موسوعة الفرق

الفصلُ الثَّاني: نشأةُ مَذهَبِ الإرجاءِ


في خلافةِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضِي اللهُ عنه، وبَعدَ معرَكةِ صِفِّينَ؛ ظهَر الخوارِجُ، وحينَ ظهرَت بِدعةُ الخوارِجِ الغُلاةِ نشأَت بِدعةُ المُرجِئةِ ردَّةَ فِعلٍ للخوارِجِ، وتميَّز المُرجِئةُ بالغُلوِّ في التَّفريطِ، وظهرَت مقالةُ مُرجِئةِ الفُقَهاءِ في أواخِرِ القرنِ الأوَّلِ الهِجريِّ حينَ خاض بعضُ النَّاسِ في حقيقةِ الإيمانِ، وفي دُخولِ الأعمالِ في مُسمَّى الإيمانِ، وفي حُكمِ مُرتكِبِ الكبيرةِ؛ فذهَب الخوارِجُ والمُعتزِلةُ إلى أنَّ الإيمانَ اعتِقادٌ وقولٌ وعَملٌ، ووافَقوا في هذا أهلَ السُّنَّةِ مِن حيثُ الجُملةُ، وخالَفوهم في زيادةِ الإيمانِ بالطَّاعاتِ، ونُقصانِه بالمعاصي، وخالَفوهم أيضًا في حُكمِ مُرتكِبِ الكبيرةِ؛ فذهَب الخوارِجُ إلى أنَّه كافِرٌ، وذهَب المُعتزِلةُ إلى أنَّه في منزِلةٍ بَينَ المنزِلتَينِ، واتَّفَق الخوارِجُ والمُعتزِلةُ على أنَّ صاحِبَ الكبيرةِ مُخلَّدٌ في النَّارِ، وأنكَروا أحاديثَ الشَّفاعةِ وما تواتَر مِن أحاديثِ خُروجِ العُصاةِ المُوحِّدينَ مِن النَّارِ برحمةِ اللهِ، أمَّا أهلُ السُّنَّةِ فذهَبوا إلى أنَّ مُرتكِبَ الكبيرةِ ضعيفُ الإيمانِ؛ فهو مُؤمِنٌ بإيمانِه، فاسِقٌ بكبيرتِه، وأنَّه تحتَ مَشيئةِ ربِّه؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له، وإن عذَّبه لا يُخلِّدُه في النَّار، وأثبَت أهلُ السُّنَّةِ الشَّفاعةَ في الآخِرةِ، وأنَّه ينتفِعُ بها كُلُّ مَن كان في قلبِه ذرَّةٌ مِن الإيمانِ، وأمَّا غُلاةُ المُرجِئةِ فقالوا بأنَّ الأعمالَ لا تدخُلُ في مُسمَّى الإيمانِ، وأنَّ الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينقُصُ، وزاد غُلوُّ بعضِ المُرجِئةِ فقالوا بأنَّه لا يضُرُّ معَ الإيمانِ معصيةٌ، كما لا ينفَعُ معَ الكُفرِ طاعةٌ، ومِن غُلاةِ المُرجِئةِ: الجَهْميَّةُ؛ أتباعُ الجَهمِ بنِ صَفوانَ، الذي ظهَر في أواخِرِ دولةِ بني أميَّةَ، ومَذهَبُ الجَهْميَّةِ تعطيلُ صفاتِ اللهِ سبحانَه، والقولُ بالإرجاءِ والجَبرِ، ثُمَّ ظهَر قولُ الكَرَّاميَّةِ في المائةِ الثَّالثةِ للهِجرةِ، الذين جعَلوا الإيمانَ مُجرَّدَ القولِ، ولو مِن غَيرِ اعتِقادٍ ولا عَملٍ، ثُمَّ قال صالِحُ بنُ عُمرَ الصَّالِحيُّ مقالتَه في الإيمانِ، فجاء الأشعَريُّ وأشهَرُ أصحابِه، فتلقَّفوها عنه في النِّصفِ الأوَّلِ مِن المائةِ الرَّابعةِ للهِجرةِ، وقد دخَل الإرجاءُ في كثيرٍ مِن المذاهِبِ ولو في بعضِ صُوَرِه؛ فبعضُ المُحدِّثينَ والفُقَهاءِ عندَهم إرجاءٌ، كاشتِراطِ بعضِهم الاستِحلالَ القلبيَّ في تكفيرِ مَن وقَع في الكُفرِ القَوليِّ أو العَمَليِّ، وبعضُ الخوارِجِ عندَهم إرجاءٌ، لا سيَّما الإباضيَّةِ منهم، وبعضُ الشِّيعةِ عندَهم إرجاءٌ؛ فمِن الشِّيعةِ مَن يعتقِدُ أنَّ مَن ظلَم نَفسَه مِن عِترةِ عليٍّ لا حِسابَ عليه ولا عذابَ، وإن ترَك الفرائِضَ ووقَع في الفواحِشِ، ويعتقِدونَ أنَّ أبا طالِبٍ في الجنَّةِ، معَ أنَّه لم يَنطِقْ بشهادةِ التَّوحيدِ، ولم يُصلِّ للهِ سبحانَه، وبعضُ غُلاةِ الشِّيعةِ يعتقِدونَ أنَّ دُخولَ الجنَّةِ ليس مُتوقِّفًا على الإيمانِ وتقوى الله بفِعلِ الواجِباتِ وتَركِ المُحرَّماتِ، بل يكونُ باعتِقادِ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ هو الإمامُ المعصومُ، وبذلك يتحقَّقُ الإيمانُ، ولو معَ تضييعِ الفرائِضِ والوُقوعِ في الكبائِرِ [7] يُنظر: ((الفرق بين الفرق)) لعبد القاهر البغدادي (ص: 9، 212)، ((مجموع الفتاوى)) (8/ 460) و (7/ 509، 543)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (4/ 25) كلاهما لابن تيمية، ((آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية -عرض ونقد)) لعبد الله السند (ص: 94). .
فالانحِرافُ في فَهمِ حقيقةِ الإيمانِ هو أوَّلُ خَللٍ اعتِقاديٍّ ظهَر بَينَ المُسلِمينَ؛ فالخوارِجُ طغَوا في تعريفِ حقيقةِ الإيمانِ، وغلَوا في التَّكفيرِ، والمُرجِئةُ قالوا بعكسِ قولِ الخوارِجِ، وأخرَجوا الأعمالَ مِن مُسمَّى الإيمانِ، وقالوا بأنَّ الإيمانَ في القلبِ، ولو تلفَّظ بالكُفرِ والإلحادِ، ولا تزالُ آثارُ انحِرافِ المُرجِئةِ ظاهِرةً في أعمالِ وأقوالِ وكتاباتِ وأبحاثِ كثيرٍ مِن المُسلِمينَ؛ فقد كان الإرجاءُ في بدايتِه نظريَّةً يَدينُ بها أفرادٌ معدودونَ، أخطؤوا فيها نتيجةَ رُدودِ فِعلٍ خاصَّةٍ، أو رأيٍ غَيرِ مُحرَّرٍ، أو فَهمٍ قاصِرٍ للنُّصوصِ، أو مُتابَعةٍ بلا تبصُّرٍ، ثُمَّ تبنَّى الإرجاءَ كثيرٌ مِن عُلَماءِ الكلامِ مِن الأشاعِرةِ والماتُريديَّةِ، ومنهم فُقَهاءُ وأصوليُّونَ ومُفتونَ وقُضاةٌ ومُفسِّرونَ ومُحدِّثونَ وصوفيَّةٌ، حتَّى صار الإرجاءُ ظاهِرةً عامَّةً تُسيطرُ على الحياةِ الإسلاميَّةِ والفِكرِ الإسلاميِّ إلى عَصرِنا الحاضِرِ [8] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/114)، ((نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السَّلف)) للوهيبي (1/5). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (في أواخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ حدثَت القَدَريَّةُ في آخِرِ عَصرِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابِرٍ وأمثالِهم مِن الصَّحابةِ، وحدثَت المُرجِئةُ قريبًا) [9] ((مجموع الفتاوى)) (20/301). .
وقال أيضًا: (في آخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ حدثَت القَدَريَّةُ، وتكلَّم فيها مَن بقِي مِن الصَّحابةِ؛ كابنِ عُمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وواثِلةَ بنِ الأسقَعِ، وغَيرِهم، وحدثَت أيضًا بِدعةُ المُرجِئةِ في الإيمانِ. والآثارُ عن الصَّحابةِ ثابِتةٌ بمُخالَفتِهم، وأنَّهم قالوا: الإيمانُ يزيدُ ويَنقُصُ، كما ثبَت ذلك عن الصَّحابةِ) [10] ((النبوات)) (2/577). .
وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (كان ظُهورُ البِدَعِ والنِّفاقِ بحسَبِ البُعدِ عن السُّنَنِ والإيمانِ، وكُلَّما كانت البِدعةُ أشَدَّ تأخَّر ظُهورُها، وكُلَّما كانت أخَفَّ كانت إلى الحُدوثِ أقرَبَ؛ فلهذا حدَث أوَّلًا بِدعةُ الخوارِجِ والشِّيعةِ، ثُمَّ بِدعةُ القَدَريَّةِ والمُرجِئةِ، وكان آخِرَ ما حدَث بِدعةُ الجَهْميَّةِ، حتَّى قال ابنُ المُبارَكِ ويوسُفُ بنُ أسباطٍ وطائِفةٌ مِن العُلَماءِ مِن أصحابِ أحمَدَ وغَيرِهم: إنَّ الجَهْميَّةَ ليسوا مِن الثِّنتينِ والسَّبعينَ فِرقةً، بل هم زنادِقةٌ، وهذا معَ أنَّ كثيرًا مِن بِدَعِهم دخَل فيها قومٌ ليسوا بزنادِقةٍ، بل قبِلوا كلامَ الزَّنادِقةِ جَهلًا وخطأً) [11] ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (ص: 199). .
وقال أيضًا: (معلومٌ أنَّ أهلَ الكتابِ أقرَبُ إلى المُسلِمينَ مِن المجوسِ والصَّابِئينَ والمُشرِكينَ، فكان أوَّلُ ما ظهَر مِن البِدَعِ فيه شَبهٌ مِن اليهودِ والنَّصارى. والنُّبوَّةُ كُلَّما ظهَر نورُها انطفَأَتِ البِدَعُ، وهي في أوَّلِ الأمرِ كانت أعظَمَ ظُهورًا، فكان إنَّما يظهَرُ مِن البِدَعِ ما كان أخَفَّ مِن غَيرِه، كما ظهَر في أواخِرِ عَصرِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ بِدعةُ الخوارِجِ والتَّشيُّعِ، ثُمَّ في أواخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ ظهرَت القَدَريَّةُ والمُرجِئةُ، ثُمَّ بَعدَ انقِراضِ أكابِرِ التَّابِعينَ ظهرَت الجَهْميَّةُ، ثُمَّ لمَّا عُرِّبَت كُتبُ الفُرسِ والرُّومِ ظهَر التَّشبُّهُ بفارِسَ والرُّومِ، وكُتبُ الهِندِ انتقلَت بتوسُّطِ الفُرسِ إلى المُسلِمينَ، وكُتبُ اليونانِ انتقلَت بتوسُّطِ الرُّومِ إلى المُسلِمينَ، فظهرَت الملاحِدةُ الباطنيَّةُ الذين ركَّبوا مَذهَبَهم مِن قولِ المجوسِ واليونانِ، معَ ما أظهَروه مِن التَّشيُّعِ، وكانت قرامِطةُ البَحرينِ أعظَمَ تعطيلًا وكُفرًا) [12] ((بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية)) (2/ 477). .
وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (النِّزاعُ الحادِثُ بَعدَ إجماعِ السَّلفِ خطأٌ قَطعًا، كخِلافِ الخوارِجِ والرَّافِضةِ والقَدَريَّةِ والمُرجِئةِ ممَّن قد اشتهرَت لهم أقوالٌ خالَفوا فيها النُّصوصَ المُستفيضةَ المعلومةَ، وإجماعَ الصَّحابةِ) [13] ((مجموع الفتاوى)) (13/ 26). .
وقال ابنُ رَجبٍ: (هذه المسائِلُ -أعني مسائِلَ الإسلامِ والإيمانِ والكُفرِ والنِّفاقِ- مسائِلُ عظيمةٌ جدًّا؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ علَّق بهذه الأسماءِ السَّعادةَ والشَّقاوةَ، واستِحقاقَ الجنَّةِ والنَّارِ، والاختِلافُ في مُسمَّياتِها أوَّلُ اختِلافٍ وقَع في هذه الأمَّةِ، وهو خِلافُ الخوارِجِ للصَّحابةِ؛ حيث أخرَجوا عُصاةَ المُوحِّدينَ مِن الإسلامِ بالكُلِّيَّةِ، وأدخَلوهم في دائِرةِ الكُفرِ، وعامَلوهم مُعامَلةَ الكُفَّارِ، واستحلُّوا بذلك دِماءَ المُسلِمينَ وأموالَهم، ثُمَّ حدَث بَعدَهم خِلافُ المُعتزِلةِ، وقولُهم بالمنزِلةِ بَينَ المنزِلتَينِ، ثُمَّ خِلافُ المُرجِئةِ وقولُهم: إنَّ الفاسِقَ مُؤمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وقد صنَّف العُلَماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسائِلِ تصانيفَ مُتعدِّدةً، وممَّن صنَّف في الإيمانِ مِن أئمَّةِ السَّلفِ: الإمامُ أحمَدُ، وأبو عُبَيدٍ القاسِمُ بنُ سلَّامٍ، وأبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ، ومُحمَّدُ بنُ أسلَمَ الطُّوسيُّ، وكثُرَت فيه التَّصانيفُ بَعدَهم مِن جميعِ الطَّوائِفِ) [14] ((جامع العلوم والحكم)) (1/114). وللاستزادة يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/479، 481) و (22/ 130)، ((الإيمان الأوسط)) (ص: 23) كلاهما لابن تيمية.  .
وبهذا تتبيَّنُ بدايةُ نشأةِ مَذهَبِ المُرجِئةِ، ويتَّضِحُ بُطلانُ القولِ بأنَّ أصلَ المُرجِئةِ هو طائِفةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم!
وهذا الزَّعمُ تبنَّاه قديمًا بعضُ رُؤوسِ الضَّلالةِ مِن المُتكلِّمينَ وأعداءِ الصَّحابةِ، كالرَّافِضةِ والخوارِجِ، وظلَّ قولًا مُندثِرًا حتَّى بعَثه المُستَشرِقونَ وأتباعُهم في العُصورِ المُتأخِّرةِ، فدرَج على ألسِنةِ المُؤرِّخينَ والدَّارِسينَ للفِرَقِ، وتداوَلوه وكأنَّه حقيقةٌ مُسلَّمةٌ.
إنَّ الكلامَ في أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دِينٌ، والدِّينُ لا يُؤخَذُ عن المُسلِمِ الفاسِقِ، ولا اعتِبارَ لرأيِه فيه، فضلًا عن المُبتدِعِ الضَّالِّ، فضلًا عن الكافِرِ الحاقِدِ كعامَّةِ المُستشرِقينَ، واللهُ تعالى قد قال في الفاسِقينَ: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور: 4] ، والحُكمُ على أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعظَمُ مِن مُجرَّدِ الشَّهادةِ؛ لأنَّه دينٌ واعتِقادٌ، وإذا كان مِن شريعتِنا ردُّ شهادةِ المُسلِمِ الفاسِقِ في دعاوى الحُقوقِ الدُّنيويَّةِ، فكيف بمَن يتجرَّأُ على خِيارِ الأمَّةِ [15] يُنظر: ((تسديد الإصابة فيما شجر بين الصَّحابة)) لذياب الغامدي (ص: 88، 162-176). ؟!
وبالإضافةِ إلى ما لدى المُستشرِقينَ مِن حِقدٍ وتعصُّبٍ؛ فإنَّ سببَ انحِرافِ مَنهَجِهم ومَن اتَّبَعهم في هذا الموضوعِ هو القِياسُ الفاسِدُ؛ فلمَّا كانت الخلافةُ الإسلاميَّةُ عندَهم لا تختلِفُ عن أيِّ حُكومةٍ مَذهَبيَّةٍ، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُجرَّدَ أشخاصٍ لا يختلِفونَ عن سائِرِ النَّاسِ في المطامِعِ والكيدِ السِّياسيِّ؛ فإنَّ الخلافَ الذي وقَع بَينَهم لا يعدو في أنظارِ هؤلاءِ أن يكونَ أزمةَ صِراعٍ على السُّلطةِ [16] يُنظر: ((فجر الإسلام)) لأحمد أمين (ص: 94). !
لذلك تجِدُ أحمَد أمين يقولُ: (إنَّ الشِّيعةَ والخوارِجَ كانا أوَّلَ أمرِهما حِزبَينِ سياسيَّينِ تكوَّنا حَولَ الخِلافةِ، وإنَّ رأيَ الخوارِجِ فيها رأيٌ ديمُقراطيٌّ، ورأيَ الشِّيعةِ رأيٌ ثيوقراطيٌّ، أمَّا المُرجِئةُ فكانت حِزبًا سياسيًّا مُحايِدًا، ونَواةُ هذه الطَّائِفةِ كانت بَينَ الصَّحابةِ في الصَّدرِ الأوَّلِ؛ فإنَّنا نرى أنَّ جماعةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم امتنَعوا أن يدخُلوا في النِّزاعِ الذي كان في آخِرِ عَهدِ عُثمانَ، مِثلُ أبي بَكرةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، وعِمرانَ بنِ حُصَينٍ) [17] ((فجر الإسلام)) (ص: 233- 235). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 460) و (7/ 509، 543)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (4/ 25) كلاهما لابن تيمية. .
ثُمَّ ساق حديثَ أبي بَكرةَ [18] وفيه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ستكونُ فِتَنٌ القاعِدُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعي إليها، ألَا فإذا نزَلَت أو وقَعَت فمن كان له إبِلٌ فلْيَلحَقْ بإبِلِه، ومن كان له غَنَمٌ فلْيَلحَقْ بغَنَمِه، ومن كان له أرضٌ فلْيَلحَقْ بأرضِه، قال: فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، من لم تكُنْ له إبِلٌ ولا غَنَمٌ ولا أرضٌ؟ قال: يَعمِدُ إلى سيفِه فيَدُقُّ على حَدِّه بحَجَرٍ، ثُمَّ ليَنْجُ إن استطاع النَّجاةَ)). أخرجه مسلم (2887) باختلافٍ يسيرٍ. ، وقال: (هذه النَّزعةُ إلى عَدمِ الدُّخولِ في الحُروبِ بَينَ المُسلِمينَ بعضِهم وبعضٍ هي الأساسُ الذي بُني عليه مَذهَبُ الإرجاءِ، ولكنَّه لم يتكوَّنْ كمَذهَبٍ كما رأَينا إلَّا بَعدَ ظُهورِ الخوارِجِ والشِّيعةِ، وبَعدَ أن كان مَذهَبًا سياسيًّا أصبَح بَعدُ يبحَثُ في أمورٍ لاهوتيَّةٍ، وكانت نتيجةُ بحثِهم تتَّفِقُ ورأيَهم السِّياسيَّ) [19] ((فجر الإسلام)) (ص: 233- 235). .
وكذلك المُستشرِقُ اليَهوديُّ "جُولْد زِيهَر" [20] جُولْد زِيهَر: مُستَشرِقٌ يهوديٌّ مَجَريٌّ، تعلَّم في بودابِسْتَ وبِرْلينَ ولِيبسيك. ورحل إلى سُوريةَ سنةَ 1873م. وانتقل إلى فِلَسْطينَ، فمِصرَ؛ حيث لازم بعضَ عُلَماءِ الأزهرِ، وعُيِّن أستاذًا في جامعةِ بودابِست (عاصمة المجَرِ) وتوفِّي بها، له تصانيُف بعِدَّةِ لُغاتٍ في العقيدةِ الإسلاميَّةِ والفقهِ الإسلاميِّ والأدبِ العربيِّ. يُنظر: ((الأعلام)) للزركلي (1/ 84). ، الذي ذهَب إلى أنَّ المُرجِئةَ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وتبِعه على ذلك مُقلِّدونَ كثيرونَ، منهم فاروق عمر الذي نقَل عنه مُقرًّا قولَه: (لم يكنْ مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في بِدايتِه إلَّا فِكرةً غامِضةً مَرِنةً تتَّسعُ لكثيرٍ مِن الجماعاتِ، وبَعدَ المِحنةِ التي عركَت الأمَّةَ الإسلاميَّةَ أثناءَ الحربِ الأهليَّةِ الأولى [21] يشيرُ إلى ما حصل بَعدَ حدوثِ الافتراقِ في الأمَّةِ الإسلاميَّةِ بَعدَ الفتنةِ الكبرى التي حدثت في آخِرِ عهدِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وإلى الحربِ التي كانت بَينَ عليٍّ ومعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما. بانت الخصائِصُ الأولى لمَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ؛ حيثُ انقسَم المُسلِمونَ إلى فِئتَينِ، تُمثِّلُ الأولى دينَ عُثمانَ، وتُمثِّلُ الثَّانيةُ دينَ مَروانَ) [22] ((العبَّاسيون الأوائل)) (ص: 60). .
ومنهم نُعمانُ القاضي؛ حيثُ قال: (المُرجِئةُ يُشكِّلونَ كُتلةَ المُسلِمينَ التي رضِيَت حُكمَ بَني أميَّةَ؛ مُخالِفينَ في ذلك الشِّيعةَ والخوارِجَ، مُتَّفقينَ إلى حدٍّ ما معَ طائِفةِ المُحافِظينَ مِن أهلِ السُّنَّةِ، وإن كانوا كما يرى "فون كريمَر" [23] ألفِرِدْ فنْ كريمَر: مُستَشرِقٌ نمساويٌّ، عَمِل قُنصُلًا في مصرَ وبيروتَ، نشر نحوَ عشرينَ كتابًا بالعَرَبيَّةِ، وله كتاباتٌ كثيرةٌ عن الإسلامِ بالألمانيَّةِ (ت 1889م). يُنظر: ((الأعلام)) للزركلي (2/7). قد ألانوا مِن شِدَّةِ عقائِدِ هؤلاء السُّنِّيِّينَ باعتِقادِهم أنَّه لا يُخَلَّدُ مُسلِمٌ في النَّارِ) [24] ((الفرق الإسلامية في الشعر الأموي)) (ص: 270). ويُنظر: ((مذاهب الإسلاميين)) لعبد الرحمن بدوي (1/37)، ((بدع الاعتقاد وأخطارها على المجتمعات الإسلامية)) لمحمد الناصر (ص: 49- 60)، ((جهود أبي بكر الآجري في مسائل الإيمان)) لفتيني أشرم (ص: 233). .
فالصَّوابُ أنَّ مَذهَبَ الإرجاءِ وقَع ردَّةَ فِعلٍ أمامَ بِدعةِ الخوارِجِ، وكان ظُهورُه في أواخِرِ عَهدِ الصَّحابةِ، ولا يتعلَّقُ الإرجاءُ باعتِزالِ كثيرٍ مِن الصَّحابةِ الفِتنةَ التي وقعَت بَينَ عليٍّ ومُعاوِيةَ رضِي اللهُ عنهما بَعدَ مَقتَلِ عُثمانَ رضِي اللهُ عنه؛ فاعتِزالُهم الفِتنةَ ليس له أيُّ عَلاقةٍ بمَذهَبِ الإرجاءِ الاصطِلاحيِّ، وإنَّما هو لفظٌ قاله بعضُ السَّلفِ في تلك الفِتنةِ؛ حيثُ أرجَؤوا أمرَ الطَّائِفتَينِ المُتقاتِلتَينِ إلى اللهِ تعالى، ولم يحكُموا على إحداهما بصوابٍ أو خطأٍ، وكان أوَّلَ مَن أظهَر هذا أحدُ التَّابِعينَ مِن أهلِ المدينةِ، وهو الحَسنُ بنُ مُحمَّدِ بنِ الحَنفيَّةِ، وتقدَّم عندَ تعريفِ الإرجاءِ أنَّ هذا الإرجاءَ القديمَ لا علاقةَ له بمفهومِ الإرجاءِ الاعتِقاديِّ الذي استقرَّ عليه مَذهَبُ المُرجِئةِ.

انظر أيضا: