موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآية (176)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ

غريب الكلمات:

يَسْتَفْتُونَكَ: يَسألُونَك عن بيانِ الحُكم، ويَطلُبون الفتوى، والفُتيا والفتوى هي الجوابُ عمَّا يُشكِل من الأحكام، وأصل (فتي): تَبيين حُكم يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/473، 474)، ((المفردات)) للراغب (ص: 625). .
الْكَلَالَةِ: هو الرَّجُل يموت ولا ولدَ له ولا والدَ، مصدرٌ من تَكلَّله النَّسَب, أي: أحاط به؛ فالابنُ والأبُ طرفانِ للرَّجُل, فإذا مات ولم يُخلِّفْهما, فقد مات عن ذَهاب طَرفَيْه, فسُمِّي كلالةً؛ لذَهاب طرفيه المحيطينِ به يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1 /121)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /390)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5 /121)، ((التبيان)) لابن الهائم (1 /136- 137). .
هَلَكَ: ماتَ، وأصل (هَلَكَ): يدلُّ على كَسرٍ وسُقوطٍ؛ ولذلك يُقالُ للميِّت: هَلَكَ يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/62)، ((المفردات)) للراغب (ص: 844)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 104). .
حَظِّ: نصيب مقدَّر، وأصل حظظ: النَّصِيبُ والجَدُّ يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /186)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2 /14)، ((المفردات)) للراغب (1 /243)، ((التبيان)) لابن الهائم (1 /136). .
تَضِلُّوا: تَعدِلُوا عن الطريقِ المستقيم، وأصلُ الضلال: خِلافُ الهُدى، وضَياعُ الشيءِ وذَهابُه في غيرِ حقِّه يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/356) و(6/42)، ((المفردات)) للراغب (ص: 509). .

المعنى الإجمالي:

يقولُ الله تعالى لنبيِّه: يَسألُك أصحابك أن تُبيِّن لهم الحُكم الشرعيَّ في توريث الكلالة، وهو مَن مات وليس له ولدٌ ولا والدٌ يرثه، فقل لهم يا محمَّد: إنَّ الله تعالى هو الذي يفتيكم في ذلك؛ إذا مات شخصٌ ولم يترك والدًا، ولا أولادًا- لا مِن الذُّكور ولا الإناث- وترك أختًا شقيقةً أو لأبٍ؛ فإنَّ نَصيبَها من الميراث في هذه الحالة هو النِّصف، فإذا ماتت الأخت قبل أخيها ولم يكُن لها ولدٌ- ذكرًا كان أو أُنثى- ولا والدٌ يَرثانِها ورث مالَها كلَّه ، فإنْ كان معه صاحبُ فرضٍ- كزوجٍ- أَخَذ فَرْضَه، وما بقِي فلأخِيها.
ثم ذكَر صُورتين أُخريين فقال: فإنْ كانتَا أُختين فأَكْثَر، فإنَّ لهما ثُلُثَيْ ما يترُك أخوهما، وإنْ كان الورثةُ لهذا الأخ المتوفى إخوة سواء كانوا ذكورًا وإناثًا، فيأخذ الذَّكرُ مثلَ نَصيبِ اثنتين من الأخواتِ، يُبيِّن الله أحكامَه للنَّاس؛ حتى لا يَضلُّوا، والله بكلِّ شيءٍ عليمٌ.

