موسوعة التفسير

سُورةُ المائِدَةِ
الآيات (65 - 68)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ

غريب الكلمات:


مُقْتَصِدَةٌ: عادلةٌ غيرُ غاليةٍ ولا مُقصِّرةٍ، أو مؤمنةٌ، والاقتصادُ: الاستواءُ في العملِ من غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ [1256]  يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/95)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 85)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 152)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 883). .
سَاءَ: أي: قَبُحَ، والسُّوء: اسمٌ جامعٌ للآفاتِ، ثم استُعمِلَ في كلِّ ما يُستقبَحُ، وهو أيضًا كلُّ ما يغمُّ الإنسانَ [1257]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/113)، ((المفردات)) للراغب (1/441)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 73). .
يَعْصِمُكَ: يَمنَعُك، وأصلُ العِصمةِ: المنعُ- ومنه يُقال: عَصَمَه الطَّعامُ؛ أي: منَعَه من الجوعِ-، والإمساكُ والملازمةُ [1258] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1/108)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/504)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/331)، ((المفردات)) للراغب (ص: 570)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 77)، ((التبيان)) لابن الهائم (1/127). .
تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ: أي: تُوفُّوا حُقوقَهما بالعِلمِ والعَملِ؛ وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقِّه [1259] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/43)، ((المفردات)) للراغب (ص: 690، 692). .
فَلَا تَأْسَ: أي: لا تَحزَنْ؛ يُقال: أسيتُ على كذا، أي: حزنتُ، فأنا آسَى أسًى، والأَسى: الحُزنُ [1260]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 142)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/106)، ((المفردات)) للراغب (ص: 77)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 150)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 975). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالى: لو آمَن أهلُ الكِتابِ من اليهودِ والنَّصارى حقًّا، واتَّقَوا ربَّهم سبحانه؛ لَمَحَا اللهُ عنهم ما اقتَرفوه من سيِّئاتٍ، ولأدخَلَهم في الآخرة جنات ينعمون فيها بأنواع النعيم، ولو عمِلوا بما في التوارةِ والإنجيلِ والقرآنِ، لأفاض عليهم بركاتِ رِزقه، وعمَّهم الخيرُ مِن كلِّ جهةٍ؛ بأن يُرسِلَ عليهم المطرَ من السَّماء، ويُخْرِجَ لهم الثمراتِ من الأرضِ، ثمَّ أخبَر تعالى أنَّ مِن أهلِ الكتابِ جماعةً مستقيمةً على طريق الحقِّ، قائمةً بالواجبِ الذي كُتِب عليها، مقتصرةً عليه، وأنَّ كثيرًا منهم قدْ أساؤوا العملَ.
ثم أمَر اللهُ تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُبلِّغَ كلَّ ما أنزلَه إليه، فإنْ لم يفعلْ ذلك، فما امتثل أمْرَه عزَّ وجلَّ بتبليغِ رِسالتِه، وطَمْأنَه سبحانه بأنَّه سيَمْنَعُه مِن الناسِ؛ فلا ينبغي أن يَثْنِيَه عن إبلاغِ شريعةِ اللهِ خوفُه من المخلوقينَ؛ إنَّ اللهَ لا يَهدي القومَ الكافرينَ. وأمَرَه أيضًا أنْ يقولَ لأهلِ الكتابِ: إنَّهم ليسوا على شيءٍ ممَّا يَدَّعون أنَّهم عليه من الدِّينِ، حتى يَعملوا بالتوارةِ والإنجيلِ والقرآنِ، وأخْبَره تعالى أنَّ كثيرًا من اليهود يَزدادون بسماعِ القرآن تجاوزًا لحدودِ اللهِ وكفرًا، فلا تحزنْ- يا نبيَّ اللهِ- على القومِ الكافرين.

تفسير الآيات:


وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بالَغَ اللهُ تعالى في ذمِّ أهلِ الكتابِ، وفي تَهجينِ طريقتِهم؛ بَيَّن أنَّهم لو آمَنوا واتَّقَوْا لوجَدوا سعاداتِ الآخرةِ والدُّنيا [1261] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/398). .
وأيضًا لَمَّا أثبتَ بقولِه: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا أنَّهم كانوا كَفرةً قبلَ إتيانِ هذا الرسولِ عليه السَّلامُ، وكرَّر ما أعَدَّه لهم من الخِزْي الدائمِ على نحوِ ما أخبَرَهم به كتابُهم؛ وعَظَهم ورَجَّاهم سبحانه؛ لئلَّا يَيْئسوا من رَوحِ اللهِ على عادةٍ منه في رحمتِه لعبادِه، ورأفتِه بهم [1262] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/224). ، فقال تعالى:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا.
أي: ولو أنَّ أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ آمَنوا حقًّا بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به- ومِن ذلك: الإيمانُ باللهِ تعالى وبرسولِه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وفَعَلوا ما أمَرَهم اللهُ تعالى به، واجتَنبوا ما نهاهم عنه [1263] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/561)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/136). .
لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ.
أي: لَمَحوْنا عنهم ذُنوبَهم، ولو كانتْ ما كانت، فغطَّيْنا عليها، ولم نَفْضَحْهم بها [1264] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/137). .
وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أي: ولأدْخلناهم في الآخِرةِ جَنَّاتٍ تَنعَمُ فيها قلوبُهم وأبدانُهم بأنواعِ النَّعيم، ممَّا تَشتهيه الأنفسُ، وتلَذُّ الأعينُ [1265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/562)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/137- 138). .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا رغَّبهم اللهُ تعالى في الآيةِ السَّابقةِ في مَوعودِ الآخِرةِ؛ مِن تَكفيرِ السيِّئاتِ، وإدخالِهم الجَنَّة- رغَّبهم عقبَ ذلك في موعودِ الدُّنيا؛ ليجمَعَ لهم بين خَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرَةِ [1266] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/398)، ((تفسير أبي حيان)) (4/319). ، فقال تعالى:
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ.
أي: ولو أنَّ اليهودَ والنَّصارى عمِلوا بما في التوراةِ والإنجيلِ، وعَمِلوا بالقُرآنِ الذي أُنزِلَ إليهم مِن اللهِ تعالى، فصدَّقوا به، وامْتَثلوا أوامرَه واجتنبوا نواهيَه [1267] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/562- 563)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147- 148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/416)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/140- 141). قال ابنُ جرير: (فإنْ قال قائلٌ: وكيف يُقيمون التَّوراةَ والإنجيل وما أُنزل إلى محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، مع اختلافِ هذه الكتُب ونَسْخ بعضها بعضًا؟ قيل: وإنْ كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفقةٌ في الأمْر بالإيمان برُسل اللهِ، والتَّصديقِ بما جاءتْ به من عند الله؛ فمعنى إقامتِهم التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزِل إلى محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم تصديقُهم بما فيها، والعملُ بما هي متَّفقةٌ فيه، وبكلِّ واحدٍ منهما في الحِين الذي فُرِض العملُ به) ((تفسير ابن جرير)) (8/562- 563). .
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
أي: لأدرَّ اللهُ تعالى عليهم الرِّزقَ؛ بأنْ يُرسِلَ عليهم المطرَ من السَّماءِ، ويُخرِجَ لهم الثَّمراتِ من الأرضِ [1268] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/563)، ((تفسير ابن كثير)) (3/148)، ((تفسير السعدي)) (ص: 238- 239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/416). .
كما قال سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].
وكإِخْبارِه تعالى عن نُوحٍ عليه السَّلام أنَّه قالَ لقَومِه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10- 12].
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ.
مناسبتُها لما قبلَها:
لَمَّا كان ما مضى قبلَ هذه الآيةِ مِن ذمِّ أهلِ الكتابِ ربَّما أَفْهَم أنَّه لِكُلِّهم، قال- مستأنفًا جوابًا لِمَن يسألُ عن ذلك [1269] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/228). :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ.
أي: مِن أهلِ الكِتابِ جَماعةٌ قائمةٌ بالواجبِ الذي عليها، فتَمتثِلُ ما أُمرَتْ به، وتجتنِبُ ما نُهيَتْ عنه، بلا زيادةٍ على ذلِك ولا نَقصٍ [1270] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/417)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/142). .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.
أي: وكثيرٌ من اليَهودِ والنَّصارى قدْ أساؤوا العملَ [1271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/565)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/417)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/142). .
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا قال تعالى: لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر... وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وعَلِم أنَّ مَن أُريدتْ سَعادتُه يُؤمِنُ ولا بدَّ، ومَن أُريدتْ شقاوتُه لا يُؤمِنُ أصلًا، وكان ذلك ربَّما أدَّى إلى الفُتورِ عن الإبلاغ؛ لذا أمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه بالإبلاغِ وحثَّه عليه [1272] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/229). .
وأيضًا لَمَّا حَكَى اللهُ تعالى في الآياتِ السَّابقةِ ما كان عليه أعداءُ الإسلامِ- سواء مِن أهل الكتاب من اليهودِ والنَّصارى، أو مِن المنافقين- مِن دَسائسَ، ومِن استهزاءٍ بتعاليمِ الإسلامِ، ومِن حِقْدٍ على المؤمنين، ومِن سوءِ أدبٍ مع الله، وكان الفريقان متظاهرَين على الرسول صلى الله عليه وسلم: فريق مجاهر، وفريق متستر- أتبَعه بتوجيهِ نِداءٍ إلى الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأمَرَه فيه بأنْ يَمضِي في تبليغِ رِسالتِه إلى النَّاسِ، دون أن يَلتفِتَ إلى مكرِ الماكرين، أو حِقْد الحاقِدين؛ فإنَّه سبحانه قد حماهُ وعَصَمه منهم [1273] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/ 256، 257)، ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (4/222). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.
أي: يا محمَّدُ، أبلِغْ جميعَ ما أَرسلَك اللهُ تعالى به، فلا تترُكْ ولا تكتُمْ شيئًا منه [1274] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/150)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/147). .
عن عائشةَ رضِي اللهُ عنها قالت: ((مَن حدَّثكَ أنَّ محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَتَم شيئًا ممَّا أُنزِلَ عليه فقَدَ كذَبَ؛ واللهُ يقولُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ الآية)) [1275] رواه البخاري (4612). .
وعنها رضِي اللهُ عنها، قالت: ((ولوْ كانَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ كاتِمًا شيئًا ممَّا أُنْزِلَ علَيهِ، لَكَتمَ هذِهِ الآيةَ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] )) [1276] رواه مسلم (177). .
وعن جابرٍ رضِي اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال في حَجَّة الوداع: ((تركتُ فيكم ما لَنْ تَضِلُّوا بعدَه إنِ اعتصمتُم به: كتابَ اللهِ، وأنتُم تُسألونَ عنِّي، فما أنتُم قائلونَ؟ قالوا: نَشهَدُ أنَّكَ قد بلغْتَ وأدَّيتَ ونَصحْتَ، فقال بإِصبَعِه السبَّابةِ، يَرفعُها إلى السَّماءِ، ويَنكتُها إلى الناسِ [1277] يَنْكُتُها إلى النَّاسِ: أي: يشيرُ بها إليهم، كالذي يَضرِبُ بها الأرضَ. يُنظر: ((مِرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (5/1773). : اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ! ثلاثَ مراتٍ )) [1278] رواه مسلم (1218). .
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.
أي: وإنْ لم تُؤدِّ إلى الناسِ جميعَ ما أُرْسِلتَ به، فما امتثلتَ أمْرَه [1279] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/151)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/148). .
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
أي: بلِّغْ أنتَ رِسالةَ اللهِ تعالى، واحْرِصْ على تَبليغِها، ولا يَثْنِيَنَّكَ عن ذلِك خوفٌ من المخلوقينَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يَحفَظُك، ويمنعُ أعداءَك مِن أن ينالوكَ بسوءٍ، أو أن يَضرُّوك بشيءٍ [1280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/571)، ((تفسير ابن كثير)) (3/151- 152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/149). .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.
أي: بلِّغْ أنتَ؛ فما عليكَ إلَّا البَلاغ، واللهُ تعالى لا يُوفِّقُ للحقِّ الكافرينَ المصرِّين على كُفْرِهم؛ بسببِ كُفرِهم، وإعراضِهم عنِ الهُدى والحقِّ [1281] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/572)، ((تفسير ابن كثير)) (3/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس: 96- 97].
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68).
مناسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا أمَر اللهُ تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالتبليغِ، سواءٌ طابَ للسَّامعِ أو ثَقُل عليه، أمَرَه أنْ يَقولَ لأهلِ الكِتابِ هذا الكلامَ، وإنْ كان ممَّا يَشقُّ عليهم جدًّا [1282] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (12/401). ، فقال:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
أي: قل يا مُحمَّدُ: يا أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ، لستُم على شيءٍ ممَّا تَدَّعون أنَّكم عليه من الدِّين، إلى أنْ تُؤمِنوا حقًّا- معشرَ اليهودِ- بالتوراةِ، ومَعشرَ النَّصارى بالإنجيلِ، وتَعمَلوا بما فيهما- ومِن ذلك اتِّباعُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وحتى تُؤمِنوا بالقرآنِ أيضًا وتَعمَلوا به؛ فقد جاءَ مِن ربِّكم الذي أنعمَ عليكم بإنزالِه؛ فالواجبُ عليكم أن تَقومُوا بشُكرِ اللهِ تعالى على ذلِك بأنْ تُؤمِنوا بالقرآنِ وتَتَّبِعوه [1283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/572)، ((تفسير ابن كثير)) (3/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 239)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/155- 157). .
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا.
أي: إنَّ كثيرًا مِن هؤلاءِ اليَهودِ والنَّصارى- يا محمَّدُ- يَزدادونَ بسَماعِهم القرآنَ العظيمَ تجاوزًا لحدودِ اللهِ تعالى، وكُفرًا بالحقِّ [1284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/574)، ((تفسير ابن كثير)) (3/147، 155)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/157، 158). .
كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124، 125].
وقال عزَّ وجلَّ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].
وقال سبحانه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44].
فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
أي: فلا تحزنْ- يا محمَّدُ- على هؤلاءِ الكفَّارِ مِن اليهودِ والنَّصارى الذين كذَّبوك، وردُّوا رِسالتَك، وإنَّما أدِّ ما عليك، وبلِّغِ الرسالةَ [1285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/574)، ((تفسير ابن كثير)) (3/156)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/158). .

الفوائد التربوية:


1- قولُه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ بالرغمِ مِن أنَّ الإيمانَ وحْدَه سببٌ مستقلٌّ لتكفيرِ السيِّئات، وإعطاءِ الحَسنات، إلَّا أنَّه ضَمَّ شَرطًا آخَرَ، وهو التقوى؛ لأنَّ المرادَ من الإيمانِ تحقيقُ التقوى والطاعة، لا لغرضٍ آخَر من الأغراضِ العاجلةِ، كما يفعله المنافِقون [1286] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/434). .
2- أنَّ التائبَ مِن الذَّنبِ يُثاب ثَوابَينِ: ثواب الدُّنيا، وثواب الآخرة: أمَّا ثواب الآخِرة؛ فلقولِه: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وأمَّا ثواب الدُّنيا؛ فلقوله: لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [1287] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/139). .
3- يُستفادُ من قولِه: لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أنَّه يجوزُ ترغيبُ النُّفوسِ البَشريَّة في فِعل الطاعاتِ بما يُذكَر من ثوابِ الدُّنيا، وعلى هذا فلو أنَّ إنسانًا عمِلَ عملًا صالحًا يُريد أن يَنالَ حُسنَ الدُّنيا والآخِرة، فإنَّه لا يُلامُ؛ لأنَّه لو كان هناك لَوْمٌ، ما ذَكَر اللهُ سبحانه وتعالى ما يَحصُل من ثوابِ الدُّنيا؛ يَبقَى ذِكرُه شبيهًا باللفظِ الذي ليس له معنًى، وعلى العكسِ مِن هذا المحرَّماتُ، تجِدُ أنَّ الله تعالى جعَلَ لها روادعَ تَردَعُ عنها؛ حتى لا يَفعلَها الإنسانُ، فتجد الرجلَ قد يترُكُ الزِّنا مثلًا خوفًا من العقوبةِ، ولولا هذا لَمَا كان للعقوبةِ فائدةٌ [1288] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/143). .
4- يُستفادُ من قولِه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وجوبُ إبلاغِ الشَّريعةِ على أهلِ العِلم؛ وجه ذلك: أنَّ العلماءَ وَرَثةُ الأنبياءِ، وإذا كانوا ورثةَ الأنبياءِ وجَبَ عليهم أن يَقوموا بحقِّ الإرثِ، فيُبلِّغوا ما علِموا مِن شريعةِ اللهِ وجوبًا؛ إمَّا بالقولِ وإمَّا بالفِعل، إمَّا بالكتابةِ وإمَّا بالإشارة؛ بأيِّ وسيلةٍ، يجب عليهم أن يُبلِّغوا ما أُنزِلَ إلى الرسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام [1289] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/151). .
5- الإشارةُ إلى أنَّ القلوبَ بِيَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّ أفعالَ الخَلقِ تابعةٌ لإرادةِ الله؛ لقوله: يَعْصِمُكَ؛ لأنَّ عِصمةَ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم من الناس تنقسِمُ إلى قِسمين: إمَّا عدَم الإرادة: بأنْ يصرفَ اللهُ القلوبَ عن قتْلِه، وإمَّا بالعجزِ: بأنْ يُحاولَ الفاعلُ ولكن يَعجِز [1290] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/154). .
6- يُستفادُ من قولِه: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أنَّ العبرةَ للمُسلمِ في الآيةِ أنْ يعلمَ أنَّ المسلِمينَ لا يكونونَ على شيءٍ يُعتدُّ به مِن أمْرِ الدِّين حتى يُقيموا القرآنَ، وما أُنزِلَ إليهم مِن ربِّهم فيه، ويهتدوا بهدايتِه؛ فحُجَّةُ اللهِ على جميعِ عِبادِه واحدةٌ، فإذا كان اللهُ تعالى لا يَقبَلُ مِن أهلِ الكِتاب قَبْلَنا تلك التقاليدَ التي صَدَّتْهم عمَّا عندَهم مِن وحيِ اللهِ تعالى على ما كان قد طرَأَ عليه من التَّحريفِ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، فألَّا يَقْبَلَ منَّا مِثلَ ذلك مع حِفظه لكتابِنا أَوْلى [1291] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/394). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قُدِّم الإيمانُ في قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ؛ لأنَّه أساسُ جميعِ الأعمال، فقدَّمه إعلامًا بأنَّه لا نجاةَ لأحدٍ إلَّا بتصديقِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [1292] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/224). .
2- كمالُ عدْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّ كلَّ مَن آمَن واتَّقى ولو بَعدَ الكفرِ والعنادِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يتوبُ عليه؛ لقولِه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [1293] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/139). .
3- قولُه سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ فيه دلالةٌ على سَعةِ رَحمةِ اللهِ تعالى، وفتْحِه بابَ التوبةِ لكلِّ عاصٍ، وإنْ عَظُمتْ معاصيه، وبلَغتْ مبالغَ سيِّئاتِ اليهودِ والنَّصارى [1294] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/385). .
4- إنَّ الإسلامَ يَهدِم ما قَبْلَه من السيِّئاتِ وإنْ جَلَّتْ وعَظُمتْ؛ قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [1295] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/385). .
5- يُفيدُ قولُه تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أنَّ الكتابيَّ لا يَدخُل الجنَّةَ ما لم يُسلِمْ [1296] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/385). .
6- إثباتُ أفعالِ اللهِ سبحانه وتعالى الاختياريَّةِ؛ لقوله: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ؛ لأنَّ هذا التَّكفيرَ يكونُ بعدَ إيمانِهم وتَقواهم، فيكونُ فيه دليلٌ على إثباتِ أفعالِ اللهِ الاختياريَّة؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ يَفعَلُ ما يشاءُ في أيِّ وقتٍ، وعلى أيِّ كيفيَّةٍ [1297] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/139). .
7- أنَّ الجزاءَ يكونُ بالنَّجاةِ من المرهوبِ، وحُصولِ المطلوب؛ يشيرُ إلى الأوَّل قولُه: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وإلى الثاني قولُه: وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فالأوَّل به النجاةُ من المرهوبِ، والثاني فيه حُصولُ المطلوبِ [1298] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/139). .
8- أنَّ إقامةَ الشريعةِ في كلِّ زمان سببٌ لكلِّ خير؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ... إلى آخره [1299] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/143). .
9- أنَّه يجب على أهلِ الكتابِ أنْ يُقيموا القرآنَ، كما يجبُ أنْ يُقيموا التوراةَ والإنجيل؛ لقولِه: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وهو كذلِك؛ ولهذا نقولُ لأهلِ الكتابِ الذين يَدَّعون أنَّهم مؤمِنون باللهِ واليومِ الآخِر: إنَّكم إنْ لم تؤمنوا بالرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ما نفَعَكم ذلك الإيمانُ؛ لأنَّكم لم تُتِمُّوا إيمانَكم [1300] ينظر: ((تفسير المنار))، ((تفسير الشربيني)) (1/387)، (6/381)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/144). .
