موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيتان (4-5)

ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ

غريب الكلمات:


يَرْمُونَ: أي: يَشتُمون، ويَقْذِفون بالزِّنَا، وأصْلُ (رمي): نَبْذُ الشَّيءِ [110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/161)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/435)، ((المفردات)) للراغب (ص: 366)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 254). .
الْمُحْصَنَاتِ: أي: ذواتَ الأزواجِ، والمُحْصَناتُ أيضًا: الحرائرُ وإنْ لم يكُنَّ مُتزوِّجاتٍ، والعفائفُ، وأصْلُ (حصن): الحِفْظُ والحِياطةُ والحِرْزُ [111] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 123، 124)، ((تفسير ابن جرير)) (6/565)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 434)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/69)، ((المفردات)) للراغب (ص: 239)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 62)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 55). قال الرازي: (الإحصان... مأخوذٌ مِن منْعِ الفرْجِ، فإذا تزوَّجَتْ منعَتْه إلَّا مِن زَوجِها، وغيرُ المُتزوِّجةِ تَمنَعُه كلَّ أحدٍ). ((تفسير الرازي)) (23/323). .

المعنى الإجمالي:


يذكرُ الله تعالى تشريعًا آخَرَ يكفُلُ حمايةَ الأعراضِ، فيقولُ مبيِّنًا حدَّ القذفِ: والذين يَقذِفونَ المسلماتِ الحرائرَ المكلَّفاتِ العَفيفاتِ بالفاحشةِ دونَ أن يشهَدَ معهم أربعةُ شُهداءَ مِن الرجالِ العدولِ، فيُجلَدُ كلُّ واحدٍ منهم ثمانينَ جَلدةً، ولا تُقبَلُ لهم شهادةٌ أبدًا، وأولئك هم الخارِجونَ عن طاعةِ الله، إلَّا الذين تابوا ونَدِموا على ما فعَلوا، وأصلحوا أعمالَهم؛ فإنَّ اللهَ يغفِرُ ذنوبَهم ويرحَمُهم.

تفسير الآيتين:


وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نفَّرَ اللهُ تعالى مِن نكاحِ مَنِ اتَّصفَ بالزِّنا مِن رجُلٍ أو امرأةٍ- عطَفَ على ذلك تَحريمَ القذْفِ بما يُوجِبُ تَعظيمَ الرَّغبةِ في السَّترِ، وصِيانةِ الأعراضِ، وإخفاءِ الفواحشِ [112] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/214). .
وأيضًا لَمَّا عظَّمَ اللهُ تعالى أمْرَ الزَّاني بوُجوبِ جَلْدِه، وكذا رَجْمُه إنْ كان مُحصَنًا، وأنَّه لا تَجوزُ مُقارَنتُه، ولا مُخالَطَتُه على وَجْهٍ لا يَسلَمُ فيه العبْدُ مِنَ الشَّرِّ- بيَّنَ تعالى تَعظيمَ الإقدامِ على الأعراضِ بالرَّميِ بالزِّنا؛ فقال [113] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 561). :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
أي: والَّذين يَقْذِفون [114] حكى الرازي الاتفاقَ على دُخولِ الكافرِ تحتَ عُمومِ قولِه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، قال: (لأنَّ الاسمَ يتناولُه). ((تفسير الرازي)) (23/323). قال الشِّنقيطيُّ: (قولُه تعالى في هذه الآيةِ: يَرْمُونَ معناهُ: يَقْذِفون المُحْصَناتِ بالزِّنا صريحًا، أو ما يَستلزِمُ الزِّنا؛ كنَفْيِ نسَبِ ولَدِ المُحْصَنةِ عن أبيهِ؛ لأنَّه إنْ كان مِن غَيرِ أبيه كان مِن زِنًا). ((أضواء البيان)) (5/428). المسلماتِ الحرائرَ المكلَّفاتِ العَفيفاتِ [115] قال البِقَاعيُّ: (الْمُحْصَنَاتِ جمْعُ مُحصَنةٍ، وهي هنا المُسلِمةُ، الحُرَّةُ، المُكلَّفةُ، العَفيفةُ). ((نظم الدرر)) (13/214). وقال الرازيُّ: (ظاهِرُ الآيةِ يَتناوَلُ جميعَ العفائفِ؛ سواءٌ كانت مُسلمةً أو كافرةً، وسواءٌ كانت حُرَّةً أو رقيقةً، إلَّا أنَّ الفُقهاءَ قالوا: شرائطُ الإحصانِ خمْسةٌ: الإسلامُ، والعقْلُ، والبُلوغُ، والحُرِّيةُ، والعِفَّةُ مِن الزِّنا). ((تفسير