موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (62 - 64)

ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ

غريب الكلمات:


مَغْلُولَةٌ: مُمسِكَةٌ مُنقبِضةٌ عن العَطاء، وأصل الغَلَلِ: تدرُّعُ الشيءِ وتوسُّطه، ويدلُّ على تَخلُّلِ شيءٍ، وثَباتِ شيءٍ، كالشَّيءِ يُغرَز؛ يقال: غَلَل الشَّيءَ في الشَّيءِ، إذا أثْبَتَه فيه، كأنَّه غَرَزَه [1194] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 144)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/375- 376)، ((المفردات)) للراغب (ص: 610)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 84). .
مَبْسُوطَتَانِ: أي: مَمدوتانِ بالبَذلِ والإعطاءِ، وأَرزاقِ عِبادِه، وأقواتِ خَلْقِه، وأَصْلُ (بسط): يدلُّ على امتدادِ الشَّيءِ، في عَرْض أو غيرِ عَرْض [1195] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/553- 557)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/247)، ((المفردات)) للراغب (ص: 123). .
طُغْيَانًا: أي: مُجاوزةً للحدِّ في العِصيان [1196]  يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/412)، ((المفردات)) للراغب (ص: 520). .
الْعَدَاوَةَ: أي: اختلافَ القلوبِ والنِّيَّات والتباعُد بها، والعَداوةُ أخصُّ من البَغضاء؛ لأنَّ كلَّ عَدوٍّ مبغِضٌ، وقد يُبغَض مَن ليس بعدوٍّ، مأخوذةٌ مِن عَدْوَتي الجَبل، وهما طَرَفاه؛ سُمِّيَا بذلك لبُعد ما بينهما، وقيل: مِن عدا، أي: ظَلَم [1197] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 56)، ((المفردات)) للراغب (ص: 553)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 68)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 644). .
وَالْبَغْضَاءَ: أي: البُغضَ، وهو نفارُ النَّفسِ عن الشيءِ الذي تَرغَبُ عنه، وأصلُ البُغض: خلافُ الحبِّ [1198]  يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 56)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/273)، ((المفردات)) للراغب (ص: 136)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 149). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ترى- يا محمَّدُ- كثيرًا من اليهودِ يُبادرونَ إلى ارْتِكابِ المعاصي، والاعتداءِ على حقوقِ الخَلْقِ، وأكْلِ الأموالِ بالباطِلِ؛ لَبِئسَ هذا العملُ الذي يعملونه! هلَّا يَنهاهم الربَّانيُّون منهم، وأحبارُهم عن قولِهم الإثمَ وأكْلِهم المالَ الحرامَ! لبئسَ هذا الصنيعُ مِن هؤلاءِ العلماءِ في ترْكهم نهيَ اليهودِ عن أفعالِهم المنكَرة!
ثمَّ يُخبِرُ تعالى عن اليهودِ- قاتلَهم اللهُ- أنَّهم وصَفوا اللهَ تعالى بالبُخل، وزَعَموا أنَّ يدَه مقبوضةٌ عن الإنفاقِ، تعالى اللهُ عن ذلِك علوًّا كبيرًا، فردَّ عليهم سبحانه قائلًا: قُبِضتْ أيديهم، وطُرِدُوا من رحمةِ اللهِ بما قالوه من كذب وافتراءٍ؛ فالأمْر ليس كما زعَمُوا، بل يداه مبسوطتانِ بالبذلِ والعطاءِ، يُنفِقُ كما أراد.
ثمَّ أخبر اللهُ نبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ ما أنزله إليه مِن القرآن، إذا سمعه اليهودُ سيَزيدُهم تجاوزًا لحدودِ اللهِ وكُفرًا، وأخبر عزَّ وجلَّ أنَّه جَعَل بين اليهودِ عَداوةً وتباغضًا، ولا يزال ذلك مُستمرًّا بينهم إلى يَومِ القيامةِ، وأنَّهم كلَّما أرادوا إشعالَ حَربٍ؛ أطفأَها اللهُ سُبحانَه، وأنَّ اليهودَ يُسارعون في نشْرِ الفسادِ في الأرض، واللهُ سُبحانَه لا يحبُّ المفسِدين.

تفسير الآيات:


وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62).
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ .
أي: وتُبصِر- يا محمَّدُ- كثيرًا من هؤلاءِ اليهودِ يَتسابَقون في ارتكابِ معاصِي اللهِ لا يَتحاشَوْنَ شيئًا منها، ويُبادرون إلى تعدِّي حدودِه؛ ممَّا أحلَّ لهم وحرَّمَ عليهم، ومن ذلك: الاعتداءُ على حقوقِ المخلوقين، وأكْلُ الأموالِ بالباطلِ، كالرَّشاوَى التي يتلقَّوْنَها [1199] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/548- 549)، ((تفسير ابن كثير)) (3/144)، ((تفسير السعدي)) (ص: 237)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/247- 248)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/99- 100). .