تفسير الآية:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)
عن البَراءِ رضي اللهُ عنه قال: (آخِرُ سورةٍ نزلَتْ: بَراءةٌ، وآخِرُ آيةٍ نزلَتْ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) رواه البخاري (4605). .
وعن عُمرَ رضي الله عنهما، قال: ((إنِّي لا أَدَعُ بعدي شيئًا أهمَّ عندي من الكَلَالَة، ما راجعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في شيءٍ ما راجَعْتُه في الكَلَالَة، وما أَغْلَظَ لي في شيءٍ ما أَغْلَظَ لي فيه، حتى طَعَنَ بإصبعِه في صدري، فقال: يا عمرُ، ألَا تَكْفيك آيةُ الصَّيْفِ التي في آخِرِ سورةِ النِّساء؟ وإنِّي إنْ أَعشْ أَقْضِ فيها بقضيةٍ، يَقضي بها مَن يقرأُ القُرآنَ ومَن لا يقرأُ القرآنَ )) رواه مسلم (567). .
سبب النُّزول:
عن جابرِ بن عبد الله رضي الله عنه، قال: ((مرضتُ فأتاني رسولُ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ وأبو بكرٍ يُعوداني ماشيينِ، فأُغمي عليَّ، فتوضَّأ ثم صبَّ عليَّ من وَضوئِه فأَفقتُ، قلت: يا رسولَ الله، كيف أَقضي في مالي؟ فلمْ يردَّ عليَّ شيئًا حتى نزلتْ آيةُ الميراث : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)) رواه البخاري (6723)، ومسلم (1616) واللفظ له. .
يَسْتَفْتُونَكَ
أي: يَطلُب الصحابةُ منك- يا محمَّدُ- إخبارَهم عن الحُكم الشرعيِّ للكَلالة يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/713)، ((تفسير ابن كثير)) (2/482)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/535). .
قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ
أي: قُلْ لهم- يا محمَّد-: الله عزَّ وجلَّ هو الذي يُخبركم عن حُكم الكَلالة، أي: عمَّن مات وليس له ولدٌ- ذكرًا كان أو أُنثى- ولا والدٌ يَرِثُه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/713)، ((تفسير ابن كثير)) (2/482)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/535). قال ابن كثير: (قال ابن جرير: وقد رُوي عن عُمرَ رضي الله عنه، أنه قال: (إنِّي لأستحي أن أُخالِفَ فيه أبا بكر). وكان أبو بكر رضي الله عنه، يقول: هو ما عدَا الولدَ والوالد. وهذا الذي قاله الصِّدِّيق عليه جمهورُ الصَّحابة والتابعين والأئمَّة، في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمَّة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدلُّ عليه القرآن، كما أرشد الله أنَّه قد بيَّن ذلك ووضَّحه في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ((تفسير ابن كثير)) (2/487). .
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ
أي: إذا مات إنسانٌ وليس له ولدٌ- ذكرٌ أو أُنثى- ولا والدٌ، وله أختٌ شقيقةٌ أو لأبٍ، فإنَّها ترِثُ نِصفَ متروكات أخيها، مِن نقود وعَقار وأثاثٍ، وغير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/713)، ((تفسير ابن كثير)) (2/482-483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/536-537). .
وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ
أي: إنَّ الأخَ الشَّقيقَ أو لأبٍ يرِثُ جميعَ ممتلكاتِ أُخته إذا ماتتْ ولم يكن لها ولدٌ، ولا والد يَرِثها، فإنْ فُرِضَ أنَّ معه مَن له فرض- كزوجٍ، أو أمٍّ، أو أخٍ من أمٍّ-، صُرِفَ إليه فَرْضُه، وصُرِفَ الباقي إلى الأخِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/724)، ((تفسير ابن كثير)) (2/484)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/537-538). .
 فعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقِيَ فهو لأَوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ )) رواه البخاري (6732)، ومسلم (1615). .
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ
أي: فإنْ كان لِمَن يموت كلالةً، أُختان شقيقتان أو لأبيه، فلهما ثُلُثَا ما ترَك أخوهما، وكذا ما زاد على الأُختين، فله حُكمهما يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/724-725)، ((تفسير ابن كثير)) (2/484)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217). .
وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
أي: وإنْ كان للميِّت إخوةٌ من الذكور والإناث، فنصيبُ الذَّكر منهم من التركة مِثلُ نصيب اثنتين من أَخواتِه، وذلك إذا كان الميِّت يُورَث كلالةً, وكان إخوته وأخواته شقيقات أو لأبيه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/725)، ((تفسير ابن كثير)) (2/484)، ((تفسير السعدي)) (ص: 217). قال القرطبيُّ في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ... [النساء: 12] : (ذكَر الله عزَّ وجلَّ في كِتابه الكلالة في موضعين: آخِرَ السُّورة، وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثًا غير الإخوة؛ فأمَّا هذه الآية فأجمع العلماءُ على أنَّ الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأم، لقوله تعالى: فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ، وكان سعد بن أبي وقَّاص يقرأ: (وله أخٌ أو أخت من أُمِّه)، ولا خلافَ بين أهل العلم أنَّ الإخوة للأب والأمِّ أو الأب ليس ميراثُهم كهذا؛ فدلَّ إجماعهم على أنَّ الإخوة المذكورين في آخِر السورة هم إخوةُ المتوفَّى لأبيه وأمِّه أو لأبيه؛ لقوله عزَّ وجلَّ: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 176] ، ولم يختلفوا أنَّ ميراثَ الإخوة للأمِّ ليس هكذا؛ فدلَّت الآيتانِ أنَّ الإخوة كلَّهم جميعًا كلالة) ((تفسير القرطبي)) (5/78). .
يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
أي: يبيِّن الله تعالى لكم أحكامَه، ومنها قِسمة مواريثكم, وحُكم الكلالة فيها؛ كيلَا تضلُّوا في أمْر المواريث وقِسمتها، فتجوروا عن الحقِّ, وتُخطئوا الصواب يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/725)، ((تفسير ابن كثير)) (2/485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218). .
وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
أي: إنَّ الله تعالى عالِمٌ بجميع الأشياء، وما فيه المصلحةُ لعِباده، ومن ذلك: قِسمة مواريثِهم وما يستحقُّه كلُّ واحدٍ من أقرباء المتوفَّى، ويعلم أيضًا حاجتَهم إلى العِلم والبيان يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/726)، ((تفسير ابن كثير)) (2/485)، ((تفسير السعدي)) (ص: 218). .

