موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (36-39)

ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ

غريب الكلمات:


تَقْفُ: أي: تَتْبَعْ، وأصلُ (قفو): يدُلُّ على إتباعِ شَيءٍ لِشَيءٍ [552] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 254)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 145)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/112).   .
مَرَحًا: أي: مُختالًا مُستَكبِرًا، وأصلُ (مرح): يدلُّ على مَسَرَّةٍ لا يكادُ يستَقِرُّ معها المرءُ طَرَبًا [553] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 255)، ((تفسير ابن جرير)) (14/597)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/316)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 266)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 876).   .
تَخْرِقَ الْأَرْضَ: أي: تَنقُبَها، وتثقبَها إلى الجانبِ الآخرِ. وقيل: تَقْطَعَها وتَبلُغَ أطرافَها، وأصلُ (خرق): يدُلُّ على مَزْقِ الشَّيءِ وقَطعِه [554] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 255)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/172)، ((الغريبين)) للهروي (2/549)، ((البسيط)) للواحدي (13/335)، ((المفردات)) للراغب (ص: 280)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 108).   .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: ولا تَتْبَعْ ما لا علمَ لك به بمجَرَّدِ الظَّنِّ، بل تأكَّدْ وتثبَّتْ؛ إنَّ السَّمْعَ والبصَرَ والفُؤادَ مسؤولٌ عنها الإنسانُ يومَ القيامةِ فيما استعمَلَها.
ثم ينهَى الله عن التفاخرِ والتكبرِ والإعجابِ بالنفسِ، فيقولُ: ولا تمشِ في الأرضِ مُختالًا مُتكبِّرًا؛ فإنَّك لن تُؤَثِّرَ في الأرضِ فتَخرِقَها بشِدَّةِ وطءِ قدَميك عليها، ولن تَبلُغَ الجِبالَ طُولًا باختيالِك وتكَبُّرِك.
ثمَّ ختَم الله تعالى تلك النَّواهي بقولِه: جميعُ ما تقدَّم ذِكْرُه مِن أوامِرَ ونواهٍ كان سيِّئُه مُبغَضًا عند الله، لا يَرضاه لعِبادِه، ذلك الذي تضمَّنَته الآياتُ السَّابِقةُ مِن الأحكامِ؛ مِمَّا أوحاه الله إليك -يا مُحَمَّدُ- مِنَ الحِكمةِ، ولا تجعَلْ مع اللهِ تعالى شَريكًا له في عبادتِه، فتُرمى في نارِ جهنَّمَ مَلُومًا مَطرودًا مُبعَدًا مِن كُلِّ خَيرٍ.

تفسير الآيات:


وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36).
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
أي: ولا تَقُلْ أو تفعَلْ شيئًا بمُجَرَّدِ الظَّنِّ، فتَتْبَعْ ما لا عِلمَ لك به، ولا دليلَ على صِحَّته، ومِن ذلك: رَميُ النَّاسِ وقَذفُهم بالباطِلِ، والشَّهادةُ عليهم بغَيرِ الحَقِّ [555] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/596)، ((تفسير ابن عطية)) (3/455، 456)، ((تفسير القرطبي)) (10/257)، ((تفسير ابن كثير)) (5/75)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/414)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/100، 101)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/145). قال أبو السعود: (المرادُ بالعِلمِ هو الاعتِقادُ الرَّاجِحُ المُستفادُ مِن سَنَدٍ قطعيًّا كان أو ظَنِّيًّا). ((تفسير أبي السعود)) (5/171). وقال النحاس: (دخل في هذا النَّهيُ عن قَذفِ المُحصَناتِ، وعن القَولِ في النَّاسِ بما لا يعلَمُ، وعن الكَلامِ في الفِقهِ والدِّينِ بالظَّنِّ، وألَّا يقولَ أحَدٌ ما لا يَحُقُّه). ((إعراب القرآن)) (2/272). قال الشنقيطي: (نهى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمةِ عن اتِّباعِ الإنسانِ ما ليس له به علمٌ، ويشمَلُ ذلك قولَه: «رأيتُ» ولم يَرَ. و«سمعتُ» ولم يسمَعْ. و«علمتُ» ولم يعلَمْ. ويدخل فيه كلُّ قولٍ بلا علم، وأن يعمَلَ الإنسانُ بما لا يعلمُ). ((أضواء البيان)) (3/145). قال الرازي عن تأويل هذه الآية: (فيه وجوهٌ: الوجه الأول: المرادُ: نهيُ المشركين عن المذاهبِ التي كانوا يعتقدونَها في الإلهيَّاتِ والنبوَّاتِ بسَبَبِ تقليدِ أسلافِهم. والقول الثاني: أنَّ المرادَ منه: شهادةُ الزور. والقول الثالث: المرادُ منه: النهيُ عن القذفِ ورميِ المحصَنين والمحصَنات بالأكاذيبِ. والقول الرابع: المرادُ منه: النهيُ عن الكَذِب. والقول الخامس: أنَّ القَفْوَ هو البَهتُ، وأصلُه من القَفا، كأنَّه قولٌ يقالُ خَلفَه، وهو في معنى الغِيبةِ، وهو ذِكرُ الرجُلِ في غيبتِه بما يَسوؤُه. واعلم أنَّ اللفظَ عامٌّ يتناولُ الكُلَّ فلا معنى للتقييدِ، والله أعلم). ((تفسير الرازي)) (20/339) بتصرف. .