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
أي: واللهِ لَبِئسَ العملُ ما كانَ هؤلاءِ اليهودُ يَعملونه في مسارعتِهم في الإثمِ والعُدوانِ، وأكْلِهم السُّحتَ [1200] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/459)، ((تفسير ابن كثير)) (3/144)، ((تفسير السعدي)) (ص: 237)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/100- 101). .
لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63).
لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ .
أي: هلَّا يَنهاهم الربانيُّون (وهم العلماءُ الحُكماءُ العُبَّاد الذين يُربُّون الناسَ بصغارِ العلمِ قبلَ كبارِه)، والأحبارُ (وهم العلماءُ الكبارُ ذَوو العلمِ الواسِع، المحكِمُون لعِلمهم) عنِ الوقوعِ في الكذبِ والزُّورِ؛ ومِن ذلك قولُهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وأكْل المالِ الحرامِ، كالرِّشوة! [1201] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/550)، ((تفسير ابن كثير)) (3/144)، ((تفسير السعدي)) (ص: 237)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/101). وقال ابنُ عُثَيمين: (الإثمُ الذي يقولونه أعظمُه وأشدُّه أنَّهم يُنكرون رسالةَ النبيِّ صلَّى الله = = عليه وآله وسلَّم، وأعظمُ مِن ذلك أنهم يقولون: إنَّ عُزيرًا ابنُ الله، والمسيحَ ابنُ الله، والقائل: عزيرٌ ابن الله اليهودُ، والقائل: المسيحُ ابن الله النَّصارى؛ هذا قولُ الإثم، كذلك يقولون الكَذِب، كما سبَق أنهم يقولون لعوامِّهم قولًا يُكذِّبون به الرسولَ، ويَستمِعون للكذبِ، وقوله: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني: أكْل المال المحرَّم، سواء بالرِّشوة أو بالرِّبا، أو غير ذلك) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/101). .
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ .
أي: واللهِ لَبِئسَ الصَّنيعُ ما كان يَصنعُه هؤلاءِ الربَّانيُّونَ والأحبارُ في ترْكهم نهيَ كثيرٍ من اليهودِ- الذين يُسارِعونَ في الإثمِ والعدوانِ وأكْلِ السُّحتِ- عن تعاطِي ذلك [1202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/550). .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
أي: وقالتِ اليهودُ- عليهم مِن الله ما يستحقُّون-: إنَّ اللهَ يَبخَلُ علينا، ويَحبِسُ عطاءَه، ويَقبِضُ خيرَه عنَّا، تعالى اللهُ عمَّا قال أعداءُ اللهِ عُلوًّا كبيرًا [1203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/552- 553)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (4/412- 413)، ((تفسير ابن كثير)) (3/145- 146)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/108). .
ثم قال اللهُ تعالى على وجه الإخبارِ [1204] قال ابنُ عُثيمين: (هذا خبرٌ وليس دعاءً؛ لأنَّه صادرٌ من عند الله عزَّ وجلَّ، والله سبحانه وتعالى يُخبر ولا يدعو، هذا هو الأصلُ؛ أنَّ ما أخبر الله به عن نفْسِه فهو خبرٌ عن نفْسه ووقوعٌ- أي: وقوع الشيء- إلَّا إنْ دلَّ دليلٌ... على أنَّ الله جلَّ وعلا عَلَّمَ العبادَ أن يَدْعُوا، وأمَّا أن يسألَ = = نفسَه أن يفعلَ؛ فلا يَرِد) ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/109)، وينظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/553) ((تفسير الرازي)) (12/394). :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا.
أي: قُبِضتْ أيديهم عن العَطاءِ والخَيرِ والإحسانِ، وطُرِدوا من رَحمةِ اللهِ تعالى؛ وهذا الغَلُّ لأَيديهم، ولَعْنُهم؛ جَزاءٌ لهم بسَببِ ما قالوه مِن كُفرٍ وافتراءٍ على اللهِ عزَّ وجلَّ [1205] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/553)، ((تفسير ابن كثير)) (3/146)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/109). قال ابنُ كثيرٍ: (... وهكذا وقَعَ لهم؛ فإنَّ [ما] عندهم من البُخلِ والحسدِ والجُبن والذِّلَّة أمرٌ عظيمُ، كما قال تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [النساء: 53 55]، وقال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ الآية [آل عمران: 112]) ((تفسير ابن كثير)) (3/146). .
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ.
أي: ليسَ الأمرُ كما يَزعُمون، بل يداه سبحانه مبسوطتانِ بالبذلِ والعطاء، غير مقبوضتَينِ، فهو الواسعُ الفضلِ، الجزيلُ العطاءِ، لكنَّه يُعطي ويمنعُ بحسَبِ ما تَقتضيه حِكمتُه سبحانه [1206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/553)، ((تفسير ابن كثير)) (3/146)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/109- 110). .
