موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (80 - 83)

ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ

غريب الكلمات:


وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ: أي: غالَبُوه وجادَلُوه وخاصَموه، والمُحاجَّة: أنْ يَطْلُبَ كلُّ واحدٍ أن يَرُدَّ الآخَرَ عن حُجَّتِه ومَحَجَّتِه، والحُجَّةُ: البُرهانُ والسُّلطانُ، وأَصْلُ (حجج): قَصْدُ جادَّةِ الطَّريقِ [1263] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 66)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/30)، ((المفردات)) للراغب (ص: 219)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/24)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 317). .
سُلْطَانًا: حُجَّةً، وأصلُه مِن القوَّة والقَهْر [1264] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 247). .
يَلْبِسُوا: أي: يَخلِطوا، وأصلُ اللَّبْس: المخالَطَة والمُداخَلَة [1265] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 156)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/230)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/98)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 802). .
دَرَجَاتٍ: منازلَ يبلُغُها بعمَلِه، وأَصْلُ (درج): يدُلُّ على مُضيِّ الشَّيءِ، والمضيِّ في الشَّيءِ [1266] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/217)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/275)، ((المفردات)) للراغب (ص: 310)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/103)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 132). .

مشكل الإعراب:


1- قوله تعالى: أَتُحَاجُّونِّي: يُقرأُ بتَشديدِ النُّونِ على إدغامِ نونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايةِ، والأصل تُحاجُّونَنِي [1267] وفيها لغات ثلاثٌ: الفكُّ وتركُهما على حالهما، والإِدغام، والحذف، لكنَّها لم تُقْرَأْ إلَّا بالحذفِ أو الإِدغام، وقد قُرئ بهذه اللُّغاتِ كلِّها في قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأمرُّونِّي أَعْبُدُ [الزمر: 64]. يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/16). ، ويُقرأُ بالتَّخفيفِ على حَذْفِ إحْدى النُّونَينِ، وفي المحذوفَةِ وجهانِ: أحدهما: هي نونُ الوِقايةِ؛ لأنها الزائدةُ التي حصَل بها الاستثقالُ. والثاني: المحذوفةُ نونُ الرَّفْعِ؛ لأنَّ الحاجةَ دعتْ إلى نونٍ مكسورةٍ من أجْلِ الياءِ، ونونُ الرفعِ لا تُكسَرُ [1268] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/258)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/512)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/15-17). .
2- قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ
دَرَجَاتٍ: منصوبٌ، وعلامةُ نصْبِه الكسرةُ، ويُقْرَأُ بالتَّنوين، وبالإضافةِ؛ فأمَّا على قِراءةِ التنوينِ؛ فـدَرَجَاتٍ ظرفُ مكانٍ، أي: نَرفَعُ مَن نشاءُ في مراتبَ ومنازِلَ، أو منصوبٌ على حذْفِ حرْفِ الجرِّ، أي: إلى منازِلَ وإلى درجاتٍ. ويجوزُ أن يَنتصبَ على التَّمييزِ، ويكون منقولًا من المفعوليَّةِ، فيَؤُول إلى قِراءةِ الجَماعةِ؛ إذ الأصلُ: نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ بالإِضافةِ، ثم حُوِّلَ؛ كقوله: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: 12] أي: عيونَ الأَرْضِ. ومَنْ على هذا: مفعولٌ به للفِعل نَرْفَعُ. أمَّا على قِراءةِ الإضافةِ: (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ) فـ «دَرجَاتِ» مفعولٌ به لـنَرْفَعُ، ورَفْعُ دَرَجةِ الإنسانِ رَفْعٌ له [1269] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/259)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/515)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/26-27)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (7/208). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى عن إبراهيمَ عليه السَّلامُ أنَّه جادَلَه قومُه في توحيدِه ربَّه، وبراءَتِه من الأصنامِ، فقال لهم: أتجادلونَني في توحيدي لِلَّهِ، وقد هداني سبحانه للحَقِّ، ووفَّقَني لاتِّباعه، ولا أخافُ آلِهَتَكم التي تُشْرِكونها مع الله في العبادةِ أنْ توقِعَ بي ضُرًّا، إلَّا أن يريدَ ربِّي شيئًا، أحاط علمُه جلَّ وعلا بكلِّ شيءٍ، أفلا تتذكَّرونَ؟ وكيف أخافُ آلهَتَكم التي أشركتموها مع اللهِ، وهي لا تضرُّ ولا تنفَعُ، بينما أنتُم لم تَخافوا مِنَ اللهِ في إشراكِكم معه غيرَه، مِمَّا لم يُعْطِكم عليه حُجَّةً ولا بُرهانًا، وهو القادِرُ على كلِّ شيءٍ؛ فأيُّ الفريقينِ أحقُّ بالأمنِ: مَن وَحَّدَ اللهَ الذي بِيَده الضُّرُّ والنَّفعُ، أو مَن أشرَكَ به مَن لا ينفَعُ ولا يَضُرُّ بلا برهانٍ؟! أخبروني إنْ كنتُم تعلمونَ.