كما قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 116].
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: 28].
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
أي: إنَّ سَمْعَ الإنسانِ وبَصَرَه وقَلْبَه، كُلُّ هذه الأعضاءِ العَظيمةِ، العاليةِ المنافِعِ، البَديعةِ التَّكوينِ، سيَسألُ اللهُ الإنسانَ عنها يومَ القيامةِ فيما استعمَلَها، وتُسأَلُ هي عمَّا عَمِلَ فيها صاحِبُها، فتَشهَدُ عليه بما قال وفَعَل مِن خَيرٍ وشَرٍّ [556] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/596)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/239)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 634)، ((تفسير القرطبي)) (10/259، 260)، ((تفسير البيضاوي)) (3/255)، ((الاستقامة)) لابن تيمية (1/218)، ((تفسير ابن كثير)) (5/75)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/414)، ((تفسير القاسمي)) (6/460، 461)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457). قيل: المرادُ بقولِه تعالى: كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا: أنَّ الله سائلٌ هذه الأعضاءَ عما فعَل بها صاحبُها.. وممَّن قال بهذا: ابنُ جرير، والزجاج، وابنُ العربي، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/596)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/239)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/201)، ((تفسير القرطبي)) (10/259-260). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: عكرمةُ، وعمرُو بنُ قيسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2331)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/286). وقيل: المرادُ بذلك: أنَّ الله يسألُ العبادَ فيم استعملوا هذه الحواسَّ. وممن قال بذلك: الواحدي، وابنُ تيمية، وابنُ القيم، والسعدي، والشنقيطي، ونسَبه للجمهورِ. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 634)، ((الاستقامة)) لابن تيمية (1/218)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/107)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/155). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: قتادة. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2331)، ((تفسير ابن جرير)) (14/594). قال الشنقيطي: (المعنى: انتَهِ عمَّا لا يحِلُّ لك؛ لأنَّ الله أنعم عليك بالسَّمعِ والبصَرِ والعَقلِ لتشكُرَه، وهو مختَبِرُك بذلك وسائِلُك عنه، فلا تستعمِلْ نِعَمَه في معصية). ((أضواء البيان)) (3/155). وممَّن جمع بين المعنيين: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/75). .
كما قال تعالى: وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 93].
وقال سُبحانَه: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت: 20].
وعن شَكَلِ بن حُمَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلِّمْني دُعاءً، قال: قل: اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِن شَرِّ سَمعي، ومِن شَرِّ بَصَري، ومِن شَرِّ لِساني، ومِن شَرِّ قَلبي، ومِن شَرِّ مَنِيِّي)) [557] أخرجه أبو داود (1551) واللفظ له، والترمذي (3492)، والنسائي (5444)، وأحمد (15541). قال الترمذيُّ: (حسَنٌ غريبٌ لا نعرِفُه إلَّا مِن هذا الوجهِ)، وحَسَّنه ابنُ حَجَرٍ في ((الإمتاع)) (1/187)، وصَحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (1551).   .
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37).
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا.
