موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (54-56)

ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ

غريب الكلمات:


اسْتَوَى: أي: علَا واستقرَّ وارتَفَع، وأَصلُ (سوي): يدلُّ على استقامةٍ واعتدالٍ بينَ شيئينٍ [640] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 277)، ((تفسير ابن جرير)) (1/456- 458)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 114)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/112). .
الْعَرْشِ: هو أعظَمُ المَخلوقاتِ، وسَقفُها، والعَرْشُ في الأصلِ: شَيءٌ مُسقَّفٌ، ومنه سَقْفُ البَيتِ، ويُطلَقُ العرشُ أيضًا على سَريرِ المَلِك، وعلى غير ذلك، وأصل (عرش): يدلُّ على ارتفاعٍ في شَيءٍ مبنيٍّ [641] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 222)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/264)، ((المفردات)) للراغب (ص: 558)، ((تفسير القرطبي)) (7/220- 221)، (( تفسير ابن كثير)) (4/247). .
يُغْشِي: أي: يُغَطِّي، والغِشاوةُ: الغِطاءُ، وأصلُ (غشي): يدلُّ على تَغطِيةِ شيءٍ بشيءٍ [642] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 40)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 75)، ((مقاييس اللغة)) (4/425)، ((المفردات)) للراغب (ص: 607). .
حَثِيثًا: سَريعًا، والحثُّ: السُّرعةُ، وأصل (حثث): الحَضُّ على الشَّيءِ [643] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 189)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/29)، ((المفردات)) للراغب (ص: 218)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 411). .
مُسَخَّرَاتٍ: أي: مُذلَّلاتٍ تَجري في فَلَكِها؛ لتَهْتدوا بها، والتَّسْخِيرُ: سياقةٌ إلى الغَرَضِ المختصِّ قَهرًا، وأصل (سخر): يدلُّ على احتقارٍ واستذلالٍ [644] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/184)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/144)، ((المفردات)) للراغب (ص: 402). .
تَبَارَكَ: أي: تعاظَم وتعالى، وكثُرَ خيرُه، وعمَّ إحسانُه، أو ارتفَعَ وتقدَّسَ، مِنَ البرَكَة: وهي الزِّيَادَةُ والنَّماءُ، والكَثرةُ والاتِّساعُ [645] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 310)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 151)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 112). .
الْعَالَمِينَ: هم أَصنافُ الخلائِقِ أجمعينَ، جمْعُ (عالَم)، و(العالَم) جمعٌ لا واحدَ له مِن لَفْظِه، وهو اسْمٌ لأَصنافِ الأُمَمِ وسائرُ أجناسِ الخَلْق، وكلُّ صِنفٍ منها عالَم، وأهلُ كلِّ قَرنٍ مِن كلِّ صِنفٍ وجِنسٍ منها عالَمُ ذلك القرْنِ وذلك الزَّمانِ [646] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/110)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/177). .
تَضَرُّعًا: أي: تذلُّلًا، واستكانةً لِطاعَتِه، يقال: ضَرَع الرجلُ ضَرَاعَةً: ضَعُفَ وذَلَّ، وتَضَرَّع: أظهَر الضَّراعَةَ، وأصلُ (ضرع): يَدُلُّ عَلَى لِينٍ فِي الشَّيْءِ [647] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/247)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/395)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
وَخُفْيَةً: أي: سِرًّا، وليس جِهارًا، يقال: خَفِيَ الشيءُ خُفْيَةً: استَتر، وأصلُ (خفي): السَّتْر [648] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/248)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/202)، ((المفردات)) للراغب (ص: 289)، (( تفسير ابن كثير)) (3/268)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 434). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ
حَثِيثًا: نَعتٌ لِمَصدرٍ مَحذوفٍ، أي: طلَبًا حثيثًا، ويجوزُ أن يكونَ حالًا مِن فاعِلِ يَطْلُبُهُ، وهو الضَّميرُ المستَتِرُ فيه، أي: حاثًّا، أو مِن مَفعولِه (الهاء)، أي: مَحْثوثًا. وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ عَطْفٌ على السَّمَواتِ
مُسَخَّراتٍ حالٌ مَنصوبةٌ مِنَ الألفاظِ الثَّلاثةِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، وعلامةُ النَّصبِ الكَسرةُ؛ لأنَّها جمعُ مُؤَنَّثٍ سالمٌ.
وقُرِئَ (والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ) برَفْعِ (الشَّمسُ) على الابتداءِ، ورفْعِ (مُسخَّراتٌ) على أنَّها الخَبَرُ [649] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/294)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/574)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/342-343). .
قولُه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قَرِيبٌ: إنَّما لم يُؤَنِّثْها وإن كانَتْ خبرًا عن المؤنَّثِ رَحْمَت؛ لوجوهٍ؛ منها: أنَّها في مَعنى الغُفرانِ، فحُمِلَت عليه. ومنها: أنَّه أتى قَريبٌ بغيرِ هاءٍ؛ ليُفرَّقَ بين قُرْبِ النَّسَبِ وقُربِ المَكانِ؛ يُقال: فلانةٌ قريبةٌ منِّي، أي: في النَّسَبِ، وبعيدةٌ مني، أي: في النَّسَبِ، أمَّا إذا أُريدَ القُربُ في المكانِ، فإنَّه يجوزُ الوَجهانِ؛ فيُقالُ: فلانةٌ قريبةٌ وقريبٌ، وبعيدةٌ وبعيدٌ؛  قال الله تعالى: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: 83]، وَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63]. وقيل غيرُ ذلك [650] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/294)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/575)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/344-345)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/177)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/881-883). .

المعنى الإجمالي:


إنَّ ربَّكم- أيُّها النَّاسُ- هو اللهُ الذي خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، ثمَّ علا على العَرشِ، يُغَطِّي سبحانَه بظُلمةِ اللَّيلِ ضَوءَ النَّهارِ، ويغطِّي بضَوءِ النَّهارِ ظُلمةَ اللَّيلِ، وكلٌّ منهما يطلُبُ الآخَرَ طلبًا سريعًا، لا يتأخَّرُ عنه، وخلَقَ الشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجومَ مُذَلَّلاتٍ بأمرِه وتدبيرِه لمنافِعِ الخَلقِ، ألَا له وَحدَه- عَزَّ وجَلَّ- الخَلقُ والأمرُ، عظُمَ سبحانَه وتقَدَّسَ، هو ربُّ العالَمينَ.
