موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (1-4)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ

غريب الكلمات:


الْأَنْفَالِ: أي: الغَنائِم، واحِدُها نَفَل؛ والنَّفْل الزِّيادَة، والأنفالُ مِمَّا زَاد الله هذه الأُمَّةَ في الحلالِ؛ لأنَّه كان مُحرَّمًا على مَن كان قبلَهم، وأصلُ (نفل): يدلُّ على إعطاءٍ [7] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 177)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 61)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/455)، ((المفردات)) للراغب (ص: 820)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 125)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 216). .
ذَاتَ بَيْنِكُمْ: أَي: الحالَ التي بَينكم، أو الأحوالَ التي تجمَعُكم مِن القَرابةِ والوُصلةِ والمَودَّةِ، وأصلُ (بين): موضوعٌ للخَلالةِ بين الشَّيئينِ ووسْطَهما [8] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 156-157)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 125)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 216)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 455). .
وَجِلَتْ: أي: خافَت وفَرِقَت، والوَجَلُ: استشعارُ الخَوفِ [9] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/28)، ((المفردات)) للراغب (ص: 855)، ((تفسير القرطبي)) (7/365)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 216). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يسألُك- يا محمَّدُ- أصحابُك عن حُكمِ الغَنائِمِ- وخاصَّةً غنائِمَ بَدرٍ، ولِمَن هي، وكيف تُقسَمُ؟ فقل لهم: أمرُ الغنائِمِ إلى اللهِ تعالى الذي يملِكُها، وإلى رسولِ اللهِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي يقسِمُها، فاتَّقُوا اللهَ وأصلِحوا الحالَ بينكم، وأطيعُوا اللهَ ورسولَه، وامتَثِلوا أمرَهما إنْ كنتم حقًّا مُؤمنينَ.
إنَّما المُؤمنونَ حَقًّا مَن إذا ذُكرَ اللهُ فَزِعَت قلوبُهم وخافوا منه، وإذا قُرِئَت عليهم آياتٌ مِن كتابِه، ازداد تصديقُهم ويقينُهم، وعلى ربِّهم وَحْدَه يتوكَّلونَ، الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ على أكمَلِ وَجهٍ، وممَّا رزَقَهم اللهُ يُنفِقونَ، أولئك هم المُؤمِنونَ حقًّا، لهم منازِلُ ومراتِبُ عاليةٌ عند ربِّهم، ومغفرةٌ، ورزقٌ كريمٌ في الجنَّةِ.

تفسير الآيات:


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1).
أسبابُ النُّزولِ:
1- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما، قال: ((قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ يومَ بدرٍ: مَن فعلَ كذا وكَذا، فلَهُ منَ النَّفَلِ كذا وكَذا. قالَ: فتقدَّمَ الفِتيانُ، ولزمَ المشيَخةُ الرَّاياتِ فلم يبرَحُوها، فلمَّا فتحَ اللَّهُ عليهم قالت المشيخةُ: كنَّا رِدءًا [10] رِدْءًا: أي: عَونًا. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/213)، ((المفردات)) للراغب (ص: 350). لَكُم، لوِ انهزمتُمْ فِئتُمْ [11] فِئتُمْ: أي: رَجَعْتم. وأصلُ الفَيءِ: الرُّجوعُ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/482)، ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (1/228). إلينا، فلا تَذهَبونَ بالمَغنمِ ونبقى، فأبى الفِتيانُ، وقالوا: جعلَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ لَنا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ * قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إلى قولِهِ: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يقولُ: فَكانَ ذلِكَ خيَرًا لَهُم، فكَذلِكَ أيضًا فأطيعوني؛ فإنِّي أعلمُ بِعاقبةِ هذا منكُم )) [12] أخرجه أبو داود (2737)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11133 )، وابن حبان في ((الصحيح)) (5093). صححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (103)، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (2737)، وصحح إسناده العيني في ((نخب الأفكار)) (12/279). .
2- عَن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ قال: ((نزلَتْ فيَّ أربعُ آياتٍ: أَصَبْتُ سيفًا، فأتى به النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، نَفِّلْنِيه [13] نَفِّلْنِيه: أي: أعْطِنِيه واجْعَلْه لي نَفَلًا- أي: غنيمةً. يُنظر: ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (1/229)، ((المفردات)) للراغب (ص: 820). فقال: ضَعْه. ثم قام، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ضَعْه من حيثُ أخَذْتَه. ثم قام، فقال: نَفِّلْنِيه يا رسولَ الله، فقال: ضَعْه. فقام، فقال: يا رسولَ اللهِ، نَفِّلْنِيه، أؤُجعَلُ كمَن لا غَناءَ له؟ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ضَعْه مِن حيث أخَذْتَه. قال: فنَزَلت هذه الآيةُ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1])) [14] رواه مسلم (1748). .