كما قال تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 34].
وعن أبي هُرَيرَةَ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: ((إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلأى، لا يَغيضُها [1207] لا يَغيضها: أي لا يَنقُصُها. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/401). نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ [1208] سحاءُ: أي: دائمةُ الصَّبِّ والهَطْل بالعَطاءِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/345)، ((تاج العروس)) للزبيدي (6/459). اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، أَرَأَيْتُم ما أَنْفَق مُنْذُ خَلَق السَّمَواتِ والأرْضَ ، فإِنَّه لم يَنْقُصْ ما في يَمينِه )) [1209] رواه البخاري (7419)، واللفظ له، ومسلم (993). .
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا.
أي: إنَّ كثيرًا من هؤلاءِ اليهودِ- يا محمَّدُ- يَزدادون بسماعِهم القرآنَ العظيمَ تجاوُزًا لحُدودِ اللهِ تعالى، وكفرًا بالحقِّ [1210] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/557- 558)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/110، 161). قال السعديُّ: (تكونُ لمِثل هذا زِيادةَ غيٍّ إلى غيِّه، وطُغيانٍ إلى طُغيانه، وكفرٍ إلى كُفره؛ وذلك بسببِ إعراضه عنها، وردِّه لها، ومعاندتِه إيَّاها، ومعارضته لها بالشُّبه الباطلة) ((تفسير السعدي)) (ص: 238). وقال ابنُ عاشور: (وهذا بيانٌ للسبب الذي بعثَهم على تلك المقالة الشَّنيعة، أي: أعماهم الحسدُ، فزادهم طغيانًا وكفرًا، وفي هذا إعدادٌ للرسول عليه الصَّلاة والسَّلام لأخْذِ الحذرِ منهم، وتسليةٌ له بأنَّ فَرْطَ حَنقِهم هو الذي أنطقَهم بذلك القولِ الفظيع) ((تفسير ابن عاشور)) (6/251). .
كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124-125].
وقال عزَّ وجلَّ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وقال سُبحانَه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44].
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أي: وجعَلْنا بين اليهودِ عداءً لبعضِهم بأفعالِهم، وتباغضًا بينَهم بقلوبِهم، ولا يزالونَ كذلك إلى وقوعِ القِيامة [1211] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 327)، ((تفسير ابن عطية)) (2/216)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/412)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/111). .
كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ.
أي: كلَّما عقَدَ اليهودُ أسبابًا وأمورًا لحربِ أعدائِهم أبْطَلَها اللهُ عزَّ وجلَّ، فانحلَّ عزْمُهم، وكلَّما أقاموا حَرْبًا ردَّ اللهُ تعالى كَيدَهم في نُحورِهم، فانْخَذلوا وانْهَزموا [1212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/559)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 327)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/251)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/111- 112). قال ابنُ تَيميَّة: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبَ أَطْفَأَهَا اللهُ فهذا اللفظُ أصلُه: أنَّ المحاربين يُوقدون نارًا يجتمع إليها أعوانُهم، ويَنصُرون وليَّهم على عدوِّهم، فلا تتمُّ محاربتُهم إلا بها، فإذا طُفِئت لم يجتمعْ أمرهم، ثم صار هذا كما تُستعمل الأمثالُ في كلِّ محاربٍ بطَل كيدُه) ((مجموع الفتاوى))  لابن تيمية (20/471). .
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
أي: ويُسارِعونَ ويَجتهِدون في اكتسابِ الفسادِ بالكُفرِ، وعمَلِ المعاصي، ومحاربةِ الإسلامِ وأهلِه، ونشْر الباطِل، وغير ذلك من الأعمالِ الفاسِدة [1213] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/561)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 327)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/182، 183، 252)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
أي: واللهُ تعالى لا يُحبُّ هؤلاءِ؛ لأنَّهم مُفسِدونَ، ولا يحبُّ كلَّ مُفسدٍ من اليهودِ وغيرِهم، بل يُبغضهم، وسيُجازِيهم على ذلك [1214] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/561)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .

الفوائد التربوية:


1- أنَّ مَن سارَعَ في الإثمِ والعُدوانِ وأكْل السُّحت ففيه شَبَهٌ من اليهود؛ لقولِه: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [1215] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/102). .
2- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ التحذيرُ مِن الكسْبِ المحرَّم؛ وجهه: أنَّ اللهَ سمَّاه سُحتًا؛ فاحْذرْ أن تخسرَ الدُّنيا والآخِرةَ بأكْلِ المحرَّم [1216] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/103). .
3- أنَّه لا حرَجَ أنْ نذُمَّ الأفعالَ المكروهةَ بقَطْعِ النَّظرِ عن فاعِليها؛ لقولِه تعالى: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [1217] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/103). .