ثمَّ أمَرَ اللهُ النَّاسَ أن يدعوه أذِلَّةً خاشعينَ له، مُخْفِينَ دُعاءَهم فيما بينهم وبينَه؛ إنَّه سُبحانه لا يُحِبُّ المعتَدينَ.
ثم نهى سبحانَه النَّاسَ عن الإفسادِ في الأرضِ بعد إصلاحِها، وأمرهم أنْ يَدعُوه خائفينَ مِن غَضَبِه وعِقابِه، وطامعينَ في رِضاه وثَوابِه؛ إنَّ رَحمةَ اللهِ قَريبٌ مِنَ المُحسنينَ.

تفسير الآيات:


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أي: إنَّ سيِّدَكم وخالِقَكم، ومالِكَكم ومُدَبِّرَ شُؤونِكم- أيُّها النَّاسُ- هو اللهُ المُستحِقُّ للعبادةِ، الذي خلق السَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهما، في سِتَّةِ أيَّامٍ [651] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/245)، ((تفسير ابن كثير)) (3/426)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/343). قال ابنُ كثير: (الستَّةُ الأيَّامِ هي: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة). ((تفسير ابن كثير)) (3/426). وقال الشنقيطي: (العلماء يقولون: إنَّ هذه الأيَّامَ، المرادُ بها أوقاتُها؛ لأنَّه في ذلك الوقتِ لم يكُنْ هنالك يومٌ؛ لأنَّ اليومَ مِن طُلوعِ الشَّمسِ إلى غُروبِها، وإن لم يكن هنالك شَمسٌ لا يُعرَفُ اليومُ إلَّا أنَّ اللهَ قبل أن يخلُقَ الشَّمسَ والقَمَرَ، يعلم زمَنَ الأيَّامِ قبل وجودِ الشَّمسِ.. وهذه الأيامُ قال بعضُ العلماء: إنَّها كأيَّامِ الدُّنيا. وقال بعضُهم: اليومُ منها هو المذكورُ في قوله: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: 47]). ((العذب النمير)) (3/344-  345). وقال ابنُ عاشور: (وظاهِرُ الآياتِ أنَّ الأيَّامَ هي المعروفةُ للنَّاسِ.. وقد قيل: إنَّ الأيَّامَ هنا جمعُ اليومِ مِن أيَّامِ الله تعالى، الذي هو مُدَّةُ ألفِ سَنةٍ، فسِتَّةُ أيَّامٍ عبارةٌ عن ستَّةِ آلافٍ مِنَ السِّنينَ). ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/162). .
كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [يونس: 3].
وقال سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة: 4-5].
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
أي: ثمَّ علا اللهُ على العَرشِ [652] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/411)، ((تفسير السمعاني)) (2/188)، ((تفسير البغوي)) (2/197)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/375 - 381). علوًّا يليقُ بجلالِه، بلا تكييفٍ، ولا تشبيهٍ، ولا تعطيلٍ [653] قال ابن كثير: (يُسلَك في هذا المقامِ مَذهَبُ السَّلَفِ الصَّالحِ: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمَّة المسلمينَ قديمًا وحديثًا، وهو إمرارُها كما جاءَتْ مِن غَيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، والظاهِرُ المتبادِرُ إلى أذهانِ المُشَبِّهين، منفيٌّ عن الله؛ فإنَّ الله لا يُشبِهُه شيءٌ مِن خَلقِه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] بل الأمرُ كما قال الأئمَّة- منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: «مَن شَبَّه اللهَ بخَلقِه، فقد كَفَر، ومن جَحَدَ ما وصَفَ اللهُ به نفسَه، فقد كَفَر». وليس فيما وصَفَ اللهُ به نفسَه ولا رسولُه، تَشبيهٌ، فمَن أثبَتَ لله تعالى ما ورَدَتْ به الآياتُ الصَّريحةُ والأخبارُ الصَّحيحةُ، على الوَجهِ الذي يليقُ بجلالِ اللهِ تعالى، ونفى عن الله تعالى النَّقائِصَ، فقد سلك سبيلَ الهدى). ((تفسير ابن كثير)) (3/426 - 427). وقال الشوكاني: (مذهَبُ السَّلَفِ الصَّالح أنَّه استوى- سُبحانه- عليه، بلا كَيفٍ، على الوَجهِ الذي يليقُ به مع تنزُّهِه عمَّا لا يجوزُ عليه، والاستواءُ في لغة العرَبِ: هو العلوُّ والاستقرارُ). ((تفسير الشوكاني)) (2/240). .
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا
أي: يُغطِّي اللهُ تعالى بظُلمةِ اللَّيلِ ضَوءَ النَّهارِ، ويُغَطِّي بضَوءِ النَّهارِ ظُلمةَ اللَّيلِ، وكلٌّ منهما يطلُبُ الآخَرَ طَلبًا سريعًا، لا يتأخَّرُ عنه [654] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/246)، ((تفسير ابن كثير)) (3/427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/166)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/381). .
كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:37- 40].
وقال سبحانه: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [النور: 44].
وقال عزَّ وجلَّ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [فاطر: 13].
وقال تبارك وتعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5].
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ
أي: وخلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الشَّمسَ والقَمرَ والنُّجومَ مُذَلَّلاتٍ بأمرِ اللهِ، وتدبيرِه لمنافِعِ الخَلقِ [655] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/246)، ((تفسير ابن كثير)) (3/427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/168)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/390). .
كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: 12].
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
أي: ألَا لله تعالى وحْدَه صِفَةُ الخَلقِ؛ فهو الذي أوجَدَ جَميعَ المخلوقاتِ، وهو الذي يملِكُها ويتصَرَّفُ فيها، وله وَحدَه الأمرُ كلُّه، فيأمُرُ خَلقَه بما يشاءُ مِن أوامِرَ كونيَّةٍ وشرعيَّةٍ [656] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/247)، ((تفسير ابن كثير)) (3/427)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/169)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/392). .
كما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62].
وقال سبحانه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [يونس: 31].
وقال عزَّ وجلَّ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص: 68].
وقال تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: 154].
وقال جلَّ وعلا: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد: 41].
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
أي: عظُمَ المعبودُ سبحانه وتعالى، وتقدَّسَ وتنزَّه عن كلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، وكَثُرَت برَكاتُه وخَيراتُه، هو خالِقُ كُلِّ شَيءٍ ومالِكُه، ومُدَبِّرُ شؤونِ جَميعِ خَلقِه [657] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/247)، ((البسيط)) للواحدي (9/177)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((تفسير ابن عاشور)) (1-ب/173)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/397)، ((تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة)) (1/9).
كما قال تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 78].
