موسوعة الأخلاق والسلوك

خامِسًا: مظاهِرُ وصُوَرُ الإحسانِ


1- الإحسانُ إلى الوالِدَينِ:
جاءت نصوصٌ كثيرةٌ تحُثُّ على مراعاةِ حُقوقِ الوالِدَين وبِرِّهما بالمعروفِ، وطاعتِهما في غيرِ معصيةِ اللهِ، وكفِّ الأذى عنهما، وإيصالِ الخيرِ إليهما، والدُّعاءِ والاستغفارِ لهما، وإنفاذِ عَهدِهما، وإكرامِ صَديقِهما؛ قال اللهُ تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23 - 24] . قال القُرطبيُّ: (قال العُلَماءُ: فأحقُّ النَّاسِ بعدَ الخالِقِ المنَّانِ بالشُّكرِ والإحسانِ، والتِزامِ البِرِّ والطَّاعةِ له والإذعانِ: مَن قَرَن اللهُ الإحسانَ إليه بعبادتِه وطاعتِه، وشُكرَه بشُكرِه، وهما الوالِدَان؛ فقال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان: 14] ) [180] ((الجامع لأحكام القرآن)) (5/183). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: الصَّلاةُ لوقتِها. قال: قُلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: بِرُّ الوالِدَين. قال: قُلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: الجهادُ في سبيلِ اللهِ)) [181] أخرجه البخاري (26)، ومسلم (85). .
2- الإحسانُ بَيْنَ الزَّوجَينِ:
قال اللهُ تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21] ، فإحسانُ المرأةِ عِشرةَ زَوجِها وطاعتُه والحِرصُ على رِضاه: ممَّا يوجِبُ المودَّةَ والرَّحمةَ مع زوجِها، وكذلك الزَّوجُ يُحسِنُ إلى زوجتِه، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((استوصوا بالنِّساءِ خَيرًا)) [182] رواه الترمذي (1163)، وابن ماجه (1851) واللفظ له. صحَّحه الترمذي، وابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (6/179)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (1851)، وحسَّن إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح مشكل الآثار)) (4865). ، وهو من أعظَمِ أبوابِ السَّعادةِ الزَّوجيَّةِ.
وقال أيضًا: ((خَيرُكم خيرُكم لأهلِه)) [183] أخرجه الترمذي (3895) والدارمي (2260) وابن حبان (4177) والبيهقي (16117). صحَّحه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (1924) وشعيب في تخريج ((المسند)) (12/365) وصحَّح إسناده ابن جرير في ((مسند عمر)) (1/408) وأحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/477). ، قال الشَّوكانيُّ: (في ذلك تنبيهٌ على أنَّ أعلى النَّاسِ رُتبةً في الخيرِ، وأحقَّهم بالاتِّصافِ به: هو من كان خيرَ النَّاسِ لأهلِه؛ فإنَّ الأهلَ هم الأحقَّاءُ بالبِشْرِ وحُسنِ الخُلُقِ، والإحسانِ، وجَلبِ النَّفعِ ودَفعِ الضُّرِّ، فإذا كان الرَّجُلُ كذلك فهو خيرُ النَّاسِ، وإن كان على العكسِ مِن ذلك فهو في الجانِبِ الآخَرِ من الشَّرِّ، وكثيرًا ما يقعُ النَّاسُ في هذه الورطةِ؛ فترى الرَّجُلَ إذا لَقِيَ أهلَه كان أسوأَ النَّاسِ أخلاقًا، وأشجَعَهم نفسًا، وأقَلَّهم خيرًا، وإذا لَقِيَ غيرَ الأهلِ من الأجانبِ لانت عريكتُه، وانبسَطَت أخلاقُه، وجادت نفسُه، وكَثُر خَيرُه! ولا شَكَّ أنَّ من كان كذلك فهو محرومُ التَّوفيقِ، زائغٌ عن سواءِ الطَّريقِ، نسألُ اللهَ السَّلامةَ) [184] ((نيل الأوطار)) (6/245، 246). .
وكان يُقالُ: (من قَلَّ خيرُه على أهلِه، فلا تَرْجُ خَيرَه) [185] ((بهجة المجالس)) لابن عبد البر (2/189). .
3- الإحسانُ إلى الأرحامِ
صِلةُ الرَّحِمِ [186] الرَّحِمُ: القرابةُ. وذو الرَّحِمِ: هم الأقارِبُ، ويقعُ على كُلِّ من يجمَعُ بينك وبينه نسبٌ، ويُطلَقُ في الفرائضِ على الأقاربِ من جهةِ النِّساءِ. يُنظَر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (2/210)، ((تاج العروس)) للزبيدي (32/231). من أفضَلِ الطَّاعاتِ التي يتقَرَّبُ بها العبدُ إلى رَبِّه، وقد أمر اللهُ تعالى بها، وبَيَّن أنَّ وَصْلَها موجِبٌ للمثوبةِ، وقد ورد الحثُّ على صلةِ الرَّحِمِ فيما لا يُحصى من النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، ولم يَرِدْ لها ضابطٌ؛ فالمعَوَّلُ على العُرفِ، وهو يختَلِفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ والأزمنةِ، والواجِبُ منها ما يُعَدُّ به في العُرفِ واصلًا، وما زاد فهو من الإحسانِ والتَّفضُّلِ والمَكرُمةِ، وأظهَرُها معاودتُهم، وتفقُّدُ أحوالِهم، وزيارتُهم، والكلامُ الطَّيِّبُ، وإعانتُهم على الخيرِ، وبذلُ الصَّدَقاتِ في فُقَرائِهم، والهدايا لأغنيائِهم. قال اللهُ تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] ففي هذه الآيةِ أخبر اللهُ سُبحانَه بأنَّه خلَق النَّاسَ من نفسٍ واحدةٍ، وأنَّه بثَّهم في أقطارِ الأرضِ، مع رجوعِهم إلى أصلٍ واحدٍ، وذلك لتَعطِفَ قلوبُ النَّاسِ بعضِهم على بعضٍ بالإحسانِ، ولترقيقِ بعضِهم على بعضٍ، وقَرَن سُبحانَه الأمرَ بتقواه بالأمرِ ببِرِّ الأرحامِ والنَّهيِ عن قطيعتِها؛ ليؤكِّدَ هذا الحَقَّ، وأنَّه كما يلزمُ القيامُ بحَقِّ اللهِ تعالى بإحسانٍ، كذلك يجِبُ القيامُ بحقوقِ الخَلقِ -والأقربينَ منهم خاصَّةً- بإحسانٍ؛ فالقيامُ بحُقوقِهم هو من حَقِّ اللهِ عزَّ وجَلَّ الذي أمَر به [187] يُنظَر: ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (2/206-207)، ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (ص: 163). ، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ليس الواصِلُ بالمكافِئِ، ولكِنَّ الواصِلَ الذي إذا قُطِعَت رَحِمُه وصَلَها)) [188] أخرجه البخاري (5991) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما. ، أي: إذا أساء إليه أقارِبُه أحسَنَ إليهم ووصَلَهم، وهذا من بابِ الحثِّ على مكارمِ الأخلاقِ) [189] يُنظَر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (7/3086)، ((منار القاري)) لحمزة محمد قاسم (5/242). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطعوني، وأحسِنُ إليهم ويُسِيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويَجهَلونَ عَلَيَّ، فقال: لَئِنْ كُنتَ كما قُلتَ فكأنَّما تُسِفُّهمُ المَلَّ، ولا يزالُ معك من اللهِ ظَهيرٌ عليهم ما دُمتَ على ذلك)) [190] أخرجه مسلم (2558). ، أي تجعَلُهم يَسُفُّون الرَّمادَ الحارَّ، وهو تشبيهٌ لِما يَلحَقُهم من الإثمِ بما يَلحَقُ آكِلَ الرَّمادِ الحارِّ من الألمِ، ولا شيءَ على هذا المُحسِنِ إليهم، لكِنْ ينالُهم إثمٌ عظيمٌ بتقصيرِهم في حقِّه، وإدخالِهم الأذى عليه [191] يُنظَر: ((دليل الفالحين)) لابن علان (3/152)، ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/188). .
4- الإحسانُ إلى الجارِ:
قال اللهُ تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء: 36] ، فأمر اللهُ بالإحسانِ إلى الجيرانِ، وعن أبي شُرَيحٍ الخُزاعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيُحسِنْ إلى جارِه)) [192] أخرجه البخاري (6019)، ومسلم (48) واللفظ له. ، وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما زال يوصيني جِبريلُ بالجارِ، حتَّى ظنَنْتُ أنَّه سيُوَرِّثُه)). [193] أخرجه البخاري (6014) واللفظ له، ومسلم (2624). قال الذَّهبيُّ: (إنما جاء الحديثُ في هذا الأسلوبِ للمبالغةِ في حِفظِ حُقوقِ الجارِ وعَدَمِ الإساءةِ إليه؛ حيث أنزله الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم منزلةَ الوارثِ؛ تعظيمًا لحقِّه، ووجوبِ الإحسانِ إليه، وعَدَمِ الإساءةِ إليه بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الأذى) [194] ((حق الجار)) (ص: 24). ، ويكونُ الإحسانُ إليه: بالسَّلامِ عليه، واحترامِه، وطَلاقةِ الوَجهِ عِندَ لقائِه، وبَذلِ الخيرِ والمعروفِ فيه، وزيارتِه وتفقُّدِ أحوالِه [195] يُنظَر: ((التحفة الربانية في شرح الأربعين النووية)) لإسماعيل الأنصاري (ص: 35). .
5- الإحسانُ إلى اليتامى [196] جمعُ يتيمٍ، وهو من فَقَد أباه قبلَ البلوغِ. يُنظَر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (5/291). والمساكينِ:
قال اللهُ تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء: 36] ، وهذا يشمَلُ كُلَّ أنواعِ الإحسانِ القَوليَّةِ والفِعليَّةِ، وهو لليتامى بالمحافظةِ على أموالِهم، وكَفالةِ عَيشِهم، وصيانةِ حُقوقِهم، وتأديبِهم وتربيتِهم بالحُسنى، والمسحِ على رُؤوسِهم. والإحسانُ للمَساكينِ يكونُ بسَدِّ جوعِهم، وسَترِ عورتِهم، وعَدَمِ احتقارِهم وازدرائِهم، وعدمِ المِساسِ بهم بسوءٍ، وإيصالِ النَّفعِ إليهم بما يستطيعُ.
6- الإحسانُ إلى الأجيرِ والخادِمِ:
الأُخُوَّةُ الإيمانيَّةُ والإنسانيَّةُ هي العامِلُ المشتَرَكُ الذي يربِطُ بَيْنَ المُسلِمِ وأخيه المُسلِمِ... لا فَرْقَ في ذلك بَيْنَ عربيٍّ وأعجميٍّ، أو أبيضَ أو أسودَ، أو خادِمٍ أو مخدومٍ، من هذا المنطَلَقِ جاءت تعاليمُ الدِّينِ الإسلاميِّ عَبْرَ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مؤكِّدةً على حُسنِ معاملةِ الخادِمِ وإكرامِه في شتَّى مناحي الحياةِ من مأكَلٍ ومشرَبٍ ومَسكَنٍ، بشكلٍ يحافِظُ على إنسانيَّتِه، ويكفُلُ له حقوقَه. يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إخوانُكم خَوَلُكم [197] أي: خَدَمُكم أو عبيدُكم الذين يتخوَّلون الأمورَ، أي: يُصلِحونها. يُنظَر: ((إرشاد الساري)) للقسطلاني (1/116). ، جعَلَهم اللهُ تحتَ أيديكم، فمن كان أخوه تحتَ يَدِه فلْيُطعِمْه ممَّا يأكُلُ، ولْيُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكَلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإن كَلَّفْتُموهم فأعينوهم)) [198] أخرجه البخاري (30) واللفظ له، ومسلم (1661) من حديثِ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه. .