النَّاسِخُ والمَنسوخُ:
هذه الآيةُ مَنسوخةٌ بآيةِ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ... الآية [15] ممَّن ذهب إلى ذلك: أبو عُبَيد القاسم بن سلَّام، والواحديُّ، والشنقيطي، ونسبه النَّحاس والقرطبيُّ إلى جمهورِ العُلَماء. يُنظر: ((الأموال)) (ص: 383)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/49-50، 57)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 451)، ((تفسير القرطبي)) (8/2). قال أصحابُ هذا القولِ: لأنَّ قولَه: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يقتضي أن تكونَ الغنائمُ كلُّها للرسولِ، فنسخَها الله بآياتِ الخُمسِ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/449). وممن قال بهذا القولِ مِنَ السَّلفِ ابنُ عبَّاس، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، والضحَّاك والشعبيُّ والسُّديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/21، 22)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 453)، ((تفسير ابن كثير)) (4/9). [الأنفال: 41].
وقيل: هي مُحكَمةٌ [16] ذهب ابنُ جريرٍ إلى ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/23). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ ابنُ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/22)، ((تفسير ابن كثير)) (4/9). ومعنى الآيةِ على هذا القولِ: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، وهي لا شكَّ للهِ- مع الدُّنيا بما فيها والآخرةِ- وللرسولِ يضعُها في مواضعِها التي أمرَه الله بوضعِها فيه، وقد بيَّن الله مصارفَها في قولِه: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ... الآية. ينظر ((تفسير ابن جرير)) (11/23)، ((تفسير الثعالبي)) (4/326). .
َيسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ.
أي: يسألُك أصحابُك- يا مُحَمَّدُ- عن الغنائِم [17] قال الزَّجاج: (وإِنما يَسْألونَ عنها؛ لأنَّها فيما رُوِيَ كانت حَرامًا على من كانَ قَبلَهم). ((معاني القرآن وإعرابه)) (2/399). قال ابنُ كثير: (شاهِدُ هذا في الصحيحينِ عن جابرٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قال: «أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحَدٌ قبلي» فذكرَ الحديث، إلى أن قال: «وأُحِلَّت لي الغنائِمُ ولم تُحَلَّ لأحدٍ قَبلي»). ((تفسير ابن كثير)) (4/9). وممن اختار أنَّ المرادَ بالأنفال: الغنائِمُ: أبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلَّام، والواحدي، وابنُ عطيةَ، وابنُ تيميَّة، والسعديُّ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((الأموال)) (ص: 383، 387)، ((الوسيط)) (2/443)، ((تفسير ابن عطية)) (2/496)، ((مجموع الفتاوى)) (28/269)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) (4/472). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ، والضحَّاكُ، وعبدُ الرحمنِ ابنُ زيدِ بنِ أسلمَ، وعطاءٌ، ومقاتلُ بنُ حيانَ، وقتادةُ، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/5)، ((تفسير ابن كثير)) (4/5)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/187). واختار ابنُ جريرٍ أنَّ المرادَ بالأنفالِ: الزياداتُ على الغنيمةِ التي تُقسَم، وهي ما يُعطاه الرَّجُلُ على البلاءِ والغَناءِ عن الجَيشِ على غيرِ قِسمةٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/10-11). ويرى ابنُ عاشورٍ أنَّ معنى الأنفالِ يَشمَلُ كلا المَعنَيينِ المتقَدِّم ذكرُهما، فكلاهما داخِلٌ لَدَيه في مُسمَّى المغانِم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/249). - وخاصَّةً غنائِمَ غَزوةِ بَدرٍ التي غَنِمُوها من كفَّارِ قُريشٍ [18] قال ابنُ عطيَّةَ: (لا خلافَ في هذه السورةِ أنَّها نزلت في يومِ بَدرٍ وأمْرِ غنائِمِه). ((تفسير ابن عطية)) (2/496). ويُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/268). وقال الشنقيطي: (والتحقيقُ الذي عليه الجُمهور: أنَّها نزلت في اختلافِ الصَّحابةِ في غنائِمِ بَدرٍ). ((العذب النمير)) (4/472). وقال ابنُ تيميَّةَ: (نزلت عَقيبَ بَدرٍ بالاتِّفاقِ). ((منهاج السنة النبوية)) (7/45). - عن حُكمِها، ولِمَن هي، وكيف تُقسَم [19] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/12)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/443)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير ابن عطية)) (2/496)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/248)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/472). ؟
قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ.