وقال سبحانه: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية: 36-37].
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً
أي: ادْعُوا- أيُّها النَّاسُ [658] قال ابن عاشور: (الخطابُ بـ ادْعُوا خاصٌّ بالمُسلمينَ؛ لأنَّه تعليمٌ لأدَبِ دُعاءِ اللهِ تعالى وعبادَتِه، وليس المشركونَ بمُتهَيِّئينَ لِمِثلِ هذا الخطابِ). ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/171). - خالِقَكم وسَيِّدَكم، ومُدَبِّرَ شُؤُونِكم، ادْعُوه وَحْدَه، أذلَّاءَ خاشِعينَ له وخاضعينَ، مُخفِيَن دُعاءَكم فيما بينكم وبينه، سواءٌ كان دُعاءَ مسألةٍ وطَلَبٍ، أو دُعاءَ عبادةٍ؛ كالصَّلاةِ وغَيرِها [659] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/247)، ((تفسير ابن كثير)) (3/428)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((تفسير ابن عاشور)) (1-ب/171)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/397 - 398). لإخفاءِ الدُّعاءِ فَوائِدُ عَديدةٌ منها: - أنَّه أعظَمُ إيمانًا؛ لأنَّ صاحِبَه يعلَمُ أنَّ اللهَ يسمَعُ دُعاءَه الخفيَّ. - أنَّه أعظَمُ في الأدبِ والتعظيمِ؛ ولهذا لا تُخاطَبُ المُلوكُ ولا تُسألُ برَفعِ الأصواتِ، وإنَّما تُخفَضُ عِندَهم الأصواتُ، ولِلَّه المثَلُ الأعلَى، فإذا كان ربُّنا يسمَعُ الدُّعاءَ الخفيَّ، فلا يليقُ بالأدَبِ بين يدَيه إلَّا خَفضُ الصَّوتِ به. - أنَّه أبلغُ في التضرُّعِ والخُشوعِ، الذي هو رُوحُ الدُّعاءِ ولُبُّه ومقصودُه. - أنَّه أبلَغُ في الإخلاصِ. - أنَّه أبلَغُ في جمعيَّةِ القَلبِ على اللهِ في الدُّعاءِ؛ فإنَّ رَفعَ الصَّوتِ يُفَرِّقُه ويُشتِّتُه. - أنَّه دالٌّ على قُربِ صاحبِه مِن اللهِ، وأنَّه لِاقترابِه منه، وشِدَّةِ حُضورِه يسألُه مسألةَ أقرَبِ شَيءٍ إليه. - أنَّه أدعى إلى دوامِ الطَّلبِ والسُّؤالِ؛ فإنَّ اللِّسانَ لا يمَلُّ، والجوارِحَ لا تتعَبُ، بخلافِ ما إذا رفَعَ صَوتَه؛ فإنَّه قد يَكِلُّ لسانُه وتَضعُفُ بعضُ قُواه. يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/6- 8). .
كما قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: 205].
وقال سُبحانَه عن نَبِيِّه زكريَّا عليه السَّلامُ: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: 3].
وعن أبي مُوسى الأشعريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: كُنَّا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ، فجعل النَّاسُ يجهَرونَ بالتَّكبيرِ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، ارْبَعُوا على أنفُسِكم [660] ارْبَعُوا أي: ارفُقُوا بأنفُسِكم، واخفِضُوا أصواتَكم. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/26). ؛ إنَّكم ليس تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تَدْعونَ سَميعًا قريبًا، وهو معكم )) [661] رواه البخاري (2992) ومسلم (2704). .
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان دُعاءُ التَّضَرُّعِ والخُفيَةِ يقابِلُ الاعتداءَ بعَدَمِ التضَرُّعِ والخُفيةِ؛ عقَّبَ ذلك بقَولِه تعالى [662] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/26). :
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
أي: إنَّ ربَّكم لا يُحِبُّ المُتجاوِزينَ للحُدودِ التي حدَّها لعبادِه، في الدُّعاءِ وغَيرِه مِنَ الأمورِ [663] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/249)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291)، ((العذب النمير))للشنقيطي (3/402- 403). قال ابنُ تيميَّةَ: (اللهُ لا يُحِبُّ المعتدينَ في كلِّ شَيءٍ: دعاءً كان أو غيرَه .. فيكونُ أمَرَ بدُعائِه وعبادَتِه، وأخبَرَ أنَّه لا يُحِبُّ أهلَ العُدوانِ وهم يَدْعونَ معه غيرَه، فهؤلاء أعظَمُ المُعتدينَ عُدوانًا؛ فإنَّ أعظَمَ العُدوانِ الشِّركُ، وهو وَضعُ العبادةِ في غيرِ مَوضِعها، فهذا العُدوانُ لا بدَّ أن يكونَ داخلًا في قولِه تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، ومِنَ العُدوانِ أن يَدْعُوَه غيرَ مُتضَرِّعٍ؛ بل دعاءُ هذا كالمُستغني المُدلِي على رَبِّه، وهذا مِن أعظَمِ الاعتداءِ؛ لِمُنافاتِه لدُعاءِ الذَّليلِ، فمَنْ لم يسألْ مسألةَ مِسكينٍ مُتَضَرِّعٍ خائفٍ؛ فهو مُعْتدٍ، ومِنَ الاعتداءِ أن يَعبُدَه بما لم يُشَرِّعْ، ويُثنِيَ عليه بما لم يُثْنِ به على نَفسِه، ولا أَذِنَ فيه). ((مجموع الفتاوى)) (15/23). وقال الشوكاني: (مَن جاوَزَ ما أمَرَه اللهُ به في شيءٍ مِنَ الأشياءِ، فقد اعتدى، واللهُ لا يحِبُّ المُعتدينَ، وتدخُلُ المجاوَزةُ في الدُّعاءِ في هذا العُمومِ دُخولًا أوَّليًا، ومِنَ الاعتداءِ في الدُّعاءِ: أن يسألَ الدَّاعي ما ليس له- كالخُلودِ في الدُّنيا، أو إدراكِ ما هو مُحالٌ في نَفسِه- أو يطلُبَ الوصولَ إلى منازِلِ الأنبياءِ في الآخِرةِ، أو يرفَعَ صَوتَه بالدُّعاءِ صارخًا به). ((تفسير الشوكاني)) (2/243). .
كما قال تعالى: وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].
وعن أبي نعامة، ((أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابنًا له يقولُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ القَصرَ الأبيضَ مِنَ الجنَّةِ إذا دخَلْتُها عن يميني، فقال له: يا بُنَيَّ، سلِ اللهَ الجنَّةَ، وتعوَّذْه مِنَ النَّارِ؛ فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: سيكونُ بَعدِي قومٌ مِن هذه الأمَّةِ يَعتَدونَ في الدُّعاءِ والطُّهورِ )) [664] أخرجه أبو داود (96)، وابن ماجة (3864)، وأحمد (20554). قال ابن كثير في ((التفسير)) ( 3/425): إسناده حسن لا بأس به، وصحح إسناده مغلطاي في ((شرح سنن ابن ماجه)) ( 1/325)، وصحح الحديث ابن الملقن في ((البدر المنير)) (2/599)، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (96). .
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) 
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أنبَأَ الكلامُ السَّابِقُ في قَولِه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ عَن عِنايةِ اللهِ بالمُسلمينَ وتَقريبِه إيَّاهم؛ إذ أمَرَهم بأن يَدْعُوه، وشَرَّفَهم بذلك العُنوانِ العَظيمِ في قَولِه: رَبَّكُمْ، وعَرَّضَ لهم بمَحَبَّتِه إيَّاهم دُونَ أعدائِهم المُعتَدينَ- أعقَبَه بما يحولُ بَينَهم وبينَ الإدلالِ على اللهِ؛ بالاسترسالِ فيما تُمليِه عليهم شَهَواتُهم مِن ثَوَرانِ القُوَّتَينِ الشَّهْويَّةِ والغَضَبيَّة؛ فإنَّهما تَجنيانِ فَسادًا في الغَالِبِ، فذَكَّرَهم بتَرْكِ الإفسادِ؛ ليكونَ صَلاحُهم مُنَزَّهًا عن أن يُخالِطَه فَسادٌ [665] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/173). ، فقال:
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
أي: ولا تُفسِدوا- أيُّها النَّاسُ- في الأرضِ بالشِّركِ والمعاصي، وغيرِ ذلك مِن أنواعِ الفَسادِ، بعد أن أصلَحَ اللهُ تعالى الأرضَ؛ بإرسالِ الرُّسُلِ، وتقريرِ التَّوحيدِ، وبيانِ الشَّريعةِ، وعَمَلِ الطَّاعاتِ [666] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/249 - 250)، ((تفسير السعدي)) (ص: 292)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/404- 406). وعزا ابنُ تيميَّة هذا المعنى لأكثَرِ المُفَسِّرينَ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (15/24). .
كما قال تعالى: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77].
وقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 11-12].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 205].
وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا
أي: وادعُوا اللهَ عزَّ وجلَّ واعبُدُوه، مخلصينَ له في دُعائِكم وعِبادَتِكم، وأنتم في حالِ خَوفٍ مِن غَضَبِ اللهِ وعِقابِه، وطَمَعٍ في رضا اللهِ وثَوابِه [667] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/250)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/26)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/16)، ((تفسير ابن كثير)) (3/429)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/176). قال السعدي: (الدُّعاء يَشملُ دعاءَ العبادة، فيَدخُل فيه كلُّ عِبادة أمَرَ الله بها ورسولُه، ودعاءُ المسألة، وهو: سؤالُ الله جلْبَ المنافع، ودفْعَ المضارِّ). ((تفسير السعدي)) (ص: 944)، ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/10). .
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان قولُه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا مُشتمِلًا على جميعِ مَقاماتِ الإيمانِ والإحسانِ، وهي الحُبُّ والخَوفُ والرَّجاءُ- عَقَّبَها ببيانِ أنَّ مَن دعاه خوفًا وطمَعًا، فهو المُحسِنُ، والرَّحمةُ قَريبٌ منه؛ لأنَّ مَدارَ الإحسانِ على هذه الأصولِ الثَّلاثةِ، فقال سبحانه [668] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/26). :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
أي: إنَّ رحمةَ اللهِ في الدُّنيا والآخِرةِ مرجُوَّةُ الحُصُولِ للمُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، المُحسِنينَ إلى عِبادِ اللهِ [669] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/250)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/28)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/17)، ((تفسير ابن كثير)) (3/429)، ((تفسير السعدي)) (ص: 292)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/177). قال ابنُ تيمية: (واللهُ سُبحانه يُحِبُّ المُحسنينَ ويُبغِضُ مَن ليس مِنَ المُحسِنينَ، ومَن أحَبَّه اللهُ فرَحمَتُه أقرَبُ شيءٍ منه، ومَن أبغَضَه اللهُ فَرَحمتُه أبعَدُ شَيءٍ منه). ((مجموع الفتاوى)) (15/27). .
كما قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 156].
وقال سُبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: 30].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يقولُ اللهُ عَزَّ وجلَّ: أنا عندَ ظَنِّ عَبدِي، وأنا معه حين يَذكُرُني، فإنْ ذَكَرَني في نفسِه ذَكَرْتُه في نفسِي، وإنْ ذَكَرَني في ملأٍ ذَكَرْتُه في ملأٍ خَيرٍ منه، وإنِ اقتَرَب إليَّ شِبرًا، تقرَّبْتُ إليه ذِراعًا، وإن اقتَرَب إليَّ ذِراعًا، اقتربتُ إليه باعًا، وإنْ أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً )) [670] رواه البخاري (7405) ومسلم (2675). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ لَمَّا نسَبَ تعالى نفسَه إلينا، سَمَّى نَفسَه في هذه الحالةِ بالرَّبِّ، وهو مُشعِرٌ بالتَّربيةِ وكثرةِ الفَضلِ والإحسانِ، فكأنَّه يقولُ: مَن كان له مُرَبٍّ مع كَثرةِ هذه الرَّحمةِ والفَضلِ، فكيف يليقُ به أن يشتغِلَ بعبادةِ غَيرِه [671] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/285). ؟!
2- في قولِه تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إنْ قِيل: وما الحكمةُ في خلقِها في ستةِ أيَّامٍ، وكان قادرًا على خلقِها في طرفةِ عينٍ؟ قِيل: لأنَّ خلقَها على التأنِّي أدلُّ على حكمتِه، ولُطفِ تدبيرِه، وفيه أيضًا تعليمُ النَّاس، وتنبيهُ العبادِ على التأنِّي في الأُمورِ، وأنَّ لكلِّ شيءٍ عندَه أجلًا [672] ينظر : ((تفسير القرطبي)) (7/219)، ((تفسير السمعاني)) (2/188). .
3- في قوله تعالى: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تنبيهٌ على ما في هذا العالَمِ مِنَ الخَيراتِ والنِّعَمِ، التي تُوجِبُ لله تعالى الشُّكرَ والعبادةَ على عبادِه، دون ما عَبَدُوه معه، وليس لهم مِنَ الخَلقِ ولا مِنَ الأمْرِ شَيءٌ [673] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/405). .
4- في قَولِ الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الحثُّ على الدُّعاءِ [674] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/173). .
5- قولُه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فيه أن الدُّعاءَ الخفِيَّ أفضَلُ وأعظَمُ مِنَ الدُّعاءِ الذي هو جَهرٌ وعلانِيَةٌ؛ وذلك لأنَّ إخفاءَ الدُّعاءِ أبعَدُ مِنَ الرِّياءِ، ولأنَّه يدلُّ على ثِقَةِ العَبدِ بأنَّ رَبَّه عالِمٌ بما خَفِيَ وما ظَهَرَ، لا يخفى عليه شيءٌ [675] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/399). .
6- قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المقصودُ مِنَ الدُّعاءِ أن يصيرَ العَبدُ مُشاهِدًا لحاجةِ نَفسِه، ولِعجزِ نَفسِه، ومُشاهِدًا لِكَونِ مَولاه مَوصوفًا بكمالِ العِلمِ والقُدرةِ والرَّحمةِ، فكلُّ هذه المعاني دخَلَتْ تحت قولِه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ثم إذا حَصَلَت هذه الأحوالُ على سبيل الخُلوصِ، فلا بُدَّ مِن صَونِها عنِ الرِّياءِ المبطِلِ لحقيقةِ الإخلاصِ، وهو المرادُ مِن قَولِه تعالى: وَخُفْيَةً والمقصودُ مِن ذِكرِ التَّضَرُّعِ تحقيقُ الحالةِ الأصليَّةِ المطلوبةِ مِنَ الدُّعاءِ، والمقصودُ مِن ذِكرِ الإخفاءِ صَونُ ذلك الإخلاصِ عن شَوائِبِ الرِّياءِ، وإذا عرَفْتَ هذا المعنى ظهَرَ لك أنَّ قولَه سبحانه: تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً مُشتمِلٌ على كلِّ ما يُرادُ تَحقيقُه وتحصيلُه في شرائِطِ الدُّعاءِ، وأنَّه لا يزيدُ عليه ألبتَّةَ بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ [676] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/280). .
7- قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ مِنَ الاعتداءِ في الدُّعاءِ ما هو خاصٌّ باللَّفظِ، كالتكَلُّفِ والسَّجعِ، والمبالغةِ في رَفعِ الصَّوتِ؛ فقد صَحَّ النَّهيُ عن ذلك، ومنها ما هو خاصٌّ بالمعنى، وهو طلَبُ غيرِ المَشروعِ مِن وَسائِلِ المعاصي ومَقاصِدِها- كضرَرِ العِبادِ، وأسبابِ الفَسادِ- وطلَبُ المُحالِ الشَّرعيِّ أو العَقليِّ، كطلَبِ إبطالِ سُنَنِ اللهِ في الخَلقِ، وتبديلِها أو تَحويلِها، ومنه طلَبُ النَّصرِ على الأعداءِ مَع تَركِ وسائِلِه- كأنواعِ السِّلاحِ والنِّظامِ- والغِنى بدونِ كَسْبٍ، والمغفرةِ مع الإصرارِ على الذَّنبِ. واللهُ تعالى يقولُ: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [677] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/408، 409). [فاطر: 43].
8- دلَّ قولُه تعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ عَقيبَ قَولِه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً على أنَّ مَن لم يَدْعُه تضرُّعًا وخُفيةً فهو مِنَ المُعتدينَ الذين لا يُحِبُّهم سبحانه، فقَسَّمَتِ الآيةُ النَّاسَ إلى قِسمينِ: داعٍ للهِ تَضَرُّعًا وخُفيةً؛ ومُعتدٍ بتَرْكِ ذلك [678] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/24).
9- قال اللهُ تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا هذا نهيٌ عن إيقاعِ الفَسادِ في الأرضِ، وإدخالِ ماهِيَّتِه في الوجودِ، فيتعَلَّقُ بجميعِ أنواعِه؛ مِن إفسادِ النُّفوسِ والأنسابِ، والأموالِ والعُقولِ والأديانِ [680] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/70). .
10- قال الله تعالى: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا لَمَّا كان الدُّعاءُ مِنَ اللهِ بمكانٍ؛ كرَّرَه، فقال أوَّلًا: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وهاتان الحالتانِ مِنَ الأوصافِ الظَّاهرةِ؛ لأنَّ الخُشوعَ والاستكانةَ وإخفاءَ الصَّوتِ، ليسَتْ مِنَ الأفعالِ القَلبيَّةِ، ثمَّ قال ثانيًا: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا أي: وَجِلِينَ مُشفِقينَ، وراجِينَ مُؤَمِّلينَ؛ فبدأ أوَّلًا بأفعالِ الجَوارِحِ، ثمَّ ثانيًا بأفعالِ القُلوبِ، وعطْفُ خَوْفًا على طَمَعًا يقتضي أن يكونَ الخَوفُ والرَّجاءُ مُتَساوِيَينِ؛ ليكونا للإنسانِ كالجَناحينِ للطَّائِرِ، يحمِلانِه في طريقِ استقامةٍ، فإنِ انفَرَدَ أحدُهما هلَكَ الإنسانُ [681] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/70). .
11- اشتمَلَ قولُه تعالى: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا على جميعِ مقاماتِ الإيمانِ والإحسانِ، وهي: الحبُّ والخَوفُ والرَّجاءُ؛ ولذلك أعقَبَها بقوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، أي: إنما تَنالُ مَن دعاه خوفًا وطَمَعًا، الذي هو المحسنُ، والرَّحمةُ قريبٌ منه؛ لأنَّ مدارَ الإحسانِ على هذه الأصولِ الثَّلاثةِ [682] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/26). .
12- اشتمَلَ قولُه عزَّ وجلَّ: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ على آدابِ نَوعَيِ الدُّعاءِ- دُعاءِ العبادةِ، ودُعاءِ المسألةِ؛ فإنَّ الدُّعاءَ في القُرآنِ يُرادُ به هذا تارةً، وهذا تارةً، ويُرادُ به مجموعُهما، وهما مُتلازمانِ، فدعاءُ المسألةِ هو طلَبُ ما ينفَعُ الداعيَ، وطلبُ كَشْفِ ما يضرُّه أو دَفْعِه، وكلُّ مَن يملكُ الضُّرَّ والنَّفعَ، فهو المعبودُ حقًّا، فهو يُدعَى للنَّفعِ والضُّرِّ دُعاءَ المسألةِ، ويُدعى خوفًا ورجاءً دُعاءَ العِبادةِ، فعُلِمَ أنَّ النَّوعينِ مُتلازمانِ؛ فكلُّ دعاءِ عبادةٍ، مُستلزِمٌ لِدُعاءِ المسألةِ، وكُلُّ دعاءِ مَسألةٍ مُتضَمِّنٌ لدُعاءِ العبادةِ [683] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/2). .