7- الإحسانُ في المعامَلاتِ التِّجاريَّةِ:
أمَر اللهُ تعالى بالعَدلِ والإحسانِ جميعًا، والعَدلُ سَبَبُ النَّجاةِ فقط، وهو يجري من التِّجارةِ مجرى سلامةِ رأسِ المالِ، والإحسانُ سبَبُ الفوزِ ونَيلِ السَّعادةِ، وهو يجري من التِّجارةِ مجرى الرِّبحِ، ولا يُعَدُّ من العقلاءِ من قَنِع في معاملاتِ الدُّنيا برأسِ مالِه، فكذا في معاملاتِ الآخِرةِ!
ولا ينبغي للمتدَيِّنِ أن يقتَصِرَ على العدلِ واجتنابِ الظُّلمِ، ويَدَعَ أبوابَ الإحسانِ، وقد قال اللهُ تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ [القصص: 77] ، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90] ، وقال سُبحانَه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] ، وينالُ المعامِلُ رُتبةَ الإحسانِ بواحدٍ مِن سِتَّةِ أُمورٍ:
الأوَّلُ: في المغابَنةِ أو الغَبنِ [199] وهو في البيعِ: أن يشتريَ المرءُ بأكثَرَ من القيمةِ بكثيرٍ، فيُغبَنَ المشتري، أو يبيعَ بأقلَّ من القيمةِ بكثيرٍ، فيُغبَنَ البائعُ. يُنظَر: ((الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام)) لميارة (2/39)، ((تحفة المحتاج)) للهيتمي (5/316). ، فينبغي ألَّا يَغبِنَ أحدُ طَرَفيِ البيعِ صاحِبَه بما لا يُتغابَنُ به في العادةِ، فأمَّا أصلُ المغابنةِ فمأذونٌ فيه؛ لأنَّ البيعَ للرِّبحِ، ولا يمكِنُ ذلك إلَّا بغَبنٍ، ولكِنْ يُراعى فيه التَّقريبُ، ومن قَنِع بربحٍ قليلٍ كَثُرت معاملاتُه، واستفاد من تكرُّرِها ربحًا كثيرًا، وبه تظهَرُ البركةُ، وإن بذَل المشتري زيادةً على الرِّبحِ المعتادِ إمَّا لشِدَّةِ رغبتِه، أو لشِدَّةِ حاجتِه في الحالِ إليه، فينبغي أن يمتَنِعَ من قَبولِه، فذلك من الإحسانِ.
الثَّاني: في احتمالِ الغَبنِ، والمُشتري إن اشترى طعامًا من ضعيفٍ أو شيئًا من فقيرٍ، فلا بأسَ أن يحتَمِلَ الغَبنَ ويتساهَلَ، ويكونَ به مُحسِنًا وداخلًا في قولِه عليه السَّلامُ: ((رَحِم اللهُ سَهْلَ البيعِ وسَهْلَ الشِّراءِ)) [200] أخرجه البخاري (2076) عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((رَحِم اللهُ رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)). ، وأمَّا احتمالُ الغَبنِ من الغَنيِّ فليس محمودًا، بل هو تضييعُ مالٍ من غيرِ أجرٍ ولا حَمدٍ، وكان كثيرٌ من السَّلَفِ يَستقصون في الشِّراءِ، ويَهَبون من ذلك الجزيلَ من المالِ، فقيل لبعضِهم في ذلك، فقال: إنَّ الواهِبَ يُعطي فَضْلَه، وإنَّ المغبونَ يَغبِنُ عَقلَه.