أي: ولا تَمْشِ في الأرضِ مُختالًا مُتبَختِرًا مُتمايلًا مُتَكبِّرًا، كمِشيةِ الجبَّارينَ [558] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/597)، ((تفسير ابن كثير)) (5/75)، ((تفسير السعدي)) (ص: 457). قال القرطبي: (قولُه تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا هذا نهيٌ عن الخيلاء وأمرٌ بالتواضُعِ. والمرَحُ: شدَّةُ الفرحِ. وقيل: التكبُّرُ في المشي. وقيل: تجاوزُ الإنسانِ قَدْرَه. وقال قتادة: هو الخُيلاءُ في المشيِ. وقيل: هو البطَرُ والأشَرُ. وقيل: هو النشاطُ. وهذه الأقوال متقاربةٌ، ولكنها منقسمةٌ قسمين: أحدُهما مذمومٌ، والآخر محمود، فالتكبُّرُ والبطَرُ والخيلاء وتجاوزُ الإنسانِ قَدْرَه مذمومٌ، والفرَحُ والنشاط محمود). ((تفسير القرطبي)) (10/260). وقال ابن عاشور: (تأويلُه [أي: لفظ مَرَحًا] باسمِ الفاعل، أي: لا تمشِ مارِحًا، أي: مِشيةَ المارح، وهي المشيةُ الدالَّةُ على كبرياء الماشي بتمايُلٍ وتبخترٍ. ويجوز أن يكون مَرَحًا مفعولًا مُطلقًا مبَيِّنًا لفعل تَمْشِ؛ لأنَّ للمشيِ أنواعًا، منها: ما يدلُّ على أنَّ صاحِبَه ذو مرح... والمشي مرحًا: أن يكون في المشيِ شِدَّةُ وطءٍ على الأرضِ وتطاولٌ في بدَنِ الماشي). ((تفسير ابن عاشور)) (15/103). وقال الشنقيطي: (أصلُ المرحِ في اللغة: شِدَّةُ الفرَحِ والنشاط، وإطلاقُه على مشي الإنسان متبخترًا مشْيَ المتكَبِّرين؛ لأنَّ ذلك من لوازمِ شِدَّةِ الفرح والنشاط عادةً). ((أضواء البيان)) (3/156). .
  إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا.
أي: إنَّك -أيُّها المُتكَبِّرُ المُتعاظِمُ في مَشْيِه- لن تَثقُبَ الأرضَ بشِدَّة وطْءِ قَدَميك عند اختيالِك في مَشْيِك، ولن يَبلُغَ طُولُك -بتطاوُلِ بَدَنِك للأعلى في مِشيَتِك- طُولَ الجِبالِ؛ فما الذي يُغريك بهذه المِشيةِ، وقُدرتُك لا تَبلُغُ بك هذا المَبلغَ؟! فتواضَعْ ولا تتكَبَّرْ، واعرِفْ قَدْرَ ضَعْفِك وعَجْزِك؛ فأنت مَحصورٌ بين جمادَينِ لا تَقدِرُ على التَّأثيرِ فيهما؛ الأرضِ التي تحتَك، والجِبالِ الشَّامِخةِ مِن فَوقِك [559] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/597)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 635)، ((تفسير ابن كثير)) (5/75)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/103، 104)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/156، 157).   !
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((بينما رجُلٌ يَتبختَرُ [560] يَتبختَرُ: أي: يَمشي خُيَلاءَ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (7/2978).   ، يَمشي في بُرْدَيه [561] بُرْدَيه: واحِدُه بُردٌ: وهو كِساءٌ مُخَطَّطٌ أو مُوشًّى يُلتحَفُ به. يُنظر: ((معجم اللغة العربية المعاصرة)) (1/185).   ، قد أعجَبَتْه نَفسُه، فخَسَفَ اللهُ بهِ الأرضَ، فهو يتجلجَلُ [562] يتجلجَلُ: أي: يغوصُ ويَذهَبُ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (7/2978).   فيها إلى يومِ القيامةِ)) [563] رواه البخاري (5789)، ومسلم (2088) واللفظ له.   .
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38).
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: سَيِّئُهُ قِراءتانِ:
1- قِراءةُ سَيِّئُهُ على أنَّ الضَّميرَ يعودُ إلى جميعِ ما سَبَق ذِكرُه مِن المأموراتِ والمَنهيَّاتِ التي تقَدَّمَ ذِكرُها في الآياتِ السَّابقةِ، والسَّيئُ منه: هو المنهيَّاتُ فقط [564] قرأ بها الكوفيون وابنُ عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/307). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/95)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 403)، ((الكشف)) لمكي (2/47).   .
2- قِراءةُ سَيِّئَةً على أنَّ المرادَ جَميعُ ما نهى اللهُ عنه مِمَّا تقَدَّمَ ذِكرُه في الآياتِ السَّابِقةِ [565] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/307). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/95)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 403)، ((الكشف)) لمكي (2/47).   .
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38).
أي: جميعُ ما ذُكِرَ في الآياتِ السَّابقةِ مِن الأوامِرِ والنَّواهي، كان سَيِّئُه -وهو ما نهَى اللهُ عنه- قَبيحًا مُبغَضًا عندَ رَبِّك الذي أحسَنَ إليك إحسانًا لا ينبغي أن يُقابَل عليه إلَّا بالشُّكرِ -يا مُحَمَّدُ [566] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/599، 600)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (2/9)، ((تفسير ابن كثير)) (5/77)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/416).   .