13- في قَولِه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ تحريضٌ على الإحسانِ وترغيبٌ فيه، ووجهُ ذلك: أنَّ قُرْبَه تبارك وتعالى مِنَ المحسنينَ وقُرْبَ رَحمَتِه منهم؛ مُتلازمانِ، وقُرْبُ اللهِ تعالى من عبده هو غايةُ الأماني ونهايةُ الآمالِ؛ فإذا كانت رحمتُه قريبةً منهم، فهو أيضًا قريبٌ منهم- سبحانَه؛ بسبَبِ إحسانِهم، وكُلَّما كان العبدُ أكثَرَ إحسانًا، كان أقرَبَ إلى رحمةِ رَبِّه تعالى،  وكان ربُّه قريبًا منه برَحمَتِه [684] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/31)، ((تفسير السعدي)) (ص: 291). .
14- في قَولِه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ تنبيهٌ ظاهرٌ على أنَّ فِعْلَ هذا المأمورِ به هو الإحسانُ المطلوبُ منكم؛ وأنَّ مَطلوبَكم أنتم مِن اللهِ هو رحمَتُه؛ وأنَّ رحمتَه قريبٌ مِنَ المُحسنينَ، الذين فَعَلوا ما أُمِرُوا به مِن دعائِه خَوفًا وطمعًا؛ فقُرْبُ مطلوبِكم منكم- وهو الرَّحمةُ- يكون بحَسَبِ أدائِكم لِمَطلوبِه منكم- وهو الإحسانُ- الذي هو في الحقيقةِ إحسانٌ إلى أنفسِكم؛ فإنَّ اللهَ تعالى هو الغنيُّ الحميدُ، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [685] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/17). [الإسراء: 7].
15- في قَولِه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ دلالةٌ على أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فكما أحسَنُوا بأعمالِهم، أَحسنَ اللهُ إليهم برَحْمَتِه [686] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/17). .

الفوائد العلمية واللطائف:


في قَولِه تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ دلالةٌ على بُطلانِ تأويلِ الاستواءِ بمعنى المُلْكِ؛ لأنَّه سبحانه أَخبَرَ أنَّه خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، ثم استوى على العَرشِ؛ وقد أَخبرَ أنَّ العَرشَ كان موجودًا قبل خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ- كما دلَّ على ذلك الكِتابُ والسنَّةُ - وحينئذٍ فهو مِن حِينِ خلَقَ العرشَ مالكٌ له مُسْتَولٍ عليه؛ فكيف يكونُ الاستواءُ عليه مؤخَّرًا عن خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ؟! وأيضا فاللهُ مالكٌ لكُلِّ شَيءٍ، مُستَولٍ عليه؛ فكيف يُخصُّ العرشُ بالاستواءِ [687] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/376). ؟!
قولُه سبحانَه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فيه التمييزُ بين إرادةِ الله لما يخلقُه في عبادِه، وإرادتِه لما يأمرُ به عبادَه، وكثيرٌ مِن الناسِ تشتبهُ عليهم الحقائِقُ الأمريَّةُ الدِّينيَّةُ الإيمانيَّةُ بالحقائقِ الخلقِيَّةِ القدريَّةِ الكونِيَّةِ، فالله سبحانه خالقُ كلِّ شيءٍ ورَبُّه ومَليكُه، لا خالِقَ غَيْرُه، ولا رَبَّ سواه، فكلُّ ما في الوجودِ مِن حركَةٍ وسُكونٍ فبقضائِه وقَدَرِه، ومَشيئَتِه وقُدْرَتِه وخَلْقِه، وكلُّ ما خلقَه فبإرادتِه خلَقَه، فما شاء الله كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ، فما لم يكُنْ لم يُرِدْ أن يخلقَه، وما كان فقد أراد أن يخلقَه، وهو لا يريدُ أن يخلقَ إلا ما سبَق علمُه بأنَّه سيخلقُه، فإنَّ العلمَ يطابقُ المعلومَ، وهو سبحانَه أمَر بطاعتِه وطاعةِ رسلِه، ونَهَى عن معصِيَتِه ومعصيَةِ رُسُلِه، فأمَر العبادَ بالحسناتِ التي تنفعُهم، ونهاهم عن السيئاتِ التي تضرُّهم، والحسناتُ محبوبةٌ لله مرضيةٌ، والسيئاتُ مكروههٌ له يسخطُها، ويسخطُ على أهلِها، وإن كان الجميعُ مخلوقًا له [688] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5 /221)، ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) لابن تيمية (1 /245). .
قَولُ اللهِ تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فيه ردٌّ على القائلينَ بخَلقِ القُرآنِ؛ لأنَّه فرَّقَ بين المَخلوقاتِ وبَيْنَ الأمرِ؛ لأنَّ أمْرَه- عزَّ وجَلَّ- بكلامِه، فكَلامُه غيرُ داخلٍ في خَلقِه [689] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/78)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/393). .
قَولُ الله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ افتُتِحَتِ الجُملةُ بحَرفِ التَّنبيهِ (ألَا)؛ لتَعِيَ نفوسُ السَّامعينَ هذا الكلامَ الجامِعَ [690] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/169). .
قَولُ اللهِ تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً فيه أنَّ الإخفاءَ مُعتبَرٌ في الدُّعاءِ؛ فاللهُ تعالى أمَرَ بالدُّعاءِ مقرونًا بالإخفاءِ، وظاهِرُ الأمرِ للوُجوبِ، فإن لم يحصُلِ الوُجوبُ، فلا أقَلَّ مِن كَونِه نَدبًا [691] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/281). .
في قَولِه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً دلالةٌ على جوازِ أنْ يشتكيَ المسلمُ إلى اللهِ ما نَزَلَ به مِن الضُّرِّ، وقد أجمَعَ المُسلمونَ على جوازِه [692] يُنظر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (4/72). .
في قَولِه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وقَولِه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا دلالةٌ على أنَّه سبحانه يُحبُّ أنْ يُسألَ، ويُرغَبَ إليه، ويُطلَبَ منه [693] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/102). .