الثَّالِثُ: في استيفاءِ الثَّمَنِ وسائِرِ الدُّيونِ، والإحسانِ فيه: مرَّةً بالمسامحةِ وحَطِّ البعضِ، ومرَّةً بالإمهالِ والتَّأخيرِ، ومرَّةً بالمساهَلةِ في طَلَبِ جودةِ النَّقدِ، وكُلُّ ذلك مندوبٌ إليه؛ عن كَعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّه تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه، في المسجِدِ، فارتفعَت أصواتُهما حتى سَمِعَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في بيتِه، فخرج إليهما حتى كَشَف سِجْفَ [201] سِجْفَ، أي: سِترَ. يُنظَر: ((اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح)) للبرماوي (3/230). حُجرتِه، فنادى: يا كَعبُ، قال: لَبَّيك يا رسولَ اللهِ، قال: ضَعْ مِن دَينِك هذا -وأومأ إليه، أي: الشَّطْرَ-، قال: لقد فعَلْتُ يا رسولَ اللهِ، قال: قُمْ فاقْضِه)) [202] أخرجه البخاري (457) واللفظ له، ومسلم (1558). . فقد أمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صاحِبَ الدَّينِ أن يتنازَلَ عن نِصفِ ما له من المالِ، فوافق وأحسَنَ إلى المَدينِ، وقضاه المَدينُ نِصفَ الدَّينِ، وجمع الحديثُ بَيْنَ أمرينِ: الأوَّلُ: الأمرُ النَّظَريُّ بأن يحسِنَ النَّاسُ فيما بَيْنَهم في التَّعامُلاتِ الماليَّةِ والمُدايَناتِ، والثَّاني: أنَّه ورد فيه التَّطبيقُ العَمَليُّ، فأحسَنَ الطَّرفانِ فيما بَيْنَهما [203] يُنظَر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (2/106)، ((البحر المحيط الثجاج)) للإثيوبي (27/364). .
الرَّابعُ: في توفيةِ الدَّينِ، ومن الإحسانِ فيه حُسنُ القضاءِ، وذلك بأن يمشيَ المدينُ إلى صاحِبِ الحقِّ، ولا يكَلِّفَه أن يمشيَ إليه يتقاضاه؛ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((خَيرُكم أحسَنُكم قضاءً)) [204] أخرجه البخاري (2306)، ومسلم (1601) مطوَّلًا من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وإذا ما قَدَر المَدينُ على قضاءِ الدَّينِ فلْيبادِرْ إليه ولو قَبلَ وقتِه، وإن عجَز فليَنْوِ قضاءَه، ولو أتى صاحِبُ الحقِّ إلى المَدينِ فلْيتحَمَّلْه وليُقابِلْه باللُّطفِ؛ اقتداءً برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا ردَّد عليه كلامَه صاحِبُ الدَّينِ، فهَمَّ به أصحابُه، فقال: ((دعوه؛ فإنَّ لصاحِبِ الحَقِّ مقالًا)) [205] رواه مطوَّلًا البخاري (2306) واللفظ له، ومسلم (1601) من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
الخامِسُ: أن يُقيلَ [206] أقاله يُقيلُه إقالةً. وتقايَلَا: إذا فسخَا البيعَ وعاد المبيعُ إلى مالِكِه والثَّمَنُ إلى المشتري، وتكونُ الإقالةُ في البيعةِ والعهدِ. يُنظَر: ((لسان العرب)) لابن منظور (11/580). مَن يَستقيلُه؛ فإنَّه لا يستقيلُ إلَّا متنَدِّمٌ مُستضِرٌّ بالبيعِ، ولا ينبغي أن يرضى لنفسِه أن يكونَ سبَبُ استضرارِ أخيه، وفي الخبرِ: ((من أقال مُسلِمًا أقاله اللهُ عَثرتَه يومَ القيامةِ)) [207] أخرجه