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ في هذا التَّذييلِ تَنبيهًا على أنَّ ما اشتَمَلَت عليه الآياتُ السَّابِقةُ، هو مِن الحِكمةِ؛ تحريضًا على اتِّباعِ ما فيها، وأنَّه خَيرٌ كَثيرٌ [567] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/106).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا تَمَّت هذه الأوامِرُ والزَّواجِرُ على هذا الوجهِ الأحكَمِ، والنِّظامِ الأقوَمِ؛ أشار إلى عَظيمِ شأنِه، ومُحكَمِ إتقانِه، بقَولِه تعالى [568] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/417).   :
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ.
أي: هذه الأحكامُ والأوامِرُ والنَّواهي التي تَضَمَّنَتْها الآياتُ السَّابقةُ، مِمَّا أوحَى إليك ربُّك -يا مُحَمَّدُ- مِنَ الحِكمةِ [569] قال ابن عطية: (الإشارةُ بـ ذَلِكَ إلى هذه الآدابِ التي تضمَّنَتْها هذه الآياتُ المتقَدِّمةُ، أي: هذه من الأفعالِ المحكَمةِ التي تقتضيها حِكمةُ الله في عبادِه، وخَلْقِه لهم محاسِنَ الأخلاق. والْحِكْمَةِ قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة). ((تفسير ابن عطية)) (3/458). وقال الزمخشري: (وسَمَّاه حِكمةً؛ لأنَّه كَلامٌ مُحكَمٌ لا مَدخَلَ فيه للفَسادِ بوَجهٍ). ((تفسير الزمخشري)) (2/668). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/272). وقال ابنُ الجوزيِّ: (قَولُه تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ يُشيرُ إلى ما تقَدَّمَ مِن الفرائِضِ والسُّنَنِ. مِنَ الْحِكْمَةِ، أي: مِن الأُمورِ المُحْكَمةِ والأدَبِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيرٍ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/25). وقال الرازي: (قولُه: ذَلِكَ إشارةٌ إلى كلِّ ما تقدَّمَ ذِكرُه من التكاليفِ، وسمَّاها حِكمةً، وإنما سمَّاها بهذا الاسم لوجوهٍ: أحدُها: أنَّ حاصِلَها يرجِعُ إلى الأمر بالتوحيد وأنواعِ الطاعاتِ والخيراتِ، والإعراضِ عن الدنيا والإقبالِ على الآخرة، والعقولُ تدُلُّ على صحَّتِها، فالآتي بمثلِ هذه الشريعةِ لا يكونُ داعيًا إلى دينِ الشيطان، بل الفطرةُ الأصلية تشهَدُ بأنَّه يكون داعيًا إلى دين الرحمنِ ... وثانيها: أنَّ الأحكامَ المذكورةَ في هذه الآياتِ شرائِعُ واجِبةُ الرعايةِ في جميع الأديانِ والمِلَلِ، ولا تقبَلُ النَّسخَ والإبطالَ، فكانت محكَمةً وحِكمةً من هذا الاعتبارِ. وثالثها: أنَّ الحِكمةَ عِبارةٌ عن معرفةِ الحَقِّ لذاتِه، والخيرِ لأجلِ العمَلِ به، فالأمرُ بالتوحيدِ عِبارةٌ عن القِسمِ الأوَّلِ، وسائرُ التكاليف عبارةٌ عن تعليم الخيراتِ حتى يواظِبَ الإنسانُ عليها ولا ينحَرِفَ عنها؛ فثبت أنَّ هذه الأشياءَ المذكورة في هذه الآياتِ عينُ الحكمة). ((تفسير الرازي)) (20/344). وقال ابن عاشور: (والحِكمةُ: معرفةُ الحقائقِ على ما هي عليه دون غلطٍ ولا اشتباهٍ، وتطلَقُ على الكلامِ الدالِّ عليها). ((تفسير ابن عاشور)) (15/106). ؛ لِتَعمَلَ بها، وتدعُوَ النَّاسَ إليها [570] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/601)، ((تفسير ابن عطية)) (3/458)، ((تفسير القرطبي)) (10/264)، ((تفسير ابن كثير)) (5/77)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/105).   .