10- إقامةُ الدَّليلِ على أهلِ الكِتاب أنَّه يلزمُهم أنْ يُؤمِنوا بالقرآنِ؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ؛ فإنَّ لازمَ كونِه ربًّا لهم أنْ يقوموا بأمْرِه، ويَلْتَزِموا بحُكمِه؛ لأنَّه ربٌّ، والربُّ لا بدَّ له من مربوبٍ، وهو سبحانه وتعالى السيِّدُ؛ والإنسانُ عبدٌ؛ فلا بدَّ أنْ يقوموا بمقتضى هذه الرُّبوبيَّة، فيُؤمنوا بما أَنزلَ اللهُ تعالى على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم [1301] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/145). .
11- انقسامُ أهلِ الكِتابِ إلى قِسمين: قِسمٍ مُقتصدٍ؛ قائمٍ بالواجبِ، تاركٍ للمُحرَّمِ، ولكن ليس عندَهم سَبْقٌ إلى الخيرات، وقِسمٍ آخَر: سيِّئٍ مُسيءٍ في عملِه؛ إمَّا بترْك الواجباتِ، وإمَّا بفِعل المحرَّماتِ؛ لقوله: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [1302] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/146). .
12- في قوله: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ جعَلَ أعْلى مقاماتِ أهلِ الكتابِ الاقتصادَ، وهو أوسطُ مَقاماتِ هذه الأمَّة، وفوق ذلك رتبةُ السَّابقينَ؛ كما في قولِه تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا... [1303] ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/149). [فاطر: 32- 33]؛ فدلَّ على فَضْلِ هذه الأمَّةِ على غيرِها من الأُمَم.
13- التعبيرُ في قولِه: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ بالعملِ؛ لأنَّهم يَزعُمون أنَّه لا يَصدُرُ منهم إلَّا عن عِلمٍ، وهم الذين حرَّفوا الكلمَ عن مواضعِه، وارْتَكبوا العظائمَ في عداوةِ اللهِ ورسولِه [1304] ينظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/228). .
14- يُستفادُ مِن تصديرِ الخطابِ بالنِّداءِ في قوله: يَا أَيُّهَا الدلالةُ على الاهتمامِ بالخطابِ والعنايةِ به، كذلك قولُه تعالى: مِنْ رَبِّكَ [1305] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/146، 151). .
15- قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ وصَفَه بالرِّسالةِ إشارةً إلى أنَّ هذا الوصفَ مقتضاه- وإنْ لم يُؤمَرْ بالإبلاغِ- أنْ يكون مُبلِّغًا [1306] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/146). .
16- قوله: مِنْ رَبِّكَ فيه عنايةُ الله عزَّ وجلَّ بالرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، والإشارة إلى أنَّ كونَه مربوبًا لله عزَّ وجلَّ يستلزمُ أن يُبلِّغ، وأيضًا لأنَّ رُبوبيةَ اللهِ عزَّ وجلَّ لرسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رُبوبيَّةٌ خاصَّة [1307] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/147، 151). .
17- شِدَّةُ تأكيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ على إبلاغِ شَريعتِه؛ لأنَّ هذه الجملةَ: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ شديدةٌ جدًّا؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يَرضَى لعِبادِه أن يتركوا شريعتَه غيرَ مبلَّغةٍ [1308] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/152). .
18- أنَّ كتْمَ شيءٍ من الشريعةِ كَكَتْم جميعِها؛ لقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [1309] ينظر: ((تفسير الشربيني)) (1/386)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/229)، ((تفسير المنار))، (6/387)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/153). .
19- عنايةُ اللهِ تعالى بالرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في عِصمتِه من الناسِ؛ لقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [1310] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (7/440)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/153). .
20- يُستفادُ مِنْ قَوْلِه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أنَّ مَن عَلِمَ اللهُ تعالى منه الكفرَ فإنَّه لا يُهدَى ولا يُوفَّق؛ فتكون هذه الآية كقولِه تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [1311] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/155). [الصف: 5].
21- أنَّه لا تتمُّ إقامةُ التوراةِ والإنجيلِ إلَّا بإقامةِ القرآن؛ لأنَّ اللهَ اشترَط ثلاثةَ أشياء: حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ فمَن ادَّعى أنَّه مُقيمٌ للتوراةِ وهو كافرٌ بالإنجيل، قلنا: هذا غيرُ صحيحٍ، ودعواه باطلةٌ، ومَن ادَّعى أنَّه مؤمنٌ بالإنجيلِ ولم يُؤمِن بالقرآنِ، قلنا: هذه دَعوَى باطلةٌ [1312] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/159). .
22- أنَّه يلزمُ مَن أقرَّ بالربوبيَّةِ أنْ يُقرَّ بالألوهيَّةِ والشريعةِ؛ لقوله: مِنْ رَبِّكُمْ يعني: مِن ربِّكم الذي لا تُنكِرون رُبوبيَّتَه، وإذا كنتم لا تُنكِرون رُبوبيَّتَه لزِمَكم أن تَقوموا بأمْرِه [1313] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/159). .
23- قوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ فيه إضافةُ ربوبيَّة اللهِ للكافرين، لكنْ هذه الإضافةُ ليستْ إضافةَ تشريفٍ، ولكنَّها إضافةٌ لإقامةِ الحُجَّة عليهم؛ لأنَّه إذا كان اللهُ هو ربَّكم، لزِمكم أن تقيموا ما أَنزَل إليكم منه؛ لأنَّه ربُّكم وسيِّدكم وإلهُكم [1314] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/160). .
24- يُستفادُ من قولِه: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا أنَّ كثيرًا مِن أهلِ الكتابِ لا يَزدادون بالقُرآنِ إلَّا طُغيانًا وكفرًا؛ إمَّا بالتكذيبِ، وإمَّا بالعِصيانِ، ويُـفهَم منه أيضًا أنَّ بَعضَهم لا يَزيدُه طغيانًا وكفرًا، بل لا يَزيده إلَّا إيمانًا [1315] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/160، 161). .
25- العدلُ في كلامِ اللهِ وعدمُ المجازفةِ؛ لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ولم يقُل: (كلهم)؛ لأنَّ الواقعَ أنَّ بعضَهم يزدادُ بالقرآن إيمانًا [1316] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/160). .
26- جوازُ توكيدِ الكلامِ بما يُثبت صِدقَه، وإنْ كان في الأصلِ صِدقًا؛ لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، مع أنَّ خبر الله وإنْ لم يكُن مؤكَّدًا فهو صدقٌ بلا شكٍّ، ووجهُ تأكيده: أنَّه قد يُستغرَبُ أن يكونَ هذا القرآنُ الذي هو هدًى للناس لا يَزيد هؤلاءِ إلا طغيانًا وكفرًا، فلمَّا كان هذا محلَّ استغرابٍ، أكَّده اللهُ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ تأكيدَ الكلامِ إذا كان صادرًا من صادقٍ لا بدَّ أن يكون له سببٌ، وإلَّا لكان التوكيدُ لغوًا [1317] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/160). .
27- أنَّ الكفرَ يَزيد ويَنقُص، وجهه: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، وفيه دليلٌ على أنَّ الإيمانَ يَزيد ويَنقُص؛ لأنَّ الكفرَ إذا كان يَزيدُ ويَنقُص فبإزائِه الإيمانُ؛ فلا بدَّ أن يكون مِثلَه يَزيدُ ويَنقُص، والذي عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُص، سواء بالأقوالِ أو بالأفعالِ أو باليَقينِ [1318] ينظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/161). .
28- الفَرْقُ بين نِسبةِ إنزالِ القُرآنِ إلى الرَّسولِ في قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، ونِسبة إنزالِه إليهم في أوَّل الآيةِ في قولِه: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، هو أنَّ خِطابهم بإنزالِ القرآنِ إليهم يُراد به أنَّهم مخاطَبون به، ومَدْعوُّون إليه، وأمَّا إسنادُ إنزالِه إلى الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فليس لإفادةِ أنَّه أُوحي إليه فقط، بل يُشعر مع ذلك بأنَّ إنزالَه إليه سببٌ لطُغيانهم وكُفرهم، وأنَّهم لم يَكفُروا به لأجْلِ إنكارِهم لعقائدِه وآدابِه وشرائعِه، أو استقباحِهم، بل لعَداوةِ الرَّسولِ الذي أُنزِلَ إليه، وعداوةِ قومِه العربِ. وقيل: إنَّه يُفيد براءتَهم منه، وأنَّه لا حظَّ لهم فيه [1319] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/394) .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ: ذَكَرَ اليهودَ والنَّصارى بقوله: أَهْلَ الْكِتَابِ تأكيدًا للتشنيعِ؛ فإنَّ أهليَّةَ الكتاب تُوجِبُ إيمانَهم به، وإقامتَهم له لا محالةَ، فكفرُهم به وعدمُ إقامتِهم له، وهم أهلُه، أقبحُ مِن كلِّ قبيحٍ، وأشنعُ من كلِّ شَنيعٍ [1320] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/59). .
- وتَكريرُ اللَّامِ في وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ؛ لتأكيدِ الوعدِ [1321] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/59). .
- وفيه: تعريضٌ؛ حيثُ عقَّب نَهيَهم وذمَّهم بدَعوتِهم للخيرِ [1322] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/252). .
2- قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ:
في هذه الآيةِ حذفانِ بَليغانِ: الأوَّل: حذْفُ المضافِ في قوله: أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، والمرادُ أحكامُ التوراةِ والإنجيلِ وحُدودُهما، وما انطوى تحتَهما من حِكَمٍ بالِغة، وعِبَر شائِعة. والثاني: حذفُ المفعولِ به في قوله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ؛ لقصْدِ التَّعميم، أو للقصدِ إلى نَفْسِ الفِعل، كَما في قَولِه: (فُلانٌ يُعطي ويَمنَعُ) بعد (أو للقصدِ إلى نَفْسِ الفِعل) [1323] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/398)، ((تفسير أبي السعود)) (3/60)، ((تفسير ابن عاشور)) (6/254)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/522- 523). .
3- قوله: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فيه: إيجازٌ بالحذفِ؛ حيث حُذِف مُتعلِّقُ بَلِّغْ؛ لقصدِ العموم، أي: بلِّغْ ما أُنزِلَ إليك جميعَ مَن يحتاجُ إلى معرفتِه، وهو جميعُ الأمَّة [1324] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/258). .
4- قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ يُفيد المبالغةَ التامَّة، يعني: أنَّه لا يُمكنُ أن يُوصَفَ ترْكُ التبليغِ بتهديدٍ أعظمَ من أنَّه تَرْكُ التبليغِ، فكان ذلك تنبيهًا على غايةِ التهديدِ والوعيدِ [1325] ينظر: ((تفسير الرازي)) (12/400). .
5- قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ أتَى بصيغة المضارِع في يَعْصِمُكَ؛ لأنَّ المضارع يدلُّ على الديمومةِ والاستمرارِ [1326] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/323). .
6- قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ فيه: تعليلٌ لعِصمتِه تعالى له صلَّى الله عليه وسلَّم، وإيماءٌ إلى أنَّ سبَبَ عَدَمِ هِدايَتِهم هو كُفْرُهم.
- وإيرادُ الآية الكريمةِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ... في تَضاعيفِ الآياتِ الواردةِ في حقِّ أهل الكتاب؛ لأنَّ الكلَّ قوارعُ يَسوءُ الكفَّارَ سماعُها، ويَشُقُّ على الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم مشافَهَتُهم بها، وخصوصًا ما يَتْلُوها من النصِّ النَّاعي عليهم كمالَ ضلالتِهم [1327] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/61). .
7- قوله: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ تنكيرُ شَيْءٍ يُفيد التَّقليلَ والتحقيرَ، أي: لستُم على شيءٍ يُعتدُّ به حتى تُقيموا أحكامَ التوراةِ والإنجيلِ، وفي هذا التعبيرِ من التَّحقيرِ والتصغيرِ ما لا غايةَ وراءَه [1328] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/61)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/525). .
8- قوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا جملةٌ مُستأنَفةٌ مبيِّنةٌ لشِدَّةِ شَكيمتِهم، وغُلوِّهم في المكابرةِ والعنادِ، وعدمِ إفادةِ التبليغِ نفعًا، وتصديرُها بالقَسَم- الذي دلَّت عليه اللامُ في (لَيَزِيدَنَّ)-؛ لتأكيد مضمونِها، وتحقيقِ مدلولِها، ونِسبةُ الإنزالِ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع نِسبتِه فيما مرَّ إليهم؛ للإنباءِ عن انسلاخِهم عن تِلك النِّسبة [1329] ينظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/62). .
9- قوله: فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فيه: إقامةُ الظاهرِ مَقامَ المضمَر- حيثُ قال: عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، ولم يقُل: (عَلَيهم)- وفائدتُه: التنبيهُ على العِلَّة الموجِبةِ لعدمِ التأسُّف [1330] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/324)، ((تفسير أبي السعود)) (3/62). .