فقال تعالى جوابًا عن سُؤالِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: الذين آمَنوا ولم يَخْلِطوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، أولئك هم الذين لهم الأمْنُ، وهم المُوَفَّقونَ لطريقِ الحَقِّ.
ثم أخْبَر تعالى أنَّ تلك حُجَّتُه آتاها إبراهيمَ على قَومِه، وأنَّه تعالى يرفعُ مَن يشاءُ درجاتٍ؛ إنَّه حكيمٌ عليمٌ.

تفسير الآيات:


وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا أَعْلنَ إبراهيمُ- عليه السَّلامُ- مُعتقَدَه لقَومِه، كما في قولِه تعالى على لسانِ إبراهيمَ: إِنِّيْ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 79]، أخَذُوا في محاجَّتِه [1270] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/325). ؛ قال تعالى:
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ.  
أي: وجادَل إبراهيمَ قومُهُ فيما ذهَبَ إليه مِن توحيدِ الله تعالى، وبَراءَتِه من الأصنامِ [1271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/364)، ((تفسير ابن كثير)) (3/293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/427-428). .
قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ.
أي: أتُجادِلونَني في أمْرِ توحيدي اللهَ تعالى، وعبادَتِه وحْدَه دون ما سِواه، والحالُ أنَّه قد بصَّرَني بالحقِّ، ووفَّقَني لاتِّباعِه [1272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/364)، ((تفسير ابن كثير)) (3/293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/432). ؟
وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا.
أي: ولا أَرهَبُ آلهتَكم التي تَدْعونها من دون اللهِ؛ أن تنالَني بسُوءٍ أو مكروهٍ؛ فهي لا تنفعُ ولا تضرُّ، لكن إذا شاءَ اللهُ تعالى أنْ ينالَني ذلك فسيكونُ؛ فله ما شاء سبحانه، ولا يَضرُّ ولا ينفَعُ إلَّا هو عزَّ وجلَّ [1273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/364)، ((تفسير ابن كثير)) (3/293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/432-436). والاستثناءُ في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا منقطعٌ. وهذا اختيارُ ابنِ تيميةَ في ((الإخنائية)) (ص: 349)، والشنقيطيِّ في ((العذب النمير)) (1/433). .
كما قال تعالى: قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: 53- 57].
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
أي: أحاط عِلمُ ربِّي سبحانَه بكلِّ شيءٍ؛ فلا تَخفَى عليه خافيةٌ، لا كآلِهَتِكم التي لا تعلَمُ شيئًا [1274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/365)، ((تفسير ابن كثير)) (3/293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/436). .
أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ.
أي: أفلا تتَّعِظونَ، فتَعْقِلوا بُطلانَ عِبادَتِكم لآلهَةٍ لا تَقدِرُ على ضُرٍّ ولا على نفْعٍ، ولا تعلَمُ شيئًا، وتعْقِلوا خطأَ تَرْكِكم عِبادةَ مَن خَلَقَكم، وخَلَقَ كلَّ شيءٍ، الذي له القُدرةُ على كلِّ شيءٍ، والعالِم بكلِّ شيءٍ، وتَعلَموا أنَّه المُستَحِقُّ وحْدَه للعبوديَّةِ [1275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/365)، ((تفسير ابن كثير)) (3/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 262)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/436). ؟
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81).
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا.
أي: وكيف أَرهَبُ آلهَتَكم التي أشركتُموها مع اللهِ، وهي عاجزةٌ لا تضرُّ ولا تنفَعُ، بينما أنتُم لا تخافونَ مِن اللهِ الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم، والقادرِ على كلِّ شيءٍ؛ لا تَخافون منه في إشراكِكم به ما لم يُنزِّلْ به عليكم حُجَّةً ولا بُرهانًا [1276] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/365-366)، ((تفسير ابن كثير)) (3/294)، ((تفسير السعدي)) (ص: 262-263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/436-437). ؟!