الرازي)) (23/323). وهذه الشرائطُ الخمسةُ اتفقَتْ عليها المذاهبُ الفقهيَّةُ الأربعةُ، وخالَف الحنابلةُ في البلوغِ؛ فقالوا: لا يُشترَطُ في المَقذوفِ البلوغُ، بل أن يَكونَ مِثلُه يَطأُ أو يُوطأُ. يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (7/40)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (8/86)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/109،437)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (6/105). وقال القرطبيُّ: (قذْفُ الرِّجالِ داخلٌ في حُكمِ الآيةِ بالمعنى، وإجماعِ الأُمَّةِ على ذلك... وحكى الزَّهراويُّ أنَّ المعنى: الأنفُسَ المُحْصناتِ؛ فهي بلَفْظِها تعُمُّ الرِّجالَ والنِّساءَ، ويدُلُّ على ذلك قولُه: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: 24]). ((تفسير القرطبي)) (12/172). وممَّن حكى الإجماعَ أيضًا: ابنُ كثيرٍ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/13)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/431). بالزِّنا، ولم يُحضِروا أربعةً مِنَ الرِّجالِ العُدولِ؛ لِيَشْهدوا علَيهِنَّ أنَّهم رأَوْهُنَّ يَفعلْنَ الزِّنا؛ فاجلِدوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانينَ جَلدةً؛ عُقوبةً لهم على القذفِ بلا بيِّنةٍ [116] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/161)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/353، 354)، ((تفسير ابن كثير)) (6/13)، ((تفسير السعدي)) (ص: 561)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/428، 429). قال ابنُ عاشورٍ: (الشُّهداءُ الأربعةُ هم غيرُ القاذِفِ؛ لأنَّ معنى: يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ لا يتحقَّقُ فيما إذا كان القاذِفُ مِن جُملةِ الشُّهداءِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/159). قال الشنقيطيُّ: (يُشترَطُ في شُهودِ الزِّنا أنْ يكونوا ذُكورًا، ولا تصِحُّ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ، ولا نعلَمُ أحدًا مِن أهلِ العلْمِ خالَفَ في ذلك، إلَّا شيئًا يُرْوى عن عطاءٍ وحمَّادٍ: أنَّه يُقبَلُ فيه ثلاثةُ رجالٍ وامرأتانِ. وقال ابنُ قُدامةَ في «المُغْني»: وهو شُذوذٌ لا يُعوَّلُ عليه). ((أضواء البيان)) (5/373). ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/69). .
وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا.
أي: ولا تَقْبَلوا للقاذِفِينَ بعدَ جَلدِهم شَهادةً في بَقيَّةِ حياتِهم؛ عُقوبةً أُخرى لهم على مَعصيَتِهم [117] يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/496)، ((تفسير القرطبي)) (12/178)، ((تفسير السعدي)) (ص: 561). قال ابنُ تيميَّةَ: (قولُه تعالى: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فهذا نَصٌّ في أنَّ هؤلاء القَذَفةَ لا تُقبَلُ لهم شَهادةٌ أبدًا، واحدًا كانوا أو عَددًا؛ بلْ لفْظُ الآيةِ يَنتظِمُ العدَدَ على سَبيلِ الجمْعِ والبدَلِ؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَت في أهْلِ الإفكِ باتِّفاقِ أهْلِ العلْمِ والحديثِ والفِقْهِ والتَّفسيرِ، وكان الَّذين قَذَفوا عائشةَ عددًا، ولم يَكونوا واحدًا). ((مجموع الفتاوى)) (15/353، 354). .
وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
أي: وأُولئِكَ القاذِفونَ هم الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ [118] يُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (8/5033)، ((تفسير القرطبي)) (12/178)، ((تفسير ابن كثير)) (6/14)، ((تفسير السعدي)) (ص: 561). .
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا.