أبو داود (3460)، وابن ماجه (2199) واللفظ له، وعبد الله بن أحمد في ((زوائد مسند أحمد)) (7431). صحَّحه ابنُ حبان في ((صحيحه)) (5030)، والحاكم على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (2291)، وابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (99)، والسخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (465). . وصورةُ إقالةِ البيعِ: إذا اشترى أحدٌ شيئًا من آخَرَ، ثمَّ نَدِم على شرائِه؛ إمَّا لظُهورِ الغَبنِ فيه، أو لزَوالِ حاجتِه إليه، أو لانعدامِ الثَّمَنِ، فرَدَّ المبيعَ على البائِعِ، وقَبِل البائعُ رَدَّه- أزال اللهُ مَشقَّتَه وعَثرتَه يومَ القيامةِ؛ لأنَّه إحسانٌ منه على المُشتري؛ لأنَّ البيعَ كان قد بُتَّ، فلا يستطيعُ المُشتري فَسْخَه، فكان الجزاءُ من جنسِ العَمَلِ؛ لأنَّه لَمَّا منَّ على أخيه المُسلِمِ بعد أن ثبَت البيعُ واستقَرَّ، فأعاد إليه مالَه وأرجَع سِلعَتَه، فاللهُ عزَّ وجَلَّ أكرَمُ من عبدِه؛ فيَمُنُّ عليه جَلَّ وعلا في يومٍ يحتاجُ إليه [208] يُنظَر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/1946)، ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) للمناوي (2/403)، ((التنوير)) للصنعاني (10/130)، ((حاشية السندي على ابن ماجه)) (2/20). .
السَّادِسُ: أن يقصِدَ في معاملتِه جماعةً من الفُقَراءِ بالنَّسيئةِ، وهو في الحالِ عازِمٌ على ألَّا يُطالِبَهم إن لم يظهَرْ لهم مَيسَرةٌ، وكان من السَّلَفِ من يقولُ لفقيرٍ: خُذْ ما تريدُ، فإن يَسُرَ لك فاقْضِ، وإلَّا فأنت في حِلٍّ منه وسَعَةٍ [209] انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (2/79)، ((موعظة المُؤمِنين)) لجمال الدين القاسمي (ص: 116). !
8- الإحسانُ إلى المسيءِ:
(ومن أجَلِّ أنواعِ الإحسانِ: الإحسانُ إلى من أساء إليك بقَولٍ أو فعلٍ؛ قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34 - 35] .
ومن كانت طريقتُه الإحسانَ، أحسَنَ اللهُ جَزاءَه: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60]) [210] ((بهجة قلوب الأبرار)) للسعدي (ص: 206). .
وذكَر الهَرَويُّ أنَّ من منازِلِ إيَّاك نعبدُ وإيَّاك نستعينُ (الفُتُوَّةَ)، وقال: (هي على ثلاثِ دَرَجاتٍ: الدَّرجةُ الأولى: تَركُ الخُصومةِ، والتَّغافُلُ عن الزَّلَّةِ، ونِسيانُ الأذيَّةِ. والدَّرَجةُ الثَّانيةُ: أن تُقَرِّبَ مَن يُقصيك، وتُكرِمَ من يُؤذيك، وتعتَذِرَ إلى من يجني عليك؛ سماحةً لا كَظمًا، ومودَّةً لا مُصابرةً!) [211] ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/139). .
 قال ابنُ القيِّمِ في ذلك: (هذه الدَّرَجةُ أعلى ممَّا قَبْلَها وأصعَبُ؛ فإنَّ الأُولى تتضَمَّنُ تركَ المقابلةِ والتَّغافلَ، وهذه تتضَّمَنُ الإحسانَ إلى من أساء إليك، ومعامَلَتَه بضِدِّ ما عاملك به، فيكونُ الإحسانُ والإساءةُ بَينَك وبَينَه خِطَّتَينِ، فخِطَّتُك: الإحسانُ. وخِطَّتُه: الإساءةُ.
 وفي مِثلِها قال القائِلُ:
إذا مَرِضْنا أتيناكم نعودُكم
وتُذنِبون فنأتيكم ونعتَذِرُ
ومن أراد فَهْمَ هذه الدَّرَجةِ كما ينبغي فلْيَنظُرْ إلى سيرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع النَّاسِ يَجِدْها بعَينِها) [212] ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/139). .
9- الإحسانُ في الكَلامِ:
قال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53] .
قال ابنُ كثيرٍ: (يأمُرُ تعالى رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يأمُرَ عِبادَ اللهِ المُؤمِنين أن يقولوا في مخاطباتِهم ومُحاوراتِهم الكلامَ الأحسَنَ والكَلِمةَ الطَّيِّبةَ؛ فإنَّهم إذا لم يَفعَلوا ذلك نَزَغ الشَّيطانُ بَيْنَهم، وأخرج الكلامَ إلى الفِعالِ، ووقع الشَّرُّ والمخاصمةُ والمقاتلةُ، فإنَّ الشَّيطانَ عَدُوٌّ لآدَمَ وذرِّيَّتِه من حينِ امتنع من السُّجودِ لآدَمَ، فعداوتُه ظاهرةٌ بَيِّنةٌ؛ ولهذا نهى أن يشيرَ الرَّجُلُ إلى أخيه المُسلِمِ بحديدةٍ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ في يَدِه، أي: فرُبَّما أصابه بها) [213] ((تفسير القرآن العظيم)) (5/87). .
- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( كُلّ سُلامى [214] السُّلامى: جمعُ سُلاميةٍ، قيل: هي الأنملةُ من أنامِلِ الأصابعِ. وقيل: واحِدُه وجمعُه سواءٌ. ويجمَعُ على سُلامياتٍ، وهي التي بَيْنَ كُلِّ مفصلينِ من أصابعِ الإنسانِ. وقيل: السُّلامى: كُلُّ عظمٍ مجوَّفٍ من صغارِ العِظامِ. يُنظَر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (2/396). مِن النَّاسِ عليه صَدقةٌ كُلَّ يومٍ تطلُعُ فيه الشَّمسُ، قال: تعدِلُ بَينَ الاثنَينِ صَدقةٌ، وتُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه فتحمِلُه عليها أو ترفَعُ له عليها متاعَه: صَدَقةٌ. قال: والكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقةٌ، وكُلُّ خُطوةٍ تمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وتُميطُ الأذى عن الطَّريقِ صَدَقةٌ)) [215] أخرجه البخاري (2891)، ومسلم (1009) واللفظ له. ، ووَجهُ كونِ الكَلِمةِ الطَّيِّبةِ صَدَقةً أنَّ إعطاءَ المالِ يَفرَحُ به قَلبُ الذي يُعطاه، ويُذهِبُ ما في قَلبِه، وكذلك الكلامُ الطَّيِّبُ، فأشبَهَها من هذه الحيثيَّةِ؛ ألا ترى أنَّها تُذهِبُ الشَّحناءَ وتُجلي السَّخيمةَ، كما قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ، والدَّفعُ بالتي هي أحسَنُ قد يكونُ بالقَولِ كما يكونُ بالفِعلِ [216] يُنظَر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (9/225)، ((عمدة القاري)) للعيني (22/113). .
10- الإحسانُ في الجِدالِ:
يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] .
قال الشَّوكانيُّ: (أي: بالطَّريقِ التي هي أحسَنُ طُرُقِ المجادَلةِ، وإنَّما أمَر سُبحانَه بالمجادَلةِ الحَسَنةِ لكونِ الدَّاعي محِقًّا وغرَضُه صحيحًا، وكان خَصمُه مُبطِلًا وغَرَضُه فاسِدًا) [217] ((فتح القدير)) (3/287). . وقال المُهَلَّبُ: (الجِدالُ موضوعُه في اللُّغةِ: المدافَعةُ، فمنه مكروهٌ، ومنه حَسَنٌ؛ فما كان منه تثبيتًا للحقائِقِ وتثبيتًا للسُّنَنِ والفرائِضِ، فهو الحَسَنُ، وما كان منه على معنى الاعتذارِ والمدافَعاتِ للحقائِقِ فهو المذمومُ) [218] ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (4/477). .
11- الإحسانُ إلى الحيَوانِ:
ومن الإحسانِ إلى الحَيوانِ إطعامُه إن جاع، وعدَمُ تكليفِه ما لا يُطيقُ، والرِّفقُ به إن عَمِل، وإراحتُه إن تَعِب؛ فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم سألوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجرًا؟! قال: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أجرٌ)) [219] أخرجه البخاري (2363) واللفظ له، ومسلم (2244). ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما من مُسلِمٍ يَغرِسُ غرسًا، أو يَزرَعُ زَرعًا، فيأكُلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلَّا كان له به صَدَقةٌ)) [220] أخرجه البخاري (2320)، ومسلم (1553) من حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فإذا أراد أن يذبحَه -إن كان ممَّا يُذبَحُ- فإنَّه يُحِدُّ شَفرتَه، ولا يُحِدَّها أمامَه، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ؛ فإذا قتَلْتُم فأحسِنوا القِتْلةَ ...)) [221] أخرجه مسلم (1955) من حديثِ شدَّادِ بنِ أوسٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، قال ابنُ رجَبٍ: (وهذا يدُلُّ على وُجوبِ الإسراعِ في إزهاقِ النُّفوسِ التي يُباحُ إزهاقُها على أسهَلِ الوُجوهِ) [222] ((جامع العلوم والحكم)) (1/382). . وعن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رجُلًا أضجَع شاةً يريدُ أن يذبحَها وهو يحِدُّ شَفرتَه، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أتريدُ أن تميتَها مَوتاتٍ؟! هلَّا حدَدْتَ شَفْرَتَك قبل أن تُضجِعَها!)) [223] رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3590)، والحاكم (7563) واللفظ له، والبيهقي (19615). صحَّحه الحاكمُ، وقال: على شرطِ البخاريِّ، والألباني في ((صحيح الجامع)) (93)، وصحَّح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((شرح السنة)) (11/220). . وكان عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه ينهى أن تُذبَحَ الشَّاةُ عِندَ الشَّاةِ [224] رواه عبد الرزاق (8610). .
12- الإحسانُ بإطعامِ الطَّعامِ:
قال الرَّازيُّ: (أشرَفُ أنواعِ الإحسانِ هو الإحسانُ بالطَّعامِ، وذلك لأنَّ قَوامَ الأبدانِ بالطَّعامِ، ولا حياةَ إلَّا به) [225] ((مفاتيح الغيب)) (30/747). .
13- الإحسانُ إلى الأمواتِ:
ومن صُوَرِ الإحسانِ إلى الميِّتِ الدُّعاءُ له، والصَّلاةُ عليه [226] يُنظَر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (3/49). .
14- الإحسانُ بالبَدِن:
 ومثالُ ذلك ما جاء عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه فتَحمِلُه عليها، أو ترفَعُ عليها متاعَه: صَدَقةٌ)) [227] أخرجه مسلم (1009). . ومنها أن تمشيَ مع أخيك لتقضيَ حاجةً له، أو تأخُذَ بيَدِ عاجِزٍ، إلى غيرِ ذلك.
قال ابنُ القَيِّمِ: (فالجُبنُ: تَركُ الإحسانِ بالبَدَنِ، والبُخلُ: تَركُ الإحسانِ بالمالِ) [228] ((طريق الهجرتين)) (ص: 460). .
15- الإحسانُ في الأعمالِ البَدَنيَّةِ: بإجادةِ العَمَلِ، وإتقانِ الصَّنعةِ، وبتخليصِ سائرِ الأعمالِ من الغِشِّ [229] ((منهاج المسلم)) للجزائري (ص: 132). .

انظر أيضا: