِ مُدَبِّرًا [1132] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 162). !
في قَولِه تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ دَلالةٌ على أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ -على أحدِ القولَينِ-، وهو تعالى يُنَبِّه خلْقَه على ما فيه نفْعُهم؛ لِيطمَعوا فيه، وعلى ما فيه هَلاكُهم؛ لِيخافوا منه، فنَبَّهَ على ما يَطمَعونَ فيه بالمطَرِ، ونَبَّهَ على ما يخافونَ منه بالبَرَدِ، وهو شَبيهٌ بقَولِه تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [1133] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 164). [الرعد: 12].
قولُه تعالى: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ فيه تَنبيهُ العُقولِ إلى التَّدبُّرِ في هذه التَّغيُّراتِ؛ إذ كان شُعورُ النَّاسِ بحُدوثِ البرْقِ أوضَحَ وأكثَرَ مِن شُعورِهم بتكوُّنِ السَّحابِ وتَراكُمِه، ونُزولِ المطَرِ والبرَدِ؛ إذ قد يَغفُلُ النَّاسُ عن ذلك لكثرةِ حُدوثِه وتَعوُّدِهم به، بخلافِ اشتدادِ البرْقِ؛ فإنَّه لا يَخْلو أحدٌ مِن أنْ يكونَ قد عرَضَ له مرَّاتٍ، فإنَّ أصحابَ الأبصارِ الَّتي حرَّكَها خَفْقُ البرْقِ يتذكَّرون تلك الحالةَ العجيبةَ الدَّالَّةَ على القُدرةِ؛ ولهذه النُّكتةِ خُصِّصَت هذه الحالةُ مِن أحوالِ البرْقِ بالذِّكْرِ [1134] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/262). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ العِبرةُ مِن الاعتبارِ، وهو مأخوذٌ مِن «العِبْرِ» وهو شاطِئُ النَّهرِ، ومَن قَطَعَ النَّهرَ فقد عَبَرَه، فكأنَّ المُعتَبِرينَ بآياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على قُدرتِه عَبَروا مِن شاطئِ السِّنَةِ والغَفلةِ والجهلِ إلى شاطئِ النُّورِ والانتباهِ والاتِّعاظِ [1135] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 166). قال الرازي: («ع ب ر» ... تُفيدُ العُبورَ والانتقالَ، ... ومنه العِبارةُ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمْكِنُه أنْ يَتَكَلَّمَ بها إلَّا إذا انتَقَل مِن حرفٍ إلى حرفٍ آخَرَ، وأيضًا كأنَّه بسببِ تلك العِبارةِ يَنتقِلُ المعنَى مِن ذِهْنِ نفْسِه إلى ذِهنِ السَّامِعِ. ومنه العَبْرَةُ؛ لأنَّ تلك الدَّمعةَ تَنتقِلُ مِن داخلِ العيْنِ إلى الخارِجِ. ومنه العِبَرُ؛ لأنَّ الإنسانَ يَنتقِلُ فيها مِن الشَّاهدِ إلى الغائِبِ. ومنه المِعْبَرُ؛ لأنَّ الإنسانَ يَنتقِلُ بِواسِطَتِه مِن أحدِ طرفَيِ البحرِ إلى الثَّاني. ومنه التَّعبيرُ؛ لأنَّه يَنتقِلُ مِمَّا يَراهُ في النَّومِ إلى المعاني الغائبةِ). ((تفسير الرازي)) (1/32). وقال ابن القيِّم: (الاتِّعاظُ يُسمَّى اعتِبارًا وعِبرةً؛ لعبورِ المتَّعِظِ مِن النَّظيرِ إلى نظيرِه). ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) (1/149). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ أنَّ عُمْيَ الأبصارِ لا يَستدِلُّونَ بهذه الآياتِ على كَمالِ قُدرتِه، ولا يَنتَفِعونَ منها بشَيءٍ [1136] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 166). .
قَولُ الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فيه دليلٌ على أنَّ الماءَ مادَّةُ جَميعِ الحيواناتِ، وعلى خَلقِ جَميعِ ما يدِبُّ وما فيه حياةٌ منِ ماءٍ؛ فعُلِمَ بذلك أنَّ أصلَ جَميعِها الماءُ المُطلَقُ [1137] يُنظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 23). .