4- عِظمُ مسؤوليَّة المربِّين والعلماءِ؛ لقوله: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَبَّانِيُّونَ، فجعَلَ اللهُ اللومَ على الربانيِّين والأحبارِ؛ لأنَّهم لم يقوموا بما أوجبَ اللهُ عليهم مِن نَهْيِ هؤلاءِ عن قولِهم الإثمَ وأكْلِهم السُّحتَ، فيجبُ على العُلماءِ أن يُبيِّنوا الحقَّ بقطْع النَّظرِ عن مكانتِهم الشخصيَّة، حتى لو فُرِض أنهم أُهينوا أو أُذلُّوا بسببِ ذلك، فالعاقبةُ لهم؛ لقوله تعالى: إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [1218] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/103، 104). [هود: 49].
5- قوله تعالى: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فيه توبيخُ العُلماءِ التَّاركينَ للأمرِ بالمَعروفِ، والنَّهيِ عن المنكرِ؛ فليَفتَحِ العُلماءُ لهذه الآيةِ مَسامِعَهم، ويُفرِجُوا لها عن قُلوبِهم؛ فإنَّها قد جاءَتْ بما فيه البَيانُ الشَّافي لهم: بأنَّ كَفَّهم عن المعاصي مع تَرْكِ إنكارِهم على أهلِها؛ لا يُسمِنُ ولا يُغني مِن جُوعٍ، بل هم أشَدُّ حالًا، وأعظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فرَحِمَ اللهُ عالِمًا قام بما أوجَبَه اللهُ عليه مِن فريضةِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَر؛ فهو أعظَمُ ما افتَرَضه اللهُ عليه، وأوجَبُ ما أوجَبَ عليه النُّهوضُ به [1219] ينظر: ((فتح القدير)) للشوكاني (2/64). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- عبَّر بالأكْلِ في قولِه: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ؛ لأنَّه هو الغالبُ؛ ولأنَّ أعْلى ما يمكن أن ينتفعَ به الإنسانُ بالمالِ هو الأكلُ؛ لأنه يُغذِّي البَدن ويُنمِّيه، بخلاف اللِّباسِ والمساكِن والنِّكاح؛ فعبَّر به لهذا الوجهِ [1220] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/102). .
2- قوله: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فيه دلالةٌ على كونِ الكفِّ فِعلًا؛ فترك الربانيِّين والأحبارِ نهيَهم عن قولِ الإثمِ وأكْلِ السُّحتِ سمَّاه اللهُ جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صُنعًا، في قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، أي: وهو تركُهم النهيَ المذكورَ، والصنع أخصُّ مِن مُطلقِ الفِعلِ؛ فصراحةُ دَلالةِ هذه الآيةِ الكَريمةِ على أنَّ الترْكَ فِعلٌ في غايةِ الوُضوحِ [1221] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/48). .
3- بيانُ عُدوانِ اليهودِ، وأنَّهم يُصرِّحون بالعدوانِ والاعتداءِ، حتى في حقِّ الخالِقِ عزَّ وجلَّ؛ لقولِهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [1222] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .
4- يُستفادُ من قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أنَّ اليهودَ يُقرُّون بصِفات اللهِ عزَّ وجلَّ الحقيقيَّة؛ لأنَّه لا يُقال: يدُ أحدٍ مغلولةٌ إلَّا لِمَن له يدٌ [1223] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .
5- يُستفادُ من قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ الإشارةُ إلى حِرصِ اليهودِ على المالِ؛ وجه الدَّلالة: أنَّهم لم يَحملْهم على هذا القولِ إلَّا الجشعُ والطمعُ [1224] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .
6- في قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا لم يُبيِّن اللهُ عزَّ وجلَّ مَن اللاعِنُ؛ لإفادةِ العُمومِ؛ أنَّ اللهَ يَلعَنُهم ويَلعنُهم اللاعِنون أيضًا [1225] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/112). .
7- قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا.... الآية أصلٌ في تكفيرِ مَن صدَر منه في جانبِ الباري تعالى ما يُؤذِنُ بنقْصٍ [1226] ينظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 113). .
8- إثباتُ اليدينِ للهِ عزَّ وجلَّ؛ لقوله سبحانه: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [1227] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/115). .
9- كثرةُ عطاءِ اللهِ وَجُودِه؛ لقوله: مَبْسُوطَتَانِ لا يُمكن أن تُقبضَا بالنسبةِ للعطاء، وأنَّ عطاءَ اللهِ ومَنْعَه تابعٌ لمشيئتِه؛ لقولِه: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [1228] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/118). .