أي: إلَّا الَّذين نَدِموا على قَذْفِهم، وأقلَعوا عن مَعصيةِ القذفِ بعدَ وُقوعِهم فيها، وعَزَموا على عدَمِ العودةِ إليها [119] قال ابن عطية: (تضَمَّنَت الآيةُ ثلاثةَ أحكامٍ في القاذِفِ: جَلْدَه، ورَدَّ شهادتِه أبدًا، وفِسقَه؛ فالاستِثناءُ غيرُ عاملٍ في جَلْدِه بإجماعٍ، وعامِلٌ في فِسْقِه بإجماعٍ، واختَلَف النَّاسُ في عَمَلِه في رَدِّ الشَّهادةِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/165). ممَّن نَقَل الاتِّفاقَ أيضًا على أنَّ الاستثناءَ لا يَرجِعُ إلى جملةِ الجَلْدِ، وأنَّ القاذِفَ إذا تاب وأصلَحَ لا يَسقُطُ عنه حَدُّ القَذفِ بالتَّوبةِ: ابنُ جرير، وابنُ رُشْد، وابن كثير، والشوكانيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/172)، ((بداية المجتهد)) لابن رشد (4/246)، ((تفسير ابن كثير)) (6/14)، ((تفسير الشوكاني)) (4/11). قال الشنقيطي: (الجُملةُ الأُولى التي هي: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لا يَرجِعُ لها الاستِثناءُ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، ولم يخالِفْ إلَّا مَن شَذَّ). ((أضواء البيان)) (5/432). وممَّن نَقَل الاتِّفاقَ أيضًا على أنَّ الفِسقَ يَزولُ بالتَّوبةِ، وأنَّ الجُملةَ الأخيرةَ التي هي قَولُه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ يَرجِعُ لها الاستِثناءُ: ابنُ جرير، والشوكاني، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/172)، ((تفسير الشوكاني)) (4/11)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/432). واختَلَفوا في قَبولِ الشَّهادةِ بعد التَّوبةِ؛ فذَهَب الجُمهورُ إلى أنَّ الاستِثناءَ عامِلٌ في رَدِّ الشَّهادةِ، فإذا تاب القاذِفُ قُبِلَت شَهادتُه، ومِمَّن نَسَبه إلى الجُمهورِ: الماوَرْديُّ، وابنُ عطيَّة، ونسبه الرازيُّ إلى أكثرِ الصَّحابةِ والتابعينَ، وممَّن اختاره: السعديُّ، وابنُ عثيمينَ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/75)، ((تفسير ابن عطية)) (4/165)، ((تفسير الرازي)) (23/327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 562)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 25). وهو مذهَبُ جُمهورِ الفُقَهاءِ مِنَ المالكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ، والحنابلةِ. يُنظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (4/246)، ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (13/317)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبُهُوتي (3/590). قال مكِّيٌّ: (وهو مذهَبُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ منهم: الشَّعْبيُّ، والزُّهْري، وأبو الزناد، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو قول عُمرَ بنِ الخطابِ، وابن أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعطاء، ومجاهد، وطاوُس، وبه قال عُمرُ بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابنُ المسَيِّب.( ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) (8/5034). وقال أبو حيان: (وقد وقَعَ الخِلافُ في قَبولِ شهادتِهم إذا تابوا؛ بِناءً على أنَّ هذا الاستثناءَ راجِعٌ إلى جُملةِ النَّهيِ، وجملةِ الحُكمِ بالفِسقِ، أو هو راجِعٌ إلى الجملةِ الأخيرةِ، وهي الثَّالِثةُ، وهي الحُكمُ بفِسقِهم). ((تفسير أبي حيان)) (8/15). وقال الشنقيطي: (اعلَمْ أنَّ المقَرَّرَ في أُصولِ المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلةِ: أنَّ الاستِثناءَ إذا جاء بعد جُمَلٍ مُتعاطِفاتٍ أو مُفرَداتٍ مُتعاطِفاتٍ: أنَّه يرجِعُ لجَميعِها إلَّا لدليلٍ مِن نَقلٍ أو عَقلٍ يُخَصِّصُه ببَعضِها، خلافًا لأبي حنيفةَ القائِلِ برُجوعِ الاستِثناءِ للجُملةِ الأخيرةِ فقط). ((أضواء البيان)) (5/431). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/180). وقال أيضًا: (الذي يَظهَرُ لنا في مسألةِ الاستثناءِ بعد جُمَلٍ مُتعاطِفاتٍ أو مُفرَداتٍ مُتعاطِفاتٍ: هو ما ذكَرَه بَعضُ المتأخِّرين؛ كابنِ الحاجِبِ مِنَ المالكيَّةِ، والغزاليِّ من الشَّافعيَّةِ، والآمديِّ مِن الحنابلةِ: مِن أنَّ الحُكمَ في الاستثناءِ الآتي بعد متعاطِفاتٍ هو الوَقفُ، ولا يُحكَمُ برُجوعِه إلى الجَميعِ ولا إلى الأخيرةِ إلَّا بدَليلٍ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ هذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]، وإذا ردَدْنا النِّزاعَ في هذه المسألةِ إلى اللهِ وَجَدْنا القُرآنَ دالًّا على ما ذكَرْنا أنَّه الأظهَرُ عندَنا، وهو الوَقفُ؛ وذلك لأنَّ بعضَ الآياتِ لم يَرجِعْ فيها الاستثناءُ للأُولى، وبَعضَها لم يَرجِعْ فيه الاستثناءُ للأخيرةِ؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ رُجوعَه لِما قَبلَه ليس شيئًا مُطَّرِدًا). ((أضواء البيان)) (5/432). وقال الماوَرْدي: (وفي صفةِ التَّوبةِ قولانِ: أحدُهما: أنَّها بإكذابِه نَفْسَه، وقد رواه الزُّهري عن ابن المسَيِّبِ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ جَلَد أبا بَكْرةَ وشِبلَ بنَ مَعبدٍ ونافِعَ بنَ الحارثِ بنِ كَلَدةَ، وقال لهم: مَن أكذَبَ نَفْسَه، أحرزَ شَهادتَه. فأكذَبَ نَفْسَه شِبلٌ ونافِعٌ، وأبى أبو بَكرةَ أن يَفعَلَ. قال الزُّهريُّ: وهو واللهِ السُّنَّةُ، فاحفَظوه. الثاني: أنَّ توبتَه منه تكونُ بصلاحِ حالِه، وندَمِه على قَذفِه، والاستغفارِ منه، وتَركِ العَودِ إلى مِثلِه. قاله ابنُ جريرٍ). ((تفسير الماوردي)) (4/75). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/175). ممَّن اختار القولَ الأوَّلَ -أنَّ التوبةَ لا تحصُلُ إلَّا بإكذابِه نَفْسَه: السمعانيُّ، والقرطبي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/503)، ((تفسير القرطبي)) (12/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 562). وممَّن قال به من السَّلَفِ: طاوسٌ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، والشَّعبيُّ، والزُّهْريُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبيد، وأبو ثور. يُنظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (7/108). وهو مذهبُ الشافعيَّةِ، والحنابلةِ. يُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوَرْدي (17/32)، ((شرح منتهي الإرادات)) للبُهُوتي (3/590). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ -أنَّه لا يُشترَطُ إكذابُه نَفْسَه، بل توبتُه بأن يُصلِحَ حالَه، ويُقلِعَ ويَندَمَ، ويَعزِمَ ألَّا يَعودَ لمِثلِ ذلك: ابنُ جرير، وابنُ جُزي، وهو ظاهِرُ اختيارِ الشوكانيِّ، واختاره ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/175، 176)، ((تفسير ابن جزي)) (2/61)، ((تفسير الشوكاني)) (4/11)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/160). وهو مذهبُ المالكيَّةِ. يُنظر: ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (2/897)، ((الذخيرة)) للقرافي (10/221). قال ابنُ عاشورٍ: (ليس مِن شَرطِ التَّوبةِ أنْ يُكذِّبَ نفْسَه فيما قذَفَ به...؛ لأنَّه قد يكونُ صادقًا، ولكنَّه عجَزَ عن إثباتِ ذلك بأربعةِ شُهداءَ على الصِّفةِ المعلومةِ؛ فتَوبَتُه أنْ يُصلِحَ ويُحسِّنَ حالَه، ويَتثبَّتَ في أمْرِه). ((تفسير ابن عاشور)) (18/160). ، وأصلَحوا أحوالَهم وأعمالَهم [120] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/172، 175)، ((تفسير القرطبي)) (12/178، 182)، ((تفسير ابن كثير)) (6/13)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 562)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/160). .
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: فإنَّ اللهَ يَستُرُ ذُنوبَهم ويَتجاوزُ عن مُؤاخذَتِهم بها، رَحيمٌ بهم، فاقْبَلوا شَهادتَهم، ولا تُسَمُّوهم فاسِقينَ؛ فقد صاروا عُدولًا غيرَ فَسقةٍ [121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/176)، ((تفسير القرطبي)) (12/182)، ((تفسير السعدي)) (ص: 562). .

الفوائد التربوية:


1- عاقَبَ هؤلاء القاذِفينَ للمُحصَناتِ بثَلاثِ عُقوباتٍ:
أُولاها: حِسِّيَّةٌ، وتتمَثَّلُ في جَلْدِهم ثمانينَ جَلدةً، وهي عُقوبةٌ قَريبةٌ مِن عُقوبةِ الزِّنا.
وثانيتُها: مَعنويَّةٌ، وتتمَثَّلُ في عدَمِ قَبولِ شَهادتِهم؛ بأن تُهدَرَ أقوالُهم، ويَصيروا في المجتمَعِ أشبَهَ ما يكونون بالمَنبوذينَ الذين إنْ قالوا لا يُصَدِّقُ النَّاسُ أقوالَهم، وإن شَهِدوا لا تُقبَلُ شهادتُهم؛ لأنَّهم انسلَخَت عنهم صِفةُ الثِّقةِ مِن النَّاسِ فيهم.
وثالثتُها: دينيَّةٌ، وتتمَثَّلُ في وَصفِ اللهِ تعالى لهم بالفِسقِ، أى: بالخُروجِ عن طاعتِه سُبحانَه، وعن آدابِ دينِه وشريعتِه.