قَولُ الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ لمَ قال الله ذلك مع أنَّ كثيرًا مِن الحيواناتِ غَيرُ مخلوقةٍ مِن الماءِ، أمَّا الملائكةُ فهُم أعظَمُ المخلوقاتِ الحيةِ عَددًا، وهم مخلوقونَ مِن النورِ، وأمَّا الجِنُّ فهم مخلوقون مِن النَّارِ [1138] قال ابن رجب: (القرآنُ دَلَّ على خَلقِ جَميعِ ما يدِبُّ وما فيه حياةٌ مِن ماءٍ، فعُلِمَ بذلك أنَّ أصلَ جَميعِها الماءُ المُطلَقُ، ولا يُنافي هذا قَولُه تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر:27]، وقَولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «خُلِقت الملائكةُ مِن نورٍ» [مسلم (2996) من حديثِ عائشةَ]؛ فإنَّ حديثَ أبي هُريرةَ «كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ» [أحمد (7932)، وابن حبان (2559)، والحاكم (7278). ويُنظر: ((إرواء الغليل)) للألباني (1/190)] دلَّ على أنَّ أصلَ النورِ والنَّارِ الماءُ، كما أنَّ أصلَ الترابِ الذي خُلِقَ منه آدمُ الماءُ، فإنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن طينٍ، والطينُ تُرابٌ مُختَلِطٌ بماءٍ، أو الترابُ خُلِقَ من الماءِ... ولا يُستنكَرُ خَلقُ النَّارِ مِن الماءِ؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ جمَع بقُدرتِه بينَ الماءِ والنَّارِ في الشَّجَرِ الأخضَرِ، وجعَل ذلك مِن أدلَّةِ القُدرةِ على البَعثِ). ((لطائف المعارف)) (ص: 23). ، وخَلَق اللهُ آدمَ مِن الترابِ؛ لِقَولِه: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: 59]، وقال عن خلقِ عيسى: فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم: 12]، وأيضًا كثيرٌ من الحيواناتِ متولِّدٌ لا عن النُّطفةِ؟
الجواب من وجوه:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ قَولَه: مِنْ مَاءٍ صِلةُ كُلِّ دَابَّةٍ، وليس هو مِن صِلةِ خَلَقَ، والمعنى: أنَّ كُلَّ دابَّةٍ متولِّدةٍ مِن الماء فهي مخلوقةٌ لله تعالى.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ أصلَ جَميعِ المخلوقاتِ الماءُ، ولَمَّا كان المقصودُ مِن هذه الآيةِ بيانَ أصلِ الخِلقةِ، وكان الأصلُ الأوَّلُ هو الماءَ؛ لا جَرَمَ ذَكَره على هذا الوجهِ.
الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ المرادَ مِن (الدابَّة) التي تدِبُّ على وجهِ الأرضِ، ومَسكنُهم هناك، فيَخرُجُ عنه الملائكةُ والجِنُّ، ولَمَّا كان الغالِبُ جِدًّا من هذه الحيواناتِ كَونَهم مخلوقينَ مِن الماء؛ إمَّا لأنَّها متولِّدةٌ مِن النُّطفةِ، وإمَّا لأنَّها لا تعيشُ إلَّا بالماء- لا جَرَمَ أطلَق لَفظَ الكُلِّ؛ تنزيلًا للغالِبِ مَنزلةَ الكُلِّ [1139] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/406). .
في قَولِه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ سؤالٌ: وهو: أنَّ بعضَ الحيواناتِ تمشي على أكثرَ مِن أربعٍ، فلِمَ لم تُذكَرْ؟
 والجوابُ مِن أوجهٍ:
الوجهُ الأولُ: أنَّ الواوَ حُذِفَتْ مع معطوفِها، أي: ومنهم مَن يمشي على أكثرَ مِن أربعٍ، وحَذْفُ الواوِ مع معطوفِها أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ.
الوجهُ الثاني: أنَّ ما يمشي على أكثرَ مِن أربعٍ قليلٌ، فلم يَتعرَّضْ له؛ لِقِلَّتِه.
الوجهُ الثالثُ: أنَّ المشيَ الرَّئيسَ على أربعٍ وإن كَثُرت الأرجُلُ.
الوجهُ الرابعُ: أنَّ الآيةَ ذكرتْ أمثلةً شَهيرةً، ولم تَحصُرْ [1140] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 168). وقال ابن عثيمين: (مِن الحيواناتِ أو مِن الدوابِّ ما يمشي على أكثَرَ مِن أربَعٍ، فمنها ما له سِتُّ أرجُلٍ أو أكثرُ من ذلك، إنَّما هذا التقسيمُ ليس للحَصرِ، ولكِنَّه للقَصرِ، أي: مِن بابِ الاقتصارِ على بعضِ الأنواعِ فقط، ويدُلُّ على ذلك قَولُه: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 306) بتصرف يسير. ، فليسَ فيها ما يَقْتضي حَصرَ المشي في هذه الأحوالِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّ المقصودَ الاعتبارُ بالغالبِ المُشاهَدِ [1141] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/266). .
الوجه الخامس: أنَّه لم يزِدْ على الأربعِ؛ لأنَّ القوائمَ وإن زادَتْ فاعتمادُ الحيوانِ على جهاتِه الأربعةِ، فكأنَّها تمشي على أربعةٍ [1142] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/540). .
قَولُ الله تعالى: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فيه إشارةٌ إلى أنَّه تعالى ما تعلَّقَت به إرادةُ خَلقِه، أنشأه واختَرَعه، وفي ذلك تنبيهٌ على كثرةِ الحَيوانِ، وأنَّها كما اختَلَفت بكيفيَّةِ المشي، اختلَفَت بأمورٍ أُخَرَ [1143] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/60). .
في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ الشَّرعَ كلَّه -الذي هو دينُ الإسلامِ- مُستقيمٌ، ليس فيه اعوِجاجٌ [1144] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 313). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
قولُه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ استئنافٌ ابتدائيٌّ، والاستفهامُ مُستعمَلٌ كِنايةً عن التَّعجُّبِ مِن حالِ فريقِ المُشرِكين الَّذين هم مِن أصحابِ العُقولِ، ومع ذلك قد حُرِموا الهُدى لَمَّا لم يَجعَلْه اللهُ فيهم، وقد جعَلَ الهُدى في العَجْماواتِ؛ إذ جبَلَها على إدراكِ أثَرِ نِعمةِ الوُجودِ والرِّزقِ. وقيل: الرُّؤيةُ هنا بَصريَّةٌ؛ وعلى هذا الاعتبارِ كان الاستفهامُ الإنكاريُّ مَكينَ الوقْعِ. ويجوزُ أنْ تكونَ جُملةُ أَلَمْ تَرَ جاريةً مَجْرى الأمثالِ في كلامِ البُلغاءِ؛ وعليه فلا الْتِفاتَ فيها إلى معنى الرُّؤيةِ. وقيل: الرُّؤيةُ هنا قلبيَّةٌ، وأغنَى المصدرُ عن المفعولَينِ [1145] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/258، 259). . وقيل: هو استِئنافٌ خُوطِبَ بهِ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -على أحدِ الأقوالِ-؛ للإيذانِ بأنَّه تعالى أفاضَ عليه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعلَى مَراتبِ النُّورِ وأجْلاها، وبيَّنَ له مِن أسرارِ المُلْكِ والملكوتِ أدقَّها وأخفاها، والهمزةُ للتَّقريرِ، أي: قد علِمْتَ عِلْمًا يَقينيًّا شَبيهًا بالمُشاهَدةِ في القوَّةِ والرَّصانةِ بالوحيِ الصَّريحِ، والاستدلالِ الصَّحيحِ [1146] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/182). .
وفي قولِه: يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ نبَّهَ على كَمالِ قُوَّةِ دَلالةِ المخلوقاتِ عليه سُبحانه وغايةِ وُضوحِها؛ حيثُ عبَّرَ عنها بما يخُصُّ العُقلاءَ مِن التَّسبيحِ الَّذي هو أقْوى مَراتبِ التَّنزيهِ وأظهَرُها؛ تَنزيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزلةَ لِسانِ المَقالِ -وذلك على قولٍ في التفسيرِ-، وأكَّدَ ذلك بإيثارِ كَلمةِ (مَن) على (ما)؛ كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عَزَّ وهانَ، وكلَّ فَرْدٍ مِن أفرادِ الأعراضِ والأعيانِ: عاقلٌ ناطقٌ، ومُخبِرٌ صادقٌ بعُلوِّ شأْنِه تعالى وعِزَّةِ سُلطانِه. وتَخصيصُ التَّنزيهِ (التَّسبيحِ) بالذِّكْرِ مع دَلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنُعوتِ الكَمالِ أيضًا؛ لِما أنَّ مَساقَ الكلامِ لتَقبيحِ حالِ الكفَرةِ في إخلالِهم بالتَّنزيهِ، بجَعْلِهم الجَماداتِ شُركاءَ له في الأُلوهيَّةِ، ونِسبَتِهم إيَّاه إلى اتِّخاذِ الولَدِ، تعالى عن ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا [1147] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/182). . وقيل: وجهُ تخصيصِ التسبيحِ هاهنا بالعقلاءِ أنَّ خِلْقةَ العقلاءِ أشدُّ دَلالةً على وجودِ الصانعِ سُبحانَه وتعالى؛ لأنَّ العجائبَ والغرائبَ في خَلقِهم أكثرُ، وهي العقلُ والنطقُ والفَهمُ [1148] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/628). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.
قولُه: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ فيه تَخصيصُ الطَّيرِ بالذِّكْرِ مع اندراجِها في جُملةِ ما في الأرضِ؛ لعدَمِ استِقرارِ قَرارِها، واستِقلالِها بصُنْعٍ بارعٍ، وإنشاءٍ رائعٍ؛ قُصِدَ بَيانُ تَسبيحِها مِن تلك الجِهَةِ؛ لوُضوحِ إنبائِها عن كَمالِ قُدرةِ صانعِها، ولُطْفِ تَدبيرِ مُبدعِها؛ ولذلك قيَّدها بقولِه: صَافَّاتٍ؛ فإنَّ إعطاءَ الأجرامِ الثقيلةِ ما به تقوَى على الوقوفِ في الجوِّ باسطةً أجنحتَها، بما فيها مِن القبضِ والبسطِ- حُجَّةٌ قاطعةٌ على كمالِ قدرةِ الصانعِ تعالى، ولُطفِ تدبيرِه [1149] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير أبي حيان)) (8/56)، ((تفسير أبي السعود)) (6/183). . وقيل: تَخصيصُ الطَّيرِ بالذِّكْرِ مِن بيْنِ المخلوقاتِ؛ للمُقابَلةِ بيْنَ مخلوقاتِ الأرضِ والسَّماءِ بذِكْرِ مَخلوقاتٍ في الجوِّ بين السَّماءِ والأرضِ؛ ولذلك قُيِّدَت بـ صَافَّاتٍ [1150] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/259). .
قولُه: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ استِئنافٌ، وهو مِن تَمامِ العِبرةِ؛ إذ أودَعَ اللهُ في جميعِ أولئك ما به مُلازَمتُهم لِمَا فُطِروا عليه مِن تَعظيمِ اللهِ وتَنزيهِه [1151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/258). . وتَقديمُ الصلاةِ على التَّسبيحِ في الذِّكْرِ؛ لقِدَمِها عليه في الرُّتبةِ [1152] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/183). .
قولُه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ فيه وَعيدٌ وتَخويفٌ [1153] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/56). . وهو اعتِراضٌ تَذييليٌّ مُقرِّرٌ لمَضمونِ ما قبْلَه [1154] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/259). .
قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
قولُه: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَحقيقٌ لِمَا دلَّ عليه الكلامُ السَّابقُ مِن إعطائِه الهُدى للعَجْماواتِ في شُؤونِه، وحِرْمانِه إيَّاهُ فريقًا مِن العُقلاءِ؛ فلو كان ذلك جاريًا على حسَبِ الاستحقاقِ لكان هؤلاء أهْدى مِن الطَّيرِ في شأْنِهم [1155] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/260). .
قولُه: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ بَيانٌ لاختِصاصِ المُلكِ به تعالى في المعادِ، إثْرَ بَيانِ اختصاصِه به تعالى في المبدَأِ. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهِ في مَوقعِ الإضمارِ؛ لتَربيةِ المَهابةِ، والإشعارِ بعِلَّةِ الحُكمِ [1156] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/184). ، وفيه أيضًا تذكيرٌ وتَخويفٌ [1157] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/56). .
وتَقديمُ المعمولينِ وَلِلَّهِ وَإِلَى اللَّهِ؛ لإفادةِ الاختصاصِ، أي: إنَّ التَّصرُّفَ في العوالِمِ للهِ لا لغَيرِه [1158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/260). .
قولُه تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ فيه حُسنُ تخلُّصٍ؛ حيث أعقَبَ الدَّلالةَ على إعطاءِ الهُدى في قوانينِ الإلهامِ في العَجْماواتِ بالدَّلالةِ على خلْقِ الخصائصِ في الجَمادِ، بحيث تَسِيرُ على السَّيرِ الَّذي قدَّرَهُ اللهُ لها سَيرًا لا يتغيَّرُ؛ فهي بذلك أهْدى مِن فريقِ الكافرينَ الَّذين لهم عُقولٌ وحواسُّ لا يَهْتدون بها إلى مَعرفةِ اللهِ تعالى، والنَّظرِ في أدِلَّتِها، وفي ذلك دَلالةٌ على عِظَمِ القُدرةِ، وسَعةِ العلْمِ، ووَحدانيَّةِ التَّصرُّفِ. وهذا استدلالٌ بنظامِ بعضِ حوادثِ الجوِّ حتَّى آلَ إلى قولِه: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ؛ وقد حصَلَ مِن هذا حُسنُ التَّخلُّصِ للانتِقالِ إلى الاستِدلالِ على عِظَمِ القُدرةِ، وسُمُوِّ الحِكمةِ، وسَعةِ العلْمِ الإلهيِّ [1159] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/260). .
قولُه: ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ في تَعقيبِ الجَعلِ المذكورِ برُؤيتِه خارجًا لا بخُروجِه مِنَ المُبالَغةِ في سُرعةِ الخُروجِ، ومِنَ الاعتناءِ بتَقريرِ الرُّؤيةِ ما لا يَخْفى [1160] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/184). .
قولُه: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ مِنْ بَرَدٍ مَفعولُ (يُنَزِّلُ). وقيل: المفعولُ مِنْ جِبَالٍ، وتَقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ؛ للاعتناءِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ. وقيل: مفعولُ (يُنَزِّلُ) مَحذوفٌ يدُلُّ عليه قولُه: فِيهَا مِنْ بَرَدٍ، والتَّقديرُ: يُنزِّلُ برَدًا، ووُقوعُ (مِن) زائدةً؛ لقصْدِ مُشاكَلةِ قولِه: مِنْ جِبَالٍ. وقيل: هو على حذْفِ حَرفِ التَّشبيهِ، والسَّماءُ: السَّحابُ، أي: مِن السَّماءِ الَّتي هي جِبالٌ، أي: كجبالٍ [1161] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/246)، ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/118)، ((تفسير أبي حيان)) (8/57)، ((تفسير أبي السعود)) (6/184، 185)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/262). .