كما قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخلاقِ )) [571] أخرجه أحمد (8952)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (273)، والحاكم (4221). صحَّحه ابنُ عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (24/333)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/191): (رجالُه رِجالُ الصَّحيحِ)، وصحَّحه ابنُ باز في ((مجموع الفتاوى)) (7/152)، والألباني في ((صحيح الجامع)) (2349).   .
وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا.
أي: ولا تجعَلْ مع اللهِ مَعبودًا غَيرَه، فتُرمَى في جهنَّمَ مَلومًا؛ تلومُك نَفسُك، ويَلومُك الخَلقُ، مُبعَدًا مَطرودًا مِن رَحمتِه سُبحانَه [572] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/601)، ((تفسير القرطبي)) (10/264)، ((تفسير ابن كثير)) (5/77)، ((تفسير السعدي)) (ص: 458)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/106). قال ابنُ عطية: (الخطاب للنبي عليه السلام، والمرادُ كلُّ مَن سمِع الآيةَ مِن البشرِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/458). وقال ابنُ كثير: (والمرادُ مِن هذا الخِطابِ الأُمَّةُ بواسِطةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّه -صَلَواتُ اللهِ وسلامُه عليه- مَعصومٌ). ((تفسير ابن كثير)) (5/77). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/106). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا فيه أدَبٌ خُلُقيٌّ عَظيمٌ، وهو أيضًا إصلاحٌ عَقليٌّ جَليلٌ يُعَلِّمُ الأمَّةَ التَّفرِقةَ بين مراتِبِ الخواطِرِ العَقليَّةِ، بحيث لا يختَلِطُ عِندَها المَعلومُ والمَظنونُ والمَوهومُ، ثمَّ هو أيضًا إصلاحٌ اجتماعيٌّ جَليلٌ يُجَنِّبُ الأُمَّةَ مِن الوُقوعِ والإيقاعِ في الأضرارِ والمهالِكِ؛ مِن جَرَّاءِ الاستِنادِ إلى أدِلَّةٍ مَوهومةٍ [573] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/101).   .
2- قَولُ الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا فيه زَجرٌ عن النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، والاستِماعِ إلى ما يَحرُمُ، وإرادةِ ما لا يَجوزُ [574] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (13/333).   .
3- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا حُجَّةٌ في تَرْكِ قَبُولِ الطَّعْنِ في المُسلمينَ بِغَيرِ ثَبَتٍ، ولا ثَبَتَ إلَّا بيقينِ المُعايَنةِ، أو السَّمعِ مِن المَطعونِ عليه لا مِنَ الطَّاعِنِ، أو قيامِ بيِّنَةٍ عادِلةٍ [575] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/144).   .
4- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا نهيٌ عن التكَلُّمِ بلا عِلْمٍ، وهو عامٌّ في جميعِ أنواعِ الأخبارِ، وقد يتناوَلُ ما أخبَرَ به الإنسانُ، وما قد يعتَقِدُه بغَيرِ الأخبارِ مِن الدَّلائِلِ والآياتِ والعلاماتِ؛ فليس له أنْ يتكَلَّمَ بلا عِلْمٍ، فلا ينفي شيئًا إلَّا بعِلْمٍ، ولا يُثْبِتُه إلَّا بعِلْمٍ [576] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (6/458).   .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا المرادُ مِن الآيةِ النَّهيُ عن أن يمشيَ الإنسانُ مَشيًا يدُلُّ على الكِبرياءِ والعَظَمةِ [577] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/341).   .
6- بدأ اللهُ تعالى هذه التَّكاليفَ المذكورةَ في هذه الآياتِ بالأمرِ بالتَّوحيدِ، والنَّهيِ عن الشِّركِ، فقال: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: 22]، وختَمَها بعَينِ هذا المعنى؛ حيث قال: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ والمقصودُ مِن ذلك التَّنبيهُ على أنَّ أوَّلَ كُلِّ عَمَلٍ وقَولٍ، وفِكرٍ وذِكرٍ، يجِبُ أن يكونَ ذِكْرَ التَّوحيدِ، وآخِرَه يجِبُ أن يكونَ ذِكْرَ التوحيدِ؛ تنبيهًا على أنَّ المقصودَ مِن جَميعِ التَّكاليفِ هو مَعرِفةُ التَّوحيدِ، والاستغراقُ فيه، فهذا التَّكريرُ حَسَنٌ مَوقِعُه؛ لهذه الفائِدةِ العَظيمةِ [578] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/344).   . فالتوحيدُ هو رأسُ كلِّ حكمةٍ وملاكُها، ومَن عدِمه لم تنفَعْه حِكَمُه وعلومُه [579] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/668).   .