وما عاقَبَ اللهُ تعالى هؤلاء القاذِفينَ في أعراضِ النَّاسِ بتلك العُقوباتِ الرَّادِعةِ إلَّا لحِكَمٍ؛ مِن أهَمِّها: حمايةُ أعراضِ المُسلِمينَ مِن ألسِنةِ السُّوءِ، وصيانتُهم مِن كُلِّ ما يَخدِشُ كرامتَهم، ويَجرَحُ عَفافَهم، وأقسى شَيءٍ على النُّفوسِ الحُرَّةِ الشَّريفةِ الطَّاهِرةِ: أن تُلصَقَ بهم التُّهَمُ الباطِلةُ. وعلى رأسِ الرَّذائِلِ التي تُؤدِّي إلى فسادِ المُجتمَعِ: تَركُ ألسِنةِ السُّوءِ تَنهَشُ أعراضَ الشُّرَفاءِ دونَ أن تجِدَ هذه الألسِنةُ مَن يُخرِسُها أو يَردَعُها [122] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (10/86). .
2- قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فعطَفَ الإصلاحَ على التَّوبةِ؛ لأنَّ التَّوبةَ التي لا أثَرَ لها في العَمَلِ لا شأنَ لها ولا قيمةَ في نَظَرِ الدِّينِ؛ ولذلك جرى القُرآنُ على عَطفِ العَمَلِ الصَّالحِ عليها عندَ ذِكرِها أو وَصْفِها بالنَّصُوحِ، وترى كثيرًا مِنَ النَّاسِ يُظهِرونَ التَّوبةَ بالنَّدَمِ والاستِغفارِ والرُّجوعِ عن الذَّنبِ، ثمَّ لا يَلبَثونَ أن يعودوا إلى ما كانوا تابوا عنه؛ ذلك بأنَّه لم يكُنْ للتَّوبةِ أثَرٌ في نُفوسِهم يُنَبِّهُهم إذا غَفَلوا كَيْ لا يعودوا إلى ما اقتَرَفوا، ويهديهم إلى اتِّخاذِ الوَسائِلِ لإصلاحِ شَأنِهم، وتقويمِ أمْرِهم [123] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (3/301). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً لَمَّا كانت مَعصيةُ الزِّنا كبيرةً مِن أُمَّهاتِ الكبائرِ، وكان مُتعاطِيها كثيرًا ما يَتستَّرُ بها، فقلَّما يَطَّلِعُ أحدٌ عليها- شدَّدَ اللهُ تعالى على القاذفِ؛ حيثُ شرَطَ فيها أربعةَ شُهداءَ؛ رَحمةً بعِبادِه، وسَتْرًا لهم [124] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/13). .
2- القاذِفُ قد يكونُ ذكَرًا والمقذوفُ أُنثى، وقد يكونُ أُنثى والمقذوفُ ذكَرًا، وقد يكونُ ذكرًا والمقذوفُ ذكرًا، وقد يكونُ أنثى والمقذوفُ أنثى؛ فالقِسمةُ رباعيَّةٌ. وقد نصَّ في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ على قذْفِ الذُّكورِ للإناثِ، وبقيَّةُ الصوَرِ المسكوتِ عنها داخِلةٌ في حُكمِ المنصوصِ بالإلحاقِ بنفيِ الفارقِ [125] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 42). .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ احْتُجَّ به على أنَّ مَن قذَفَ نفْسَه، ثمَّ رجَعَ، لا يُحَدُّ لنفْسِه؛ لأنَّه لم يَرْمِ أحدًا [126] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ فيه أنَّ الزِّنا لا يُقبَلُ فيه إلَّا أربعةُ رِجالٍ، لا أقَلُّ، وسواءٌ شَهِدوا مُجْتمِعينَ أو مُتفرِّقينَ، ولا يُقبَلُ فيه نِساءٌ [127] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ هذه الآيةُ أصْلٌ في حَدِّ الفِرْيةِ والقذْفِ الَّذي كان أوَّلُ ظُهورِه في رَمْيِ المُحصَناتِ بالزِّنا [128] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/161). .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فيه أنَّه يُجلَدُ القاذِفُ ثمانينَ إذا قذَفَ مُحصَنةً، ومَفهومُه: أنَّه إذا قذَفَ مَن عُرِفَت بالزِّنا لا يُحَدُّ للقذْفِ، ويُصرِّحُ بذلك قولُه: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [129] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). ، لكنْ ينبغي صَونُ الألسنةِ عن الخوضِ في الأعراضِ.
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فيه أنَّ القاذِفَ لا تُقبَلُ شَهادتُه [130] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). .