وذكر البَرَد؛ لأنَّهم كانوا يَعرِفونه، فخُوطِبوا بما يعرِفون، وترَك ذِكرَ الثلجِ، وهو أكثرُ نزولًا مِن البَرَدِ؛ لأنَّهم كانوا لا يعرِفونَه في بلادِهم [1162] يُنظر: ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (6/4062). .
قولُه: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، أي: ضَوءُ بَرقِ السَّحابِ، وإضافةُ البرْقِ إليه قبْلَ الإخبارِ بوُجودِه فيه؛ للإيذانِ بظُهورِ أمْرِه، واستِغنائِه عن التَّصريحِ به [1163] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/185). .
قولُه: يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، أي: يخطَفُها مِن فَرطِ الإضاءةِ، وسرعةِ وُرودِها. وفي إطلاقِ الأبصارِ مَزيدُ تَهويلٍ لأمْرِه، وبَيانٌ لشِدَّةِ تأْثيرِه فيها، كأنَّه يكادُ يذهَبُ بها ولو عندَ الإغماضِ، وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كَمالِ القُدرةِ، مِن حيثُ إنَّه تَوليدٌ للضِّدِّ مِن الضِّدِّ [1164] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/110)، ((تفسير أبي السعود)) (6/185). .
وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ فإنَّ قولَه: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ هو كقولِه في سُورةِ (البقرةِ): يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ [البقرة: 20]، سِوى أنَّ هذه الآيةَ زِيدَ فيها لفْظُ سَنَا؛ لأنَّ هذه الآيةَ واردةٌ في مَقامِ الاعتبارِ بتَكوينِ السَّحابِ، وإنْزالِ الغَيثِ؛ فكان المَقامُ مُقْتضيًا للتَّنويهِ بهذا البرْقِ وشِدَّةِ ضِيائِه؛ حتَّى يكونَ الاعتبارُ بأمْرينِ: بتكوينِ البرْقِ في السَّحابِ، وبقُوَّةِ ضِيائِه حتَّى يَكاد يَذهَبُ بالأبصارِ. وآيةُ (البقرةِ) واردةٌ في مَقامِ التَّهديدِ والتَّشويهِ لحالِهم حين كانوا مُظهِرينَ الإسلامَ ومُنطَوِينَ على الكُفرِ والجُحودِ؛ فكانتْ حالُهم كحالةِ الغَيثِ المُشتمِلِ على صَواعِقَ ورعْدٍ وبرْقٍ؛ فظاهِرُه مَنفعةٌ، وفي باطنِه قوارعُ ومَصائبُ. ومِن أجْلِ اختلافِ المَقامينِ وُضِعَ التَّعبيرُ هنا بـ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ، وهنالِك بقولِه: يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ؛ لأنَّ في الخَطْفِ مِن معنى النِّكايةِ بهم والتَّسلُّطِ عليهم ما ليس في (يَذهَبُ)؛ إذ هو مُجرَّدُ الاستِلابِ. وأمَّا التَّعبيرُ هنا بالأبصارِ مُعرَّفًا باللَّامِ؛ فلأنَّ المقصودَ أنَّ البرْقَ مُقارِبٌ أنْ يُزيلَ طائفةً مِن جِنسِ الأبصارِ؛ فالحُكْمُ على حالةِ البرْقِ الشَّديدِ مِن حيثُ هي، بخلافِ آيةِ (البقرةِ)؛ فإنَّها في مَقامِ التَّوبيخِ لهم بأنَّ ما شأْنُه أنْ يَنتفِعَ النَّاسُ به قد أشرَفَ على الضُّرِّ بهم؛ فلذلك ذُكِرَ لفْظُ (أبصار) مُضافًا إلى ضَميرِهم. مع ما في هذا التَّخالُفِ مِن تفْنينِ الكلامِ الواحدِ على أفانينَ مُختلفةٍ؛ حتَّى لا يكونَ الكلامُ مُعادًا، وإنْ كان المَعنى مُتَّحِدًا. ولا تجِدُ حقَّ الإيجازِ فائتًا؛ فإنَّ هذينِ الكلامينِ في حدِّ التَّساوي في الحُروفِ والنُّطقِ. وهكذا نَرى بلاغةَ القُرآنِ وإعجازَهُ وحلاوةَ نظْمِه [1165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/263). .
قولُه تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ الكلامُ استِئنافٌ، وجِيءَ به مُستأنَفًا غيرَ مَعطوفٍ على آياتِ الاعتِبارِ المذكورةِ قَبْلَه؛ لأنَّه أُرِيدَ الانتِقالُ مِن الاستِدلالِ بما قدْ يَخْفى على بعضِ الأبصارِ إلى الاستِدلالِ بما يُشاهِدُه كلُّ ذي بَصَرٍ كلَّ يومٍ وكلَّ شهْرٍ، فهو لا يَكادُ يَخْفى على ذي بصَرٍ، وهذا تدرُّجٌ في مَوقعِ هذه الجُملةِ عقِبَ جُملةِ: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ؛ ولذلك فالمقصودُ مِن الكلامِ هو جُملةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، ولكنْ بُنِيَ نظْمُ الكلامِ على تَقديمِ الجُملةِ الفِعليَّةِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ؛ لِمَا تَقْتضيهِ مِن إفادةِ التَّجدُّدِ، بخلافِ أنْ يُقالَ: إنَّ في تَقليبِ اللَّيلِ والنَّهارِ لَعِبرةً [1166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/264). .
قولُه: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ تَقليبُ اللَّيلِ والنَّهارِ تَغييرُ الأُفقِ مِن حالةِ اللَّيلِ إلى حالةِ الضِّياءِ، ومِن حالةِ النَّهارِ إلى حالةِ الظَّلامِ، فالمُقلَّبُ هو الجوُّ بما يَختلِفُ عليه مِن الأعراضِ، ولكنْ لمَّا كانت حالةُ ظُلمةِ الجوِّ تُسمَّى ليلًا، وحالةُ نُورِه تُسمَّى نهارًا؛ عُبِّرَ عن الجوِّ في حالتَيهِ بهما، وعُدِّيَ التَّقليبُ إليهما بهذا الاعتِبارِ، وممَّا يدخُلُ في معنى التَّقليبِ تَغييرُ هَيئةِ اللَّيلِ والنَّهارِ بالطُّولِ والقِصَرِ؛ ولرَعْيِ تَكرُّرِ التَّقلُّبِ بمَعنيَيهِ عُبِّرَ بالمُضارِعِ المُقْتضي للتَّكرُّرِ والتَّجدُّدِ يُقَلِّبُ [1167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/264). .
قولُه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ فيه التَّأكيدُ بـ (إنَّ)؛ وهو إمَّا لمُجرَّدِ الاهتِمامِ بالخبَرِ، وإمَّا لتَنزيلِ المُشركينَ في تَرْكِهم الاعتبارَ بذلك مَنزلةَ مَن يُنكِرُ أنَّ في ذلك عِبرةً [1168] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/264). .
والإشارةُ الواقعةُ في قولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ إلى ما تَضمَّنَه فِعلُ يُقَلِّبُ مِن المصدرِ، أي: إنَّ في التَّقليبِ، ويُرجِّحُ هذا القصدَ ذِكرُ العِبرةِ بلفْظِ المُفرَدِ المُنكَّرِ. وقيل: الإشارةُ بقولِه: إِنَّ فِي ذَلِكَ إلى جميعِ ما ذُكِرَ آنفًا، ابتِداءً مِن قولِه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا [النور: 43]؛ فيَكونُ الإفرادُ في قولِه: لَعِبْرَةً ناظرًا إلى أنَّ مجموعَ ذلك يُفِيدُ جِنسَ العِبرةِ الجامعةِ لليقينِ بأنَّ اللهَ هو المُتصرِّفُ في الكونِ. ولم تَرِدِ العِبرةُ في القُرآنِ مُعرَّفةً بلامِ الجِنسِ، ولا مَذكورةً بلفْظِ الجمْعِ [1169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/264، 265). . والتعبيرُ باسمِ الإشارةِ ذَلِكَ الذي يفيدُ البُعدَ مع قُربِ المُشارِ إليه؛ للإيذانِ بعُلوِّ رُتْبتِه، وبُعدِ مَنزلَتِه [1170] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/185). .
وأيضًا في قولِه: لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ خُصَّ أولُو الأبصارِ بالاتِّعاظِ؛ لأنَّ البصرَ والبصيرةَ إذا استُعْمِلا وَصَلا إلى إدراكِ الحقِّ [1171] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/59). .
قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قولُه: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فيه تَقديمُ المُسنَدِ إليه وَاللَّهُ على الخبرِ الفِعليِّ خَلَقَ ...؛ لأنَّه لمَّا كان الاعتِبارُ بتَساوي أجناسِ الحيوانِ في أصلِ التَّكوينِ مِن ماءِ التَّناسُلِ، مع الاختلافِ في أوَّلِ أحوالِ تلك الأجناسِ في آثارِ الخِلْقةِ -وهو حالُ المشْيِ- إنَّما هو باستمرارِ ذلك النِّظامِ بدونِ تخلُّفٍ، وكان ذلك مُحقَّقًا؛ كان إفراغُ هذا المعنى بتَقديمِ المُسنَدِ إليه على الخبَرِ الفِعليِّ مُفيدًا لأمْرينِ: التَّحقُّقِ بالتَّقديمِ على الخبَرِ الفِعليِّ، والتَّجدُّدِ بكونِ الخبَرِ فِعليًّا [1172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/265). .
وإظهارُ اسمِ الجَلالةِ وَاللَّهُ دونَ الإضمارِ (وهو)؛ للتَّنويهِ بهذا الخَلْقِ العجيبِ [1173] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/265). .