10- قال تعالى: أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وقوله: مِنْ رَبِّكَ مُتعلِّق بـأُنْزِلَ، وإنَّما قَيَّدَ إنزالَ القُرآنِ بكونِه مِن الرَّبِّ تعالى؛ ليدلَّ على أنَّ القُرآنَ نزَلَ مِنه سُبحانَه لا مِن غَيرِه من مَخلوقاتِه، وأنَّ نُزولَ القرآنِ ليسَ كنُزول غيرِه، فقَدْ فرَّق اللهُ تعالى بين ما نَزَّله منه وما نَزَّله مِن بعضِ المخلوقاتِ كالمطرِ، بأنْ قال: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: 17]، فذَكَر المطرَ في غيرِ موضعٍ، وأخبر أنَّه نَزَّلَه مِن السَّماء، وأخبَر بتنزيل مُطلَق في مِثل قوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: 25]، وأمَّا القرآنُ فأَخْبَر أنَّه مَنزَّلٌ منه، وقد قال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: 102]، وروحُ القُدسِ هو جبريلُ؛ فبَيَّن أنَّ جِبريلَ نزَّلَه مِنَ اللهِ لا مِن هواه ولا مِن لَوحٍ ولا مِن غيرِ ذلك، وكذلك سائرُ آياتِ القرآنِ فقدْ بَيَّن في غير موضِعٍ أنَّه مُنزَّلٌ مِن الله، كقوله: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1]؛ فمَن قال: إنَّ القرآنَ مُنزَّلٌ مِن بعضِ المخلوقاتِ كاللَّوحِ أو الهواء، فهو مُفتَرٍ على الله، مُكذِّبٌ لكتاب الله، مُتَّبعٌ لغير سبيل المؤمنين [1229] ينظر: ((الفتاوى الكبرى))  لابن تيمية (5/40- 43)، ((مجموع الفتاوى))  ابن تيمية (12/128). .
11- تحريمُ الفَسادِ في الأَرضِ؛ لقوله: لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وهكذا كلُّ شيءٍ نفَى اللهُ مَحبَّته فإنَّه حرامٌ؛ فالفسادُ في الأرضِ حرامٌ [1230] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/125). .
12- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أنَّ الشيء إذا ثبَت لوصفٍ، ثبَت ضدُّه لضدِّ ذلك الوَصف، فعلى هذا نقول: إذا كان اللهُ لا يحبُّ المفسِدين، فإنَّه يحبُّ المصلِحين [1231] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/126). .
13- عنايةُ اللهِ عزَّ وجلَّ بالرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وذلك بقوله: مِنْ رَبِّكَ؛ فإنَّ هذه الربوبيَّةَ خاصَّةٌ، تَقتضي العنايةَ التامَّةَ والأقْوى والأشدَّ [1232] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/132). .
14- أنَّ اللهَ تعالى ألْقَى العَداوةَ والبَغضاءَ بين اليهود؛ لقوله: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ؛ ولهذا قال الله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: 14]، ولذلك هم أحزابٌ شتَّى، وحتى داخلَ الحزبِ الواحدِ مُتفرِّقون؛ لأنَّهم لا يُمكن أن يجتمِعوا وقد ألْقَى اللهُ بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فاجتماعُهم الآن ليس لأنَّهم متحابُّون متآلِفون، لكنَّهم اجتمعوا لهدفٍ واحدٍ ومصلحةٍ واحدةٍ ضدَّ عدوٍّ واحدٍ للجميع، وهذا الاجتماعُ لا شكَّ أنَّه اجتماعٌ ظاهريٌّ فقط، مقصودٌ لغيرِه، وليس مقصودًا لذاتِه [1233] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/133) .
15- قال تعالى: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ في هذا الخَبرِ الإيماءُ إلى أنَّ اللهَ عاقبَهم في الدُّنيا على بُغضِهم المسلمين، بأنْ ألْقَى البغضاءَ بين بعضِهم وبعضٍ؛ فهو جزاءٌ من جِنس العملِ، وهو تسليةٌ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ألَّا يُهمَّه أمرُ عداوتِهم له؛ فإنَّ البغضاءَ سجيَّتُهم حتى بينَ أقوامِهم، وأنَّ هذا الوصفَ دائمٌ لهم، شأنُ الأوصافِ التي عَمِيَ أصحابُها عن مُداواتِها بالتخلُّق الحسَنِ [1234] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/251). .
16- لَمَّا كان الإخبارُ باجتماعِ كَلمتِهم على شقاوةِ الكفرِ- في قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا- ربَّما أحْدَث خوفًا من كيدِهم، نفَى ذلك بقوله: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، ولَمَّا كانتِ العداوةُ ربَّما زالتْ بزوالِ السَّبب، أفاد أنَّها لازمةٌ لا تنفكُّ بقوله: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [1235] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/222). .
17- في قولِه تعالى: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ سُمِّي ذلك اليَومُ الآخِرُ بيومِ القِيامة لوجوهٍ ثلاثة؛ الوجه الأوَّل: أنَّ الناس يقومون فيه مِن قُبورِهم لربِّ العالَمِين. الوجه الثاني: أنَّه يُقامُ فيه العدلُ. والثالث: أنَّه يُقام فيه الأشهادُ؛ تُستشهَدُ الرُّسلُ، ثم الأُممُ، ثم الجلودُ والأعضاءُ، ويَتبيَّن الأمرُ وينكشِف، ويَظهرُ ما في الصُّدور؛ فلذلك سُمِّي يومَ القيامةِ [1236] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/134). .