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
أي: فأيُّ الطائفتينِ أجدَرُ بالأمْنِ والسَّلامةِ؛ الذي عبَدَ مَن بِيَدِه الضُّرُّ والنَّفْعُ، أو الذي عَبَد مَن لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ بلا دليلٍ؟ فإنْ كنتم تعلمونَ صِدْقَ ما أقولُ لكم، وحقيقَةَ ما أحتجُّ به عليكم، فأجيبوني، وأخْبِروني أيُّ الفريقينِ أحَقُّ بالأمْنِ [1277] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/366)، ((تفسير ابن كثير)) (3/294)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/331)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/437). ؟
فقال الله تعالى جوابًا عن سؤالِ إبراهيمَ السَّابقِ، وفاصلًا بين الفريقينِ [1278] وممَّن اختار أنَّها خبرٌ مِن الله تعالى: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/369)، وابنُ كثيرٍ في ((تفسيره)) (3/296). :
الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82).
أي: الذين آمنوا حقًّا، ولم يَخلِطوا إيمانَهم بِشِرْك، هم الآمنونَ من المخاوِفِ في الدارَينِ، السَّالكونَ طريقَ الحَقِّ [1279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/369، 378)، ((تفسير ابن كثير)) (3/294)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/437-439). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي اللهُ عنه، قال: ((لَمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، شقَّ ذلك على أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقالوا: أيُّنا لم يَظلمْ نفسَه؟ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ليس كما تظنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقمانُ لابنِه: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [1280] رواه البخاري (6937) واللفظ له، ومسلم (124). .
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا كان إبراهيمُ عليه السَّلامُ قدِ انتصَبَ لإظهارِ حُجَّةِ اللهِ في التَّوحيدِ، والذَّبِّ عنها، وكان التقديرُ- تنبيهًا للسَّامِعِ على حُسْنِ ما مضَى؛ نَدْبًا لتدبُّرِه-: هذِه مقاولةُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لأبيه وقوْمِه؛ عَطَفَ عليه قولَه، مُعَدِّدًا وجوهَ نِعَمِه عليه، وإحسانِه إليه، دالًّا على إثباتِ النبوَّةِ بعد إثباتِ الوحدانيَّة [1281] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/168). ، فقال:
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ.
أي: وهذه حُجَّتُنا [1282] اختَلف المفسِّرون في الحُجَّة التي أُوتيَها إبراهيمُ عليه السَّلام؛ فذَهب ابنُ جريرٍ إلى أنَّها قولُ إبراهيم لقومِه المشركين: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/379). وذهَب آخَرون إلى أنَّ الحُجَّة هي المناظرةُ كلُّها، بدءًا مِن قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا، وهذا ظاهرُ اختيارِ الواحديِّ في ((الوجيز)) (ص: 363)، واختارَه ابنُ عاشور في ((تفسيره)) (7/334)، والشِّنقيطيُّ في ((العذب النمير)) (1/440-441). أَعطَيْناها إبراهيمَ، وألْهَمْناه، وفَهَّمْناه إيَّاها؛ ليُفْحِمَ بها قومَه، فكان ذلك حيثُ قطَعَ عُذْرَهم، وانقطَعَت حُجَّتُهم، وعلَا بذلك عليهم [1283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/379)، ((تفسير ابن كثير)) (3/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/440-446). .
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء.
كما رَفَعْنا درجةَ إبراهيمَ في الدُّنيا والآخِرَةِ؛ بما آتيناه من تلك الحُجَّةِ التي صَدَعَ بها بالحَقِّ، وقَهَر بها قومَه، فكذلك نرفَعُ مَن نشاء مَنْحَه العِلمَ والحُجَّةَ، درجاتٍ فوقَ العبادِ [1284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/380)، ((تفسير ابن كثير)) (3/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/446-447). .
كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 11].
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
أي: إنَّ ربَّكَ- يا محمَّدُ- حَكيمٌ في سياسَتِه خَلْقَه، وتلقينِه الحُجَجَ لرُسُلِه، وفي غير ذلك من تدبيرِه، عليمٌ بعاقبةِ رُسُلِه والمُرْسَل إليهم، وهو سبحانه لا يَضعُ العِلمَ والحِكْمَةَ إلَّا في المَحَلِّ اللَّائِقِ بهما، وهو أعلمُ بذلك المَحَلِّ، وبما ينبغي له، فيعلَمُ مَن يستحِقُّ الهدايةَ، فيوفِّقُه ويرفَعُه، ومَن يستحِقُّ الضَّلالَ، فيخْذُلُه [1285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/380-381)، ((تفسير ابن كثير)) (3/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/336)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/446-447). .