أي: قُلْ لهم- يا محمَّدُ- جوابًا عن سُؤالِهم: إنَّما أمْرُ الغنائِمِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، الذي يملِكُها، وإلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الذي يَقسِمُها، وهما يتصرَّفانِ في شَأنِها، ويَضَعانِها حيث شاءا، فارضَوْا بحكمِهما، وسلِّموا الأمرَ إليهما [20] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/21، 23)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/251). .
فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا حكمَ بأنَّ الأنفالَ مِلكٌ لله ورَسولِه، أو بأنَّ أمْرَ قِسْمَتِها موكولٌ لله، فقد وقع ذلك على كراهةِ كثيرٍ منهم، ممَّن كانوا يحسَبونَ أنَّهم أحقُّ بتلك الأنفالِ ممَّن أعطِيَها؛ تبعًا لعوائِدِهم السَّالِفةِ في الجاهليَّةِ، فذكَّرَهم اللهُ بأنْ قد وجب الرِّضا بما يقسِمُه الرَّسولُ مِنها [21] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/252، 253). ، فقال تعالى:
فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ.
أي: فامتَثِلوا ما أمَرَكم اللهُ تعالى به، واجتَنِبوا ما نهاكم عنه، وأصلِحُوا الحالَ الواقعةَ بينكم في شأنِ تنازُعِكم في الأنفالِ، فلا تتخاصَمُوا ولا تتشاجَرُوا، ولا تتشاحَنُوا ولا تتدابَرُوا [22] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/24، 26)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444)، ((تفسير ابن كثير)) (4/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/474). قال ابنُ عاشور: (والإصلاحُ: جَعلُ الشَّيءِ صالحًا، وهو مُؤذِنٌ بأنَّه كان غيرَ صالحٍ؛ فالأمرُ بالإصلاحِ دلَّ على فسادِ ذاتِ بَينِهم، وهو فَسادُ التَّنازُعِ والتَّظالُم). ((تفسير ابن عاشور)) (9/253). .
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
أي: وانتَهُوا- أيُّها الطَّالبونَ الأنفالَ- إلى أمرِ اللهِ تعالى، وأمْرِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فاقبَلوا ما أُمِرْتم به في شأنِ الأنفالِ وفي غيرِها، وامتَثِلوه وسلِّموا لحُكمِهما، إن كنتم حقًّا تؤمنونَ برَسولِ اللهِ فيما آتاكم به من عندِ ربِّكم؛ فإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ القَبولَ لِحُكمِهما، ويدعو إلى طاعَتِهما [23] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/26-27)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/400)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/10)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/254). .
ثم وصَفَ اللهُ تعالى المؤمنينَ ذوي الإيمانِ الكامِلِ، فقال [24] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/476). :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2).
مُناسبةُ الآيةِ لما قبلَها:
لَمَّا قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ واقتضى ذلك كونَ الإيمانِ مُستلزِمًا للطَّاعةِ؛ شرحَ ذلكَ في هذهِ الآيةِ مزيدَ شَرحٍ وتفصيلٍ [25] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/450). ، فقال:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
أي: إنَّما المؤمنونَ حَقًّا، الكامِلُون في إيمانِهم كمالًا كما ينبغِي؛ مَن إذا ذُكِرَ اللهُ وعَظَمتُه وقُدرَتُه، وخُوِّفُوا به سبحانَه؛ فَزِعَت قلوبُهم، وخافوا منه عزَّ وجلَّ، فخَضَعوا له بفِعلِ أوامِرِه، وتَرْكِ نَواهِيه [26] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/27)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/19-20)، ((تفسير ابن كثير)) (4/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/476-477). قال الواحدي (وفيه إشارةٌ إلى إلزامِ أصحابِ بَدرٍ بطاعةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يرى من قِسمةِ الغَنائِمِ). ((التفسير الوسيط)) (2/444). .
كما قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40-41].
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
أي: وإذا قُرِئَتْ عليهم آياتٌ مِن كِتابِ الله سبحانه، ازدادَ تصديقُهم ويقينُهم [27] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/27)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/11)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/477). وقال بهذا المعنى من السَّلف: ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما، والضحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/27)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/188). وقال ابنُ تيميةَ: (وهذه زيادةٌ إذا تُلِيتْ عليهم الآياتُ، أي: وقتَ تُليت، ليس هو تصديقُهم بها عندَ النُّزولِ، وهذا أمرٌ يَجِدُه المؤمِنُ: إذا تُلِيَت عليه الآياتُ زاد في قَلبِه بفَهمِ القُرآنِ ومَعرفةِ مَعانيه مِن عِلمِ الإيمانِ ما لم يَكُن؛ حتى كأنَّه لم يَسمَعِ الآيةَ إلَّا حينئذٍ، ويحصُلُ في قَلبِه مِن الرَّغبةِ في الخَيرِ، والرَّهبةِ مِن الشَّرِّ ما لم يكُنْ؛ فزادَ عِلمُه باللهِ ومحبَّتُه لطاعَتِه، وهذه زيادةُ الإيمانِ). ((مجموع الفتاوى)) (7/228). ، وإذعانُهم وانقيادُهم.