7- قَولُه تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الحِكمةُ هي الأمرُ بمحاسِنِ الأعمالِ ومكارمِ الأخلاقِ، والنَّهيُ عن أراذِلِ الأخلاقِ وأسْوَأ الأعمالِ، وهذه الأعمالُ المذكورةُ في هذه الآياتِ مِن الحِكمةِ العاليةِ التي أوحاها ربُّ العالَمينَ لسَيِّدِ المرسَلينَ في أشرَفِ الكتُبِ؛ ليأمُرَ بها أفضَلَ الأُمَمِ، فهي من الحِكمةِ التي مَن أوتيَها فقد أوتِيَ خيرًا كثيرًا [580] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 458).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا حُجَّةٌ في تَحريمِ الحُكْمِ والفَتوى بغَيرِ عِلْمٍ [581] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/144).   .
2- اللهُ سُبحانَه قد ذَمَّ في كتابِه الكلامَ الباطِلَ، والكلامَ بغَيرِ عِلمٍ، والأوَّلُ كَثيرٌ، وأمَّا الثَّاني فقد قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33]، وقال تعالى: هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [آل عمران: 66]، وقال: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36] وهذانِ النَّوعانِ مَذمومانِ في القَضاءِ والفُتيا والتَّفسيرِ [582] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/183).   .
3- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا حُجَّةٌ في التَّحَفُّظِ في الشَّهادةِ على الحُقوقِ [583] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/160).   .
4- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا دَلالةٌ على أنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَسألُ عن الإضماراتِ والطَّواياتِ المذمومةِ، وإنْ لم تساعِدْها الجوارِحُ بالحَركاتِ؛ لأنَّ الأفئدةَ محَلُّ الضَّمائرِ والنيَّاتِ، وبها تصِحُّ جَميعُ أعمالِ الجوارِحِ والحَركاتِ، وليس في قَولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إخبارًا عن ربِّه تبارك وتعالى: ((أنَّه يقولُ لملائكتِه: إذا هَمَّ عَبدِي بسيِّئةٍ فلا تكتُبوها حتى يعمَلَها)) [584] أخرجه البخاري (7501)، ومسلم (128) بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.   ما يدفَعُ ذلك؛ لأنَّ ذلك هو في الاهتمامِ بسَيِّئةٍ لا تُعمَلُ إلَّا بالجوارِحِ، مثلُ: القَتلِ والزِّنا وأشباهِه مِمَّا لا يُستطاعُ فِعلُها إلَّا بالجوارِحِ، فتجاوَزَ اللهُ رِفقًا بعبادِه ورَحمةً لهم عن الاهتِمامِ بها دونَ الفِعلِ؛ إذ الاهتِمامُ يُضاهي الخاطِرَ والشَّهوةَ، وهما غيرُ مملوكَينِ، فأمَّا ما كان سُلطانُه فيه للقَلبِ مِن الطويَّةِ على الكُفرِ، وحِفظِ المُنكَرِ وأباطيلِ السِّحرِ وأشباهِه، فالإضمارُ عليه والقَبولُ له عَمَلٌ يكتُبُه الحافِظُ، ويَسألُ عنه الربُّ جَلَّ وتعالى [585] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/160).   .
5- قال الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ استِدلالُ بَعضِ الظَّاهريَّةِ كابنِ حَزمٍ ومَن تَبِعَه بهذه الآيةِ وأمثالِها مِن الآياتِ على مَنعِ الاجتِهادِ في الشَّرعِ مُطلَقًا، وتَضليلِ القائِلِ به، ومَنْعِ التَّقليدِ مِن أصلِه- هو مِن وَضعِ القُرآنِ في غَيرِ مَوضِعِه، وتفسيرِه بغيرِ مَعناه، كما هو كثيرٌ في الظَّاهريَّةِ؛ لأنَّ مَشروعيَّةَ سُؤالِ الجاهِلِ للعالِمِ وعَمَلَه بفُتياه أمرٌ مَعلومٌ مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، ومعلومٌ أنَّه كان العامِّيُّ يَسألُ بَعضَ أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيُفتِيه فيَعمَلُ بفُتياه، ولم يُنكِرْ ذلك أحَدٌ مِن المُسلِمينَ، كما أنَّه مِن المعلومِ أنَّ المسألةَ إنْ لم يُوجَدْ فيها نَصٌّ مِن كِتابِ اللهِ أو سُنَّةِ نَبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاجتِهادُ العالمِ حِينئذٍ بقَدْرِ طاقَتِه في تَفَهُّمِ كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِيَعرِفَ حُكمَ المَسكوتِ عنه مِن المَنطوقِ به- لا وَجْهَ لِمَنعِه، وكان جاريًا بين أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يُنكِرْه أحَدٌ مِن المُسلِمينَ [586] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/146-147).   .
6- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا فيه دَليلٌ على أنَّ العُلومَ مُستَفادةٌ مِن الحواسِّ ومِنَ العُقولِ، وجاء هذا على التَّرتيبِ القُرآنيِّ في البُداءةِ: بالسَّمعِ، ثمَّ يليه البَصَرُ، ثمَّ يليه الفُؤادُ [587] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/48).   .
7- قال الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا لَمَّا كانت هذه الأعضاءُ الثَّلاثةُ هي أشرَفَ الأعضاءِ ومُلوكَها، والمُتصَرِّفةَ فيها، والحاكِمةَ عليها؛ خَصَّها سُبحانَه وتعالى بالذِّكرِ في السُّؤالِ عنها، فقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا؛ فسَعادةُ الإنسانِ بصِحَّةِ هذه الأعضاءِ الثَّلاثةِ، وشَقاوتُه بفَسادِها. قال ابنُ عبَّاسٍ: (يَسألُ اللهُ العِبادَ فيما استَعمَلوا هذه الثَّلاثةَ: السَّمعَ، والبَصَرَ، والفُؤادَ)، واللهُ تعالى أعطَى العبدَ السَّمعَ لِيَسمَعَ به أوامِرَ رَبِّه ونواهيَه وعُهودَه، والقَلبَ لِيَعقِلَها ويَفقَهَها، والبَصَرَ لِيَرى آياتِه فيَستَدِلَّ بها على وحدانيَّتِه ورُبوبيَّتِه؛ فالمقصودُ بإعطائِه هذه الآلاتِ العِلمُ وثَمَرتُه ومُقتَضاه [588] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/107).   .
8- قال الله تعالى: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا في الآيةِ هنا إثباتُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ يَكرَهُ [589] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (8/227).   .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
- صِيغَتْ جُملةُ: كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا على هذا النَّظمِ بتَقديمِ كُلُّ الدَّالَّةِ على الإحاطةِ من أوَّلِ الأمْرِ، وأُتِيَ باسمِ الإشارةِ دونَ الضَّميرِ، بأنْ يُقالَ: كلُّها كان عنه مَسؤولًا؛ لِما في الإشارةِ من زيادةِ التَّمييزِ. وجاءَ بفعْلِ (كان)؛ لدَلالتِه على رُسوخِ الخبَرِ [590] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/101).   .
- قولُه: كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا عُبِّرَ عن السَّمعِ والبصرِ والفُؤادِ بـ أُولَئِكَ؛ لأنَّها حواسُّ لها إدراكٌ، وجعَلَها في هذه الآيةِ مَسؤولةً، فهي حالةُ مَن يعقِلُ، ولذلك عُبِّرَ عنها بـ أُولَئِكَ [591] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/48).   ؛ فاسمُ الإشارةِ أُولَئِكَ يعودُ إلى السَّمعِ والبصرِ والفُؤادِ، وهو من استعمالِ اسمِ الإشارةِ الغالبِ استعمالُه للعاقِلِ في غيرِ العاقِلِ، تَنزيلًا لتلك الحواسِّ مَنزلةَ العُقلاءِ؛ لأنَّها جَديرةٌ بذلك؛ إذ هي طريقُ العقلِ، والعقْلُ نفْسُه، على أنَّ استعمالَ (أولئك) لغيرِ العُقلاءِ استعمالٌ مَشهورٌ [592] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/102- 103).   .
2- قَولُه تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا
- قولُه: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا فيه التَّقييدُ بـ فِي الْأَرْضِ؛ لزيادةِ التَّقريرِ، والإشعارِ بأنَّ المشيَ عليها ممَّا لا يَليقُ بالمَرحِ [593] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/172).   .
- قولُه: وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، أي: بتطاوُلِك، وهو تهكُّمٌ بالمُختالِ، وتَعليلٌ للنَّهيِ بأنَّ الاختيالَ حَماقةٌ مُجرَّدةٌ، لا تعودُ بجَدْوى [594] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/668)، ((تفسير البيضاوي)) (3/255)، ((تفسير أبي حيان)) (7/50)، ((تفسير أبي السعود)) (5/172).   .
- قولُه: طُولًا فيه تَعريضٌ بما عليه المُختالُ من رفْعِ رأْسِه، ومشْيِه على صُدورِ قدمَيْه [595] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/172).   .