وأيضًا اخْتِيرَ فِعلُ المُضِيِّ خَلَقَ؛ للدَّلالةِ على تَقريرِ التَّقوِّي بأنَّ هذا شأْنٌ مُتقرِّرٌ منذ القِدَمِ، مع عدَمِ فَواتِ الدَّلالةِ على التَّكريرِ؛ حيث عقَّبَ الكلامَ بقولِه: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [1174] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/265). .
وخصَّ الدَّابَّةَ بالذِّكْرِ، مع أنَّ غيرَها مِثْلُها، كما شَمِلَهُ قولُه في سُورةِ الأنبياءِ: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]؛ لأنَّ القُدرةَ فيها أظهَرُ وأعجَبُ منها في غيرِها [1175] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 398). .
قولُه: مِنْ مَاءٍ فيه تَنكيرُ (ماء)، وهو إمَّا للإفرادِ نوعًا؛ فإنَّه تعالى خلَقَ كلَّ نوعٍ مِن أنواعِ الدَّوابِّ مِن ماءٍ مُختَصٍّ بذلك النَّوعِ؛ فخلَقَ نوعَ الإنسانِ مِن ماءٍ مُختصٍّ به، وخلَقَ الفرَسَ مِن ماءٍ مُختصٍّ به. وإمَّا للإفرادِ شَخْصًا؛ فإنَّه تعالى خلَقَ كلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ مَخصوصٍ بها، وهو النُّطفةُ -وذلك على قولٍ في التفسيرِ-، ثمَّ اختلَفَتْ هذه النُّطفةُ بحسَبِ اختلافِ الدَّوابِّ؛ فيكونُ تَنزيلًا للغالِبِ مَنزلةَ الكلِّ؛ إذ مِن الحيواناتِ ما يَتولَّدُ لا عن النُّطفةِ [1176] يُنظر: ((تفسير الزمخشري – حاشية ابن المنير)) (3/247)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/120)، ((تفسير أبي حيان)) (8/60)، ((تفسير أبي السعود)) (6/185)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/636). .
وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيثُ جاء الماءُ في قولِه: مِنْ مَاءٍ نكِرةً، وجاء في سُورةِ (الأنبياءِ) وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30] مَعرِفةً؛ ووَجْهُه: أنَّ تَنكيرَ مَاءٍ لإرادةِ النَّوعيَّةِ؛ تَنبيهًا على اختِلافِ صِفاتِ الماءِ لكلِّ نوعٍ مِن الدَّوابِّ؛ إذ المقصودُ تَنبيهُ النَّاسِ إلى اختلافِ النُّطَفِ -وذلك على قولٍ في التفسيرٍ-؛ للزِّيادةِ في الاعتبارِ. وهذا بخِلافِ قولِه: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]؛ إذ قُصِدَ هناك إلى أنَّ أجناسَ الحيوانِ كلَّها مَخلوقةٌ مِن جِنسِ الماءِ، وهو جِنسٌ واحدٌ اختلَفَت أنواعُه؛ فتعريفُ الجِنسِ هناك إشارةٌ إلى ما يَعرِفُه النَّاسُ إجمالًا ويَعهَدونه؛ مِن أنَّ الحيوانَ كلَّه مخلوقٌ مِن نُطَفِ أُصولِه. وهذا مناطُ الفرْقِ بيْن التَّنكيرِ كما هنا، وبيْن تَعريفِ الجِنسِ كما في آيةِ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]؛ فالآيةُ الأُولى لإخراجِ المُختلِفِ مِن المُتَّفِقِ، والثَّانيةُ لإخراجِ المُتَّفِقِ مِن المُختلِفِ [1177] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/407)، ((تفسير الزمخشري – حاشية ابن المنير)) (3/247)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/120)، ((تفسير أبي حيان)) (8/60)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/293)، ((تفسير أبي السعود)) (6/185)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/636). .
قولُه: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ فيه تَسميةُ حَركتِها مشْيًا مع كَونِها زحْفًا على البطن؛ اتساعًا؛ لقيامِه مقامَ المشيِ [1178] يُنظر: ((تفسير العليمي)) (4/549). . وقيل: لأنَّ كلَّ سائرٍ يقالُ له: ماشٍ، وقد مشَى، سواءٌ كانت له قوائمُ أو لم تكنْ له، بل وإن لم يكنْ مِن الحيوانِ [1179] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (4/50). . وقيل: للمُشاكَلةِ مع بقيَّةِ الأنواعِ. وقيل غيرُ ذلك [1180] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/247)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((تفسير أبي حيان)) (8/60)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 399)، ((تفسير أبي السعود)) (6/185)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/636). .