كما قال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: 124].
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
أي: وعلى مَن خَلَقَهم ويَملِكُهم، ويدبِّرُ شُؤونهَم، يعتَمِدون، وبه يَثِقونَ في جَلْبِ مصالِحِهم ودَفْعِ مَضارِّهم، لا يرجونَ غَيرَه، ولا يرهبونَ سواه، ولا يقصِدونَ مَن دُونَه، ولا يلوذونَ إلَّا بجنابه [28] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/27)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 430)، ((تفسير ابن كثير)) (4/11)، ((تفسير ابن كثير)) (4/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/479). .
كما قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك: 29].
 ثمَّ نبَّه سبحانه على أعمالِهم، بعدَ ما ذكَر اعتقادَهم، فقال [29] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) 4/12). :
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3).
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ.
أي: ومِن صفاتِهم أنَّهم يؤدُّونَ الصَّلاةَ- التي هي حقٌّ خالصٌ لله تعالى- بحُدودِها وشُروطِها، وأوقاتِها وأعمالِها: الظَّاهِرةِ والباطنةِ، فيأتونَ بها على الوَجهِ المَطلوبِ [30] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/30)، ((تفسير ابن كثير)) (4/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/480). قَصَرَ ابنُ جريرٍ الصَّلاةَ هنا على المفروضةِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/30)، وعمَّمَها السَّعدي، فجَعَلها شاملةً للفرائِضِ والنَّوافِل. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
أي: ومِن صِفاتِهم أنَّهم يُنفِقونَ ممَّا رزَقَهم اللهُ مِن الأموالِ، النَّفَقاتِ الواجبةَ والمستحبَّةَ؛ نفعًا للعبادِ، وأداءً لحُقوقِهم [31] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/30)، ((تفسير ابن كثير)) (4/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/480). وتفسيرُ النَّفقةِ هنا بالواجبةِ والمُستحبَّةِ هو اختيارُ ابنِ كثيرٍ، والسعدي، والشنقيطي. وقصَرَها ابنُ جريرٍ على النَّفَقةِ الواجبة. يُنظر: المصادر السابقة. .
ثم حقَّق اللهُ تعالى لهم الإيمانَ، فقال [32] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/444). :
أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4).
أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.
أي: أولئك الذينَ يَفعلونَ تلك الأفعالَ الجَليلةَ، ويتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ العظيمةَ هم وَحدَهم المؤمنون حقَّ الإيمانِ، إيمانًا لا يعتريه شكٌّ [33] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/30)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 431)، ((تفسير ابن كثير)) (4/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/480). .
ثم ذكَرَ ثوابَ هؤلاءِ المُؤمنين الذي وصَفَهم، فقال [34] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/582)، ((تفسير ابن كثير)) (3/158)، ((تفسير السعدي)) (ص: 240)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/217-218). :
لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ.
 أي: لهم مراتِبُ ومنازلُ عالياتٌ، يرتَقونَها في الجنَّاتِ، بحسَبِ عُلوِّ أعمالِهم الصَّالحاتِ [35] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/31)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 431)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي، (2/444)، ((تفسير ابن كثير)) (4/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/480-481). .
كما قال سبحانه: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: 163].
وقال تعالى: وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: 21].
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أهل الجنَّةَ يَتَراءونَ أهلَ الغرفِ من فوقهم، كما تَتَراءَونَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ [36] الكوكب الدُّرِّي الغابر: أي: الكوكب العظيم، سُمِّيَ دُرِّيًا لِصفاءِ لَونِه، وخُلوصِ نُورِه، وشدَّةِ إضاءَتِه. والغابِر: الباقي في الأفُقِ بعد انتشارِ ضَوءِ الفَجرِ. يُنظر: ((شرح البخاري)) للقسطلاني (5/285-286)، ((الميسر في شرح مصابيح السنة)) للتوربشتي (4/1217). في الأُفُقِ، من المشرقِ أو المغربِ، لِتَفاضُلِ ما بينهم. قالوا: يا رسولَ اللهِ تلك منازلُ الأنبياءِ لا يَبْلُغُها غيرُهم، قال: بلى، والذي نفسي بيَدهِ، رجالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ )) [37] رواه البخاري (3256) واللفظ له، ومسلم (2831). .