قال الله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا فاللهُ أصلَحَ الأرضَ بِرَسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ودِينِه، وبالأمرِ بالتَّوحيدِ، ونهى عن فسادِها بالشِّركِ به، ومُخالَفةِ رَسُولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَن تدَبَّرَ أحوالَ العالَمِ وَجَدَ كلَّ صَلاحٍ في الأرضِ، فسَبَبُه توحيدُ اللهِ، وعبادَتُه، وطاعةُ رَسُولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكُلَّ شَرٍّ في العالَمِ، وفِتنةٍ وبَلاءٍ، وقَحطٍ وتَسليطِ عَدُوٍّ، وغير ذلك؛ فسَبَبُه مُخالفةُ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، والدَّعوةُ إلى غَيرِ اللهِ [694] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/24-25). .
قولُ الله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الأصلَ في المَضَارِّ الحُرمةُ، والمَنعُ على الإطلاقِ [695] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/283). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا التَّصريحُ بالبَعْديَّةِ هنا، تسجيلٌ لِفَظاعةِ الإفسادِ بأنَّه إفسادٌ لِمَا هو حَسَنٌ ونافِعٌ، فلا مَعذِرةَ لِفاعِلِه، ولا مَساغَ لِفِعلِه عند أهلِ الأرْضِ [696] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/175). .
قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا قَولُ اللهِ تعالى: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا أعاد الأمرَ بالدُّعاءِ بعد أنْ وَسَّطَ بينهما النَّهيَ عن الإفسادِ؛ للإيذانِ بأنَّ مَن لا يعرِفُ نفسَه بالحاجةِ والافتقارِ إلى رَحمةِ رَبِّه الغنيِّ القَديرِ، وفَضلِه وإحسانِه، ولا يدعوه تضَرُّعًا وخُفيةً، ولا خَوفًا مِن عِقابِه، وطَمَعًا في غُفرانِه، أنَّه يكونُ أقرَبُ إلى الإفسادِ منه إلى الإصلاحِ [697] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/410). .
المناسبةُ في ذِكْرِ الطَّمعِ- الذي هو الرَّجاءُ- في آيةِ الدُّعاءِ: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا أنَّ الدُّعاءَ مبنيٌّ عليه، فإنَّ الدَّاعيَ ما لم يَطْمَعْ في سُؤَالِهِ ومَطلوبِه، لم تتحَرَّكْ نفسُه لطَلَبِه؛ إذ طَلَبُ ما لا طَمَعَ فيه، مُمتنِعٌ [698] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/21). .
قَولُه تعالى: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ له دلالةٌ بِمَنطوقِه، ودَلالةٌ بإيمائِه وتعليلِه، ودَلالةٌ بمَفهومِه؛ فَدَلالَتُه بِمَنطوقِه: على قُربِ الرَّحمةِ مِن أهلِ الإحسانِ. ودَلالَتُه بإيمائِه وتَعليلِه: على أنَّ هذا القُربَ مُستَحَقٌّ بالإحسانِ، وهو السَّبَبُ في قُربِ الرَّحمةِ مِنهم. ودَلالَتُه بمَفهومِه: على بُعدِه مِن غيرِ المُحسنينَ؛ فهذه ثلاثُ دَلالاتٍ لِهذه الجُملةِ [699] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/27). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أنَّه إذا كانت الرَّحمةُ الإلهيَّةُ قَريبةً مِنَ المحسنينِ، فالموصوفُ تبارك وتعالى أَوْلى بالقُربِ منهم، بل قُربُ رَحمَتِه تبَعٌ لِقُربِه هو- تبارك وتعالى- مِنَ المُحسنينَ [700] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/31).

بلاغة الآيات:


قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ... استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ عادَ به التَّذكيرُ إلى صَدْرِ السُّورةِ في قوله: وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أولِيَاءَ [701] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/159). ، وفيه التأكيدُ بحرْف إِنَّ [702] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/159). .
قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ فيه مِن بديعِ الإيجازِ، ورَشاقةِ التركيبِ: جَعْلُ اللَّيلِ والنَّهار مفعولَينِ لفِعلِ فاعلِ الإغشاءِ؛ فهما مفعولانِ، كِلاهما صالحٌ لأنْ يكونَ فاعل الغَشي؛ ولهذا استغنى بقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ عن ذِكر عَكسِه، ولم يقُل: (والنَّهارَ اللَّيلَ)، وقد شَبَّه ظهورَ ظلامِ اللَّيل في الأُفق ممتدًّا مِن المشرِق إلى المغربِ عندَ الغُروبِ، واختفاءَ نُورِ النَّهار في الأفقِ ساقطًا من المشرِقِ إلى المغربِ؛ حتَّى يعمَّ الظلامُ الأفقَ بطَلبِ اللَّيلِ النَّهار، على طريقةِ التَّمثيل، وكذلك يُفهَمُ تشبيهُ امتدادِ ضَوءِ الفجرِ في الأُفقِ من المشرِقِ إلى المغربِ، واختفاءِ ظلامِ اللَّيل في الأُفقِ ساقطًا في المغربِ؛ حتَّى يَعُمَّ الضياءُ الأُفقَ: بطلبِ النَّهارِ اللَّيلَ على وجْهِ التَّمثيل [703] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/167). .
قوله: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ مُستأنفةٌ استئنافَ التَّذييلِ للكلامِ السَّابق من قوله: الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ لإفادةِ تَعميمِ الخَلْقِ [704] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/169). .
التَّعريفُ في الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ تعريفُ الجِنسِ؛ فتُفيدُ الجملةُ قَصْرَ جِنسِ الخَلْقِ وجِنسِ الأمْرِ على الكونِ في مِلكِ اللهِ تعالى؛ فليس لغيرِه شيءٌ مِن هذا الجِنسِ، وهو قصرٌ إضافيٌّ معناه: ليس لآلهتِهم شيءٌ مِن الخَلْقِ ولا مِن الأَمْرِ [705] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/169). .
وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لَهُ هنا؛ لتخصيصِه تَعالَى بالخَلْقِ والأَمْر [706] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/169). .
قوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ استئنافٌ جاءَ مُعترِضًا بين ذِكرِ دَلائلِ وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى بذِكرِ عظيمِ قُدرتِه على تكوينِ أشياءَ لا يُشارِكُه غيرُه في تَكوينِها؛ فالجملةُ مُعترِضةٌ بينَ جُملة يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ وجُملةِ: وَهُو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ، جرَى هذا الاعتراضُ على عادةِ القُرآنِ في انتهازِ فُرَصِ تهيُّؤِ القُلوبِ للذِّكْرَى [707] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/170). .