18- البُشرى التامَّة للمسلمين بأنَّ اليهود لن تقومَ لهم قائمةٌ في الحروب؛ لأنَّهم: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ولم ينالوا بها مقصودَهم، وإنْ كانوا قد يَنالون بعضَ الشيء، لكنَّهم لن ينالوا المقصودَ الذي يُريدونه بإشعالِ نارِ الحربِ [1237] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/135). .
19- إثباتُ الأفعالِ الاختياريَّة للهِ عزَّ وجلَّ؛ لقولِه: أَطْفَأَهَا، وإطفاؤُها يكون بعدَ إيقادِها، وهذا فعلٌ مُتجدِّد [1238] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/135). .
20- محبَّةُ اليهودِ للفسادِ في الأرضِ، وسَعيُهم في ذلك سعيًا حثيثًا؛ لقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [1239] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/135). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قوله: يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ... عبَّر هنا بلفظ (المسارعة)- مع أن أكثرَ استِعمالِه يكونُ في الخَيرِ- ولم يُعبِّر بلفظ (العجلة) مع أنه يكون في الشَّرِّ في الأغلب؛ قيل: للإشارة إلى أنَّ هذه المعاصي كأنها عِندَهم مِن قَبيل الطاعاتِ؛ فلذلك يُسارِعونَ فيها، أو إلى أنَّهم كانوا يُقدِمون على هذه المنكراتِ كأنَّهم مُحقُّون فيها [1240] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/392) ((تفسير أبي حيان)) (4/311) ((تفسير الخازن)) (2/59). .
- وقال تعالى: يُسَارِعُونَ فِي ولم يقُل: (يُسارعون إلى)؛ ذلك لأنَّ المسارعَ إلى الشيءِ يكون خارجًا عنه، فيُقبِلُ عليه بسرعةٍ، وهؤلاءِ غارقونَ في الإثمِ والعُدوان، وإنَّما يُسارِعون في جزئيَّات وقائعِهما، كلَّما قدَروا على إثمٍ أو عُدوانٍ ابْتَدَروه [1241] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/215)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/373). .
- وقوله: يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ خَصَّ الْعُدْوَانَ والسُّحْتَ بالذِّكر مع اندراجِهما في الإثمِ، وهو يَتناولُ جميعَ المعاصي والمنهيَّات؛ للدَّلالةِ على أنَّ هذينِ النَّوعينِ أعظمُ أنواعِ المعصية، وللمبالغةِ في التَّقبيح [1242] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/392) ((تفسير البيضاوي)) (2/131)، ((تفسير أبي حيان)) (4/311) ((تفسير ابن عاشور)) (6/248). .
2- قولِه تعالى: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون
- قوله: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ... فيه تَحضيضٌ مُرادٌ منه هنا التَّوبيخُ والتَّنديمُ لعُلمائِهم على سُكوتِهم عنِ النَّهيِ عن معاصِي اللهِ تعالى [1243] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/312)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/248). (لولا) التَّحضيضيَّة حَرْفٌ يَدلُّ على طَلبِ الفِعل بِحَثٍّ وحضٍّ، وهي تَنقسِمُ قِسمين؛ الأولى: أنْ تَدخُل على فِعلٍ مضارعٍ، أو فِعلٍ يَكونُ مُمكنًا تَداركُه، مُمكنًا فِعلُه؛ فهذه تُفيدُ التحضيضَ فقط. الثانية: أنْ تَدخُل على فِعلٍ ماضٍ أو فِعلٍ فاتَ تَداركُه، ولم يَبقَ فِعلُه مُمكنًا؛ لأنَّ فُرصتَه ضاعَتْ ومَضَتْ، ولم يُمكِنْ تَداركُه؛ ولم يَبقَ مُمكِنًا أبدًا؛ فهذه يَنقلِبُ تَحضيضُها إلى التوبيخِ والتنديمِ؛ وتارةً يُوبَّخ بها موجودٌ، كقولِه للَّذين تَكلَّموا في عائشةَ وصفوانَ رضِي الله عنهما: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور: 16]؛ لأنَّهم قدْ تَكلَّموا بما لا يَليقُ، فكأنَّه يُوبِّخُهم ويُندِّمُهم على ما فَرَط منهم. وتارةً يكونُ الموبَّخُ بها قدْ ماتَ، وليس موجودًا، كقوله: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام: 43]؛ لأنَّ وقتَ نُزولِ الآيةِ هؤلاءِ الأممُ قدْ ماتوا وَانْقَضَوْا في أَزمانٍ متناهيةٍ، قد مَضَوْا في الزَّمانِ الماضي؛ فلا يُمكنُ حُصولُ الفعلِ منهم، وليسوا مَوجودِينَ حتَّى يَسمَعوا التوبيخَ، ولكنَّ المقصودَ مِن توبيخِ هذا الذي غَابَ وماتَ؛ ليعتبرَ به غيرُه؛ ولذا كان من الحَسن أن يُوبَّخ أولئك؛ لنعتبرَ بتَوبيخِهم، فنَجتَنِبَ ذلِك الأمرَ الذي استحقُّوا التَّوبيخَ مِن أجْلِه. يُنظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 361)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/248). .
- وفي قوله تعالى: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ اقتَصَر في تَوبيخِ الرَّبَّانيِّين على تَرْك نَهيهِم عن قَولِ الإثمِ وأكْلِ السُّحتِ، ولم يَذكُر العُدوانَ؛ إيماءً إلى أنَّ العُدوانَ يَزجُرهم عنه المسلِمون، ولا يَلتجِئون في زَجْرِهم إلى غيرهم؛ لأنَّ الاعتِمادَ في النُّصرةِ على غير المجنيِّ عليه ضَعفٌ [1244] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/248). .
3- قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: فيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ فإنَّه لَمَّا ذكَر قوله: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ... ختَم بقولِه: يَعْمَلُونَ، ولَمَّا ذَكَر قولَه: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ... ختَم بقولِه: يَصْنَعُونَ؛ وذلك لأنَّ في الأُولى مَعاصِي العوامِّ، وهي مِن قبيلِ ما يَحصُل بالطَّبعِ؛ لأنَّه اندفاعٌ مع الشَّهوةِ بلا بَصيرةٍ، أمَّا الثانيةُ فهي مَعصيةُ العلماءِ بترْك النَّهيِ عن المنكَرِ والأمرِ بالمعروفِ، وهذا مِن قَبيلِ الصناعة المتكلَّفة لفائدةٍ للصانعِ فيها، يلتمسها ممَّن يَصنَعُ له؛ فما ترَكَ العلماءُ النهيَ عن المنكَرِ وهم يعلمون ما أَخَذ اللهُ عليهم من الميثاقِ، إلَّا تكلُّفًا لإرضاءِ النَّاس، وتحاميًا لتَنفيرِهم منهم؛ فهو إيثارٌ لرِضا النَّاسِ على رِضوانِ اللهِ وثَوابِه، والأقربُ أن يكونَ يَصْنَعُونَ مِن الصُّنع، لا مِن الصِّناعة، وهو العَملُ الذي يُقدِّمه المرءُ لغيرِه يُرضيه به [1245] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/217)، ((تفسير الشربيني)) (1/384)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/373). قال ابنُ عُثيمين: (وقوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ الصُّنع والفعل بينهما خصوصٌ وعموم مُطلَق؛ لأنَّ الصنع إنما يكون فِعلًا بترتيبٍ، وإعدادٍ للقول أو للفعل، بخلاف الفِعل المجرَّد، فالفعل يُطلق على كلِّ فِعل، سواء كان عن قصدٍ أو عن غيرِ قصد، حتى البهيمة لو أكَلَتْ قلنا: إنها فعلت، لكن الصُّنع لا يكونُ إلَّا بتدبيرٍ وتنسيقٍ وإصلاح؛ وذلك أنَّ هؤلاء الربانيِّين والأحبار يصنعون ما يصنعون مِن كتمان الحقِّ وعدم الأمر به؛ يُريدون أن يَبقَوا وجهاءَ في قومهم؛ لأنَّ الشيطان يقول لهم: إنْ نهيتموهم صِرتُم أعداءً لهم، ولم تحصُل لكم الرئاسةُ؛ فلذلك تجدهم يعملون هذا العملَ عن ترتيبٍ وعن سياسةٍ - كما يقولون) ((تفسير ابن عثيمين - سورة المائدة)) (2/102). ، والصُّنع أيضًا عَملُ الإنسان بعدَ تدرُّب فيه، وتَروٍّ وتحرِّي إجادةٍ؛ ولذلك ذُمَّ به خَواصُّهم (الربَّانيُّون والأحْبار)، ولأنَّ ترْكَ الحِسْبةِ أقبحُ من مُواقعةِ المعصية؛ لأنَّ النفسَ تلتذُّ بها وتَميل إليها، ولا كذلك تركُ الإنكارِ عليها، فكان جديرًا بأبلغِ الذمِّ [1246] ينظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/131). .
- والجمْع بين صِيغتي الماضي كَانُوا والمستقبل يَصْنَعُونَ؛ للدِّلالةِ على الاستمرارِ [1247] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/57). .