الفوائد التربوية:


1- في قولِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا أثبَتَ لآلِهَتِهم العجزَ بنَفْيِ الخوفِ المستَلزِم لنفيِ القُدرةِ على الضرِّ، وذلك دالٌّ على أنَّ الله تعالى أهلٌ لِأنْ يُخافَ منه، وكلُّ ذلك تلويحًا لهم بأنَّ العاقِلَ لا يَنبغي له أنْ يُخالِفَ إلَّا من يَأمَنُ ضُرَّه، فهم في مخالفَتِهم للهِ في غايةٍ من الخَطَرِ، لا يرتكِبُها عاقلٌ [1286] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/163). .
2- قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ لهم الأمنُ مِن المخاوفِ والعذابِ والشَّقاءِ، والهدايةُ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ، فإن كانوا لم يلبِسوا إيمانَهم بظُلْمٍ مطلقًا، لا بِشِرْكٍ، ولا بمعاصٍ، حصَل لهم الأمنُ التامُّ، والهدايةُ التامَّةُ. وإنْ كانوا لم يَلبِسوا إيمانَهم بالشِّرْك وحْدَه، ولكنَّهم يَعملونَ السيِّئاتِ، حصَل لهم أصلُ الهِداية، وأصلُ الأمنِ، وإنْ لم يحصُلْ لهم كمالُها، ومفهومُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الذين لم يحصُلْ لهم الأمرانِ، لم يحصُلْ لهم هدايةٌ ولا أمْنٌ، بل حظُّهُم الضَّلالُ والشَّقاءُ [1287] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 263). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1-  قوله تعالى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ فيه أنَّ المُحاجَّةَ في اللهِ تارةً تكون موجِبَةً للمَدْحِ العظيمِ، والثَّناءِ البالغِ، وهي المُحاجَّة التي ذَكَرها إبراهيمُ عليه السَّلام، وذلك المَدْحُ والثَّناء هو قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، وتارةً تكون موجِبَةً للذَّمِّ، وهو قوله: قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ، ولا فَرْقَ بين هذينِ البابَينِ إلَّا أنَّ المُحاجَّةَ في تقريرِ الدِّينِ الحَقِّ توجِبُ أعظَمَ أنواعِ المدحِ والثَّناءِ، والمحاجَّة في تقريرِ الدِّين الباطِلِ تُوجِبُ أعظَمَ أنواعِ الذَّمِّ والزَّجْر [1288] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/48). .
2- قال تعالى حاكيًا عن إبراهيمَ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا إنَّما ذكَر عليه السَّلامُ هذا الاستثناءَ؛ لأنَّه لا يَبعُدُ أنْ يَحدثَ للإنسانِ في مستقبلِ عُمُرِه شيءٌ من المكارِهِ، والحمقى مِن النَّاسِ يحملون ذلك على أنَّه إنَّما حدث ذلك المكروهُ بسبب طعْنِه في الأصنامِ، فذكر إبراهيمُ- عليه الصلاة والسَّلام- ذلك حتى لو أنَّه حدث به شيءٌ من المكاره لم يُحمَلْ على هذا السَّبَب [1289] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/48)، ((تفسير ابن عادل)) (8/256). .
3- في قول إبراهيمَ عليه السَّلامُ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا لَمَّا كان المحذورُ المنفيُّ هنا إنَّما هو خوفُ الضَّرَرِ من آلهَتِهم، وكان حصولُ الضَّرَر لمُخالِفِها بواسطة أتباعِها أو غيرِهم مِن سُنَنِ الله الجاريةِ في عباده؛ اقتصر الخليلُ عليه السَّلامُ على صفة الربوبيَّةِ المقتَضِيَة للرَّأفةِ والرَّحْمةِ والكفاية والحمايةِ، وقد وقع في قِصَّتِه الأمران: إمكانُهم من أسبابِ ضَرَرِه بإيقادِ النَّارِ، وإلقائِهم له فيها، ورحمته بِجَعْلِها عليه بردًا وسلامًا [1290] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/166). .
4- ذَكَرَ تعالى عَقِيبَ الاستثناءِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا سَعَةَ عِلْمِ الله في تعلُّقِه بجميعِ الكوائنِ في قوله تعالى: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فقد لا يُستبعَدُ أن يتعلَّقَ عِلْمُه بإنزالِ المَخُوفِ بي، إمَّا من جِهَتِها إن كان استثناءً متَّصلًا أو مُطْلقًا إن كان منقطِعًا [1291] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/570). .