الفوائِد التربويَّة :

في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا الحثُّ على العِلم بالرجوع إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّنا لا نعلم بيانَ اللهِ عزَّ وجل إلَّا عن طريق الكتاب والسُّنَّة، وكل إنسان يفرُّ من الضلال ويُريد البيانَ والهدى، فنقول: طريق ذلك أن تَحرِصَ على اتِّباع الكتاب والسُّنَّة يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/543). .

الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قد يُشكل عليه بعضُ الشيء، فيُفتي اللهُ تعالى به؛ لقوله: قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ولم يقُلْ: فأفْتِني فأَفْتيَهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/540). .
2- في قوله تعالى: قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ: إطلاقُ الإفتاء على الله، وهذا فِعلٌ من الأفعال، وإنْ كان هو قولًا، ويجوزُ أن نشتقَّ منه وصفًا لله، ولا يجوز أن نشتقَّ من ذلك اسمًا لله؛ لأنَّ الوصف أوسعُ وأعم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/540). .
3- أنَّ ترتيب الآيات توقيفيٌّ، ووجه ذلك: أنَّ هذه الآية لها صِلةٌ بآيات المواريث التي في أوَّل السورة، ولو كان اجتهاديًّا، لكان مقتضى الاجتهاد أن تُربط مع أخواتها، وأنْ تُذكر هناك، لكن لَمَّا كان ترتيبُ القرآن توقيفيًّا في آياته، صار محلُّها هنا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/540). .
4- المراد بالأخت في قوله تعالى: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ الأخت الشقيقة أو التي للأب فقط، بقرينة مخالفة نَصيبها لنصيبِ الأُخت للأمِّ المقصودة في آية الكلالة الأُولى، وبقرينة قوله: وَهُوَ يَرِثُهَا؛ لأنَّ الأخ للأمِّ لا يرث جميعَ المال إنْ لم يكن لأخته للأمِّ ولدٌ؛ إذ ليس له إلَّا السُّدُسُ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/66). .
5- أنَّ الميراث يَدخُل في ملك الوارث شاءَ أم أبى، وتُؤخذ من قوله: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، وقوله: فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ؛ فاللَّام للتَّمليك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/542). .
6- أنَّ الرقيق المملوك لا يَرِث، وتُؤخذ من اللام التي هي للتمليك في قوله: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، وقوله: فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ونحوهما؛ إذ إنَّ العبد المملوك لا يملك، فالعبدُ المملوك مُلكُه لسيِّده، ولأنه لو وَرِث الأخ من أخته إذا كان رقيقًا، لكان حقيقة الأمر أنَّ سيِّدَه هو الذي ورِثَ، وهو أجنبيٌّ منها يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/542). .
7- تفضيل الذَّكَر على الأُنثى في التَّعصيب؛ لقوله: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ والحِكمة: فضل الذُّكورة على الأُنوثة؛ ولأنَّ الذَّكر عليه مُتطلَّبات في الحياة من نكاح، وإنفاق على غيرِه، وغير ذلك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/542). .
8- الردُّ على أهل التفويض في صِفات الله عزَّ وجلَّ، الذين يقولون: إنَّنا لا نعلم معانيَ صفاته عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه إذا لم نعلمْ، لزِمَ من ذلك أنْ لا بيانَ في القرآن، والله عزَّ وجلَّ يقول: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا، ولأنَّ الضلال في باب الصفات أعظمُ من الضلال في باب الأحكام؛ لأنَّ الضَّلال في باب الصِّفات يَتعلَّقُ بالخالق عزَّ وجلَّ، والضلال في الأحكام إنَّما هو في العِبادة، وبينهما فَرْقٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/543). .
9- قال تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ النُّكتة في الاكتِفاء بنَفْي الولد، وعدم اشتراط نفْي الوالد في الآية، مع أنَّه لا بدَّ من كونه- أيضًا- لا والدَ له، تظهر بوجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّه داخلٌ في مفهومِ الكلالة لُغةً.
الوجه الثَّاني: أنَّ الأكثر أنَّ الإنسان يموت عن تَرِكة، بعد موت والديه؛ لأنَّ المال الذي يتركُه إمَّا أن يكون وَرِثه منهما، وإمَّا أن يكون اكتسبه، وإنَّما يكون الكسبُ في سِنِّ الشباب والكهولة، ويقلُّ في هذه الحال بقاءُ الوالدين، فلمْ يُراعَ في الذِّكر إيجازًا.
الوجه الثالث- وهو العُمدة-: أنَّ عدم إرث الإخوة والأخوات مع الوالد الذي يُدلون به قدْ عُلِم من آيات الفرائض التي أُنزلت أولًا وتَقدَّمت في أوائل السورة، ومضَتِ السُّنَّة في بيانها، والعمل بها على ذلِك، وعُلم أيضًا من القاعدة القياسيَّة المأخوذةِ من تلك الآيات، ومِن هذه الآية، وهي كونُ الأصل في الإرث أن يكونَ للذَّكَر مِن كلِّ صِنف مِثلُ حظِّ الأُنثيين، ومن قاعدة حَجْب الوالد لأولادِه يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/89). .
10- قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ عبَّر بالعدد، فقال: اثْنَتَيْنِ دون (أختين)؛ لأنَّ الكلام في الإخوة، والعِبرة في الفَرْض بالعدد يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/91). .
11- من مباحث اللَّفظ والأسلوب في الآية: أنَّها تدلُّ على أنَّ المعلوم من السِّياق له حُكمُ المذكور في اللَّفظ، حتَّى في إعادة الضمير عليه؛ فلا يَتعيَّن تقديرُ لفظ المرء في بيان مرجِع ضَمير وَهُوَ يَرِثُهَا، بل يصحُّ أن نقول: إنَّ المعنى: وهو، أي: أخوها، يرِثها... إلخ، ومثله قوله: فَإِنْ كَانَتَا: وَإِنْ كَانُوا يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/92). .
12- قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ الآية الأخيرة (هذه) ذيلٌ للسورة في فتوى متمِّمة لأحكام الفرائض التي في أوائلها، وأمَّا فائدة الأحكام أو المسائل التي تُجعل ذيلًا أو مُلحًقا لكتاب أو قانون؛ فهي أنَّ الذهن يتنبهَ إليها أفضلَ تنبُّهٍ، فلا يَغفُل عنها كما يَغفُل عمَّا يكون مندمجًا في أثناء أحكام أو مسائل كثيرة من ذلك النوع، فكأنَّ جَعْل هذه الآية مفردةً على غير فواصل السورة يُراد به توجيهُ النفوس إليها؛ لئلَّا تغفل عنها يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/95). .