وفي قولِه: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ تَغليبٌ للعاقلِ على غيرِه؛ لأنَّه لمَّا اختلَطَ غيرُ العاقلِ بالعاقلِ في الفصْلِ بـ (مَن) وكُلِّ دَابَّةٍ، كان التَّعبيرُ بـ (مَن) أوْلى؛ لِتُوافِقَ اللَّفظَ. والقاعدةُ: إذا اجتَمع مَن يعقلُ وغيرُه غُلِّب مَن يعقلُ، فلمَّا وقَع التفصيلُ وقَع تفصيلًا للعقلاءِ فقط، ويحتمِلُ أنْ تكونَ (مَن) نكِرةً مَوصوفةً بالجُملةِ بعدَها، والتَّقديرُ: فمنهم نوعٌ يَمْشي على بطْنِه، ونوعٌ يَمْشي على رِجلينِ، ونوعٌ يَمْشي على أربعٍ [1181] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/540)، ((تفسير الزمخشري)) (3/247)، ((تفسير البيضاوي)) (4/111)، ((تفسير أبي حيان)) (8/60)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/214)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 398، 399)، ((تفسير أبي السعود)) (6/185)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/636). . وقيل: لمَّا كان في سياقِ التعظيمِ، وكان قد آتَى كلَّ نفْسٍ مِن الإدراكِ ما تعرِفُ به منافعَها ومضارَّها؛ عبَّر عن الكلِّ بأداةِ مَن يَعقِلُ، وإن كانوا متفاوتينَ في التمييزِ [1182] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/294). .
قولُه: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ زِيادةٌ في العِبرةِ، أي: يتجدَّدُ خلْقُ اللهِ ما يشاءُ أنْ يَخلُقَه ممَّا علِمْتُم وما لم تَعلَموا؛ فهي جُملةٌ مُستأنَفةٌ [1183] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/266). .
وأيضًا قولُه: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فيه إظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهُ في مَوضعِ الإضمارِ؛ لتَفخيمِ شأْنِ الخَلْقِ المذكورِ، والإيذانِ بأنَّه مِن أحكامِ الأُلوهيَّةِ [1184] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/186)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/265). .
قولُه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعليلٌ وتَذييلٌ، وإظهارُ اسمِ الجلالةِ اللَّهَ أيضًا في مقامِ الإضمارِ؛ لتَفخيمِ شأْنِ الخلْقِ المذكورِ، والإيذانِ بأنَّه مِن أحكامِ الأُلوهيَّةِ؛ وليكونَ كلامًا مُستقِلًّا بذاتِه؛ لأنَّ شأْنَ التَّذييلِ أنْ يكونَ كالمَثلِ [1185] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/186)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/266). .
وقدَّم ما يمشي على غيرِ آلةٍ؛ لكونِ الآيةِ سيقَتْ لبيانِ القدرةِ وتعجُّبِ السامعِ، وما يمشي بغيرِ آلةٍ أعجبُ ممَّا يمشي بآلةٍ، فلذلك كان تقديمُه ملائمًا لمقصودِ الآيةِ الشريفةِ، ثمَّ ثنَّى بالأفضلِ فأتَى بما يمشي على رجلينِ، وهو الآدميُّ والطيرُ؛ لتمامِ خلقِ الإنسانِ، وكمالِ صورتِه، ولما في الطيرِ مِن عجبِ الطيرانِ الدالِّ على الخفَّةِ، معَ ما فيه مِن الكثافةِ الأرضيةِ، وثلَّث بما يمشي على أربعٍ؛ لأنَّه أحسنُ الحيوانِ البهيميِّ وأقواه، فتضمَّنتْ هذه الكلماتُ -التي هي بعضُ آيةٍ-، عدةً مِن المحاسنِ، منها: صحةُ التقسيمِ معَ مراعاةِ الترتيبِ، وائتلافُ اللفظِ معَ المعنى، وحُسنِ النَّسقِ [1186] يُنظر: ((خزانة الأدب)) للحموي (2/371)، و يُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (24/407). .
قولُه تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَذييلٌ للدَّلائلِ والعِبَرِ السَّالفةِ، وهو نتيجةُ الاستِدلالِ؛ ولذلك خُتِمَ بقولِه: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أي: إنْ لم يَهتَدِ بتلك الآياتِ أهلُ الضَّلالةِ؛ فذلك لأنَّ اللهَ لم يَهْدِهم؛ لأنَّه يَهْدي مَن يشاءُ [1187] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/267). .
ولم تُعطَفْ هذه الجُملةُ على ما قبْلَها، بعكْسِ قولِه السَّابقِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور: 34]؛ لأنَّ المُرادَ بالآياتِ هنا آياتُ القُرآنِ كما يَقْتضيه فِعْلُ أَنْزَلْنَا . ولمَّا كان المقصودُ مِن هذا إقامةَ الحُجَّةِ دونَ الامتنانِ، لم يُقيَّدْ إنزالُ الآياتِ بأنَّه إلى المُسلمينَ كما قُيِّدَ في قولِه تعالى قبْلَه: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [1188] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/267). [النور: 34].
وتَكريرُ قولِه: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ مِن بابِ التَّرجيعِ والشُّروعِ في مَشرعٍ آخَرَ مِن ذِكْرِ المُنافقينَ وأحوالِهم [1189] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/122). .