5- قوله تعالى: أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ فيه تنبيهٌ لهم على غَفلَتِهم- حيثُ عبَدوا ما لا يضرُّ ولا ينفَعُ، وأشركوا بالله- وعلى ما حاجَّهُم به؛ من إظهارِ الدَّلائلِ التي أقامَها على عَدمِ صلاحِيَّةِ هذه الأصنامِ للرُّبوبيَّة [1292] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/570). .
6- فائدةُ عَطْفِ قَولِه تعالى: وَكَيْفَ أَخَافُ على قوله: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ بيانُ أنَّ عدمَ خَوفِه من آلهَتِهم أقلُّ عَجَبًا مِن عَدَمِ خَوْفِهم مِنَ الله تعالى، وهذا يؤذِنُ بأنَّ قَومَه كانوا يَعرِفونَ الله، وأنَّهم أشركوا معه في الإلهيَّة غيرَه؛ فلذلك احتجَّ عليهم بأنَّهم أشركوا بربِّهم المُعْتَرف به دون أن يُنْزِلَ عليهم سلطانًا بذلك [1293] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/330). .
7- قال تعالى: وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ ولم يَقُلْ: (ولا تخافون الله)؛ لأنَّ القومَ كانوا يَعرفونَ اللهَ ويخافونَه، ولكنَّهم لم يخافوا الإشراكَ به [1294] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/331). .
8- قوله تعالى: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَمَّا خوَّفوه في مكانِ الأَمْنِ، ولم يخافوا في مكانِ الخَوْفِ؛ أبرَزَ الاستفهامَ في صورةِ الاحتمالِ، وإن كان قد عُلِم قطعًا أنَّه هو الآمِنُ لا هُم [1295] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/570، 571). .
9- قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ورَدَ تَفسيرُ الظُّلمِ في هذِه الآيةِ بالشِّركِ؛ وذلِك أنَّ الشِّركَ جمَعَ بين الاعترافِ للهِ بالإلهيَّةِ، والاعترافِ لغيرِه بالرُّبوبيَّة أيضًا، ولَمَّا كان الاعترافُ لغيرِ اللهِ تعالى بذلك ظلمًا، كان إيمانُهم باللهِ مَخلوطًا بظُلمٍ، وهو إيمانُهم بغيرِه [1296] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/333). .
10- فَرَّقَ بعضُهم بين الأمْنِ والأمَنَة، فقالوا: الأمنُ يكونُ مع زوالِ أسبابِ الخوف، كقولِه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ، والأمَنَةُ تكونُ مع بقاءِ أسبابِ الخَوفِ، كقَولِه تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [1297] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/389). [الأنفال: 11].
11- خصَّ اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمخاطَبَةِ باسمِ الإحسانِ (رَبَّكَ) في قولِه: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تَنبيهًا على أنَّ حَجْبَه الدَّليلَ عمَّن يَشاءُ لِحِكَمٍ أرادها سبحانه، ففيه تسليةٌ له صلَّى الله عليه وسلَّم [1298] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/169). .
12- قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ مَن عَلَّمَه اللهُ الحُجَجَ، ومُناظراتِ الخُصومِ التي يُثْبِت بها التوحيدَ، ويدفَعُ بها شُبَهَ المُبْطِلينَ؛ أنَّ هذا رَفْعٌ من الله في درجاتِه؛ حيث أَتْبَعَ قولَه: حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيْمَ أتبعَه بقوله: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [1299] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/446). .
13- العِلمُ يَرفَعُ اللهُ به صاحِبَه فوق العبادِ دَرَجاتٍ، خصوصًا العالِمَ العامِلَ المُعَلِّمَ؛ فإنَّه يجعَلُه اللهُ إمامًا للنَّاسِ، بحَسَبِ حالِه؛ تُرمَقُ أفعالُه، وتُقتَفى آثارُه، ويُستضاءُ بِنورِه، قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ كما رَفَعْنا درجاتِ إبراهيمَ- عليه السَّلامُ- في الدُّنيا والآخرةِ [1300] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 263). .
14- دلَّ قولُه: مَنْ نَشَاءُ على أنَّ التكريمَ لا يكونُ لكُلِّ أحدٍ؛ لأنَّه لو كان حاصلًا لكُلِّ النَّاسِ لم يحصُلِ الرَّفْعُ ولا التفضيلُ [1301] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/336). .
15- قُدِّمَ حَكِيْمٌ على عَلِيْمٌ؛ لأنَّ هذا التفضيلَ مُظهِرٌ للحِكمةِ، ثمَّ عَقَّبَ بـعَلِيمٌ؛ ليشيرَ إلى أنَّ ذلك الإحكامَ جارٍ على وَفْقِ العِلْمِ [1302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/336). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ
حُذِفَ مُتعَلِّقُ (حاجَّهُ) لدلالةِ المقام، ودلالةِ ما بعده عليه مِن قَوْلِه: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ الآيات [1303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/326). .
- قوله: قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ الاستفهامُ للإنكارِ عليهم، وتأييسٌ من رجوعِه إلى معتقَدِهم [1304] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/327). .
- قوله: وَقَدْ هَدَانِ حال من ياءِ المتكَلِّم في أَتُحَاجُّونِّي مؤكِّدةٌ للإنكارِ؛ فإنَّ كونَه عليه السَّلامُ مَهدِيًّا من جهةِ الله تعالى ومؤَيَّدًا من عنده ممَّا يوجِبُ استحالةَ مُحاجَّتِه عليه السَّلامُ، أي: لا جدوى لِمُحاجَّتِكم إيَّاي بعد أنْ هداني اللهُ إلى الحقِّ، وشأنُ الحالِ المؤكِّدةِ للإنكارِ أن يكونَ اتِّصافُ صاحِبِها بها معروفًا عند المخاطَبِ؛ فنزَّلَهم إبراهيمُ عليه السَّلامُ في خطابِه منزلةَ مَن يعلمُ أنَّ اللهَ هداه؛ كنايةً على ظهورِ دلائلِ الهدايةِ [1305] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/154)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/327). .
2- قوله: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
- قوله: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إمَّا معطوفٌ على أَتُحَاجُّونِّي فيكونُ إخبارًا، أو على جملةِ وَقَدْ هَدَانِ فيكونُ تأكيدًا للإنكارِ، وتأكيدُ الإنكارِ بها أظهر منه لقوله: وَقَدْ هَدَانِ؛ لأنَّ عدمَ خوفِه من آلِهَتِهم قد ظهرتْ دلائِلُه عليه، فقومه إمَّا عالِمون به، أو مُنَزَّلون منزلةَ العالِم [1306] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/328). .
- في قوله تعالى: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا توكيدُ الفعلِ يَشَاءَ بقوله: شَيْئًا، وهو مَنصوبٌ على أنَّه نائبٌ عن المصدَرِ، أي: مَشيئةً؛ تقديرُه: إلَّا أنْ يَشاءَ ربِّي شيئًا مِنَ المَشيئةِ؛ لأنَّ الكلامَ المؤكَّد أقْوَى وأثبَتُ في النَّفْسِ من غيرِ المؤَكَّدِ [1307] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/513)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/21). .
- قوله: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا استثناءٌ مِمَّا قبله؛ فإنَّه لَمَّا نفَى أنْ يكونَ يَخافُ إضرارَ آلهَتِهم، وكان ذلك قدْ يَتوهَّم منه السَّامعونَ أنَّه لا يَخافُ شيئًا، استدرَكَ عليه بما دَلَّ عليه الاستثناءُ المنقَطِع، أي: لكنْ أخافُ مَشيئةَ ربِّي شيئًا مِمَّا أخافُه، فذلِك أخافُه، وفي هذا الاستدراكِ زِيادةُ نكايةٍ لقومِه؛ إذ كان لا يَخافُ آلِهَتهم في حين أنَّه يَخْشَى ربَّه المُستَحِقَّ للخَشيةِ إنْ كان قومُه لا يَعترِفون بربٍّ غيرِ آلهتِهم [1308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/328). .
- قوله: أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ استفهامٌ معناه الإنكارُ عليهم؛ لعَدَمِ تذكُّرِهم، مع وُضوحِ دَلائلِ التذكُّرِ، والمرادُ التذكُّر في صِفاتِ آلهتِهم المنافِيَةِ لِمَقامِ الإلهيَّةِ [1309] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/329). .
3- قوله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
- الاستفهامُ بـكَيْفَ استفهامٌ إنكاريٌّ تعجُّبيٌّ مِن تخويفِهم إيَّاه بما لا يُخيف؛ فمعناه التعجُّبُ، وإنكارُ الوقوعِ، ونَفْيُه بالكليَّة، كأنَّه تعجَّبَ من فَسادِ عُقولِهم؛ لأنَّهم دَعَوْه إلى أنْ يَخافَ بأسَ الآلهةِ؛ حيثُ خوَّفوه خَشَبًا وحِجارةً، لا تضرُّ ولا تنفَعُ، وهم لا يَخافونَ عُقْبى شِرْكِهم باللهِ، وهو الذي بيدِه النَّفْعُ والضُّرُّ، والأمرُ كلُّه [1310] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/570)، ((تفسير ابن عادل)) (8/257)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/330)، ((تفسير المنار )) لمحمد رشيد رضا (7/481). .
- وقد حَذَفَ متعَلِّق الشِّرْك في مَقامِ إنكارِ خوفِه من شركائِهم، وذَكَرَه بعدَه في مقامِ إنكارِ عَدَمِ خَوْفِهم مِن شِرْكِهم؛ فقال: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا؛ لأنَّ الحاجةَ إلى بَيانِ عَدَمِ وجودِ السُّلطانِ- أي الدَّليل- على هذا الشِّرْك إنَّما يُحتاجُ إليه في مقامِ إسنادِه إليهم، والتعجُّبِ مِن عَدَمِ خَوفِهم سوءَ عاقِبَتِه، ما لا يُحتاجُ إليه في مقامِ إنكارِه هو كلَّ حالٍ يُمكِنُ أن تُدعَى لخَوفِه من شركائِهم، فهو يُثْبِت بذلك الإطلاقِ أنَّه لا يُمكِن أن توجَدَ حالٌ ولا صفَةٌ للخوفِ مِمَّا أشركوه، فلو عَدَلَ عنه إلى تقييدِ إنكاره بما ذُكِرَ؛ لَفاتَ بهذا القَيدِ ذلك العمومُ البليغُ، وذهَبَ ذِهْنُ السَّامعين إلى أنَّه سيخاف إذا ظهَرَ له دليلٌ على صحَّةِ دعواهم، وهم قومٌ مُقَلِّدون يعتقدونَ أنَّه لا بدَّ من وجود أدلَّةٍ تُثْبِت صحَّةَ اعتقادِهم، وإن لم يَعْرِفوها أو يَقْدِروا على بيانِها لِخَصْمِهم، وأمَّا ذِكْر هذا المتعَلَّق في مقامِ الإنكارِ التعجُّبي مِن عَدَمِ خَوْفِهم فهو ضروريٌّ، لأنَّه تذكيرٌ لهم عند ذِكْر عقيدَتِهم بأنَّهم لا عُذْرَ لهم بالجَهْلِ ببطلانِها؛ لأنَّه لا دليلَ لهم عليها [1311] يُنظر: ((تفسير المنار )) لمحمد رشيد رضا (7/481). .
- قوله: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ الاستفهامُ للتَّقريرِ بأنَّ فريقَه هو وحْدَه أحقُّ بالأمْنِ [1312] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/331). .
- وقال: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، ولم يقل: (فأيُّنا أحقُّ بالأمْن أنا أم أنتُم)؛ احترازًا مِن تزكيَتِه نفسَه، فعدَل عنه إلى قولِه: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني: فريقَيِ المشركين والموَحِّدينَ، ويحتمل أن يكونَ العدولُ إلى ذلك؛ ليعُمَّ بالأمنِ كلَّ موحِّدٍ، وبالخوفِ كلَّ مُشْركٍ، ويندرجُ هو في حُكم الموحِّدينَ، وقومُه في حُكْمِ المشركينَ؛ فتكونُ نكتةُ عُدولِه عن قولِ: (فَأَيُّنَا أحقُّ بالأمْنِ)، إلى قَوْلِه: فأيُّ الْفَرِيْقَيْنِ هي بيانَ أنَّ هذِه المقابَلَةَ عامَّةٌ لكُلِّ موحِّدٍ ومُشْرِكٍ، منُ حيثُ إنَّ أحَدَ الفَريقينِ مُوَحِّدٌ والآخَرَ مُشرِكٌ، لا خاصَّةً به وبهم؛ فهي متضمِّنةٌ لعِلَّةِ الأَمنِ، وأحسنُ الجوابِ ما أفادَ وزاد [1313] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- مع الحاشية)) (2/42)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/482). . وقيل: إنَّ اسمَ التَّفضيلِ أَحَقُّ على غَيرِ بابِه؛ فالمرادُ أيُّنَا الحقيقُ بالأَمْنِ، ولكنَّه عبَّرَ باسمِ التَّفضيلِ ناطقًا في استنزالِهم عن مُنتهى الباطِلِ- وهو ادِّعاؤُهم أنَّهم هم الحقيقونَ بالأمْنِ، وأنَّه هو الحقيقُ بالخوف- إلى الوَسَطِ النَّظريِّ بين الأمرَينِ، وهو (أيُّ الفَريقينِ أحقُّ)، واحترازًا عن تَنفيرِهم من الإصغاءِ إلى قولِه كُلِّه [1314] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/482). ، وإنَّما جِيءَ بصِيغة التَّفضيلِ أَحَقُّ المُشعِرَةِ باستحقاقِهم له في الجُملةِ؛ لاستنزالِهم عن رُتبةِ المكابرةِ والاعتِساف، بسَوْقِ الكلامِ على سَننِ الإنصاف [1315] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/156). .
4- قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ على القولِ بأنَّ هذه الجُملةَ مِن حِكايةِ كلامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فيكون جوابًا منه عن قولِه: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؛ تولَّى جوابَ استفهامِه بنَفْسِه، ولم يَنتظرْ جوابَهم؛ لكونِ الجوابِ ممَّا لا يَسعُ المسؤولَ إلَّا أن يُجيبَ بمِثْله، وهو تبكيتٌ لهم. وعلى القول بأنَّه كلامٌ مُستأنَفٌ مِن الله تعالى؛ لابتداءِ حُكمٍ، فتكونُ الجملةُ مُستأنفةً استئنافًا ابتدائيًّا؛ تصديقًا لقولِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ [1316] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/331- 332). .
- والإشارة بـأُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ؛ للتَّنْبيهِ على أنَّ الموصولَ المُسْنَدَ إليه الَّذِينَ في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ جَدِيرٌ بالمُسْنَدِ في لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ مِن أجْلِ ما تقدَّمَ من أوصافِ المُسْنَدِ إليه، وهو وصْفُهم بالإيمانِ الخالِصِ عن شَوْبِ الشِّركِ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، وإيذانًا بأنَّهم تميَّزوا بذلِك عن غيرِهم، وانْتَظَموا في سلكِ الأمور المشاهَدة [1317] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/156)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/333). .
- وما في الإشارةِ بـأُولَئِكَ مِن معنى البُعدِ؛ للإشعارِ بعُلوِّ درجتِهم، وبُعدِ منزلتِهم في الشَّرفِ [1318] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/156). .
- وقوله: لَهُمُ الْأَمْنُ أشارَتِ اللامُ إلى أنَّ الأمْنَ مُختصٌّ بهم وثابتٌ، وهو أبلغُ مِن أن يُقالَ: آمنونَ [1319] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/333). .
5- قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
- قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ: أضاف الحُجَّةَ إليه تعالى على سَبيلِ التَّشريفِ، ولِلتَّنويهِ بِشَأنِها وَصِحَّتِها [1320] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/572)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/335). .
- قوله: عَلَى قَوْمِهِ فيه تشبيهُ الغالِبِ بالمستعْلِي، المتمكِّنِ مِن المغلوبِ [1321] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/335). .
- قوله: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فيه إيثارُ صيغةِ الاستقبالِ نَرْفَعُ؛ للدَّلالةِ على أنَّ ذلك سُنَّةٌ مستمِرَّةٌ جارِيَةٌ فيما بين المُصطَفَينَ الأخيارِ، غيرُ مختصَّةٍ بإبراهيمَ عليه السَّلامُ [1322] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/157). .
- وعلى قراءة (يَرْفَعُ) بالياء، يكون فيه التفاتٌ [1323] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/157). .
- وتقديمُ دَرَجَاتٍ وتأخيرُ المفعولِ مَنْ نَشَاءُ للاعتناءِ بالمقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ [1324] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/157). .
- والإتيانُ بصيغَةِ الجَمعِ في دَرَجَاتٍ باعتبارِ صَلاحِيَّةِ مَنْ نَشَاءُ لأفرادٍ كثيرينَ، متفاوِتينَ في الرِّفعةِ [1325] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/336). .
- قوله: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ جملةٌ مستأنفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ قَوْلَه: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ يُثير سؤالًا، يقول: لِماذا يُرفَعُ بعضُ النَّاسِ دون بعضٍ، فأُجِيبَ بأنَّ اللهَ يَعلمُ مُستحِقَّ ذلك ومِقدارَ استحقاقِه، ويخلُقُ ذلك على حَسَب تعلُّق عِلْمِه [1326] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/336). .
- ويحتملُ أنْ يكونَ الخِطابُ في قوله: إِنَّ رَبَّكَ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويحتَملُ أنْ يكونَ المرادُ به إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ فيكونُ من بابِ الالْتِفاتِ، ويكونَ الخروجُ مِن ضميرِ الغَيبةِ إلى ضميرِ الخِطابِ على سبيلِ التَّشريفِ بالخِطابِ [1327] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/573). .