4- قوله: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ فيه: تمثيلٌ وكنايةٌ حسَنة؛ حيث عبَّر بإيقادِ النار عن إظهارِ الحقدِ والكيدِ والمكرِ بالمؤمنين والاغتيالِ والقتالِ، فشبَّه به حالَ التهيُّؤ للحربِ والاستعدادِ لها، والحزامةِ في أمرها، بحالِ مَن يُوقِدُ النارَ لحاجةٍ بها فتنطفئ، وعبَّر بإطفائِها عن صَرْفِ الله عنهم ذلك، وتفرُّقِ آرائهم، وحلِّ عزائمِهم، وتفرُّق كلمتِهم، وإلقاءِ الرُّعبِ في قلوبِهم؛ فشبَّه حالَ انحلالِ عزمِهم، أو انهزامِهم وسُرعة ارتدادِهم عنها، وإحجامِهم عن مقاتلةِ أعدائِهم، بحالِ مَن انطفأتْ نارُه التي أوقدَها [1248] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/317)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/251)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/520). .
5- قوله: وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ فيه: بيانُ فظاعةِ سوءِ أدبِ اليهود؛ حيث عبَّروا عن إمساكِ الإحسانِ بأنَّه صادرٌ من مقهورٍ على الإمساكِ؛ فإنَّ لفظةَ مَغْلُولَةٌ تدلُّ على القَهر؛ إذ لا يغلُّ إلَّا المقهورُ [1249] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/314). .
6- قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ: ثُنيِّت اليدُ هنا، بالرغمِ مِن كونها أتتْ مفردةً في قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ؛ ليكونَ ردُّ قولهم وإنكارُه أبلغَ وأدلَّ على إثباتِ غاية السَّخاءِ له، ونفْي البُخل عنه سبحانه؛ وذلك أنَّ غاية ما يبذله السخيُّ بماله مِن نفْسه، وأنْ يُعطيه بيديه جميعًا [1250] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/655)، ((تفسير أبي حيان)) (4/315). مع تقرير أنَّ لله تعالى يَدينِ حقيقيتينِ تليقانِ بكمالِه وجلالِه، وهذه الآية كغيرها من آياتِ الصِّفات عندَ أهل السُّنة والجماعةِ؛ تُمَرُّ كما جاءتْ مِن غيرِ تعطيلٍ أو تحريفٍ، ومن غيرِ تمثيلٍ أو تكييفٍ، وغالبُ البلاغيِّين والمفسِّرينَ من أَهلِ الكلامِ يتَّجهونَ في هذا الموضِعِ إلى نَفْيِ هذِه الصِّفةِ بالتأويلِ المخالِفِ لاعتقادِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ، ولهم في ذلِك تأويلاتٌ متعدِّدة، كلُّها مردودةٌ. .
7- قوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ جملةٌ مستأنَفَة واردةٌ لتأكيدِ كمالِ جُودِه، وللتنبيهِ على سرِّ ما ابتُلوا به من الضِّيقِ الذي اتَّخذوه- من غايةِ جهلِهم وضلالِهم- ذَريعةً إلى الاجتراءِ على الله بهذه المقالة الشنيعة، والمعنى أنَّ ذلك ليس لقصورٍ في فيضِه، بل لأنَّ إنفاقَه تابعٌ لمشيئتِه، المبنيَّةِ على الحِكَمِ، التي عليَها يدورُ أمرُ المعاشِ والمعادِ، ففي قوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ دلالةٌ على أنَّه لا ينفقُ إلَّا على مقتضى الحِكمةِ والمصلحةِ [1251] ينظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/656)، ((تفسير أبي السعود)) (3/58). .
8- قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ... جُملةٌ واقعةٌ في جَوابِ القَسمِ؛ وعليه فالجُملةُ مُؤكَّدةٌ بثَلاثةِ مؤكِّدات: القَسَم المقدَّر تقديره: (وَاللَّهِ)، واللام، ونُون التَّوكيد؛ وإنَّما أكَّد اللهُ ذلك لأهميَّتِه، ولئلَّا يُنكِرَ مُنكِرٌ أنْ يكونَ النازلُ شِفاءً لِمَا في الصُّدور- وهو القرآن- يَزيدُ هؤلاءِ طُغيانًا وكفرًا [1252] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/110). .
- وفيه تقديمُ المفعولِ كَثِيرًا على الفاعِلِ مَا- بمعنى الذي-؛ للاعتناءِ به، وتخصيصُ الكثيرِ منهم بهذا الحُكمِ؛ لأنَّ بعضَهم ليس كذلك [1253] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/58). .
- وتأخيرُ قولِه: مِنْ رَبِّكَ عن إِلَيْكَ مع أنَّ حقَّه أن يَتقدَّم؛ لاقتِضاءِ المقامِ الاهتمامَ ببيانِ المنتهي؛ لأنَّ مدارَ زِيادةِ طُغيانِهم وكُفرِهم هو النُّزولُ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، كما في قولِه تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [1254] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/58). [النمل: 60].
- والتعرُّض لعنوانِ الرُّبوبيَّة مع الإضافةِ إلى ضَميرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في قوله: رَبِّكَ؛ لتشريفِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [1255] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/58). .