بلاغة الآية:

1- قوله: يَسْتَفْتُونَكَ: عبَّر بصيغة المضارع؛ لأنَّ شأن السُّؤال يتكرَّر، والتعبيرُ بصيغة المضارع في مادَّة السؤال طريقةٌ مشهورة، فشاع إيرادُه بصيغة المضارع، نحو: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [البقرة: 189] ، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ [البقرة: 219] ، وقد يغلب استعمالُ بعض صِيغ الفعل في بعض المواقع، ومنه غَلبةُ استعمال المضارع في الدُّعاء في مقام الإنكار: كقول عائشة رضي الله عنها: (يَرْحَمُ اللهُ أبا عبد الرحمن) رواه البخاري (1775)، ومسلم (1255). - تعني: ابن عمر. وقولهم: (يغفر الله له)، ومنه غلبة الماضي مع لا النافية في الدعاء إذا لم تُكرَّر (لا)، نحو: فلا رجَعَ. على أنَّ (الْكَلَالَةِ) قد تكرَّر فيها السؤال قبل نزول الآية وبعدَها يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/64). .
2- قوله: قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ: فيه تقديمُ المسنَد إليه اللهُ؛ للاهتمام لا للقَصر؛ إذ قد عَلِم المستفتون أنَّ الرسول لا يَنطِق إلَّا عن وحيٍ؛ فإنهم لَمَّا استفتوه فإنما طلبوا حُكم الله، فإسناد الإفتاءِ إلى الله تنويهٌ بهذه الفَريضة يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/66). .
3- قوله: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ: فيه إيجازٌ بالحذف؛ إذ التَّقدير: (ويرث الأختَ امرؤٌ إن هلكت أخته ولم يكن لها ولد)، وعُلم معنى الأخوة من قوله: وَلَهُ أُخْتٌ، وهذا إيجازٌ بديع، ومع غايةِ إيجازِه فهو في غايةِ الوضوحِ يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/67). .
4- قوله: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: قوله: أَنْ تَضِلُّوا أصله (لئلَّا تَضِلُّوا)، حُذفت منه اللام و(لا)، وهو تعليلٌ لـ(يبين)، والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه؛ لأنَّ البيان يُنافي التضليل، فحُذفت (لا) النافية، وحَذْفها موجودٌ في مواقِع من كلامِهم إذا اتَّضح المعنى يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (6/67). .