وقَولُه: ادْعُوا رَبَّكُمْ فيه تعريفُ الربِّ بطريقِ الإضافةِ دون ضميرِ الغائبِ، مع وجودِ مُعادٍ قريبٍ في قوله: تَبَارَكَ اللَّهُ، ودون ضَميرِ المُتكلِّم؛ لأنَّ في لَفْظِ الربِّ إشعارًا بتقريبِ المؤمنِين بصِلةِ المربوبيَّة، وليُتوسَّلَ بإضافةِ الربِّ إلى ضميرِ المخاطَبِينَ إلى تَشريفِ المؤمنِينَ، وعنايةِ الرَّبِّ بهم [708] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/171). .
وجُملةُ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ واقعةٌ موقِعَ التَّعليلِ للأمْرِ بالدُّعاءِ؛ إشارةً إلى أنَّه أمْرُ تَكريمٍ للمُسلِمينَ يَتضمَّنُ رِضا اللهِ عنهم، ولكن سَلَك في التَّعليلِ طَريقَ إثباتِ الشَّيءِ بإبطالِ ضِدِّه؛ تَنبيهًا على قَصْدِ الأَمْرَينِ، وإيجازًا في الكلامِ [709] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/172). .
وبين قَولِه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا وقولِه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً [الأعراف: 205] مُناسَبةٌ حَسنةٌ:
حيثُ ذُكِرَ التضرُّعُ فيهما معًا، وهو التذلُّلُ والتَّمَسكُنُ والانكسارُ، وهو رُوحُ الذِّكرِ والدُّعاءِ، وخُصَّ الدُّعاءُ بالخُفيةِ؛ لِما لإخفاءِ الدُّعاءِ مِن حِكَمٍ وفوائدَ كثيرةٍ.
وخُصَّ الذِّكرُ بالخِيفةِ؛ لحاجةِ الذَّاكرِ إلى الخوفِ، فإنَّ الذِّكرَ يستلزِمُ المحبَّةَ ويُثمِّرُها ولا بدَّ، والمحبَّةُ ما لم تُقرَن بالخوفِ، فإنَّها لا تنفَعُ صاحِبَها، بل قد تضُرُّه، فتأمَّلْ أسرارَ القُرآنِ وحِكمتَه في اقترانِ الخِيفةِ بالذِّكرِ، والخُفيةِ بالدُّعاءِ، مع دلالَتِه على اقترانِ الخيفةِ بالدُّعاءِ، والخُفيةِ بالذِّكرِ أيضًا؛ فإنه قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ فلم يحتَجْ بعدها أن يقولَ: (خُفيَة)، وقال في الدُّعاءِ: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا فلم يحتَجْ أن يقولَ في الأولى (ادعوا ربَّكم تضرُّعًا وخيفَةً) فانتظمت كلُّ واحدةٍ مِن الآيتَينِ، للخُفيةِ والخِيفةِ والتَّضرُّعِ، أحسَنَ انتظامٍ، ودلَّت على ذلك أكملَ دَلالةٍ.
وذُكِرَ الطَّمعُ الذي هو الرَّجاءُ في آيةِ الدُّعاءِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ مَبنيٌّ عليه، فإنَّ الداعيَ ما لم يطمَعْ في سؤالِه ومَطلوبِه لم تتحَرَّكْ نفسُه لِطَلَبِه؛ إذ طلَبُ ما لا طمَعَ فيه ممتنِعٌ، وذُكِرَ الخَوفُ في آيةِ الذِّكرِ؛ لشدَّةِ حاجةِ الخائِفِ إليه، فذُكِرَ في كلِّ آيةٍ ما هو اللَّائقُ بها والأَولى بها، مِن الخوفِ والطَّمعِ، فتبارَكَ مَن أنزَلَ كلامَه؛ شِفاءً لِمَا في الصُّدور، وهُدًى ورَحمةً للمُؤمنينَ [710] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/10). .
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ:
قولُه: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ في إيقاعِ هذا النَّهيِ عقِبَ قولِه: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ تعريضٌ بأنَّ المُعتدِين مُفسِدون في الأرضِ، وإرْباءٌ للمُسلِمينَ عن مُشابهتِهم، أي: لا يَليقُ بكم- وأنتم المقرَّبون مِن ربِّكم، المأذونُ لكم بدُعائِه- أنْ تكونوا مِثلَ المُبعَدِين منه المُبْغَضين [711] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/174). .
وقولُه: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا فيه إيجازٌ بالحَذْفِ، والتَّقديرُ: وادْعُوه خوفًا وطمعًا وأحْسِنوا؛ بقرينةِ تَعقيبِه بقولِه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [712] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/176). .
وقولُه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فيه التَّأكيدُ بقولِه: إِنَّ، وهي لمُجرَّدِ الاهتمامِ بالخبرِ، وقد سكَتَ عن ضدِّ المحسنين رِفقًا بالمؤمنِين، وتعريضًا بأنَّهم لا يُظَنُّ بهم أنْ يُسِيئوا فتَبْعُد الرَّحمةُ عنهم [713] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/177). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إشارةٌ إلى قُرْبِ اللهِ تعالى مِن المُحسنينَ، وأيضًا قُرْبِ رَحمتِه منهم، ووجهُ ذلك: هو الإخبارُ عن الرَّحمةِ- وهي مؤنَّثةٌ بالتاءِ- بِقَولِه (قريبٌ) وهو مذكرٌ، وهذا مِن باب الاستغناءِ بأحَدِ المذكُورَينِ عن الآخَرِ؛ لكونه تبَعًا له ومعنًى مِن معانيه، فاستغنى بخَبَرِ المحذوفِ عن خبَرِ الموجودِ، وَسَوَّغَ ذلك ظهورُ المعنى؛ ففي حذف التاء هاهنا تنبيهٌ على هذه الفائدةِ العَظيمةِ الجليلةِ، ولو قال: إنَّ رحمةَ اللهِ قريبةٌ مِنَ المحسنينَ؛ لم يدُلَّ على قُربِه تعالى منهم؛ لأنَّ قُربَه تعالى أخَصُّ مِن قُربِ رَحمَتِه، والأعَمُّ لا يستلزِمُ الأخَصَّ، بخلافِ قُربِه؛ فإنَّه لَمَّا كان أخَصَّ استلزَمَ الأعَمَّ، وهو قُربُ رَحمَتِه [714] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/18، 31). .