وَمَغْفِرَةٌ.
أي: ولهم سَترٌ لذُنُوبِهم، وتجاوزٌ عنها [38] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/32)، ((تفسير ابن كثير)) (4/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/481). .
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
أي: ولهم في الجنَّةِ رزقٌ أعدَّه الله تعالى لهم فيها؛ مِن المآكِلِ والمشارِبِ وهَنيءِ العَيشِ، ممَّا لا عينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَت، ولا خطَرَ على قلبِ بَشَرٍ [39] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/32)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 431)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/481). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ اللهِ تعالى: وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فيه أمرٌ للمُؤمنينَ أن يُصلِحوا ما بَينَهم مِن التَّشاحُنِ والتَّقاطُعِ والتَّدابُر، بالتوادُدِ والتَّحابِّ والتَّواصُلِ؛ فبذلك تجتمِعُ كَلِمتُهم، ويزولُ ما يحصُلُ- بسبَبِ التَّقاطُعِ- من التَّخاصُمِ والتَّشاجُرِ والتَّنازُعِ، ويدخُلُ في إصلاحِ ذاتِ البَينِ تحسينُ الخُلُقِ لهم، والعَفوُ عن المُسيئينَ منهم؛ فإنَّه بذلك يزولُ كثيرٌ ممَّا يكونُ في القُلوبِ مِن البَغضاءِ والتَّدابُرِ [41] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
2- الإيمانُ يَدعو إلى طاعةِ اللهِ ورَسولِه، كما أنَّ مَن لم يُطعِ اللهَ ورسولَه فليس بمؤمِنٍ، ومَن نَقَصت طاعتُه للهِ ورَسولِه، فذلك لنَقْصِ إيمانِه؛ قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [42] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
3- المؤمِنُ إنما يكون مؤمنًا حقًّا إذا حقَّقَ إيمانَه بالأعمالِ الصَّالحة؛ يقولُ اللهُ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [43] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/144). .
4- قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ذِكْرُ اللهِ تعالى: بِذِكرِ اسمِه، وذِكرِ عِقابِه وعَظَمتِه، وذِكرِ ثوابِه ورَحمَتِه- يحصُلُ معه الوَجَلُ في قُلوبِ كُمَّلِ المُؤمنينَ؛ لأنَّه يحصُلُ معه استحضارُ جَلالِ اللهِ، وشِدَّةِ بأسِه، وسَعةِ ثَوابِه، فينبعِثُ عن ذلك الاستحضارِ توقُّعُ حُلولِ بَأسِه، وتوقُّعُ انقطاعِ بَعضِ ثوابِه أو رَحمَتِه، وهو وجَلٌ يبعَثُ المؤمِنَ إلى الاستكثارِ من الخَيرِ، وتوقِّي ما لا يُرضِي الله تعالى [44] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/256). .
5- الإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ؛ يزيدُ بفِعلِ الطَّاعةِ، وينقُصُ بِضِدِّها؛ فينبغي للعبدِ أن يتعاهدَ إيمانَه ويُنمِّيَه؛ يُرشِدُنا إلى ذلك قولُ الله تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [46] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). ، وقد استدلَّ البخاريُّ وغيرُه مِن الأئمَّةِ بهذه الآيةِ وأشباهِها، على زيادةِ الإيمانِ وتفاضُلِه في القلوبِ، كما هو مذهَبُ جُمهورِ الأمَّةِ، بل قد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمَّة؛ كالشِّافعيِّ، وأحمدَ ابنِ حَنبلٍ، وأبي عُبَيد [47] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/12). .
6- قال اللهُ تعالى: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ التوكُّلُ هو الحامِلُ للأعمالِ كُلِّها، فلا تُوجَدُ ولا تَكمُلُ إلَّا به، قال سعيدُ بنُ جُبَير: التوكُّلُ على اللهِ جِماعُ الإيمانِ [48] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/12)، ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
7- قال الله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قرَنَ تعالى بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وأثنى على فاعلِيهما؛ لأنَّ مَدارَ النَّجاةِ عليهما، ولا فلاحَ لِمَن أخلَّ بهما [49] يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 173). .
8- قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فليس الإيمانُ بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي، ولكنَّه بما وقَر في الصُّدورِ، وصدَّقتْه الأعمالُ، كما قال الحسنُ، فإذا ذاق العَبدُ حَلاوةَ الإيمانِ، ووجَدَ طَعمَه وحلاوَتَه، ظهَرَت ثَمرةُ ذلك على لِسانِه وجَوارِحِه، فاستحلى اللِّسانُ ذِكرَ اللهِ وما والاه، وسَرُعتِ الجَوارِحُ إلى طاعةِ اللهِ [50] يُنظر: ((لطائف المعارف)) لابن رجب (ص: 226). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللهِ تعالى: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ عُطِفَ والرَّسُولِ على اسمِ اللهِ؛ لأنَّ المقصودَ: الأنفالُ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقسِمُها، فذُكِرَ اسمُ اللهِ قبل ذلك؛ للدَّلالةِ على أنَّها ليست حقًّا للغُزاةِ، وإنَّما هي لِمَن يُعَيِّنُه اللهُ بوَحيِه، فذِكْرُ اسمِ الله لفائِدَتينِ:
أولاهما: أنَّ الرَّسولَ إنَّما يتصرَّفُ في الأنفالِ بإذْنِ اللهِ توقيفًا أو تفويضًا.
والثانية: لِتَشمَلَ الآيةُ تَصرُّفَ أمراءِ الجُيوشِ في غَيبةِ الرَّسولِ، أو بعد وفاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ ما كان حقًّا لله كان التصَرُّفُ فيه لخُلَفائِه [51] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/251). .
2- لَمَّا كان الإيمانُ: إيمانًا كاملًا يترتَّبُ عليه المَدحُ والثَّناءُ والفَوزُ التَّامُّ، وإيمانًا دونَ ذلك- ذَكرَ الإيمانَ الكامِلَ، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فالألِفُ واللَّامُ للاستغراقِ لشَرائِعِ الإيمانِ [52] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
3- قولُه تعالَى: إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... فهذه الآيةُ أثبَت فيها الإيمانَ لهؤلاء، ونفاه عن غيرِهم، والشَّارعُ دائمًا لا ينفِي المسمَّى الشَّرعيَّ إلَّا لانتفاءِ واجِبٍ فيه [53] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (18/267). .
4- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قدَّمَ تعالى أعمالَ القُلوبِ؛ لأنَّها أصلٌ لأعمالِ الجَوارِحِ، وأفضَلُ منها [54] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 315). .
5- قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وقال في آيةٍ أخرى وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: 28]، ولا مُنافاةَ بينهما؛ لأنَّ الوَجَلَ هو خوفُ العقابِ، والاطمئنانَ إنَّما يكونُ مِن اليَقينِ، وشَرحِ الصَّدرِ بمعرفةِ التَّوحيدِ، وهذا مقامُ الخَوفِ والرَّجاءِ، وقد اجتمَعَا في آيةٍ واحدةٍ، وهي قولُه تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: 23] عند رجاءِ ثَوابِ اللهِ [55] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/553)، ويُنظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/479). .
6- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فيه عَدُّ التوكُّلِ مِن شُعَبِ الإيمانِ [56] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 134). .
7- قولُه تعالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فيه دليلٌ عَلَى دُخولِ الأعمالِ في الإيمانِ [57] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/104). .
8- في قولِه تَعالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا إنْ قيل: إذا كان المؤمنُ حقًّا هو الفاعِلَ للواجباتِ، التَّارِكَ للمحَرَّماتِ: فقد قالَ: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ولم يَذْكُرْ إلَّا خمسةَ أشياءَ، فالجوابُ أَنْ مَا ذَكَرَ يستلزم مَا تَرَك؛ فإنَّه ذَكَرَ وَجَلَ قلوبِهم إذا ذُكِرَ اللَّهُ، وزيادةَ إيمانِهم إذا تُلِيَتْ عليهم آياتُه، مَعَ التَّوَكُّلِ عليه، وإِقامِ الصَّلاةِ على الوجهِ المأمورِ به بَاطنًا وَظاهِرًا، وكذلك الإنفاقُ مِن المالِ والمنافعِ؛ فكان هذا مستلزمًا للباقي؛ فمَن قامَ بهذه الخمسِ كما أُمِر لَزِم أنْ يأتيَ بسائرِ الواجباتِ؛ فإنَّ وَجلَ القلبِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ يقتضي خشيتَه وَالخوفَ منه، وذلك يدعُو صاحبَه إلى فعلِ المأمورِ وتركِ المحظورِ، بل الصَّلاةُ نفسُها إذا فعلَها كما أُمِر، فهي تنهَى عن الفحشاءِ [58] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/19). .
9- قولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فيه دليلٌ على أنَّه ليس لكُلِّ أحدٍ أن يصِفَ نفسَه بكَونِه مُؤمِنًا حَقًّا؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما وصَفَ بذلك أقوامًا مَخصُوصينَ على أوصافٍ مَخصوصةٍ، وكلُّ أحدٍ لا يتحقَّقُ وجودَ تلك الأوصافِ فيه [59] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/449-450). .