8- في قَولِه تعالى: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا أنَّ عدمَ قَبولِ شهادةِ القاذِفِ لا يجري حُكْمُه على الرِّوايةِ، فتُقْبَلُ روايتُه في حالِ أنَّ شهادتَه لا تُقْبَلُ، سواءٌ كان قبْلَ توبتِه أو بعْدَها عندَ مَن يقولُ بعدَمِ قَبولِها -أي: الشهادةِ- بعدَ التَّوبةِ؛ ولهذا لم يتوقَّفِ البخاريُّ ومسلمٌ في روايةِ أبي بَكْرةَ. وهنا قد يَرِدُ سؤالٌ لطالبِ العلمِ، وهو: كيف تُقْبَلُ روايتُه دونَ شهادتِه، مع أنَّ كلًّا منهما تترتَّبُ عليه أحكامٌ، وهو إخبارٌ؟!
والجوابُ: أنَّ الشَّرعَ فَرَّقَ بيْن الشَّهادةِ والروايةِ؛ فشهادةُ المرأةِ لا تُقْبَلُ في دِرهمٍ إلَّا إذا كانت مع غيرِها مِن النِّساءِ، وتكونُ شَهادةُ اثنتَينِ كشَهادةِ رجُلٍ واحدٍ؛ وروايتُها تُقْبَلُ ولو كانت في نصٍّ تُزهَقُ به النُّفوسُ [131] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 50). .
9- الفِسْقُ قد يكونُ ناقِلًا عن المِلَّةِ؛ كما قال في حقِّ إبليسَ: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50]، وقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: 20]. وقد لا يكونُ الفِسْقُ ناقِلًا عن المِلَّةِ؛ كقولِه تعالى في الَّذين يَرْمُون المُحصَناتِ: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وقولِه تعالى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [132] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (1/133). [البقرة: 282].
10- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فيه تَحريمُ القذْفِ، وأنَّه فِسْقٌ [133] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). . وقولُه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أي: الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، الَّذين قد كثُرَ شَرُّهم؛ وذلك لانتِهاكِ ما حرَّمَ اللهُ، وانتِهاكِ عِرْضِ أخيهِ، وتَسليطِ النَّاسِ على الكلامِ بما تكلَّمَ به، وإزالةِ الأُخُوَّةِ الَّتي عقَدَها اللهُ بيْن أهْلِ الإيمانِ، ومَحبَّةِ أنْ تَشيعَ الفاحشةُ في الَّذين آمنوا، وهذا دليلٌ على أنَّ القذفَ مِن كبائرِ الذُّنوبِ [134] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 561). ، ولأنَّ اسمَ الفِسقِ لا يقَعُ إلَّا على صاحِبِ كبيرةٍ [135] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/599). .
11- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، يُستدَلُّ بالآيةِ لقولِ مَن قال: إنَّ شَهادةَ القاذِفِ لا تَسقُطُ بمُجرَّدِ القذْفِ حتَّى يُقامَ عليه الحدُّ؛ لأنَّه تعالى إنَّما نَهى عن قَبولِ شَهادتِهم إذا لم يأْتوا بالشُّهداءِ، وللقاذِفِ الإتيانُ بالشُّهداءِ ما لم يُحَدَّ، فهذا بَيِّنٌ أنَّ شَهادتَه لا تَسقُطُ إلَّا بإقامةِ الحدِّ عليه؛ لاحتِمالِ إتيانِه بالشُّهداءِ [136] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/344)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). .
12- قَولُ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ استَدَلَّ به مَن قال: إنَّ حدَّ القذْفِ مِن حُقوقِ اللهِ؛ فلا يَجوزُ العفْوُ عنه [137] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 189). وهذا مَذهَبُ الحَنَفيَّةِ: أنَّه لا يجوزُ عَفوُ المقذوفِ عن القاذِفِ، خِلافًا للجُمهورِ مِن المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلةِ الذين يرَوْنَ جوازَ ذلك، وأنَّه يَسقُطُ حَدُّ القَذفِ بالعَفوِ عن المقذوفِ، وقَيَّد المالكيَّةُ جوازَه بكَونِه قبْلَ الرَّفعِ إلى الإمامِ وصاحِبِ الشُّرطةِ أو الحَرَسِ، إلَّا أن يريدَ سَترًا على نَفْسِه، فيجوزُ أيضًا بعد الرَّفعِ. يُنظر: ((شرح مختصر الطحاوي)) للجصَّاص (6/210-213)، ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (3/203، 204)، ((الذخيرة)) للقرافي (4/337) و(12/188)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (8/90، 91)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/110)، ((المغني)) لابن قدامة (10/213)، ((الإقناع)) للحَجَّاوي (4/259). قال ابنُ القَيِّم: (الحَدُّ يَستحِقُّه المقذوفُ، فلا يُستوفَى إلَّا بطَلَبِه، باتِّفاقِ الفُقَهاءِ، فإنْ عفا عنه سَقَط عندَ جمهورِ العُلَماءِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيه حقُّ الآدميِّ، كالقِصاصِ والأموالِ. وقيل: لا يَسقُطُ؛ تغليبًا لحَقِّ اللهِ؛ لعَدَمِ المماثَلةِ، كسائِرِ الحُدودِ). ((السياسة الشرعية)) (ص: 122). .
13- في قولِه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دَليلٌ على أنَّ شَهادةَ القاذفِ بعدَ التَّوبةِ مَقبولةٌ، وذَنْبَه مَغفورٌ [138] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/415). وتقدَّم ذِكرُ الخلافِ في ذلك (ص: 43). .
14- في قولِه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دليلٌ واضِحٌ على أنَّ مَنِ اغتابَ مُسلِمًا، وأوصَلَ إليه أذَى القَولِ في شَتْمِ نفْسٍ أو آباءٍ؛ فتَوبتُه منه تَحُطُّ ذَنْبَه، وتَغفِرُ خَطيئتَه، وإنْ لم يُحَلِّلْهُ صاحبُه [139] ومِن أهلِ العلمِ مَن يرَى أنه يُشترَطُ في توبةِ المغتابِ والقاذفِ طلبُ عفوِ مَنِ اغتابه وإبرائِه، ومنهم مَن فرَّق بيْن ما إذا عَلِم به مَنِ اغتابه وقذَفَه فيَستحِلُّه حينَئذٍ، وإلَّا دعا له واستَغْفَر ولم يُعْلِمْه. وحُكي عن أكثرِ العلماءِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (16/337-339)، ((الأذكار)) للنووي (ص: 346)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/300، 301)، ((الإنصاف)) للمرداوي (10/225)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (6/365). ؛ أَلَا ترى أنَّ القاذِفَ قد غَمَّ المَقذوفَ وآذاهُ بقَذْفِه، ثمَّ أوجَبَ اللهُ له المَغفِرةَ والرَّحمةَ بتَوبَتِه منه، ولم يَشترِطْ عليه تَحليلَ المقذوفِ عنه؟ فالقِصَاصُ والمَظالِمُ ما كان في مالٍ أو نَفْسٍ أو جُرْحٍ دونَ الكلامِ، واللهُ أعلمُ [140] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/422). .

بلاغة الآيتين:


1- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
- قَولُه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ... خُصَّ النِّساءُ بذلك، وإنْ كان الرِّجالُ يَشْرَكونَهنَّ في الحُكْمِ؛ تَنبيهًا على عَظيمِ حَقِّ أُمِّ المُؤمنينَ عائِشةَ رضِيَ اللهُ عنها [141] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/214). ، ولأنَّ القَذفَ فيهِنَّ أشنَعُ وأنكَرُ للنُّفوسِ، ومِن حيث هُنَّ هَوَى الرِّجالِ؛ ففيه إيذاءٌ لهُنَّ ولأزواجِهِنَّ وقَراباتِهنَّ [142] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/12)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/561، 562). .
- وفي التَّعبيرِ عنِ التَّفَوُّهِ بما قالوا في حقِّهِنَّ بالرَّميِ يَرْمُونَ المُنْبئِ عن صَلابةِ الآلةِ، وإيلامِ المَرْميِّ، وبُعْدِه عنِ الرَّامي: إيذانٌ بشِدَّةِ تأثيرِه فيهِنَّ، وكَونِه رَجْمًا بالغَيبِ، والمُرادُ به رَمْيُهنَّ بالزِّنا لا غَيرُ، وعَدَمُ التَّصريحِ به؛ للاكتِفاءِ بإيرادِهنَّ عَقِيبَ الزَّواني، ووَصْفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوَضعِ على نَزاهتِهنَّ عنِ الزِّنا خاصَّةً؛ فإنَّ ذلك بمَنزلةِ التَّصريحِ بكَونِ رَمْيِهنَّ به لا مَحالةَ [143] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/157). ؛ فحُذِفَ المَرميُّ به في هذه الآيةِ لظُهورِ المَقصودِ بقَرينةِ السِّياقِ وذِكْرِ المُحْصَناتِ، أي: يَرمُون المُحْصَناتِ بالزِّنا [144] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/12)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/158). .
- ولَمَّا كان إقْدامُ المُجترِئِ على القَذْفِ -معَ ما شرَطَه فيه لدَرءِ الحدِّ إرادةَ السَّترِ- بَعيدًا؛ أشار إليه بأداةِ التَّراخي، فقال: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [145] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/214). .
- قَولُه: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فيه حَذْفُ مُتعلَّقِ الشَّهادةِ؛ لظُهورِ أنَّهم شُهداءُ على إثباتِ ما رَمى به القاذِفُ [146] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/158). .
- قَولُه: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فيه تَخصيصُ رَمْيِهنَّ بهذا الحُكْمِ، مع أنَّ حُكمَ رَمْيِ المُحصَنِينَ أيضًا كذلك؛ لخُصوصِ الواقعةِ، وشُيوعِ الرَّمْيِ فيهنَّ [147] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/99)، ((تفسير أبي السعود)) (6/157). .
- قَولُه: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً عَطفٌ على (اجْلِدُوا)، داخِلٌ في حُكْمِه تَتِمَّةً له؛ لِمَا فيه مِن معنَى الزَّجرِ؛ لأنَّه مُؤلِمٌ للقلبِ، كما أنَّ الجَلدَ مُؤلِمٌ للبَدنِ، وقد آذَى المَقذوفَ بلِسانِه؛ فعُوقِبَ بإهدارِ مَنافِعِه جَزاءً وِفاقًا [148] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/157). .
- واللَّامُ في لَهُمْ مُتعلِّقةٌ بمَحذوفٍ هو حالٌ مِن شَهَادَةً؛ قُدِّمتْ عليها لكَونِها نَكِرةً، ولو تَأخَّرَتْ عنها لكانتْ صِفَةً لها، وفائدَتُها: تَخصيصُ الرَّدِّ بشَهادتِهمُ النَّاشِئةِ عن أهْلِيَّتِهمُ الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّمْيِ [149] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/157). .
- قَولُه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ كلامٌ مُستأنَفٌ، مُقرِّرٌ لِمَا قَبْلَه، ومُبيِّنٌ لسُوءِ حالِهِم عندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وما في اسمِ الإشارةِ (أُولَئِكَ) مِن معنَى البُعدِ؛ للإيذانِ ببُعدِ مَنزلتِهِم في الشَّرِّ والفسادِ [150] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/158). ؛ فعُبِّرَ باسمِ الإشارةِ؛ للإعلانِ بفِسْقِهم؛ ليَتميَّزوا في هذه الصِّفةِ الذَّميمةِ [151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/159). .
- والحَصرُ [152] وهو المستفادُ مِن دُخولِ ضميرِ الفَصلِ هُمُ بيْن طَرَفَيِ الجُملةِ؛ لتَقويةِ النِّسبةِ، وكذلك دُخولُ (أل) على الخبرِ الْفَاسِقُونَ؛ فكأنَّهمُ استَحَقُّوا الوَصفَ الكاملَ مِنَ الفِسقِ، وأنَّه لا فاسِقَ إلَّا هُم. في قولِه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ؛ لِلمُبالَغةِ في شَناعةِ فِسْقِهم، حتَّى كأنَّ ما عَداهُ مِن الفُسوقِ لا يُعَدُّ فِسْقًا [153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/159). .
2- قَولُه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- قَولُه: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لتَهويلِ المَتوبِ عنه، أي: مِن بَعدِ ما اقتَرفُوا ذلك الذَّنْبَ العظيمَ الهائِلَ [154] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/158). .
- ومَفعولُ (أَصْلَحُوا) مَحذوفٌ؛ دَلَّ عليه السِّياقُ، أي: أصلَحوا أنفُسَهم باجتِنابِ ما نُهُوا عنه [155] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/160). ، وأصلَحوا أعمالَهم بالتَّدارُكِ، ومنه الاستِسلامُ للحَدِّ، أو الاستِحلالُ مِنَ المَقذوفِ [156] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/99). .
- وقولُه: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَعليلٌ لِما يُفيدُه الاستِثناءُ مِن العَفْوِ عنِ المُؤاخَذةِ بمُوجَبِ الفِسْقِ [157] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/99)، ((تفسير أبي السعود)) (6/158). ؛ ففُرِّعَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ على ما يَقتَضيهِ الاستِثناءُ مِن معنَى: فاقبَلوا شَهادَتَهم، واغفِروا لهم ما سَلَفَ؛ فإنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ، أي: فإنَّ اللهَ أمَرَ بالمَغفرةِ لهم؛ لأنَّه غَفورٌ رَحيمٌ، كما قال في آيةِ البقرةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 160]، وإنَّما صُرِّحَ في آيةِ البقرةِ بما قُدِّرَ نَظيرُه هنا؛ لأنَّ المَقامَ هنالِك مَقامُ إطنابٍ؛ لشِدَّةِ الاهتِمامِ بأمْرِهِم؛ إذْ ثابُوا إلى الإيمانِ والإصلاحِ، وبَيانِ ما أُنزِلَ إليهِم مِن الهُدى بَعْدَ ما كَتَموه وكَتَمه سَلَفُهم [158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/160). .