3- قَولُه تعالى: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
- قولُه: عِنْدَ رَبِّكَ مُتعلِّقٌ بـ مَكْرُوهًا، وتَقديمُ هذا الظَّرفِ على مُتعلَّقِه للاهتمامِ بالظَّرفِ؛ إذ هو مُضافٌ لاسمِ الجلالةِ، فزِيادةُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا لتَشنيعِ الحالةِ، أي: مَكروهًا فعْلُه من فاعِلِه. وفيه تَعريضٌ بأنَّ فاعِلَه مَكروهٌ عند اللهِ. وإضافةُ (سَيِّئ) إلى ضَميرِه إضافةً بَيانيَّةً تفيدُ قُوَّةَ صِفَةِ السَّيِّئِ، حتَّى كأنَّه شيئانِ يُضافُ أحدُهما إلى الآخرِ. وهذه نُكتةُ الإضافةِ البَيانيَّةِ كلَّما وقعَتْ [596] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/105).   .
- في قولِه: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا تَتِمَّةٌ لتَعليلِ الأُمورِ المَنهيِّ عنها جميعًا، ووصْفُ ذلك بمُطلَقِ الكراهةِ مع أنَّ البعضَ من الكبائرِ؛ للإيذانِ بأنَّ مُجرَّدَ الكراهةِ عنده تَعالى كافيةٌ في وُجوبِ الانتهاءِ عن ذلك. وتَوجيهُ الإشارةِ إلى الكلِّ، ثمَّ تعيينُ البعضِ دونَ تَوجيهِها إليه ابتداءً؛ لِما أنَّ البعضَ المذكورَ ليس بمَذكورٍ جُملةً، بل على وجْهِ الاختلاطِ [597] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/172).   .
4- قَولُه تعالى: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا
- قولُه: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ذَلِكَ إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من قولِه: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إلى هذه الغايةِ [598] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/668).   .
- قولُه: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا عَطْفٌ على جُمَلِ النَّهيِ المُتقدِّمةِ، وهذا تأكيدٌ لمَضمونِ جُملةِ: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [599] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/106).   [الإسراء: 23].
- قولُه: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا كُرِّرَ للتَّنبيهِ على أنَّ التَّوحيدَ مبدَأُ الأمْرِ ومُنْتهاهُ، وقد رُتِّبَ عليه ما هو عائِدَةُ الإشراكِ أوَّلًا، حيث قيل: فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، ورُتِّبَ عليه هاهنا نَتيجتُه في العُقبى، فقيل: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا [600] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/173)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/106).   .
- وكرَّرَ تَعالى النَّهيَ عن الشِّركِ؛ ففي النَّهيِ الأوَّلِ: فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا مَدْحُورًا، وفي الثَّاني: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، والفرْقُ بين مَذمومٍ ومَلومٍ: أنَّ كونَه مَذمومًا: أنْ يذكُرَ أنَّ الفعلَ الَّذي أقدَمَ عليه قَبيحٌ مُنكَرٌ، وكونَه مَلومًا: أنْ يُقالَ له بعدَ الفعلِ وذَمِّه: لِمَ فعلْتَ كذا؟ وما حمَلَك عليه؟ وما استفدْتَ منه إلَّا إلحاقَ الضَّررِ بنفْسِك؛ فأوَّلُ الأمْرِ الذَّمُّ، وآخِرُه اللَّومُ. والفرقُ بين مَخذولٍ ومَدْحورٍ: أنَّ المَخذولَ هو المَتروكُ إعانتُه ونصْرُه، والمُفوَّضُ إلى نفْسِه، والمَدْحورَ: المَطرودُ المُبْعَدُ على سبيلِ الإهانةِ له والاستخفافِ به؛ فأوَّلُ الأمْرِ الخِذلانُ، وآخِرُه الطَّردُ مُهانًا. وكأنَّ وصْفَ الذَّمِّ والخِذلانِ يكونُ في الدُّنيا، ووصْفَ اللَّومِ والدُّحورِ يكونُ في الآخرةِ؛ ولذلك جاء فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ [601] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/51).   .
- ومن المُناسبةِ الحَسنةِ: أنَّه لمَّا أمَرَ تَعالى بثلاثةِ أشياءَ: الإيفاءِ بالعَهدِ، والإيفاءِ بالكيلِ، والوزنِ بالقِسطاسِ المُستقيمِ، أتبَعَ ذلك بثلاثةِ نَواهٍ: ولا تقْفُ، ولا تمْشِ، ولا تجعَلْ [602] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/47).   .