10- قولُ اللهِ تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَمَّا كانت صِفاتُهم الخَمسُ المذكورةُ في الآياتِ المُشتمِلةِ على الأخلاقِ والأعمالِ، لها تأثيراتٌ في تصفيةِ القُلوبِ، وتنويرِها بالمعارِفِ الإلهيَّةِ، وكلَّما كان المؤثِّرُ أقوى كانت التأثيراتُ أعلى؛ فلما كانت هي درجاتٍ كان جزاؤُها كذلك، فلهذا قال سبحانه تعالى لَهُمْ دَرَجَاتٌ [60] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/221). .
11- في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى قولِه سبحانه: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَدٌّ على المرجئةِ مِن وجوهٍ:
أحدُها: أنَّه ذَكَر عامَّةَ الأعمالِ الصالحةِ- الظاهرةِ والباطنةِ- وجعَلَها مِن الإيمانِ؛ وذلك أنَّه ذَكَر قبلَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ التقوَى، وإصلاحَ ذاتِ البَيْنِ، ثم نَسَقَ في هذه الآيةِ عملًا بعدَ عملٍ، وذَكَرَ فيها التوكلَ، وهو باطنٌ.
الثاني: أنَّه ذَكَر زيادةَ الإيمانِ- بتلاوةِ الآياتِ عليهم- وهم ينكرونه!
الثالثُ: أنه لم يُثبتْ لهم حقيقةَ الإيمانِ إلَّا باجتماع خصالِ الخيرِ مِن الأعمال الظاهرة والباطنة؛ وهم يُثبتون حقيقتَه بالقولِ وحدَه!
الرابعُ: أنَّه سبحانَه قال بعدَ ذلك كلِّه: لَهُمْ دَرَجَاتٌ وقد أثبتَ لهم الإيمانَ بشرائطِه وحقيقتِه؛ وهم لا يجعلونَ للمؤمنِ في إيمانِه إلَّا درجةً واحدةً! ولا يجعلونَ للإيمانِ أجزاءً! فكيف يستقيمُ أنْ يُسمَّى المرءُ بالإقرارِ وحدَه مستكملَ الإيمانِ؛ وقد سمّى اللهُ تعالى كلَّ ما حَوَتْه الآيةُ إيمانًا [61] يُنظر: ((النُّكتُ الدّالّة على البيان)) للقَصَّاب (1/461). !

بلاغة الآيات:


1- قوله: يَسْألُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
- مجيءُ الفِعلِ بصيغةِ المُضارِعِ في قَولِه: يَسْألُونَكَ دالٌّ على تكرُّرِ السُّؤالِ، إمَّا بإعادَتِه المرَّةَ بعدَ الأُخرَى مِن سائِلينَ مُتعدِّدينَ، وإمَّا بكثرةِ السَّائلينَ عن ذلك حينَ المُحاورةِ في مَوقفٍ واحدٍ [62] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/248). .
- وتفريعُ فَاتَّقُوا اللَّهَ على جملةِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ؛ لأنَّ في تلك الجملةِ رَفعًا للنِّزاعِ بينهم في استحقاقِ الأنفالِ، أو في طلَبِ التَّنفيلِ [63] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/252-253). .
- قولُ اللهِ تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قدَّم الأمرَ بالتَّقوى؛ لأنَّها أصلٌ للطَّاعات، ثمَّ بإصلاحِ ذاتِ البَينِ؛ لأنَّ ذلك أهمُّ نتائِجِ التقوى في ذلك الوَقتِ، الذي تشاجَروا فيه، ثم أمرَ بطاعَتِه وطاعةِ رَسولِه، فيما أمرَ به مِن التَّقوى والإصلاحِ وغيرِ ذلك [64] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/270)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (9/253). .
- وليس الإتيانُ في الشَّرطِ بـ (إنْ) في قَولِه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تعريضًا بضَعفِ إيمانِهم، ولا بأنَّه ممَّا يَشُكُّ فيه مَن لا يَعلَمُ ما تُخفي صُدورُهم، بناءً على أنَّ شَأنَ (إنْ) عدمُ الجَزمِ بوُقوعِ الشَّرطِ، بخلافِ (إذا)، ولكِنَّ اجتلابَ (إنْ) في هذا الشَّرطِ؛ للتَّحريضِ على إظهارِ الخِصالِ التي يتطلَّبُها الإيمانُ، وهي: التَّقوى الجامعةُ لخصالِ الدِّين، وإصلاحُ ذاتِ بَينِهم، والرِّضا بما فعَلَه الرَّسولُ، فالمقصودُ التَّحريضُ على أن يكونَ إيمانُهم في أحسَنِ صُوَرِه ومظاهِرِه؛ ولذلك عقَّبَ هذا الشَّرطَ بجُملةِ القَصرِ في قَولِه: إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... [65] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/254).   .
2- قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
- قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ... جملةٌ مُستأنفةٌ، مَسوقةٌ لِبَيانِ مَن أُريدَ بالمؤمنينَ، بذِكرِ أوصافِهم الجليلةِ المُستتبِعةِ لِما ذُكِرَ مِن الخِصالِ الثَّلاثِ، وفيه مزيدُ تَرغيبٍ لهم في الامتثالِ بالأوامِرِ المذكورةِ [66] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/4). .
- وفي قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ... قصرٌ ادِّعائيٌّ؛ بتنزيلِ الإيمانِ الذي عَدِمَ الواجِباتِ العظيمةَ مَنزلةَ العَدَمِ [67] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/255). .
- قوله: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا إسنادُ فِعلِ زيادةِ الإيمانِ إلى آياتِ اللهِ؛ لأنَّها سبَبُ تلك الزِّيادةِ للإيمانِ، باعتبارِ حالٍ مِن أحوالِها، وهو تِلاوتُها، لا اعتبارِ مُجَرَّد وجودِها في صَدرِ غَيرِ المتلوَّةِ عليه [68] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/257). .
- قوله: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ اختيارُ صيغةِ المُضارعِ في يَتَوَكَّلُونَ؛ للدَّلالةِ على تكرُّرِ ذلك منهم، وتقديمُ المجرورِ إمَّا للرِّعايةِ على الفاصلةِ، فهو مِن مُقتضياتِ الفَصاحةِ، مع ما فيه من الاهتمامِ باسْمِ الله، وإمَّا للتَّعريضِ بالمُشركينَ؛ لأنَّهم يتوكَّلونَ على إعانةِ الأصنامِ [69] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/259). .
3- قوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ جيءَ بالفعلينِ المُضارعين في يُقِيمُونَ و يُنْفِقُونَ؛ للدَّلالةِ على تكرُّرِ ذلك وتجَدُّدِه [70] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/260). .
4- قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
- قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا جملةٌ مُؤَكِّدةٌ لِمَضمونِ جُملةِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ [71] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/260). .
- وعُرِّفَ المسنَدُ إليه أُولَئِكَ بالإشارةِ؛ لوقوعِه عَقِبَ صفاتٍ، لتدُلَّ الإشارةُ على أنَّهم أحرِياءُ بالحُكمِ المُسنَدِ إلى اسمِ الإشارةِ؛ مِن أجلِ تلك الصِّفاتِ، فكأنَّ المُخبَرَ عنهم قد تميَّزوا للسَّامِعِ بتلك الصِّفاتِ، فصاروا بحيث يُشارُ إليهم، وفي هذه الجملةِ قَصرٌ آخَرُ؛ حيث قُصِرَ الإيمانُ مرَّةً أخرى على أصحابِ تلك الصِّفاتِ، ولكنَّه قُرِنَ هنا بما فيه بيانُ المَقصورِ، وهو أنَّهم المؤمنونَ الأحِقَّاءُ بوصفِ الإيمانِ [72] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/261). .
- قوله: حَقًّا مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَضمونِ جُملةِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ أي: ثبوتُ الإيمانِ لهم حقٌّ لا شُبهةَ فيه، وهو تحقيقٌ لمَعنى القَصرِ بما هو عليه مِن معنى المُبالغةِ [73] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/4)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/262)، ويُنظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/480). .
- قوله: لَهُمْ دَرَجَاتٌ تنوينُ دَرَجَاتٌ للتَّعظيمِ؛ لأنَّها مراتِبُ مُتفاوتةٌ [74] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/263). .
- قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ متعلقٌ بمَحذوفٍ: صفةٌ لـ دَرَجاتٌ مُؤَكِّدةٌ لِما أفاده التنوينُ مِن الفَخامةِ الذَّاتيَّة بالفخامةِ الإضافيَّة، أي: دَرَجاتٌ كائنةٌ عندَه تعالى [75] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/5). .
- وفي إضافةِ الظَّرفِ عِنْدَ إلى الرَّبِّ المضافِ إلى ضميرِهم؛ مزيدُ تَشريفٍ ولُطفٍ لهم، وإيذانٌ بأنَّ ما وُعِدَ لهم مُتيقَّنُ الثُّبوتِ والحصولِ، مأمونُ الفَواتِ [76] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/5). .